رواية ظلال الخطيئة ( كاملة جميع الفصول ) بقلم دنيا الشملول


 رواية ظلال الخطيئة الفصل الاول 

طُرقٌ لا تُبشِّر بخير 

تململت فوق الفراش كأنما تعطي إشارة لجفنيها كي يُفرجان عن بصرها، لمحت خيوطًا بيضاء كثيفة كُوِّنت في زاوية سقف الغرفة، تنهدت بقلة حيلة وهي تسخط على العناكب التي لا تترك زوايا البيت وشأنه. اعتدلت من نومتها تنوي بداية يوم جديد، لكن بأحداث تتكرر! ألقت نظرة على النائم خلفها قبل أن تتحرك إلى خارج الغرفة بهدوء تام. فتحت نوافذ المطبخ المُهدرة أغراضه، ونظرت حولها بضيق من منظر مطبخ نامت دون أن تترك فيه صحنًا غير نظيف، والآن تعمه الفوضى.
زاد من ضيقها رؤية النمل منكبًا على قطعة بسكويت واقعة على الأرض، يا للأطفال المشاغبين، ويا للكبار غير المسؤولين! اغتسلت ورتبت ما استطاعت حتى تحضر طعام الإفطار قبل استيقاظ أهل البيت، وضعت البيض يُسلق، وارتدت خمارها وسحبت بضع ورقات من المال متجهة إلى المخبز القريب من بيتهم. وما إن عادت حتى انكبت على باقي الطعام تُنهيه، وفي تلك الأثناء كان أحمد قد استيقظ وتحمم واستعد للذهاب. قال لأمه قبل خروجه:
- يمكن أتأخر شوية النهار ده، هنناقش المشروع أنا وصحابي.
- خد بس تعالى افطر الأول، هتسافر على لحم بطنك كده!
- ما فيش وقت، هاخد أي حاجة في الطريق.
ذهب دون حديث إضافي ترافقه دعوات أمه ورضاها عنه، هذا ابنها البار الذي لا ترى منه إلا كل التزام بالدراسة، ولا يفتعل الشغب أو يترك من حوله الفوضى، لو أنها أنجبت كل أبنائها أحمد، لما كان حالها على ما هو عليه.
دقائق ودخلت عليها أسماء، جلست بجوار الحائط تقول بتعب:
- ماما أنا عمالة أرشف من بليل، وزوري واجعني خالص مش قادرة أبلع ريقي.
زفرت وداد بقلة حيلة، وذهبت إلى رف الأدوية في ثلاجتها، أخرجت زجاجتي دواء، نظرت إلى محتواهما بتمعن قبل أن تملأ ملعقة من كل نوع وتعطيها لها قائلة بثقة:
- ساعة زمن وهتبقي زي الفل.

شربتهما أسماء بثقة تامة في أمها، لطالما كانت صادقة فيما يخص الدواء، كل علة تجد لها دواءً عندها، وكل شكوى تجد لها آذان تصغي باهتمام. تحممت أسماء بدورها وخرجت توقظ بقية إخوتها كما طلبت منها أمها، لكنها وسُمية تشاجرتا بالأيدي لكون الأخيرة لا تريد إزعاجًا، وأسماء لا تكف عن مناداتها كي تكلم أمها. دخلت الأم غاضبة عليهما وهي تقول بحنق:
- انتوا ما فيش صبح يعدي عليكوا من غير مشاكل؟ أنا باعتاها تصحيكي يا سُمية، قومي تحركي عشان تلحقي الكورس بتاعك. الله!

خرجت الأم تجر خلفها قائمة ذهنية من الأمور التي يجب أن تنهيها خلال الدقائق القادمة، خاصة وأن زوجها على وشك أن يستيقظ. وقبل أن تشرع في تقمير الخبز أتاها صوته مناديًا، لبت نداءه في عجل، فطلب الإفطار وملابس العمل، وأوصى أن يكون كل شيء معجل حتى لا يتأخر عن موعد مهم. ركضت تحضر له ما طلب، ونادت أسماء كي تساعدها، لكنها تململت وقالت بأعين متعبة:
- والله دايخة يا ماما، مش قادرة أعمل حاجة.
- وإيه الجديد؟ العلة ما بتمسكش حد في البيت ده غير لما أطلب منه حاجة.
واضطرت أن تعمل بيدين تحول كل إصبع فيهما إلى يد زائدة كي تنجز كل مهامها بشكل سريع وعلى أكمل وجه.

التف الجمع حول المائدة، والصمت أطبق عليهم جميعًا إلا من صوت خشخشة الخيار تحت الضروس، سأل الأب عن أحمد، وأخبرته زوجته بتعجله في الصباح، قال موجهًا حديثه إلى أسماء:
- خلصي بسرعة وهاتي كتبك، أنا هعدي على مكان درس العلوم بتاعك وأنا رايح مشواري، هوصلك بدل ما تركبي توك توك.

قفزت من مكانها مهللة في فرح، فهي دونًا عن كل أهل البيت تعشق ركوب الدراجة النارية، وتنتهز الفرص لترافق والدها في مشاويره القريبة من البيت قدر ما أمكن. نفت وداد بقلة حيلة، ووجهت حديثها إلى باسم الصامت على غير العادة:
- درس الفيزيا الساعة ١٠ ولا تغير معاده؟
- لا في معاده.
تعجبت تحفظ الولد، هذه ليست عادته، لكنها لم تعلق حتى لا ينتبه زوجها له وينفتح بينهما حوار حاد كما يحدث دومًا. وما إن ذهب الأب وابنته حتى سألته عن سبب صمته الغريب، قال مستهزءًا:
- أتكلم على الأكل مش عاجب، أسكت على الأكل برضو مش عاجب، أعمل إيه عشان يعجب أنا مش عارف، يا ربي من دي عيشة بقا!

قال آخر قوله بنبرة عصبية، وترك الطعام واتجه إلى غرفته، جذب كتابه وأقلامه وقال قبل أن يُغلق الباب خلفه:
- هروح ألعب كوره لحد معاد الدرس.
لم ينتظر موافقتها حتى، بل اتخذ القرار ونفذه، وهي لم تعارض، تركته يفعل ما يريد، فحتى لو رفضت لن يسمع لها، وإن بكت أمامه لن يُشفق عليها، القسوة كلها اجتمعت في قلب ذلك الولد، وما أضنى قلبها من قسوته هذه!

ذهب أبناؤها جميعًا كل إلى طريقه، زفرت بعمق، وكأن تنهيدتها إعلان بدء معركة جديدة مع أعمال البيت، لملمت الصحون الفارغة وقامت بغسلهم، نظفت البيت بأكمله، وبدأت تغسل الثياب، وشرعت تجهز الغداء، ثم خرجت تنشر الثياب، وعادت تتابع الغسيل مع تجهيز الطعام، كل هذا في حركات مدروسة ومحفوظة وكأنما أدخلت أمرًا لإنسان آلي ويقوم بتنفيذه بدقة بالغة وترتيب متقن!

تخطت الثانية عشرة ظهرًا، وكان هذا الوقت هو المتنفس لجسدها المهلك منذ البكور، أخذت كوب الشاي خاصتها، وفتحت التلفاز على إحدى القنوات، وجلست تحتسي الشاي في هدوء تام، لكنه لم يدم طويلًا، فقد دق الباب، وكانت دقته مريبة، ليس لأنها لا تنتظر أحدًا عند هذا الوقت، وإنما لأن الصوت الآتي من أمام الباب لا يُبشر بخير أبدًا!
__________________

غائم الفكر في آخر موقف حدث بالمدرسة، ينظر إلى ما يكتب معلم الفيزياء على لوح الشرح، لكنه لا يفهم شيئًا، يحاول التركيز لكن عقله يأبى، لا يعرف كيف سيواجه مدير المدرسة والمعلمين غدًا، مؤكد لن يمر ما حدث مرور الكرام، سيحاسبونه ولا يدري كيف، وأكبر مخاوفه أن يرسل المدير استدعاء لولي أمره. انتفض على عصا المعلم تضرب الطاولة أمامه، نظر إليه بتيه ليسأل المعلم بغضب:
- أنا كنت بقول إيه دلوقتي؟

تلفت حوله، وطالع لوح الشرح، ثم عاد بنظره إلى معلمه قبل أن ينطق بنبرة مختنقة:
- ما كنتش مركز، معلش.
ضغط المعلم أسنانه غيظًا، ثم توعده قائلًا:
- صدقني لو بصيت لك تاني ولقيتك مش مركز هيبقى ليا تصرف تاني معاك.

تحرك يتابع شرحه، وحاول باسم التركيز، لكن عقله سبح ببحور الفكر من جديد، هنا وناداه المعلم بنبرة عالية، ما إن نظر تجاهه حتى قال بنفس النبرة العالية مُشيرًا للباب:
- اطلع بره، اسرح في الشارع، اللي يقعد قدامي يبقى قاعد يفهم، لكن مش كفاية عليا عدد وخلاص.

اضطر للخروج، فلا مبرر لديه حتى، نظر لساعة يده، ما زال الوقت باكرًا على درس اللغة العربية، اتخذ طريقه إلى حيث يأخذ الدرس، وجلس إلى سور مقابله ينتظر مرور الوقت الذي مضى ببطء كأنما يتعمد مضايقته. بدأ الطلاب يتوافدون، وآخر من يرغب في رؤيتهم هذا اليوم أتوا أيضًا، حاول ألا يلتفت تجاههم، لكن محمد أبى إلا أن يثير غضب باسم، خاصة وأنه شاهد على فعلة باسم في المدرسة، ليس هو فقط، بل ومجموعة أصدقائه البلهاء أيضًا، وهم الشهود الذين سيسلمونه للمدير على طبق من ذهب! قال محمد مستهزءًا:
- يعني أنا بقول الأفضل إنك كنت تركز في حصة الفيزيا النهار ده، أصل بعد اللي حصل في المدرسة ما أظنش هتحضر شرح درس النهار ده في الفصل. ضيعت الدرس على نفسك كده.

نظر إليه باسم شزرًا، واتخذ وضعية البرود التام، مما أثار ضيق محمد الذي قال لأصحابه بصوت عال مضحك:
- بكره هيقول للمدير: والنبي آخر مرة يا أستاذ، مش هعمل كده تاني.

ضحكوا جميعًا عليه، بل وانضم آخرين للضحك عليه، وهذا جعل الدماء برأس باسم تفور، وانتفض من مكانه يقصد محمد الذي اتخذ وضعية الدفاع عن النفس، لكن يد باسم كانت أسرع حين ضربه بشدة على جبهته مما جعل محمد يتألم. تدخل زملاء محمد يحاولان الإمساك بباسم حتى لا يصل إلى محمد من جديد، لكن الغضب قد تلبس باسم بالفعل، وقام بدفع كل من اعترض طريقه، وعلى حين غفلة ضم قبضة يده ونزل بها على جبين محمد مرة أخرى مما أرداه إلى الخلف خطوات قبل أن يقع على الأرض صارخًا بقوة، نظر ليده التي وضعها حيث الضربة فإذا بالدماء تملؤها، صرخ أكثر وهو يسب شتائم متتالية، والتف حول باسم عدد من الأولاد ممسكين به بإحكام، قال محمد وهو يقف مواجهًا لباسم والدماء تسيل من جانب حاجبه:
- اقسم بالله لأعملك عبرة بحق كل نقطة دم يا بيسو.

ثار باسم أكثر من هذا الاسم الذي يكره، لكنه لم يستطع الإفلات من أيديهم، جروه جميعًا وفي المقدمة محمد، واتجهوا إلى بيته، طرقات متتالية مع أصوات مختلطة للأولاد، وبعد بضع طرقات غاضبة فتحت وداد الباب لتتفاجأ من منظر باسم غير المرتب، ثيابه فوضاوية، وشعره مبعثر تمامًا، سألت مضطربة في فزع على ابنها:
- فيه إيه؟ إيه اللي عمل فيك كده؟! وانتوا مالكم جايين بالشكل ده ليه؟!

هنا وظهر محمد من خلفهم، وعلى وجهه أمارات التعب مع البراءة المزيفة، قال مشيرًا إلى باسم والدموع تجمعت بمقلتيه:
- باسم طلب مني كشكولي ينقل درس الفيزيا بعد ما الأستاذ طرده من الدرس، وأنا خفت الأستاذ يزعق فيا لو عرف، ولما رفضت أديهوله هجم عليا ضرب لحد ما فتح لي حاجبي، أنا لا رضيت أضربه ولا أشتكي للأستاذ، بس دي مش أول مرة يعمل معايا كده، واسألي اصحابنا، كلهم جم يشهدوا على اللي حصل.

كان يقول كلامه بتتابع كأنه يخشى نسيان كلمة، أسلوبه الذي جعل الغضب يتسرب إلى أوردة وداد، نظرت إليه بقسوة وهي تقول بغضب بدا جليًا في نبرتها وأسلوب كلامها:
- هتبطل تجيب لي المصايب لحد باب البيت إمتى؟ هتفضل عيل لإمتى؟ مش عايز تكبر؟ مش عيب على طولك؟ ما بتعملش حاجة عدلة، لو مش وراك مشكلة يبقى بتفكر في مشكلة، مش هتعقل أبدًا؟

كانت تتحدث بعصبية مفرطة، كأنها تفرغ شحنة ما بداخلها، طريقتها تلك جعلت عينا باسم تتأرجح في مكانهما غضبًا وخزيًا، نفض أيدي زملائه، وألقى على أمه نظرة ساخطة قبل أن يركض إلى الشارع، نادته لكنه لم يرد. تأففت بضيق من هذا الفتي الطائش، واضطرت لتقديم الاعتذار إلى محمد واعدة إياه أنها ستخبر والده ليربيه من جديد.
أومأ محمد برضا، وتحرك وزملاءه تاركين والدة باسم تستشيط غضبًا، بينما هم يتضاحكون فيما بينهم.

وعلى صعيد آخر في مكان آخر يجلس باسم منكمشًا على نفسه والضيق والغضب يسيطران عليه، لقد كبر على أن تنهره أمه أمام الآخرين، ما زالت تعامله كولد صغير في الابتدائية، لا تهتم لسبعة عشر عامًا قضاهم من عمره في هذه الحياة، بل ولا تنتبه لطوله الذي تجاوزها، ما زالت تراه ابن السادسة. وهذا لا يضايقه فقط، بل ويجعله يسخط البيت وأهله وكل من حوله. توعد في داخله ألف وعيد لمحمد هذا، لن يمررها له هكذا، والغد ليس ببعيد.
_*_*_*_*_

كومة من الأوراق تسكن فوق طاولة منزوية، يلتف حولها عدد من الشباب والفتيات، يتناقشون فيما بينهم، هذا يُقدم تقاريره، وذاك يقترح تعديلات، وتلك تشرح وجهة نظر، ومن بينهم جميعًا يجلس هو في صمت تام، يخزن في عقله النيِّر حديثهم جميعًا، ويقوم بتفنيده حسب أهميته لمشروع تخرجهم، لا يتحدث إلا قليلًا، وإن تحدث كان قوله في محله. قالت فاتن التي شعرت ببعض الإحباط فجأة:
- أنا مليت حقيقي، ما فيش حاجة بتتظبط خالص.
- بالعكس. احنا بصدد التنفيذ خلاص.

تحولت جميع الأعين إلى أحمد الذي قال جملته بثقة تامة، مر أكثر من ساعة على جلستهم هذه، ولم يصلوا إلى خطة تامة، ماذا لديه ولم يتحدث عنه إذًا ليجزم أن الأمور في نصابها الصحيح، بل وأنهم على أتم الاستعداد للتنفيذ. بعد دقائق قليلة من ترتيب أحمد لحديثه داخل عقله، انطلق لسانه بشرح مشروع التخرج من بدايته، وذكر المعرقلات له وحلولها، تحدث وكأنه يشرح مشروعًا حيًا تم تنفيذه بالفعل، أبهر الجميع بما لديه حقًا، فأثنوا جميعهم على ما قدم. وبدأوا في تدوين كل ما قاله أحمد لينظروا فيه نظرة أخرى متمعنين فيه.

نطق فؤاد بعد أن ابتسم للأوراق بيده:
- كده ممتاز، المشروع بين إيدينا.
- باقي نحسب التكلفة، ونقسمها علينا، ووقتها نقدر نقول إن فعلا المشروع بين إيدينا.
كان هذا رد فاتن، والذي غرس في نفس أحمد ضجة لم يستمع لها أحد، هو وحده من سمعها وأحسها ووقع صريعًا لها! تكلفة! حقًا كيف توارى هذا الأمر عن عقله، عمل بشكل جاد على هذا المشروع من كل الجوانب، ونسي تمامًا أنه سيكلفهم مبلغًا من المال ليس بهين عليه هو على الأقل! كيف راح عن باله أمر كهذا؟

غرق هو في بلوته، وغرقوا هم في حساب تكلفة المشروع، وأجرى عدد منهم اتصالات عدة للاستفسار عن أسعار المعدات اللازمة لهم، واستنتجوا في النهاية المبلغ الذي سيُقسم على عشرة أفراد، وأحمد واحد منهم. قال طارق مقدمًا ورقة الحسابات:
- دي حسابات المشروع بالكامل، واللي المفروض كل واحد يدفعه مننا.

طالع كل واحد الورقة بعناية، وقبل أن يمررها لصاحبه يوافق عليها، حتى وصلت الورقة إلى أحمد، كان يومئ برأسه بينما يمرر عينيه على الأرقام أمامه، ازدرد ريقه المعبأ بغصات آلمته، ماذا سيفعل الآن، كيف سيدبر مبلغًا كهذا لمشروع التخرج؟ مسئوليات أبيه متشعبة وكبيرة، ولا يمكنه تحميل أبيه فوق طاقته بهذا الشكل! لم ينتبه لأمر كهذا وهو يعد المشروع بعقله، كأنما عقله حجب الأمر عن نفسه حتى لا يعرقل سيره! نظر لزملائه فإذا بهم يتناقشون في المشروع مرة أخرى، لقد أعطاهم الموافقة بإيماءاته التي لم يقصدها حتى، ولو لم يومئ أصلًا أيضًا سيخبرهم بموافقته. سيتعطل كامل المشروع عليه! غير معقول طبعًا.. لكن من أين له بالمال؟ هذه المعضلة التي ستنغص عليه يوميه القادمين.
لم ينتبه إليه أي من الجالسين حوله غير عينين من بينهم، وصاحبة العينين لم تلحظ حركته فقط، بل وتعلم جيدًا ما يحدث بداخله. 

________________

بدأ باب البيت يُطرق من قِبل أول عائد من الخارج، كانت سُمية التي سألت ما إن دخلت من الباب بصوت خفيض:
- بابا رجع؟
- لسه؟ عاملة مصيبة إيه؟

كان هذا تساؤل أمها المرهقة، لكن سمية قالت بشغف كبير وهي تصفق يديها معا وتقفز على قدميها:
- أنا مبسوطة أوي، فيه ناس شافوا الرسم بتاعي في الكورس، وانطلب مني أعمل بورتريه لشخصين بالرصاص، عارفة يعني إيه؟ يعني ده مشروع لوحده يا ماما.
أنهت قولها وهي تمسك بيدي أمها في سعادة، قالت الأم بينما تطالعها بطرف عينها:
- وتفتكري رد فعل أبوكي هيبقى إيه يا ترى؟

قالتها كأنها تذكرها برأي والدها في الرسم، وكيف أنه نهرها عدة مرات حتى لا ترسم وجوهًا حية. زفرت سمية بغيظ وضيق، قالت بلامبالاة:
- مش هيعرف حاجة، وأنا مش هدفن موهبتي عشان بابا مش عايزني أرسم من الآخر يعني. أنتِ لو تشوفيهم كانوا منبهرين ازاي بالرسم بتاعي، بس أعمل إيه بقا.. ماحدش في البيت ده عارف قيمة الموهبة أصلا.

قالت قولها ودخلت مباشرة إلى الغرفة والضيق يعتليها. ستنفذ ما بدماغها وإن وقف البيت كله بوجهها. نفت الأم بقلة حيلة من تلك الفتاة، ودخلت إلى المطبخ تنهي تجهيز الغداء، لكنها خرجت مجددًا على صوت الباب، رحبت بعودة أحمد الذي بدا الضيق والكرب على وجهه، تركت كل شيء وذهبت خلفه إلى غرفته، سألته عما به، فتنهد قبل أن يخبرها بالأمر كله.

ربتت على كتفه بحنان، قالت تحاول المساعدة:
- أنا كنت عاملة جمعية مع الجيران عشان أدفع مقدم غسالة نص أتوماتيك، بس أنت ودراستك أولى دلوقتي. هكلم خالتك أم محمود تديني الاسم ده مستعجل. وبعدين نشوف صرفة تانية نكمل بيها المبلغ إن شاء الله.

ابتسم لها بحب قبل أن يقبل ظهر يدها ممتنًا، قال مقترحًا:
- وأنا بفكر أنزل يوميتين في اليوم، أجمع كوسة وبتنجان مع العمال، يومين تلاتة كده أكمل المبلغ، بس بابا مش لازم يعرف خالص.

هزت كتفيها بقلة حيلة، وأكدت أنها لن تخبر أباه بشيء على الإطلاق، ودعت له بالتوفيق وصلاح الحال. وقبل أن تُتم دعواتها كان باب البيت يُطرق طرقًا متتاليًا أفزع كل من بالبيت، انتفضت الأم إليه، وما رأته جعلها تشهق بصدمة وقلب مفطور.

تعليقات