رواية جريمة من الماضي كامله جميع الفصول بقلم أندرو شريف
على الرغم من ان المناطق الشعبية زحمة ومافيهاش نفس، إلا ان جرايم القتل فيها كترت ولأسباب كتيرة، وكل يوم والتاني يا بنلاقي بلاغ عن حالة ضرب، او تهديد بالقتل.. أو بقى قتل فعلًا، وكل جريمة والتانية وراها حدوتة وقصة قديمة، دوافع جوة الشخص ومدفونة جواه، عشان مرة واحدة الدوافع دي تخرج عن طريق تصرف همجي، واحنا بقى موجودين عشان نجيب حق كل ضحية، وقبل ما نجيب حقهم، لازم نوعي ونعلم السلوكيات الصحيحة، حتى لو ماشيين في طريق آخره حيطه سد، والنهاردة، ووانت بتسمع القصة دي، مش بعيد اكون في مسرح جريمة او جالي بلاغ وفي طريقي له.. بس مهما كان، فاللي هتسمعوه هيلمسكم، حتى لو صعب.
**
بعد سنين استقبلت فيها قضايا كوني وكيل نيابة، لاحظت حاجة غرببة، هي وإن معظم البلاغات اللي بتجيلي، أو كلها، بتيجي في وقت غلط، يعني يا راجع بيتي عشان انام، يا بعد يوم مُرهق في النيابة، وغيره كتير من الظروف اللي ببقى مُجهد فيها، لكن الحاجة الوحيدة اللي مسعداني أقف قصاد ده كله، هو فنجان القهوة الغامق اللي بشربه على الريق الصبح، وعلى مدار اليوم، وعلى سيرة فنجان القهوة، فقضية النهاردة جتلي وأنا في مكتبي وبشرب أول بوق من القهوة، ده لما موبايلي رن واللي كان بيتصل هو الرائد ياسر عماد، رديت عليه وكنت لسه هسأله البلاغ عن ايه، قالي وفيه زحمة حواليا:
-معالي الباشا.. الرائد ياسر عماد مع حضرتك، انا بكلم سيادتك بخصوص بلاغ عن جريمة قتل في منطقة غيّة الحمام، هبعت لحضرتك اللوكيشن وفي انتظارك بإذن الله.
-تمام يا ياسر ييه.. تمام، أنا في الطريق ليك.
بعد ما قفلت معاه، شربت فنجان القهوة على بوق واحد ونزلت، ركبت عربيتي واتحركت على اللوكيشن، وأول ما وصلت هناك، الدنيا كانت زحمة والناس مش مصدّقة اللي حصل، لكن اللي لفت انتباهي كان بنت من ذوي القدرات الخاصة، البنت دي كانت واقفة مع والدتها قريب من البيت وبتعيط، حتى أنا لما قربت منها شوية سمعتها وهي بتقول:
-ع ع عمه صاحب الأوبر مايكت نام و و ومش هيصحى تاني يا ما ما.. م م مش هشوف عمو تا تاني يا ما ما.
عشان الأم ترد عليها بدموع هي التانية وتقولها:
-أنا مش عارفة قلبك طيب وحنين كده لمين يا روقا يا حبيبتي.. تسلميلي وتسلملي طيبة قلبك يا أحلى حاجة حصلتلي.. وما تخفيش.. عمه في مكان أحسن.
بعدها باست ايديها وبصت في عينيها وهي بتقولها:
-عمه راح للي خلقه يا حبيبتي.. وكلنا رايحين.. بس بمعاد.
-ح حتى انا يا ما ما.
-بعد الشر عنك يا حبيبتي، بعد الشر يا روحي.
وسط ما انا مندمج معاهم، ومركز مع البنت روقا، قطع تركيزي صوت الناس العالي، وقتها خدت بعض ودخلت البيت اللي حصلت فيه الجريمة، وعن طريق فرد مباحث، عرفني الطريق وطلعت معاه الدور التاني، وقدام شقة اللي على ايدك الشمال في الدور، الضحية كانت واقعة على الأرض وسايحة في دمها، بصيت حواليا عشان أشوف ياسر فين، لقيته هو اللي بيدور عليا وجاي ناحيتي، سلم عليا بعدها قالي:
-الضحية اسمها معتمد حامد يا باشا، صاحب سوبر ماركت المعتمد، كان فيه واحدة جارتهم نازلة على السلم وشافته بالمنظر ده، لا شافت مين اللي عمل فيه كده، ولا حد شافه على الحالة دي قبلها، كمان بعد ما عملنا تحريتنا بشكل سريع، عرفنا انه مالوش زوجة ولا عيال، حتى ابوه وأمه متوفيين.. مقطوع من شجرة يعني.
-يعني ايه ماحدش شاف، اللي قتله دخل وخرج زي السكينة في الجاتوة كده؟.. عادي يعني يخش بيت غريب يقتل ويخرج من غير ما حد يقوله سلام عليكم حتى؟
-احنا سألنا يا باشا وماحدش عارف حاجة، الكل كان ملهي في اللي بيعمله وماركزش لو حد غريب دخل او خرج، حتى من الواضح كده، ومن المفاتيح اللي واقعة على الأرض، إن معتمد كان داخل الشقة قبل ما يحصل اللي حصل.
-طب هو مالهوش أي أعداء، خلافات، ماحدش سمع كلام بيترمى كده ولا كده؟.. أي حاجة تساعدنا في باقي التحريات يا ياسر.
-والله يا باشا لو من الناحية دي، فـ معتمد مالوش أكتر من الأعداء، هو راجل مابيحبش حد من اساسه وسُمعته سبقاه، خصوصًا انه يحب القرش زي عينيه.
-يعني مافيش حاجة بعيدة، ولو القتل عشان خلاف ولا فلوس رايحة جاية، هيكون غلط وهيتمسك، بس على العموم عايزك تعرفلي الدنيا كانت ماشية ازاي الفترة الآخيرة مع معتمد واللي حواليه، مين شد معاه في كلام، اي تهديد لحظي، الكلام ده كله هيبقى مفيد لينا، وعن طريقه هنوصل للي عملها بإذن الله.
-بإذن الله يا معالي الباشا، بإذن الله نوصله في أسرع وقت كمان.
بعد ما سيبتهم يشوفوا شغلهم وفريق الادلة والطب الشرعي انتهوا من كل حاجة، الجثة اتنقلت على المشرحة وانا رجعت النيابة، أمّا ياسر فكمل تحرياته اللي رجع بلغني بنتجيتها في نفس اليوم، ده لما اتصل بيا وقالي:
-سيف بيه.. ازي حضرتك يا معالي الباشا.
-وصلت لحاجة ولا ايه يا ياسر؟
-أه يا معالي الباشا، انا بعد تحريات كتيرة مني، وأسئلة أكتر لمعظم أهل المنطقة، عرفت ان معتمد في الفترة الآخيرة كان على خلاف مع اتنين مافيش غيرهم، فتحي مفتاح، وسمير العايق، الاتنين تجار جملة تقال أوي في السوق، بس الكلام ما بينهم ماكنش احسن حاجة، حتى الحوارات كترت وصوتهم علي في مرة وسط الناس، ولولا كبار المنطقة زي ما بيقولوا، الموضوع كان هيكبر أكتر ما بينهم، فـ مش بعيد يبقى واحد منهم. اللي عملها، أو يعني كلم اللي يخلص.
-طيب.. عظيم أوي يا ياسر.. عايزك بقى تجيبهملي النيابة ندردش مع بعض شوية.
-دلوقتي لو تحب يا فندم.
-دلوقتي يا ياسر.
مافيش ساعة زمن والاتنين كانوا وصلوا النيابة مع بعض تقريبًا، وقتها طلبت من العسكري يدخل فتحي مفتاح الاول لأنه كان وصل قبل العايق، ساعتها ومافيش خمس دقايق والعسكري دخل ومعاه مفتاح، من النظرة الأولى تفهم انه راجل شارع، بس من الرجالة اللي تحب تجيب الحق بدراعها، يعني ملامحه جامدة ولابس قميص وبنطلون من اللي بيلبسهم رجالة السوق، ومع كل ده السبحة كانت في ايده مش مفارقاه، فـ في لحظتها وبـ ابتسامة على وشي قولتله:
-اقعد يا فتحي.. ولا تحب اقولك يا مفتاح؟
بصوت تخين أكد وجهة نظري وقالي:
-اللي تشوفه يا معالي الباشا.
-ماشي يا مفتاح، عايزك تركز معايا كده، وتصحصح، أنا مش جايبك في جريمة سرقة.. دي جريمة قتل.
رد عليا وهو لسه قاعد على الكرسي وبيعدل نفسه:
-الله الله الله.. وليه الكلام الوحش ده يا باشا، قصدك اني قتلت يعني لا سمح الله؟
-لا بص بقى يا عم فتحي.. انا لا بقول كلام وحش، ولا احنا اصحاب وقعدين على القهوة، فمعناه ايه بقى الكلام ده؟.. معناه انك تقعد مظبوط، وتتكلم عدل.. أنت هنا في النيابة يا فتحي.
لما حس ان الوضع اللي هو فيه مش سامح بطريقته، وان الكلام تقيل عليه، عدل في قميصه وقالي:
-يا باشا واخنا خدامين النيابة، بس بعدم اللامؤخذة يعني، وماتأخذنيش في اللي هقوله، أنا وضعي ايه بالظبط؟.. يعني ايه علاقتي بمعتمد ولا موته؟
-لا يا مفتاح.. ركز معايا كده وماتوهش، معتمد اتقتل، ماماتش موته عادية كده والسلام.
-ايوة وأنا ايه مضموني في القصة يا بيه، أنا راجل بتاع جملة، ومعتمد من اللي كانوا بيسترزقوا عن طريقي، فـ ايه الموضوع برضه، أنا جاي ليه ومتهم ونيابة، الله.. ده احنا عمرنا ما دخلنا قسم يا بيه.
-صادق يا مفتاح، وكل ده عارفينه، بس احنا برضه عارفين انك اتخانقت خناقة كبيرة أوي مع معتمد، والخناقة دي كانت هتوصل لضرب.. مش كده برضه؟.. ولا انت عندك كلام تاني عايز تقوله؟
-يا باشا اصلك مش فاهم، معتمد راجل ناقص، كان كل ما يشوف البت روقا في المحل يطردها ويقل منها في كلام مالوش لازمة، وروقا دي بت غلبانة ودماغها خفيفة، يعني ماتستاهلش كلام من ده خالص، وأنا كنت كل ما اعدي في المنطفة، واشوفه بيقل في الكلام، اروحله واديله كلمتين في الخفيف يمكن يفهم، والبعيد غبي، فزقيته ولبسته الطرحة، يبقى انا غلطان؟
-والغلط مايبانش دلوقتي يا مفتاح.
-الكل شاهد وعارف اللي حصل يا باشا، أنا راجل بتاع سوق، ومعتمد كان بيدفع تمن البضاعة وقت ما بيستلم، يعني لا بتاع شُكك ولا غيره، فـ ايه اللي يخليني اقتله واعملها معاه، كمان يعني وماتأخذنيش يا باشا، انا عندي بيت وعيال، مش هضيع نفسي واللي عملته في سنين وعمر عشان واحد زي معتمد.
-عندك حاجة تانية تقولها يا فتحي؟
-لا يا باشا.. انا كده تمام اوي.
-طب امضي على اقوالك.
مفتاح مضى على أقواله وطلع بعدها طلبت من العسكري يدخل سمير العايق، اللي بمجرد ما دخل بشنبه الخفيف، وجسمه الرفيع، ماحستوش بهيبة المعلمين، بس الصورة اتغيرت أول ما قالي بصوته المعوج:
-معالي الباشا.. اقعد بس بعد اذنك لاحسن الكلام واحنا واقفين مامنوش فايدة، وانا راجل كبير وليا اسم برضه.. ده بعد اذن الحكومة طبعا.
الدخلة مادخلتش دماغي، ولا جابت معايا زي ما هو فاهم، عشان كده وبحزم قولتله:
-سمير.. انت هنا في النيابة، مش قعدة معلمين على القهوة.. ومش هقولها تاني.
-يا باشا مش القصد ومانقدرش نقولوا كده أبدًا، قعدة المعلمين اللي بجد تبقى في المكاتب وفي حتة مقفولة، نعرف نتساير كويس ونقدر نحل، لكن قعدة القهاوي دي بتاعة الدومنة والتعليق على المشاريب.. اه، لاحسن كل شيء، وله شيئُه.
-تمام.. وجميل، احنا دلوقتي في مكتب وتحت سقف بين اربع حيطان، عايزك تقعد بقى وتقولي تعرف ايه عن قتل معتمد.
وهو بيقعد قالي:
-كلام حضرتك فيه شيء من الاهتمام أه، بس الشدة اللي حصلت من قيمة سبوع مش هينة برضه، عشان كده انا هقول اللي فيها يا باشا، وهقصر في المشاوير.
-قصر يا عايق.
-معتمد راجل مايحبش الا نفسه، وفاكر انه هيشتري الناس بفلوسه، وانا رجالتي مايتمسّلهمش شعره، ما اللي جي على الراجل بتاعي، يبقى بيقل مني لا سمح الله.
-مش قولنا نقصر يا عايق؟
-ما ده المضمون يا باشا، معتمد شد مع راجل من رجالتي، قل منه في الكلام وقال اللي فيما معناه انه شاريه بفلوسه، يعني يدفع زي ما يحب، وهو ساكت مايتكلمش.. فـ جِتلُه في محله وفي منطقته، كلمته في الصح وقولتله مايصحش، بس نقول ايه بقى.. بيقاوح في الكلام وبيزيد على الغلط غلط وبشوية، فـ علينا بالصوت والأطرش سمع، والعايق لو حلف مايخلفش أبدًا، وأنا حلفت انه ما شاري بضاعة من عندي تاني، وهو وشوقه بقى.
-بس كلامك بيقول انه مش بعيد تكون قتلته.
-يا باشا أقتل مين.. أنا راجل ليا سُمعتي في السوق واللي زي البفتة البيضة، ومعتمد ده ماحدش بيحبه، ما عدا البت روقا.. بت دماغها خفيفة بس قلبها طيب، ومع انه بيسمعها كل ما تروح عنده، إلا إنها برضه فيها شيء لله، فـ ايه بقى اللي يخليني اخش في س و ج على واحد زيه، يا باشا معتمد ده من ولادنا في الشغلانة.
-ماشي يا عايق، امشي دلوقتي وممكن تشرفنا بعدين.. بس خليك معانا، عشان لو دورنا عليك كتير انت اللي هتزعل في الآخر.
قام من مكانه بهدوء وجه يمشي قولتله:
-امضي على اقوالك طيب، ولا أنت مش واثق من اللي قولته يا عايق؟
-ايه؟.. واثقين طبعا يا بيه.. احنا نمضي ونبصم كمان.
مضى على أقواله وخرج، وقتها كلمت ياسر بيه وطلت منه يراقب مفتاح والعايق الفترة الجاية، بس ومع ذلك، أنا ماكنتش شاكك فيهم بنسبة كبيرة، الاتنين كلامهم موزون، والموضوع مايستهلش انه يتقتل، لا وكمان بالطريقة دي، لأن الطب الشرعي أكد انه اتدبح بموس حاد، وبكده القضية يعدى عليها ايام واسابيع مش لاقيين القاتل فيهم، عشان بعد مدة كبيرة، يجيلي بلاغ بعد نص الليل عن دبح طالب جامعي...
