رواية النغم الحزين الفصل التاسع 9 بقلم فاطيما يوسف



رواية النغم الحزين الفصل التاسع بقلم فاطيما يوسف  



تقدَّم أيها الفتى المغوار وانهل من قربها و رحيقها الفتَّان،

فالعشق ساحةُ قتالٍ لا يخرج منها القلب إلا غالبًا أو مكسورَ الجَنان،

إن أقبلتَ عليه ألبسك الشوق تاجًا وأوقد فيك نارَ الشوق والحنين،

وإن أدرتَ له ظهرك لاحقك حتى آخر النبض وآخر الأمان،

هو وعدٌ بالخلود وإن كان طريقه تعبًا وحرمان،

وفيه يُولد الإنسان من ضعفه قويًّا،

فالعشق امتحانُ القلوب، فهو إمّا حياةٌ تُعاش، أو وجعٌ يُعاش له، تقدم ولا ترضى لقلبك الهوان.

#بقلمي_فاطيما_يوسف✍️✍️✍️


قبل ما يسافر "سند" جت "جليلة" الدوار عندهم علشان يتفق معاها، كانت قاعدة قدامه وهي مرعوبة من نظراته المليانة جمود، وخصوصاً إن بنت خالتها قالت لها إنه عرف كلامها مع اهل البلد، فبدأ كلامه :

ـ مش خابر أعرِفك إن الشغل في بيت "سند الناجي" غير وخصوصي إني دريت إن لسانك طويل وهيفشي في ودان البلد كلاتها بس هنعمل ايه ملقينش غيرك وعلى ما ندوِر على واحدة تانية معايزش منك غير السمع والطاعة ويسبقهم الأمانة .


"جليلة" أول ما سمعت إن الشغلانة اللي بتحلم بيها من زمان ممكن تضيع من ايديها وخصوصاً إن بنت خالتها بتحكي لها عن الهنا والعز اللي بتشوفه في البيت ده، وكرم "سند"

وأبوه اللي مغرقها هي وعيالها من أكل وشرب كسوة ومال، اترجته بلهفة:

ـ والله العظيم يا سي "سند" بيه إني هبقى من يدك داي ليدك داي ، مش هقول غير سمعا وطاعة ومهيهمنيش الا رضاك عني، وجربني إن لقيت مني غير اكده يُبقى بأدب، بس سايق عليك متمشنيش من الشغل اهنه اني محتجاه قوي. 


بص لها بمغزى وهو بيطلب منها:

ـ تمام هجربك، هاتي لي ودنك معاي وافهمي زين اللي رايدَه منيكي وهتلاقيني بتصل بيكي في اي وقت علشان أشوفك هتعملي اللي هطلبه منك زين ولا لااه وإن عجبتيني ولقيتك مخلصة وعندك همة في اللي هطلبه منيكي يُبقى هتشوفي الخير كلاته على يدي ، اما لو قليتي وياي وقتها هتشوفي وش عمرك ما شفتيه . 


حركت راسها بطاعة ووعدته:

ـ يمين الله لو قلت لي ارمي نفسك في النار هعملها يا سي "سند" بيه وإن ما كنت أبقى يدك اليمين اهنه مبقاش "جليلة" بصُح . 


رفع حاجبه بانتصار وطلب منها:

ـ هتطلعي من النجمة لدوار أم "مازن" هتستلمي الشغل فيه لحد ما أعاود من سفريتي وبعدها هتاجي لدوار أم "محمد" ولما أرجع تكوني شفتي واحدة زينة وأمينة علشان تكمل مع أم "مازن" ، وقت ما أكلَمك في التليفون تردي علي بَعيد عن أي حد واللي هطلبه منيكي دلوك تنفذيه بالحرف الواحد من غير ما أي حد يدرى بيكِ ولا باللي هتعمليه واصل، معايزش مخلوق في الدوار كلاته يشك فيكي وفي اللي بطلبه منيكي ، ويمين بعظيم إن حد دري بحاجة واصل ولا حتى بت خالتك لا هقطـ.ـع لسانك خالص . 


حركت راسها بطاعة وهي بتركز في كلامه كويس وأكدت عليه :

ـ طب والله العظيم لا هرفع راسك ومهتلاقيش حد في نباهتي ولا في ذكاوتي وانت هتجرِبني وهتشوف . 


حك دقنه وبدأ يطلب منها هتعمل ايه بالظبط وهي مركزة في كلامه كويس وبعد ما أخلص معاها طلب منها تدخل تشوف طلبات ابوه ووصاها عليه وسمعت الكلام ونفذته، أما هو مسك موبايله وفتح الواتساب علشان يكلم "دعاء" ويعرفها اللي في دماغه وايده تلقائي راحت على الحالات بص لقى بنته منزلة حالة وهي بشعرها وبترقص وتغني مع أغنية، اتجنن من اللي شافه وطلع لعندهم تاني لقى نفس الحوار البيت هادي ومفيش صوت ، دخل على أوضة "دعاء" بهدوء وصحاها من النوم :

ـ ايه دي انت لسه مسافرتش عاد؟


جاوبها بغضب جحيمي وصوت واطي علشان الولاد ميسمعوش :


ـ ايه مهدودة طول النهار في شغل البيت ونايمة من المغرب يا هانم وسايبة بتك تعمل اللي على كيفها؟!

ماهي ملقياش رقيب ولا حسيب عليها فتعمل ما بدالها عاد . 


نفخت بضيق وهي بتحاول تفتح عيونها بالعافية:

ـ يا ساتر يارب عِملت ايه إن شاء الله تاني ، انت راجع على فجأة أها لاقي البيت هادي وهي هتلاقيها بتذاكر جوة في أوضتها وروح اتوَكد بنفسك. 


ضحك باستهزاء على اللامبالاة اللي هي عايشة فيها وطلع موبايلة وفتح الواتساب للخط التاني وكان مسجل رقم بنته عليه :

ـ اتفضلي شوفي بتك بت "سند الناجي" هتعمل ايه، هتترقص كيف الغوازي ، لو تفتكري إني منبه عليكي تعرفيها إن الحاجات داي ممنوعة وعرفتها هي كمان بدل المرة عشرة فتعمل ايه تخليني مشفش حالاتها ولولا إني جبت رقم جديد وسيفت رقمها حداي مكنتش شفت ولا عرفت حاجة ودي علشان انتي السبب يا "دعاء" .


برقت عينيها بصدمة وسألته:

ـ هو كل حاجة انتي السبب يا "دعاء"؟!

أمرك عجيب يا "سند"، شايفاك رايد كل يوم والتاني من ساعة العيال ما كبروا وانت هتحاول تفرض سيطرتك عليهم وهتحاول تطلعهم مش متربيين وكل شوي تتصيد لهم أخطاء في حين إنك لو بصيت حواليك هبابة هتلاقي البنت بتهزر هي وصاحباتها وكلاتهم هيعملوا اكده . 


وطلعت موبايلها وبدأت تخليه يشوف حالات صاحبات بنتها وكل اللي شافهم عاملين زي بنته بالظبط وكملت كلامها:

ـ أظن البنات داي أباهتهم صعايدة زيك بالظبط واها كلاتهم هيعيشوا سنهم ومحدش هيقف لهم على الواحدة ، انت اكده هتعقد لي العيلين اللي حيلتي وهطلعهم مرضى نفسيين على حاجات تافهة الشباب كلاتها هتعملها. 


"سند" مسح وشه بقلة حيلة وكأنه بينفخ في قربة مخرومة وعارف إن دماغها طالما مقتنعة بفكر معين يستحيل يقدر يغيره مهما عمل ومهما قال:

ـ تعرِفي اني حزين من جواي اني اخترتك أم لولادي، وأي سلوك سئ فيهم إنتي السبب فيه لأنك ممقتنعاش إنه غلط من الاساس، وإذا كان على أصحابها اللي هي هتعمل زيهم كيف ما بتبرري أني مليش علاقة بيهم نهائى ، ولو الدنيا كلاتها هتعمل الغلط وهتشوفه عادي اني مهشفهوش فتسمعي اللي هقول لك عليه دلوك وهتنفذيه رغماً عنك . 


وكمل كلامه وهو بيسمعها اللي صدمها منه:

ـ دلوك هتدخلي بنفسك تواجهيها بالقرف دي وهتعرفيها إنه غلط وكمان هتسحبي منيها الموبايل وتعرف انه مهيباتش وياها تاني ، أني أصلاً كنت رافض حوار الموبايلات دي ، وتعرفِيها بنفسك إن دي عقاب علشان هتستهل نفسها وإن ديننا اللي احنا مأمورين باتباعه هينهانا عن الحاجات داي، وتعرفيها كمان إني معرفش حاجة عن اللي هتعمله دي وإن رفضت تديكي الموبايل تقولي لها إنك هتعرفيني واني وقتها هتصرف، 

ومن بكرة إن شاء الله هتطلع لك بت خالة "سعدية" هتشوف طلبات البيت وهتبات اهنه في الأوضة الفاضية الدوار واسع . 


شهقت بصدمة وردت عليه برفض تام:

ـ اني ما محتاجاش حد يشتغل وياي ولا رايدة حد يضايقني اني وعيالي وما نعرِفش نقعد على راحتنا، ما اشتكيتلكش علشان تَجيب لي حد يخدمني يا "سند" ، اني رافضة الموضوع دي رفض تام. 


ورد عليها هو كمان بأمر قاطع لا يقبل النقاش:

ـ مش بمزاجك المرة داي يا "دعاء" ولما إنتِ ما هتحتاجيش حد يراعي مسؤولية البيت وياكي هتنامي من المغرب وسايبة عيالك يعملوا ما بدالهم ليه؟!

ما هو علشان إنتي هتهدي حيلك في البيت طول النهار وتنامي من المغرب وتصحي تاني يوم من الفجر تعيدي نفس القارة، يعني هتنامي وقت ما هم هيصحوا وهتصحي وقت ما هم هيناموا، ولا دريانة باللي هيجرى واللي بيحصُل حواليكي وهتقولي هم كبروا وهيشيلوا نفسهم، اما أدبهم واخلاقهم هتحطي في بطنك بطيخة صيفي ولا هتشيلي هم انهم في سن المراهقة ومحتاجين المراقبة منينا والحساب على كل تصرفاتهم، وعلشان اكده هتقومي دلوك تنفذي اللي قلت لك عليه من السكات، 

ويكون في معلومك اللي هتاجي تساعدك لو اتعامَلتي وياها وحش ولا صدر منك اي تصرف عفش ليها هعرِف وههينك قدامها علشان اني عارفك جبروت لما ميعجبكيش حاجة بتهاودي اللي قدامك وتحاولي بكل الطرق تخربي من ناحية تانية.


ربعت ايديها على صدرها وهي بتسأله باستنكار:

ـ طب وان معملتش اللي إنت هتقول عليه ورفضت. وشايفة اكده إنه كبت لحرية العيال وانك هتفرض علي أشخاص في بيتي مرايدهمش واصل هتعمل ايه ؟


جاوبها بحدة وصرامة:

ـ يِبقى تروحي على دار أبوكي وورقتك هتوصلك وعيالي آني هعرف أربيهم زين بَعيد عن إهمالك وتفكيرك العفش اللي لايمت للتربية الصحيحة من أصله، وانتِ خابراني زين اللي هقوله مفيهوش راجعة.


اتنهدت بغلب من طريقته وأوامره وتصميمه وردت عليه بحدة:

ـ بس انت اكده تُبقى ظالم يا "سند" علشان تفرض علينا حاجات هتهدد راحتنا واستقرارنا اني والعيال واحنا رافضينها ومعايزنش وعايشين في سلام من غيرها وبيها هنعيش في قرف وغم .


رد عليها بحدة مماثلة:

ـ رفضك وقبولك دلوك ملهمش عازة حداي طالما ولادي هيضيعوا من ورا دلعك الماسخ وتربيتك اللي لا تمت للتربية بصلة يُبقى نمشيها أوامر يا بت الناس يا إما كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه، ودلوك اتفضلي وأني هتفرج من بعيد وهشوف رد فعلك مع البنت وإنتي هتنفذي اللي قلت لك عليه بالحرف الواحد.


نفخت بضيق وقامت تنفذ اللي هو عايزه وهي مرغمة ومش طايقة نفسها وقال لها وهي خارجة بوعيد صارم:

ـ خلي بالك اني عارف انك هتداري عني حاجات كَتير تخص العيال وهعرفها صدفة بس يمين بالله يا بت خالتي إن اكتشفت مصايب لحالي من حد فيهم ما تلوميش إلا حالك والطبطبة اللي كنت هتعامَل بيها وياكي في أمورهم هتقلب جحيم على راسك مني ومتقوليش إني هنشغل بجوازة تانية ولا شغل هيسحلني لاااااه، هتلاقيني هطب عليكم في أي وقت متحسبيش حسبانه وانتي خابرة زين لما هحط حاجة في راسي هنفذها كيف .


دبت في الارض بزهق من تحكماته وراحت على بنتها تنفذ كل اللي أمرها بيه والبنت اتعصبت جامد وعلت صوتها بهستيريا لدرجة إن "دعاء" خافت لا "سند" يسمع صوتها فقربت من بنتها وقالت لها بتحذير وهي بتجز على سنانها بغضب :

ـ بس متعليش صوتك بوكي برة يا "سما" ولما يمشي هديه لك تاني بس كل اللي هقول لك عليه دلوك توطي وشك في الارض وتقولي حاضر ونعم .


البنت نفخت بضيق من الموقف ككل وبدأت تمثل الطاعة بعد كلام ونظرات أمها وخصوصاً إنها لمحت خيال ابوها جاي عليهم:

ـ حاضر يا ماما اللي تشوفيه ، اتفضلي التليفون أها.


أخدت "دعاء" منها التليفون وقفلته وقالت لها :

ـ اعملي حسابك التليفون مش هيبات وياكي تاني وهيفضل معاي طول الليل، علشان الفيديو اللي بتعمليها على الأغاني، إحنا مش بتوع الكلام دي حتى لو أغلب صحابك هيعملوه احنا لاااه ولو أبوكي عرف هيبهدلك وهتنزلي من نظره .


البنت بصت لورا وردت على امها بتقزز:

ـ إن شاء الله حاضر .


أما "سند" راح لابنه ودخل عليه الأوضة لقاه بيتكلم في التليفون ولما شافه قفل فقرب منه وقال له:

ـ جاي أخد حضن من ولدي حبيبي قبل ما اسافر اسبوع بحالَه مهشفكش فيه .


فتح دراعه وابنه سكن حضنه فبدأ يتكلم معاه:

ـ طمني لساتك هتصاحب ولد دهشان ولا بعدت عنيه كيف ما طلبت منيك ومتكذبش علي يا "مازن" علشان عارف بوك لو عايز يعرِف حاجة هيعرفها؟


جاوبه "مازن" بكل صراحة لأن ابوه بيكشف كذبه بكل سهولة:

ـ بصراحة يا ابوي ولا بعدت ولا قربت كلام وزمالة عادية يعني .


وكمل "مازن" وهو بيسأل أبوه:

ـ انت ليه يا أبوي هتبعدني عنيه هو ملهش ذنب إن ابوه هيتاجر بالمخدرات والحشيش؟


جاوبه "سند" وهو حاضن وشه برعاية وحنان وبيفهمه الصح:

ـ شوف يا ولدي من شابه أباه فما ظلم، انت ليه تصاحبه الله يسهل له هو وحورات أبوه وأمه، ليه تحط حالك موضع شبهات وخصوصي إن الواد دي هيشرب سجاير وأني محبكش تمشي وياه، باختصار يا ولدي الطيور على اشكالها تقع .


وكمل "سند" كلامه وهو بيكبر بابنه:

ـ أني هسافر سبوع وكنت رايد أخدكم وياي وانتو رفضتو بس طالب منك طلب يا "مازن"؛ رايدك تخلي بالك من أختك في غيابي ، تراقبها من بَعيد لبعيد من غير ما تمارس عليها رجولتك، لو شفتها هتعمل حاجة عيب عرفني راجل لراجل، وكمان متجيبش حد من أصحابك وتدخلهم على أمك وأختك في غيابي.


وكمل وهو بيسأله بتحفيز:

ـ ها يا "مازن" أني سايب راجل وراي أطمَن ولا مطمنش عليهم ؟


جاوبه "مازن" بحماس وجواه فرحان إن أبوه بيكبره:

ـ حاضر يا ابوي اللي تشوفَه، اطمَن وتوكل على الله وأني هخلي بالي منيهم.


شدد "سند" عليه وطلب منه:

ـ لو شفت حاجة مهتعجبكش على اختك تعرفها لها بحنية وهدوء داي أختك الوحيدة، تمام ؟


" سند" كان بيبني لقدام في علاقة الأخ بأخته لأنه فقد الثقة في "دعاء" فقرر هو اللي يفهم ابنه ويزن على ودانه علشان يبقى راجل وكمل كلامه وهو بيعرف "مازن":

ـ وفي حاجة كمان حابك تعرِفها انت في أجازة دلوك اعمل حسابك إني لما أرجع هتنزل وياي المصنع علشان أني الشغل حمله تَقيل علي وانت ولدي الوحيد ولازمن أتسند عليك وبسم الله ماشاء الله قربت تُبقى طولي واللي زيك يشيل شغل مصنع بحالَه واعمل حسابك لو اتعلمَت سريع همسكك المصنع كلاته وتُبقى أصغر راجل أعمال في الصَعيد ويعتمد عليك كمان .


الولد اهتز من جواه من طلب أبوه وسأله:

ـ هو ينفع يا أبوي اشتغِل في السن دي وأمسك مصانع كمان؟


طبطب "سند" على ضهره وهو بيحفزه أكتر:

ـ أه أمال ايه أني مسكت شغل أبوي من وأني ابن ١٧ سنة، كنت اتعلَمت واتودكت في الشغلانة وجدك اعتمد علي، والواد لأبوه وأني شايفك أرجل من أي حد، ها ايه رأيك يا بطل؟


جاوبه "مازن" وهو بيسأله عن التفاصيل بحماس:

ـ طب هو الشغل دي متعب يا أبوي ؟


ـ شوفي يا "مازن" يا ولدي الشغل عمرَه ما كان متعب، بس علشان تُبقى راجل صُح وتنجح انت منك لنفسك لازمن تتعب وتجتهد علشان يُبقى ليك لنفسك حاجة خاصة وشغل وبيزنس بَعيد عن ابوك، كيف ماني عِملت هراعي شغل جَدك وليا مالي الخاص ومصانعي، فكل واحد هيعمل اللي هيقدر عليه، لازمن تتعب عشان تُبقى راجل وفي يوم من الأيام لما تُبقى اب زيي ولادك يفتخروا بيك.


وفضلو يتكلموا مع بعض وفي الآخر حضنه "سند" قبل ما يخرج ومن جواه حاسس بالقلق على ولاده وخصوصاً بنته ، لان ابنه هياخده معايا في كل مكان وهيشغلوا جامد بالشغل معاه أما "سما" مش عارف يتصرف معاها إزاي وخصوصا ان "دعاء" بتفسد كل حاجة بيعملها.


******

قاعدين قدام البحر بيفطرو والأولاد بيلعبوا على الشط وهو كان بيبص لملامحها الجميلة وضوء الشمس بيحضن ملامحها الجميلة ولمعة عيونها اللي بتشوف نور البحر لأول مرة في حياتها يتحكى فيها حكاوي، مبقاش قادر يسيبها تستمتع بالجو اللي هي منبهرة بيه ونفسه يتكلم معاها وسألها:

ـ ياه كد اكده هتحبي البحر ومبسوطة إنك هتقعدي قدامه لدرجة إنك ناسية الدنيا باللي فيها؟


بصت لها وعيونها مش عارفة تبص لعيونه علشان ضوء الشمس وجاوبته براحة لأول مرة تتنعم فيها في حياتها:

ـ مش هتصدقني لو أقول لك إني ممصدقاش إني هتنفس ريحة البحر المالح اللي ياما حلمت بيها، وضوء الشمس المخلوط بنسمة الهوا الخفية هيرد لي روحي يا "سند"،

انت متتصورش كد ايه مبسوطة بالقعدة داي وأني هشوف عيالي حوالي مبسوطين وبيتنفسوا أبسط حقوقهم اللي اتحرمو منيها سنين .


ابتسم بسعادة لفرحتها ومن جواه نفسه ياخدها في حضنه وتسند راسها على صدره وهي يطبطب عليها ويسقيها من الحنية اللي ياما اتحرمت منها ، وهو كمان اتحرم من قلب يحبه ويحتويه ويحس بيه كراجل عنده إحساس ومشاعر تجاه الست اللي معاه وعلشان كدة هو مبهور بالبدايات معاها لأنه هو كمان ملحقش يعيش ولا لحظة من اللحظات دي وقال لها :

ـ طب داي حاجة زينة خالص وأني هشهد وياكي أول لحظات عناق عيونك للبحر واستنشاق صدرك لهواه، تعرِفي أني ياما قعدت قدام البحر لحالي وكان جوايا احساس إني محروم من القعدة داي ويا حد يحسسني بالحاجات اللي هحسها وياكي دلوك، أني بجد بشكرك إنك جنبي ومعاي دلوك يا "نغم" .


ابتسمت لكلامه اللي باسطها جداً وردت على كلامه بنعومة ورقة وعيونها خجلانة تبص لعيونه:

ـ طيب وهو مين يشكر مين يا "سند"؟!

المفروض إني أشكرك على كل حاجة حلوة هتعملها وياي أني والعيال، من بقى لنا يومين اهنه وانت باسطني وهتفسحنا وتخرجنا في الأماكن اللي ياما حلمت إني أروحها ومكنش عندي أمل.


وكملت بحماس وهي بتوصفه من وجهة نظرها:

ـ انت بالنسبة لي دلوك عامل كيف مصباح علاء الدين اللي بينفذ كل حاجة هحلم بيها، بالنسبة لي الفتى الوسيم اللي يخلي أميرته تحلم بالجنة فيقدمها لها بدون أي عواقب في حين إني حياتي كلاتها كانت عقاب وعواقب ملهمش آخر.


حرك راسه وهو بيمط شفايفه باستمتاع وكلامها كيفه قوي :


ـ طب انتي وصفتيني في عيونك ، ممكن توصفي نفسك في عيوني أني لأن عقلك وطريقة كلامك ووصفك للمواضيع وفكرك عاجبني قوي، فرايد منك توصفيني وتوصفى نفسك بعيوني عاملة كيف؟ ولو جاوبتي صُح هيُبقى ليكي هَدية زينة قوي .


سكتت شوية وهي معلقة نظراتها بعيونه، وبتجمع الوصف اللي ممكن يوصفها بعيونه وبدأت تقول اللي حساه :

ـ أوقات هحسك هتشوفني كيف بنتك هتجيب لي كل اللي رايداه من غير ما اطلب، وأوقات هحسك هتشوفني كيف النسمة اللي بيمر طيفها على قلبك ويحسسك بأنك مبسوط وشعور من اللذة هيتملكك.


ودارت عيونها بعيد عنه وهي بتكمل:

ـ وفي احساس كمان هقول لك عليه بعدين في وقته .


برق عيونه بدهشة من تهربها وصمم انها تكمل :


ـ وه اكده غش ومفيش مهرب ولا تأجيل لأي حاجة يا هرابة، يالا بقى كملي لأنه أهم إحساس بالنسبة لي.


كانت محرجة منه ومكسوفة تكمل لكنه صمم إنها تقول باقي وصفها ليها بعيونه، ومع تصميمه بلعت ريقها بصعوبة واتكلمت وهي بتداري عيونها بعيد عن عيونه بهمس ناعم ورقيق:

ـ أمممم... في وقت بيوصل إحساسك بيا إني ملكك وكل حاجة فيا تخصك.


غمض عيونه وهو بيسمع كلامها وحالته متفرقش عن حالتها وحاول يسيطر على احساس انه فعلاً محتاجها ومحتاج يفرغ جواها شحنة الاشتياق لقربها، رقتها ، ونعومتها واحساسها جننوه ودوبوه وخلاص الصبر جاب آخره وقال لها :

ـ وبعدها لك عاد يا ست "نغم" هتعملي في السند ايه تاني؟!

طب حلو قوي اللي احنا وصلنا له دي المفروض نبني عليه بقى ولا إيه ؟

بزياداكي عاد استيعاب وعلشان نكون على نور إنتي خابرة زين اللي في القلوب فبلاش حتة حاوريني وحيريني وتعالى نقرب ووقتها مهنقدرش نبعد وهتحدى وياكي كل الظروف بس انتي اديني الإشارة.


وكمل بنبرة عابثة:

ـ أني مش هغلب وياكي وعارف اني لو قربت مهتقدريش تقاومي وتصدي ولا هتقدري تبعدي ، بس أني هحب التأني في أمور القرب، هحبها تاجي بالرضا والقبول التام منك ليا علشان محسش إني هعارك لهفتي ليكي لحالي .


عضـ.ـت على شفايفها بخجل وقالت له:

ـ طب ما احنا يعتبر بردوا في فترة التعارف والفترة داي حلوة ولذيذة وليها متعتها ولا ايه ؟


ـ خلاص شبعت منيها وجبت أخري واعملي حسابك هتاجي برضاكي يعني هتاجي، اصلك هتقاومي كيف وأني هسمع دقات قلبك وهقرأ نظرات اللهفة في عيونك يا نغمي.


جت ترد عليه لقت ولادها قربوا و"محمد" ماسك ايد أخته برعاية زي ماهي معلماه انه دايما يسندها وياخد باله منها في أي وقت وفي أي مكان وهو بيطلب منها:

ـ احنا جوعنا قوي يا ماما مع إننا لسة واكلين.


حضنتهم بحب وطلعت البرنس لكل واحد فيهم علشان يلبسوه لأن جسمهم مبلول :

ـ الماية هتجوع يا قلب ماما ، تعالى هعمل لكم ساندوتشات انتو التنين. 


استأذنها "سند" وهو بيقوم من مكانه:

ـ هروح اعمل مكالمة شغل وجاي لك علطول.


ـ طب تحب اعمل لك ساندويتش مع العيال؟


غمز لها ببسمة دوبتها وهو بيجاوبها:

ـ لما أرجع ننزل البحر شوية علشان تعلميني العوم من ساعة ما جينا وانتي مجربتيش المايوه.


اتكسفت جامد من كلامه وتلميحاته وسابها ومشي وهي بدأت تتنفس بصعوبة شكل ما يكون وهو جنبها بيبقى حابس أنفاسها ،


راح بعيد شوية واتصل بـ"جليلة" :

ـ ايه يا "جليلة" الدنيا اخبارها ايه عندك عملتي اللي طلبته منيكي ؟


دخلت أوضتها وشغلت الراديو بصوت عالي وبعدت شوية عنه وهي بترد بصوت واطي علشان محدش برة يسمعها:

ـ ايوه يا سي "سند" بيه ولقيت حاجة غريبة قوي في أوضة البيه الصغير.


سألها بلهفة:

ـ لقيتي ايه انطقي بسرعة؟


جاوبته:

ـ والله حاجة أول مرة اشوفها في حياتي، بس صورتها وهبعتها لك على الواتس دلوك اهو شوفها.

وهي معاه على المكالمة بعتت له الصورة وأول ما استلمها انصدم واللي كان شاكك فيه طلع صح وطلب منها بهدوء:

ـ طيب يا "جليلة" رجعيها مكانها تاني كيف ما كانت بالظبط واوعاكي يحس ان حد فتش وراه لحد ما ارجع بالسلامة، طمنيني على "سما" .


حركت شفايفها بسخرية على حالة بنته ولكن جاوبته :

ـ هتنام بالنهار وهتسهر طول الليل قدام التليفون كل لما اقوم بالليل اشرب ولا أدخل الحمام القاها قاعدة قدامه هتضحك وتشغل أغاني كَتير .

اتجنن من اللي سمعه ولو واجه "دعاء" هتعرف إنه بيراقبهم ومش هتسكت إلا لما تمشي "جليلة" وقرر يسكت ويطمن عليهم من بعيد لبعيد ويكلم ابنه يخلي باله من أخته في النقطة دي بالذات، وطلب من "جليلة" :

ـ اسمعي اللي هقول لك عليه زين ونفذيه، تنزلي تحت عند الراوتر الأساسي تقطعي السلك اللي هيوصل الزفت النت دي على ما اوصل ولو اكتشفوا الموضوع دي وجابوا حد يشوفه تعرفيني ، يالا دلوك من غير ما حد يدرى بيكي نفذي اللي قلت لك عليه .


رجع لـ"نغم" وعلامات وشه اتبدلت من الراحة والنعيم اللي كانوا ماليين ملامحه لحزن وهم واضحين وضوح الشمس على وشه وفضل ساكت جنبها مدة من الوقت، قربت منه وهي بتسأله بقلق لما لاقته قعد وسند على الكرسي وغمض عيونه وهو بيتنهد بأسى :

ـ مالك يا "سند" جاي وشك حزين وساكت اكده ليه، هي المكالمة فيها حاجة ضايقتك ولا حاجة ؟


جاوبها باختصار وهو بيداري عنها همه:

ـ مفيش يا "نغم" متشغليش بالك، استمتعي بقعدتك وانبسطي.


حست بالقلق أكتر ولأول مرة بادرت بأنها تمسك ايده اليمين وحضنتها بين ايديها وهي بتوصل له إحساس الدفا والأمان وأنها لا يمكن تسيبه وهو مخنوق بالشكل ده :

ـ مهستمتعش أني من غيرك، ولا هحس بالراحة وشكلك حزين ومضايق، فضفض لي يا "سند" واحكي لي همومك، علشان حرام علينا تشيل همومنا كلاتنا وانت متلاقيش اللي يشيل عنك همك اللي هيطبق على صدرك ؟


حس بالدفى لأول مرة في حياته وهي بتطبطب على ايده، حنان عمره ما حسه لا من أمه الا مكانتش بتحن إلا على أخوه ولا من مراته اللي مش شايفاه من الأساس وقرر يتكلم ويعرفها كل اللي مضايقه وخوفه على ولاده، واتكلم وهو مغمض عيونه وساند راسه على الكرسي :

ـ ولادي الاتنين مش مستقرين نفسيا وأحوالهم ضايعة وامهم هتخبي عني كل حاجة تخصهم وعودتهم على الكذب وانهم يداروا عني كل حاجة، وكل لما أحاول اقرب منهم ميل تبعدهم عني أميال وتعبت منيها، وزهقت معاها ترغيب وترهيب ووعيد وتهديد وهدوء وعواصف مفيش ولا طريقة هتجيب معاها نتيجة وهتسوفني دايما أب متحكم وسليط، من وهما صغيرين هقول لهم الشرق وهي تدلهم على الغرب، والعيال ملهمش ذنب في أخطائهم بسببنا احنا الاتنين ، وبقتش عارف الاحق على المصايب والكوارث اللي اتبنت في شخصيتهم وتعبت ومن جواي مقهور عليهم .


حاولت تهديه وهي حزينة لحزنه ونبرة الوجع اللي بيحكي همومه بيها:

ـ متشيلش نفسك فوق طاقتها يا "سند" الشباب كلاتهم اكده وفترة المراهقة داي من أصعب الفترات وكل اللي في سنهم عنيدين اكده وأكتر الأبهات والأمهات هيعانوا مع ولادهم .


ـ بس الأب والأم هيكونو متفقين على أسلوب التربية ومحدش بيكسر كلام التاني، اما "دعاء" اجي أوجه العيال للصح من وراي تقول لهم كبرو دماغكم ، هعمل لكم اللي انتوا رايدينه ، طب الواد لما أرجع هاخده معاي الشغل وهخليه وياي في كل مكان كيف ضلي، البت بقى هعمل وياها إيه وهي داي الكارثة الكَبيرة.


ـ طب متزعلش حالك هوعدك لما نرجع البلد هتصاحب عليها وكل شوية خطاب منيها تاجي نقعد ويا بعض وهحاول اعمل وياها اللي أقدر عليه وأظن "دعاء" مهتمانعش واصل.


فتح عيونه بدهشة وهو بيسألها:

ـ بجد يا "نغم" هتعملي اكده وهتجريها ناحيتك؟


ـ وليه لاااه، معايزكش تشيل هم واصل من ناحية "سما" هي هتحبني وهتحب تقعد وياي وهحاول من تحت لتحت أوجهها للصُح واللي المفروض البنات الزينة تمشي عليه اطمَن والله لا تتعدل .


ابتسم أخيرا بأمل وهو بيحط ايده على ايدها وبيشكرها بعيون ولهانة بغرامها:

ـ قلبي هيقول لي انك هتُبقى وش الخير علي في كل حاجة، تعرِفي أني عمري ما حد سألني مالك أو فيك ايه؟

إنتي الوحيدة اللي حسيتي بيا من أول ما قعدت جارك وقريتي الحزن اللي مالي ملامحي وحسيتي بوجعي، هو عرفتي كيف ودريتي إني مهموم؟


جاوبته برقة تشبهها:

ـ علشان اللي هيهتم بحد وهيهمه أمره قوي هيفهمه من نظرة عينيه وهيحس بتنهيدة الحزن جواه.


شاغبها بغمزة شقية:

ـ كنت رايد منك إجابة تانية خالص يا نغمي، طلعتي مش سهلة بردو .


ابتسمت لكلامه وطلعت الفاكهة اللي هي جايباها اول معاها وعملت له طبق مشكل قطع تفاح وفراولة وبطيخ، ومعاهم الشوكة وعملت لنفسها هي كمان طبق وبدأوا ياكلوا باستمتاع وهما بيحاولوا ينسوا الهموم اللي مالية قلوبهم ، وكمان بدأ يأكلها بايده وهي من جواه مش مصدقة السعادة اللي مالية قلبها ، وبعد ما أكلوا سألها بمكر:

ـ طب إيه كنتي هتقولي انك سباحة ماهرة مش هتفرِجيني عاد المهارة داي ولا انتي كلام على الفاضي ؟

وبعدين أني واخد شط مخصوص علشان أعرف اشوف مهاراتك في السباحة واقيمك بنفسي ؟


اتحمست بشجاعة وقبلت التحدي:

ـ وه كانك هتفكِرني بمزع عاد وهقول اي كلام وخلاص!

طب هتشوف دلوك وانت قاعد مكانك هنزل اها واوريك "نغم" وهي كيف السمكة اللي هتتحدى الموج وتشاغبه كمان .


رفع حاجبه باستنكار وهو بيسالها:

ـ ليه هو انتي مفكِرة انك هتنزلي البحر لحالك واني هقعد اتفرِج عليكي يا هانم ؟


بلعت ريقها وهي بتسأله بخجل:

ـ امال انت هتنزل وياي البحر ؟


ـ ومننزلش سوا إن شاء الله يا حظي؟

شوفي بقى أني عايزك تظبطي دماغك ومتخلنيش اتعصب عليكي وتفكيرك واللي في دماغك دي تفسحيهم وتحطي فكر جَديد إني جوزك يا "نغم" .


ابتسمت وهي شايفة التملك والغيرة في نبرته وشدت ايده:

ـ طب خلاص عاد متُبقاش قفوش اكده يالا هننزل وهسابقك وهتخسر ؟


ضحك وهو بيتريق على طولها:

ـ حبيبتي انتي مواخداش بالك من فرق الطول بيناتنا، إنتي راسك هتاجي لنص صدري ، ودراعي أطول من دراعك يعني حوار السبق دي هتخسري فيه بلاش عناد وتحدي على الفاضي يا شبر واقطع إنتي.


جريت قدامه علشان تسبقه وتكسب التحدي وهو بيجري وراها بيحاول يرشها بالميه علشان ما تسبقهوش ويعطلها والاثنين بيهزروا مع بعض والسعاده ماليه قلوبهم واول ما نزلوا الميه بدات فعلا تعوم بمهاره وخفه وخصوصا ان جسمها رفيع لكن سبقها لانه طبيعي اطول منها وبعد ما دخل جوه نادي عليها وهو بيشاغبها بتحدي وبيغمز لها بشقاوة:

ـ اها شفتي خسرتي التحدي علشان تعرفي ان مش كل سباح ماهر يا نغمي ؟


بصت على ولادها من بعيد علشان تطمن عليهم لقيتهم قاعدين بيلعبوا بالالعاب ومشغولين بيها فقالت له وهي بتعوم بعيد عنه: 

ـ كنت عارفة انك هتسبقني على فكرة بس هي روح الانثى اللي جواي هتخليني اتحداك، بس هدرب نفسي كَتير علشان المرة الجاية هسبقك يعني هسبقك.


سابها تلف وتدور حوالين الميه وتشاغب الموجه وهو مستمتع بانبساطها وفجاه ومن غير ما تحس لقيت نفسها متحاوطه بين ايديه وهو بيهمس لها: 

ـ أخيرا استقريتي في مكانك الصُح يا نغمي، يا هلا وغلا والله اشتقنا للحظة الحلوه داي.


كانت مكسوفه من حصاره ليها وهي بتبص على اولادها وتشوفهم مركزين معاهم ولا لا وبدات تتململ بين ايديه وهي بتطلب منه: 

ـ بعد يدك عني ما يصحش العيال يشوفوك وانت مقرب مني بالشكل دي ارجوك يا "سند".


جاوبها وهو بيقرب منها اكتر ومتمسك بايديه حوالين خصرها :

ـ العيال بَعيد عنينا ونظرهم مش هيجيبنا وبطلي تضيعي اللحظات الحلوه بخجلك وخوفك انبسطي يا نغم وعيشي اللحظات الحلوة من غير ما تعكِريها.


وما سابلهاش فرصة إنها تفلت من ايديه وكان متمسك بيها وبقربها وبدلعها ورقتها وحركاتها التلقائية اللي دوبته بيها ، وعاش معاها لحظات عمره ما عاشها في حياته ولا هي كمان لدرجة إنهم نسيوا نفسهم لحد ما ابنها نادى عليها فطلعو من المية بعد ما قضوا وقت سعيد قرب بينهم أكتر، ايديهم في ايدين بعض والبسمة مالية ملامحهم اللي سكنها الحزن سنين 


                       ******


كانت قاعدة بتذاكر وفجأة تليفونها رن برقم غريب، ردت بأدب:

ـ السلام عليكم ، من معاي؟


جاوبها بشقاوة وهو ساند على السرير :

ـ مش هقول اني مين لما اشوف هتطلعي شطورة وهتعرِفيني ولا لاه ؟


الصوت مش غريب عليها لكن التليفونات بتغير الاصوات شوية لدرجة إنها اتحيرت وردت عليه بنبرة جادة :

ـ طب هتقول انت مين وهتتصل ليه ولا أقفل عاد؟


مط شفايفه باستمتاع وجاوبها:

ـ أني اللي وقعت في غرام قصيرة القامة ولا حدش سمى علي ، يرضيكي توقعيني في سحر عيونك وتسهريني الليل وفي الاخر متعرفيش كمان أني مين ، لاااه أني اكده زعلان يا شوشو وواخد على خاطري منك. 


عرفته من طريقته وكلامه اللي كسفها، أول مرة حد يقول لها إنها جميلة، وانها سحرته، أول مرة شاب يشوفها بعيون انها أنثى وإنها متشافة وعلشان كدة كلامه وترها ونطقت بصوت بيطلع بالعافية:


ـ هو حضرتك الدكتور "علي" ؟


ـ طب هقول لك سحرتيني وسهرتي عيوني الليل وفي الاخر تقولي دكتور ؟!

قولي لي يا "علي" من غير ألقاب مش إحنا بقينا أصحاب عاد ولا إيه ؟


سألته بخوف من طريقته ودخلته الغريبة اللي مش متعودة عليها منه:

ـ هو حضرتك رايد ايه مني، وهما الصحاب هيتحدتوا ويا بعض بالطريقة داي؟


ـ عِندك حق، المفروض نقول حبايب علشان بجد يا شوشو أني شايفك بعيون بعيدة عن الصحوبية ورايد إني أعرفك أكتر وتعرفيني ، وبصراحة أكتر أني شايفك فتاة احلامي، وعايز اعتذر لك عن طريقتي وياكي واني كنت في يوم من الايام هضايقك، بس كيف ما هيقولوا ما محبة الا بعد عداوة .


استغربت كلامه وسألته برهبة من طريقته ودخلته الغريبة عليها:


ـ يا سلام! وهي المحبة داي ظهرت فجأة اكده يا دكتور "علي"؟! دي انت كنت هتشوفني كيف الراجل وبالنسبة لك هوا، دلوك هتشوفني فتاة احلامك، طب اصدقها كيف داي ؟


هدى نبرة صوته واصطنع الحزن في كلامه وهو بيجاوبها وبيحاول يداري نواياه الخبيثة ناحيتها في إنه يستحوذ على عقلها ويتسلى معاها :

ـ بصراحة…

سكت ثواني كأنه بيجمع كلامه وبيوزنه كويس، وبعدين كمل بصوت واطي محسوب:


ـ بصراحة أني كنت غِشيم، وما كنتش شايف زين، يمكن علشان أول مرة أشوفك كنت واخد فكرة غلط، فكرة سطحية، ودي غلطتي أني ما حاولتش أفهمك من الأول.

سكتت شوية، قلبها بيدق، عقلها مش مستوعب التحول المفاجئ ده، فقالت بحذر:

ـ يعني حضرتك شايفني دلوك غير الأول؟


ضحك ضحكة خفيفة، مش عالية، ضحكة مدروسة:

ـ شايفك حقيقية… بنت مش شبه حد، هادية وفيها حاجة تشد، حاجة تخلي الواحد يقف يفكر، ودي اللي حُصل معاي.


عضّـ.ــت على شفايفها بتوتر وهي بتسمع منه كلام عمرها ما سمعته، ولكن حاولت تلملم أعصابها المفككة:

ـ بس الكلام داي كبير قوي، وإحنا ما نعرفش بعض، ولا أني هفهم حاجة في كلامك ولا في الحوارات داي عاد.


حس بتجاوبها وإحساس اللخبطة اللي جواها:


ـ ما هو علشان اكده أني بتكلم، علشان نعرف، مش يمكن اللي جاي يكون أحسن من اللي فات؟ويمكن تتولد بيناتنا قصة حب في يوم الايام يتحاكى عنها العشاق.


قالها وهو مغمض عينه، كأنه صادق، وهو في الحقيقة بيقيس رد فعلها، فحاولت تتهرب من كلامه اللي زلزلها: 

ـ طب انتَ عرفت رقمي منين أصلاً؟ وبعدين كلامك دي حساه إنه مهيلقش علي.


سؤالها جه فجأة، نبرة شك خفيفة وده ضايقه لانه عايزها تلين معاه وتغرم بيه من أول همسة:


ـ من ملفك، طبيعي، أني دكتور، والطلبة أرقامهم معانا، بس صدقيني، أني عمري ما كلمت حد قبل اكده ولا كشفت مشاعري بالشكل دي ، انتي أول واحدة كسرت القاعدة علشانها.

قال الجملة الأخيرة بثقل، كأنه بيحطها في خانة مميزة، اتلخبطت، الإحساس بالاختيار الخاص بدأ يتسلل جواها ، وسألته:

ـ طب ليه أني بالذات مقدراش أقتنع؟


ـ علشان مختلفة، مش كيف الباقي، مش صوت عالي ولا ضحك زيادة ولا لفت نظر مصطنع، انتي حضورك هادي بيهزني ياشوشو.


سكت ثانية وبعدين أضاف:

ـ باختصار أني هحب الهدوء اللي فيه عمق.


حست إن الكلام بيدغدغ حاجة جواها، حاجة عمرها ما حد لمسها قبل كده، لكنها حاولت تمسك نفسها:

ـ بس داي كله كلام، والكلام ساهل وبصراحة هخاف أقرب من قلبي ومشاعري وفي الاخر اتوجع.


ـ عارف، وعلشان اكده مش بطلب منك حاجة، لا مواعيد ولا خروجات ولا كلام فارغ، بس عايز أتكلم، أسمعك، يمكن ألاقي نفسي وأني بسمعك.


خفض صوته أكتر:

ـ أني تعبان من غيرك يا شوشو.


الاسم طلع منه بسهولة، وكأنه متعود يقوله:

ـ يعني ايه تعبان من غيري؟


ـ من الوحدة، من إن الواحد يكون وسط ناس كتير وحاسس إنه غريب، يمكن علشان اكده لما شوفتك بعيون تانية حسيت إنك شبهي.


عرف كويس إمتى يدخل من باب الوجع اللي بيشد أي بنت ، سكتت، دماغها بيلف، قلبها لسه جديد على النوع ده من الكلام:


ـ بس... أني طالبة، وانت دكتور، وداي غلط.


ـ الغلط في الأذى، مش في الإحساس، وصدقيني أني عمري ما أذيكي أبدا، بالعكس، أني شايف نفسي حاميكي.


الجملة اتقالت بثقة مخيفة:

ـ حاميني من إيه، ومن مين؟


ابتسم وجاوب بثقة:

ـ من الدنيا، من الناس اللي ممكن تستغلك أو تكسر بخاطرك، أني فاهم الدنيا زين.


بدأت تحس بالأمان الكاذب، بالكلمة اللي كانت ناقصاها:

ـ طب هو ممكن حد يعرف بكلامنا سوا؟


ـ لااااه طبعاً ، محدش لازم يعرف، الخصوصية احترام، وأني هحترمك قوي.


وبسرعة غيّر نبرة صوته:

ـ ولو حابة نقفل دلوك علشان معطلكيش عن المذاكرة، نقفل، أني مش هزعل، وعلشان متحسيش إن كلامنا مع بعض هيضيع وقتك وأني عايزك ناجحة ومتميزة دايما.


التحدي الناعم ده خلّاها تتشبث أكتر ومن جواها فرحانة بكلامه رغم خوفها، اول مرة تختبر المشاعر دي وتحس انها مرغوبة:

ـ أني حاسة بالحيرة واللخبطة .


ـ سكت شوية وهو بيلعب معاها على وتر حساس:

ـ خليكِ على طبيعتك، وما تخافيش، أني مش زي ما كنتِ فاكرة صدقيني.


الكلمة الأخيرة نزلت جواها تقيلة، زي وعد، وقررت إنها تقفل علشان تفكر وترتب مشاعرها المتلخبطة وتوزن كلامه جواها:


ـ طب… هقفل دلوك علشان المذاكرة.


ـ ماشي، بس قبل ما تقفلي، خليكي فاكرة إن في حد مستني يسمع صوتك تاني، بس بطريقة تانية فيها ثقة.


صوته كان دافي، بالنسبة لها وبالنسبة له محسوب من كل كلمة ،

قفلت التليفون، قعدت تبص في الفراغ، الكتاب قدامها بس عقلها بعيد، لأول مرة تحس إنها مرئية، مختارة، ومع الوقت، من غير ما تحس، كانت أول خيوط السيطرة بتلف حوالين تفكيرها، ومن جواها وعقلها الباطن بيزين لها كلامه وبيوهمها انها مبسوطة ومرتاحة.

                     *******

قاعدين في البراندة قصاد البحر في أول ساعات الليل، وهو ناوي الليلة ينول المراد وتكون مراته قولاً وفعلاً، حركاته ونظراته ليها خلتها بعدت عنه شوية وهي بتترجاه والخوف الداخلي جواها من "رابحة" و "سمير" مسيطر على مشاعرها:


ـ انت بتتعجل وياي ومهتدنيش فرصتي ولا راحتي في اختيار الوقت المناسب.


جاوبها بشجن وهو بيقربها منه تاني بعد ما بعدت عنه، وكل كلمة وهمسة ونظرة منه بتدغدع مشاعرها وبتدوبها اكتر:

ـ أني لو مش متوكد إنك رايداني كيف ما أني رايدك يا "نغم" مكنتش زنيت وأصريت على قربك . 


بلعت أنفاسها بصعوبة وعيونها لمعو بالخجل وقلبها بيدق بعـ.ـنف وهي بتحاول تتهرب بنظراتها بعيد عنه، وسألته بهمس رقيق :

ـ وانت اتوكدت كيف يعني من اللي هتقوله دي إذا كنت أني مصرحتش بيه ؟


قرب منها أكتر وحط فنجان قهوته جمبه ومسك ايديها اللي عمالة تفركهم في بعض بخجل، ونظراته ليها كفيلة إنها تهز جبل الجليد لأي ست فما بال إنها عشقته وعشقت قربه ودابت من محاولاته ليها وطريقته اللي بتسحرها، اول ماايديه لمست ايديها تلقائي لقى شفايفه بتحضنهم برغبة وتأثر من قربها وجاوبها بنبرة خشنة وشجن في لحظة بيحضرها القمر وبتشهد عليها نجوم الليل :


ـ لااااه، داي حاجات هتحسها القلوب وبصراحة ومن الآخر يا أني يا انتِ الليلة ومش هسيبك ولا هبعد ولا هقدر أفكر تاني .


وكمل بوله وغرام وهو بيعترف لها :

ـ أني عاشقك يا "نغم" ومش عيب إن الراجل يعشق مرَته مهما كانت ظروفهم، وعايزك ومحتاج قربك دلوك ومهقدرش ابعد تاني ، بلاش نضيع اللحظات الحلوة داي بعيد عن الدوشة اللي في البلد وتعالي أسحبك وياي لعالم صدقيني هتدوبي فيه وياي كيف ما أني دبت في هواكِ.


وكمل برغبة وهو بيسند جبهته بجبهتها وبيتنفس أنفاسها وروحه بقت ملهوفة لقربها :

ـ أني عايزك تكوني مرتي دلوك ممتحملش لهفة واشتياق.

كانت مغمضة عيونها واتسحرت من كلامه وخلاص مبقاش عندها قدرة للتحمل ولا المقاومة ولا إنها تبعد لحظة عنه، ولسه هيقرب من شفايفها وينول من حلاله معاها والاتنين يدخلوا دنيا جديدة من الإحساس عمرهم ما جربوها تليفونه رن فصل لحظتهم فاضطر يبعد عنها وهو بيقبلها من جبينها وبيعتذر لها بعيون ولهانة:


ـ حقك علي هرد على "مازن" وهرجع لك ، هقول لك هقفل التليفون خالص.


واخد جنب وهو بيرد على ابنه مينفعش إطلاقاً إنه يرن وميردش عليه في اي وقت ، 

أما هي كانت في حالة من الإحساس واللهفة ليه ومشاعرها اللي بتطالب بقربه اكتر منه وهو كان خبير إنه يعرف يسحبها ناحيته ، قلبها كان بيتخبط وبيدق جواها لدرجة إن ضلوعها من شدة دقاته هتهتز جواها، حطت ايديها على قلبها وكأنها بتهدي ضرباته وخفقاته الشديدة ، وفاقت على صوت موبايلها هي كمان في رسالة جت لها على الواتساب ، 

مسكت التليفون وشافت الرسالة لقتها من رقم غريب ، فتحتها وكان محتواها:

ـ اتوحشتك قوي يا بت يا "نغم"، لفيت مهما لفيت وهعرِف حريم كد ما هعرِف لكن انتِ بالنسبة لـ"سمير" حاجة تانية ، روحي وقلبي وياكي ، حافظي على نفسك على ما أرجع لك واياكِ تفرطي في نفسك علشان جسمك وكلك ملك "سمير الناجي" بس، اقفلي على حالك وبلاش تفكري تغدري والا يمين بالله هقـ.ـتلك وأقتـ.ـل عيالنا وأقـ.ـتل حالي بعدكم ، ومتقوليش لـ"سند" على رسالتي والا أذاي هيطول ولادك قبل منك وإنتي خابرة زين دماغي المفوتة ممكن تعمل ايه.


قرات الرسالة بأصابع مهزوزة والرعب اتملك من ملامحها والخوف على ولادها من تهديده المجنون رجع يسيطر على ملامحها وقلبها وكل ذرة في كيانها اكتر من الأول ، وفجأة لقت نفسها بتسحب شال محطوط جنبها وبتداري بيه نفسها وقامت تدخل اوضتها بسرعة وتقفل على نفسها ، كان "سند" خلص مكالمته وراجع لها بلهفة ، لقاها سايباه فشدها من ايديها باستغراب:

ـ على فين يا حبيبة قلب "سند" .


فجأة عيونها برقت برعب وسحبت ايديها من ايده وجريت من قدامه وقفلت على نفسها الباب بدرجة صدمته وخلته واقف مكانه بيتفرج على اللي عملته بذهول وأعصابه مشدودة وعيونه متعلقة بالباب اللي اتقفل في وشه وكأنه باب الجنة ....


الفصل العاشر من هنا

stories
stories
تعليقات