رواية جرايم عوض ( كاملة جميع الفصول ) بقلم محمود الأمين

 

رواية جرايم عوض كامله جميع الفصول بقلم محمود الأمين 

2007
_ ها يا دكتور طمني.. سالم ماله؟
= البقاء لله، سالم اتوفى.
_ لا حول ولا قوه إلا بالله، إنا لله وإن إليه راجعون.
= بس أنا لسه ما كملتش كلامي، هو ما ماتش موته طبيعيه، صاحبك اتقت.ل، وأنا لازم أبلغ عشان الشرطه تيجي وتشوف شغلها.
_ لا شرطه إيه، وحد الله، إنت هتطلع من هنا وما شفتش حاجه، الراجل مات موته ربنا، وده أجله، لكن شرطه وهتدخلنا في سين وجيم كده؟ أزعل منك.
= قصدك إيه؟ إنت عاوزني أخالف ضميري المهني وأقول إنه صاحبك مات موته طبيعيه؟
_ ده إنت مش هتقول بس، إنت هتكتب كده في تقريرك كمان.
= لا، لا، إنت أكيد مجنون، أنا مستحيل أعمل كده، وبعد إذنك عديني عشان أخرج.
_ تخرج تروح فين يا دكتره؟ شكلك كده عايز تحصله؟!
= هو إنت اللي خلصت عليه؟!
_ دلوقتي اللي فهمت؟ طب حمد لله على السلامه، ولو مصمم إنك تبلغ أنا ما عنديش مشكله إن الجث.ة يبقوا اتنين.
= أنا مش بتهدد، وسع كده وعديني.
...
كان فاكر نفسه أذكى مني، وسعت الطريق، وقبل ما يخرج كنت كاتم نفسه، حاول يصرخ، ما اعرفش، وفي لحظه كانت روحه خارجه في إيدي، ومات.
.....
أنا الدكتور وسام محفوظ، دكتور الطب النفسي بمستشفى العباسية. كنت بحضر الدكتوراة بره في إنجلترا، ولما والدي الله يرحمه توفى اضطريت إني أنزل مصر، وبعد ما خلص العزا قابلت الدكتور فاروق، وده دكتور كان بيدرسني في الجامعة، وعرفت إنهم محتاجين دكاتره عندهم خبره، لأن معظم الموجودين حديثي التخرج.
وفعلاً اقتنعت بكلامه، خصوصاً إني كنت عايز أسيب إنجلترا من فتره وأرجع مصر، واللي كان واقف في طريقي هو الشغل، لكن طالما هلاقي شغل في مصر وفي أكبر مستشفى للطب النفسي، فأنا ما عنديش مشكلة.
من تاني يوم استلمت شغلي في المستشفى، وابتديت أقرى ملفات المرضى وأعرف إيه أسباب مرضهم؟!
وبعد فحص دام لساعات قررت إني أعمل نفس الطريقه اللي كنت بعملها في إنجلترا، وهي الجلسات: إني أقعد مع مجموعه من المرضى، واحد فيهم يحكي حكايته قدامنا، وده بيدي ثقه كبيره للمريض النفسي إن في حد بيسمعه، وهو كمان بيسمع مشكله غيره الأكبر من مشكلته، وده بيخليه يحس إن مشكلته صغيره بالنسبه لناس تانيه.
اخترت كذا ملف لمرضى عشان أقعد معاهم وأسمع حكايتهم.
كانوا خمسه: سعاد، وطارق، وسليم، ونهى، وعوض.
مشاكل سعاد وطارق وسليم ونهى مشاكل أسريه بحته، كلهم هنا لأسباب تتعلق بمشاكل مع أسرهم؛ أب كان بيضرب الأم، وده سبب للبنت أزمه نفسيه، أب جوز بنته غصب عنها، وجوزها عاملها وحش لحد ما سببلها أزمه نفسيه، واحد عاش مع جوز أمه وشاف معامله قاسيه اتسببت في أزمه نفسيه.
لكن كل دول كوم، وعوض كان كوم تاني خالص. طول الجلسه كان ساكت، مش بيتكلم، ولو بصيت عليه هتلاقيه مركز مع كل واحد فيهم بيقول إيه، لحد ما جه الدور عليه واتكلم وقال:
_ أنا مش مريض نفسي، أنا قات.ل.
أول ما قال كده، الأربع حالات اتلفتوا ناحيته، كان باين عليهم الصدمه من أثر الكلمه، ورجع كمل كلامه وقال:
_ هما شايفيني مريض نفسي عشان الأسباب اللي قلتها بينت في نظرهم إني إنسان حاقد وكاره لغيري، شافوا إني محتاج أتعالج.
= طيب ما تحكي الحكايه من الأول كده، وفهمني قت.لت مين وليه؟!
_ رغم إنها مش هتفرق، والحكم مش هيتخفف، وهخرج من هنا بعد فتره على المحكمه، لكن عشان الكل اتكلم أنا كمان هتكلم. المشاكل اللي إنتوا حكيتوا عنها كلها تخص الأهل، وهنا مربط الفرس؛ الأهل والتربيه الغير سليمه ممكن يوصلوا البني آدم إنه يقت.ل، بس كل واحد فينا بيكون خايف يأذي اللي أذاه، بس أنا ما خفتش، وما سبتش حد ياخد حقي أو ييجي على رزقي.
وعشان أنا عارف إنكم مستنيين تعرفوا، أنا هحكي كل حاجه.
....
أول حاجه أنا اتولدت في قريه ريفيه بدون ذكر اسمها. كنت عايش فيها أنا ووالدي ووالدتي وأخويا الصغير سامح. القريه بتاعتنا معظمها صيادين، عشان في بحيره قريبه من القريه والناس بتروح تصطاد فيها. كان سني 10 سنين لما أمي جابت أخويا الصغير سامح. كانت فاقده الأمل إنها هتخلف تاني بعدي، وأقدر أقول إن المعامله كانت كويسه جداً لحد ما جه سامح. في لحظه الاهتمام اختفى، وكل الاهتمام والود والحب بقوا في يوم وليله من نصيب سامح، وزي أي عيل صغير كنت بغير.
عشان يتحول عدم الاهتمام لقسوه عمري ما شوفت زيها في حياتي، وهي دي كانت البدايه. كنت بشوف سامح بيكبر كل يوم قدام عينيا، وأهلي بيعاملوه أحسن مني، ولو اتكلمت وقلت على حاجه كانت بتترفض من غير تفكير، ولو عاندت في سامح أبويا كان بيضربني، وبدل ما أحب أخويا كرهته، كرهت وجوده وكل حاجه بتربطني بيه.
لحد ما وصل هو سبع سنين، وكنت فاكر إنه لما يكبر شويه الاهتمام بتاع أهلي ده هيقل شويه، لكن ده ما حصلش. وفي يوم خرجت من البيت وروحت قعدت مع جماعه أصحابي، ويومها كانوا بيشربوا ممنوعات. أنا كنت مش بشربها وبرفض إني أشربها دايماً، لكن يومها شربت، ويا ريتني ما شربت. رجعت في اليوم ده وأنا مش شايف قدامي، أهلي كانوا ناموا، ولقيت أخويا بيلعب في أوضته. أنا ما كنتش بكرهه، بس هما السبب. دخلتله من غير ما ياخد باله، وكتمت نفسه، كان بيحاول يفلت مني، بس ما اعرفش، لحد ما قطع النفس خالص ومات.
كنت حاسس إني في كابوس، وفوقت منه لما قطع النفس. حسيت إن كل اللي شاربُه اتبخر، وفضلت أبكي زي العيال الصغيره، لكن وقتها صوت في عقلي كان بيقولي:
اتصرف في المصيبه اللي إنت عملتها دي قبل ما أهلك يصحوا، وساعتها مش هيرحموك.. مستني إيه؟ كل دقيقه انتظار فيها خطر عليك.
..
قومت من مكاني وحطيت الجث.ة في شوال، وخرجت من باب البيت، الوقت كان متأخر وأهل البلد كلهم نايمين. فضلت ماشي مش عارف أنا رايح فين؟!
لحد ما وصلت لغيط كان قريب مني، ولقيت صاحبه سايب عده حفر. فرصه ومش هتتعوض. حفرت بسرعه ودفنت الجث.ة، ورجعت البيت نمت ولا كأني عملت حاجه.
....
= الأربعه اللي كانوا معاه في الجلسه كانوا مستغربين إنه بيحكي بالسهوله دي، بيحكي إنه قت.ل أخوه ودفنه ورجع البيت نام عادي ولا كأنه عمل حاجه.
لكن رجع كمل كلامه وقال:
_ تاني يوم لقيت أمي بتصحيني وبتسألني على أخويا، قولتلها معرفش، أنا رجعت امبارح متأخر ودخلت نمت على طول.
ولأول ولا أول مره أحس إحساس الانتصار، وأنا شايف أبويا وأمي مقهورين وبيسألوا نفسهم يمكن خرج وتاه أو اتخطف، وكانوا مستنيين حد يتصل بيهم يطلب فديه زي ما بيحصل في الأفلام، لكن ده ما حصلش. ومع كل لحظه كنت بشوفهم بيدوروا عليه فيها، ما تتصوروش الفرحه اللي أنا كنت فيها، بس طبعاً كنت بداريها تحت دمعتين وببين إني زعلان عليه.
لحد ما حد من أهل البلد اكتشف الجث.ة، عشان أنا ما عنديش خبره في الدفن. دفنت الجث.ة دفن عشوائي، وده خلى ريحه الجث.ة طلعت، ويومها طبعاً البلد اتقلبت.
وشوفت بعيني الكسره والحسره اللي في عين أمي وأبويا. أمي وأبويا اللي كنت فاكر إنه بعد موت أخويا هيعملوني كويس، لكن حتى وهو ميت كان شاغلهم. أبويا تعب ورقد في السرير، وأمي كانت دايماً بتتجاهلني. كنت هتجنن، حسيت إن كل اللي عملته ده على ما فيش. وبعد أسبوع واحد أبويا مات.
ما كنتش عارف أزعل عليه.. بس الدنيا بقت أصعب، عشان أنا اللي بقيت بشتغل، ومن ناحيه تانيه الحكومه كانت بتحقق في قضيه أخويا، كنت خايف حد يعرف إني قت.لته.
لكن اللي كنت مستغربها هي أمي، اللي نظراتها ليا كانت غريبه، ماكنتش فاهم هي بتبصلي كده ليه؟!
لحد ما قررت أتكلم معاها. كانت قاعده على الكنبه في الصاله، وقدامها كوبايه الشاي، وسألتها:
_ هو إنتي متغيره معايا كده ليه؟.. هو أنا عملت حاجه زعلتك؟
= لا يا عوض، بس إنت شايف الحمل بقى عامل إزاي علينا.. أخوك وأبوك خلاص ماتوا، وإحنا محتاجين مصاريف كتير.
_ طيب ما أنا بطلع وبصطاد مكان أبويا، ومش هخليكي محتاجه حاجه.
= هو بصراحه أنا مش متغيره معاك عشان كده، أنا عاوزه أسألك سؤال وتجاوب بصراحه.
_ اتفضلي.
= إنت ليك علاقه بقت.ل أخوك؟!.. قلبي بيقولي إنك عارف حاجه ومخبيها.
_ قلب الأم عمره ما بيكدب، أيوه ياما أنا اللي قت.لت أخويا.
....
أمي كانت بتشرب الشاي، الكوبايه وقعت من إيدها، وبرقتلي وهي مش مصدقه، بس كملت كلامي:
_ مستغربه ليه؟!... أنا اللي قت.لت أخويا.
= بتقولها عادي كده؟ مش خايف أقت.لك أو أبلغ عنك؟
_ مش هتلحقي ياما، أنا بس كان نفسي أشوف في عينكي نظره حنيه ليا بعد ما المحروس شرف، كل حاجه هو هو، وأنا اتركنت على الرف، رغم إني ابنك زي ما هو ابنك. بس خليني صريح، أنا كنت شارب يومها وماكنتش في وعيي، لكن المره دي، وأنا بحط السم لأعز الناس على قلبي، ما كنتش شارب ياما. الشاي اللي إنتي كنت بتشربيه ده مليان سم. أنا حتى كنت منتظر منك إنك تعامليني زي الأول، زي زمان لما كنت أنا ابنكم الوحيد، بس يا خساره.
...
كانت بتتألم قدامي من الوجع.. لكن في اللحظه دي لقيت باب البيت بيخبط، ولما بصيت من الشباك... ما كنتش مصدق اللي شايفه...

تعليقات