رواية العميل 101 الفصل الخامس والعشرون
ثم راح يواصل بهدوء بعدما لمس اقتناعه ..
- لازم تجهز نفسك على التنفيذ ليل اليوم ده لأنك أنت اللي هتقوم بالمهمة دي لوحدك يا بطل وأملنا في ربنا كبير أنك تتوفق فيها زي عادتك ..
مع وصول اتصال على هاتف مكتبه قطع حديثه وهو يرفع سماعته مجيبا .. فاستمر إنصاته لبعض الوقت حتى أنهى المكالمة وهو يطالع "عمر" بنظرة غامضة وقول مقتضب:
- نتيجة تحليل Dna ليك ولـ "ياسين" طلعت إيجابية !!
تلقى كلماته بشيء من التيه والضياع مغمغمًا بتلقائية خافتة :
- بنت أخويا !
وكأن بهمسه ذاك يحثه على التأكد مرة أخرى لعل سهوا جليلا اختلط بالأمر، إلا أنه رصد اليقين والجدية بعينيه !
على أثرها أغمض عيناه حتى كاد يدميهما وهو يتلقي صدمته بقوة نفسية تليق بها، فبرغم تنبأه المستقبلي لسماعها إلا أن واقع داويها في الأذن والقلب لشيء مهيب، أما العقل فبات دربًا من دروب الجنون ما أن ضل بجواره قطعة من أخيه طوال ستة أشهر قضاها بين الحدود الأيطالية هناك، أجواء مشتعلة اغتالها الصمت بفواهته حتى فتح حدقتاه عنوة على قول رئيسه الذي لفح غمغمته رغم خفوتها:
- الصدمة أنها مش بنت أخوك وبس يا "عمر" لأن القضية أكبر من كده بكتير .. ده جيل مصري من أمهات أجنبية حامل دم البلد فقد اهليته العربية والاسلامية بتنظيم ومخطط صهيوني عالي الدقة .. ولولا كرم ربك أن يوضع الشك في قلبك كان زمان بنت أخوك هتفضل بجنسية ونسب غير نسبها للأبد وتضيع زي اللي ضاعوا من قبلها .. وده اللي يحتم عليا كإنسان مصري قبل طغوة منصبي أن أعمل الصالح تجاه الموضوع ..
ثم صمت لوهلة حتى استأنف بأصرار :
- "عمر" البنت هيخرج لها حالا شهادة ميلاد جديدة تثبت هويتها الحقيقية لنسبكم وأنا اللي هقف على الأمر بنفسي في أقل وقت ممكن النهاردة عشان تقدر تكمل عمليتك ببال مرتاح..
اتسعت عيناه مع سطوة كلماته التي انتزعته من التيه مرغمًا وزالت غشاء بصيرته، ما أن تجامع أمام مقلتاه مخاطر عمله المتوالية وأثارها على ما فوق عاتقه من مسئوليات والذي تزايد حتما بوجود الصغيرة الآن ..
------------------------
مع أخر بنطال جلبته ولم يعجبه طرحته بخشونة وعنفونية أرضا بوجه متهجم متدفق دماءه وصوتها يعلو صخبا :
- حرام عليك بقى أنا مش حمل لعب العيال ده ولا فايقة ليه .. ومش مرغمة أن أجبلك بنطلون متوفر فيه كل اللي نفسك فيه ولا أن اعمل المهزلة دي من الاساس .. وإن كنت جيت لغاية هنا فده بس عشان كرم اخلاقي اللي بدأ ينفذ من سوء تقديرك ..
ثم انحنت تلتقط قطعة الملابس الملقاة تحت اقدامها وهي تواصل بحنق مبين :
- أنا هرجع اللي جبته وحضرتك أتفضل المول كله قدامك .. قوم دور على موصفات لبسك فيه بنفسك .. ومتقلقش أنا هسيب لهم خبر بدفع تمنه ..
ثم بتدافع عصبي جليل لخطاها ولت مدبرة من أمامهما لإعادة ما جلبته ولم ينال اعجابهما لموضعه الأصلي .. مع ابتعادها اشاح ببطء نظراته من عليها حتى سقطت فوق ابنتها بجواره متمتما :
- بقولك إيه يا جوجو أنتي بنت شجاعة مش كده ..
أيماءة قوية عبرت عن قبولها وهي تطالعه بنظرة بريئة ووجه بشوش، مما راح يواصل بتنبيه شديد :
- يبقى متتحركيش من هنا مهما حصل لغاية لما ارجع تاني .. ولو احتاجتي أي حاجة أنا هوصي عليكي البنت العاملة هنا وهي هتنفذهولك فورا و زي ما أنتي عوزه كمان .. ها هسيب ورايا أسد ولا أرنب ..
أرجحت ساقيها المنسدلتان من فوق المقعد بسعادة وهي تتناول رشفة من كوب العصير البلاستيكي بحيازتها ثم هتفت بنبرة طفولية :
- أسد يا عمو "أمير" .. أسد ..
- براڤو حبيبة عمو "أمير" ..
ودعها بقبلة على الجبين ثم بابتسامة ماكرة ابتعد يقتفي أثر تلك الفولاذية الهشة .. تضاد من الصعب تضافره لوصف إي بشري، إلا مع من شقت فؤاده وغرزت نبتت عشقها به بات يجتمعان بدقة متناهية ..
وأخيرا رصدها تطمس صوت شهقاتها الباكية في زاوية بعيدة عن المارة، تنفس الصعداء ثم راح بزفرة عاتبة على الذات يقدم تجاهها بحذر حتى بات أمامها، فـ لاح طيف حضوره أمام حدقتاها مما انتابها حالة التهجم مرة أخرى تنوي المغادرة بعيدا كأنه وباءٍ لعين، وبالفعل نجحت بالفرار تجاه أقرب مكان تظنه حائطًا سدًا أمام تطفلة الغليظ، ولكنها أخطأت الظن حين شاهدته يعبر خلفها بابه المعنون "حمام النساء"، شهقات صادحة وأصوات صاخبة مستنكرة من جمع النسوة به كان الحال من حولها وهي تنظر لفعله باستنكارٍ تام لا يختلف عنهن، زاده قلبها المتوقف عن النبض لوهلة ثم بدأ يخفق باضطراب من جديد .. جنونه تمادى حينما طالب النساء بالخروج قليلا لمحادثة زوجته الغاضبة واقناعها بالتراجع عن قرار الطلاق، وبالفعل اقتنعت النسوة بكذبته وولوا مدبرين، ارادت أن تصرخ بهن للرجوع لفضح كذبته أمامهن، إلا أن لسوء حظها انعقد لسانها بعقدته المعتادة حين أصبح المكان ينحصر عليهما فقط في لمح البصر، مما استفاقت سريعا من صدمتها للهروب من حيزه مجددا، فبغتت باعتراض جسده لطريقها فرفعت عينيها المتسعة نحوه مهيئة للأنقضاض عليه بالقديم والجديد إلا أن نظرة عينيه الغامضة الدافئة قيدتها دون إرادة وغمرتها بوصالا حميم وكأنها غلفتها بسحر عظيم، ارتعد جسدها وخفق قلبها على أثر ذلك الارسال المُيسر بينهما، مما جاهدت لفك طلاسم لسانها لفرط غلظته بوابل من الشتائم والابتعاد بقدر كافي عن قربه اللعين ..
ولكنه للأسف خانها مجددا ولم يهمس بحرف واحد !
وكان له اليد العالية باستمرار حالتها حين همس بتوسل حاني :
- ليه منديش لنفسنا فرصة !
ارتعدت فرائصها كأنه انسب إليها تهمة شنعاء مما صاحت بفزع :
- فرصة إيه ! .. هو في حاجة من أصله بيني وبينك عشان نديها فرصة .. أاانت أكيد مش طبيعي !
اقترب بخطوة منها متمتما وعينيه تفترس عينيها الجاحظة بحنق :
- متأكدة أن مفيش حاجة !
هزت رأسها إيجابيًا وهي تأكد بحزم مصطنع :
- إيوه متأكدة .. واللي متأكدة منه أكتر دلوقت إنك مجنون فعلا بالحوار اللي عملته عليا وعلى بنتي من لحظة ما جينا هنا ..
بضيق عينيه راح يجود عليها باستغراب :
- أحب أفكرك بأنك أنتي اللي بدأتي الحوار بوجود بنتك النهاردة في الشركة ..
شعرت بأنه يرسل إليها رسالة خفية فحواها " لقد علمت " مما اصابها الارتباك وهي تنكر بتلعثم :
- وااااايه فيها أن جت معايا الشغل مرة هتفسرها بمزاجك..
مط شفتيه يأسا من عنادها ثم أردف وهو يرفع كتفيه ويخفضهما في الحال :
- لا لسمح الله .. بس ياترى وجودها جو مكتبي بالذات وتدميره صدفة بريئة غير مخطط لها برضه ..
اطرقت رأسها بخزي ما أن استوعبت تأكيد فهمه لما حدث، فرصدت انقلاب ثباته للضيق الشديد مما جعلها تنكمش على ذاتها بوجل :
- كنتي عاوزه توصلي لأية بالظبط .. أن اُفاجأ بأن ليكي بنت وكمان انصدم بالتخريب اللي عملته عشان اتعصب واطلع ضيق خلقي عليها وعليكي كرد أي شخص طبيعي في الموقف ده وبالتالي البنت تكرهني .. ولحظتها اعترف قدام التصرف اللي عملته بأن مشاعري مزيفة وبالتالي أقول لقلبي دي مشاعر مش حقيقية وكفاية لغاية كده وانسحب ..
بكلماته تلك كأنه قرأ ماتنوي إليه بفطنتة جبارة إلى أن ختمها بسؤاله الوقح !
- بس ياترى لو أنا خالت عليا وعملتها وبعدت أنتي كنتي هتقدري تستحملي ..
مما رفعت رأسها تنظر إليه وعينيها تقدح شزرا صائحة باندهاش مُربك :
- استحمل إيه ! .. أنت .. أنت اقسم بالله مجنون وهتلبسني مصيبة .
اقترب خطوة ثم قطب حاجبيه وهو يردد استفساره المستاء :
- هو الموضوع في نظرك مصيبة !
تقهقرت ذات خطوته وهي تجيبه باصرار ونظرة أكثر تحدي :
- ايوه مصيبة وجريمة كمان في نظر مجتمعنا لوحدة ظروفها زي ظروفي لو بدأت تفكر في اللي أنت بتفكر فيه ..
- ليه مش انسانة من لحم ودم .. من حقها تحب وتتحب .. ولا الدنيا هتقف عندها على كده ..
هاجمته باستنكار :
- حب إيه اللي بتتكلم عليه بين طرفين مش منصفين .. أرملة وعندها بنت وأكبر منك بسنتين طاقتها الإيجابية خلصت والحزن مليها وبالتالي شغف البنوتية للبدايات انتهى لأنها عاوزه تربي بنتها وبس .. في المقابل شاب لسه مدخلتش دنيا ولا فتحت ليه ابوابها متفعم بالحيوية والشباب .. بيحلم أكيد بيوم فرحه هيكون أزاي مع واحده هتنتظره بفستانها الأبيض وتبادل احلامه وطاقته كلها .. تقدر تقولي معادلة زي دي هتنجح أزاي بقلة التوافق الشاسع ده ..
ما أن رأت صمته وأطراق رأسه كأن كلماتها ازالت غبار عقله علمت بصوابها، وأنه يجب على المرأة استخدام عقلها دوما وأبدا أمام الرجل، لهذا شمخت أنفها مواصلة بثبات نحر أنوثتها :
- باشمهندس "أمير" أظن احنا كبار وعقلين كفاية أننا نتغاضى عن كل شيء حصل بينا وأهمها حديثنا دلوقت ونكمل في حياتنا وشغلنا بحدود نلتزم بيها كويس وياريت محدش يتخطاها ..
ثم استدارات تنوي المغادرة بذات ثباتها المزيف إلى أجفلت بصوته يخرج أخيرا متمتما بإصرار فاق إصرارها :
- متنازل عن كل ده .. لأن اللي بيحب بجد بيشوف الدنيا كلها ملك إيديه في ضحكة حبيبته وقربها منه .. لا الفستان وشغف البدايات هيسعدوا قلبنا ولا هيضمنوا لينا بأن اللي جاي بعد كده هيكون زي ما بنتمى بالظبط .. الحب يا "أميرة" لو زارك بجد هتعرفي أنه مابيعترفش باللي قولتيه ده .. لأنه عبارة عن جنون اللي بيقع في طريقه مالوش يد ولا سلطة عليه، إنما بيحاول بكل جهده أن يروضه لمخافة الله وبس ..
ثم بتنهيدة مريرة راح يستأنف بحكمة :
- والمعادلة مش صعبة زي ما أنتي فاكرة طول ما ربنا مبارك جمعنا !.. وثقتي فيه عالية قوي بأنه هيرزقني اليوم اللي هترمي فيهم راسك بشعرها الأبيض على كتفي وتقولي كان معاك حق لما قلتها ليا زمان !
خفق قلبها وتصلب جسدها من صقل ما قاله ذلك المجنون وإصراره على الفوز بها رغم ما قالته توّا، ازدردت ريقها ببطء ثم اخفت ثورة قلبها بحرفية وهي تلتفت برأسها ساخرة :
- متحلمش كتير لأنه مستحيل يحصل ..
عقد حاجبيه متمتما :
- أنوي أنتي بس وقوي عزيمتك ولحظتها هنتحدى الصعاب ونغلب المستحيل ده ..
مع اندهاشها الكامل التفتت بجسدها كليا ثم اقتربت منه وهي تردد بثقة عمياء :
- شكلك ناسي أن اول المستحيل أنك اعجبت بأختي واتقدمتلها .. أظن دي لوحدها كفيلة أنها تحطم أمالك كلها يا باشمهندس ..
رصدت صمته مرة أخرى فاشبعت وجهها بابتسامة تهكمية ثم ولت ظهرها تنوي المغادرة تلك المرة دون رجعة فيكفي استهزاءا حتى الآن .. ولكن جاءها نبرة صوته تبيد وعد الذات بعدما لمست صدقها واذابت جليدها ..
- صدقيني مشفتهاش ولا حبتها .. مجرد نموذج كنت بحلم بيه للبنت المحترمة الملتزمة اللي مصحفها في إيدها وعينيها في الأرض من كتر اللي كنت بشوفه في الجامعة والشارع وخلاني أكره البنات على بعضها .. عشان كده انتهزت الوقت واتقدمت بسرعة كأنها أخر نموذج هلحقه قبل ما ينقرض من على وجهة الأرض .. أما كارتباط روحي محصلش إلا لما شوفتك أنتي وبس ومن أول لحظة في الضلمة والأودة مقفولة علينا .. حسيت بحاجات كتير جديدة وغريبة عليا .. أولها أننا محتاجين نكمل بعض .. وأهمها أن نكبر ونعجز وبينا ذكريات أي كان نوعها المهم أنها مشتركة بينا .. هتقوليلي ازاي وليه هقولك معرفش .. هي جت كده .. نصيب من ربنا زي ما كل حاجة في الدنيا دي نصيب وقدر .. هتقوليلي مقوامتش ليه يمكن اضغاث مشاعر هقولك أن جاهدت مش بس قاومت أهمها أن كنت هسيب مشروع العمر وأرجع مدينتي .. بس صدقيني فشلت ولقتني بقرب منك أكتر وعرفت بعدها أن الأحترام والالتزام مش منحصر في الغطا الاسود وبس .. لا في محجبين كمان عندهم نفس الأخلاق ويقدروا يجذبوا بيها ويحببوا فيهم الناس كلها .. وأنا أول نموذج قدامك أهو وعن قناعة تامة ..
انعقد لسانها مرة أخرى من هول ما سمعته، وتملكها الخوف من طريقة حبه الملتاعة لنموذج يمتلئ بالحزن مثلها ونسبة اعطاءه السعادة للغير معدومة، بل والأكثر كارثيا خوفها الآن من تلك المشاعر الجياشة التي تعايشتها قديما مع زوجها ثم باتت بعد حديثه تحارب عتمة قبو قلبها وتثور للتحرر .. لهذا اتخذت الهروب سريعا ببنيتها المرتعشة ودمعتها اللعينة التي انسابت مخرجا من حيزة دون اضافة ردا واحدا، حتى باتت لمن يستقبلها بأنها تركض هاربة من مخالب وحشا مخيف يسعى خلفها ..
--------------------
تنهد "علي" بصوت مسموع وهو يرخي تشدد بنيته بعدما أنهى مكالمته توّا متمتما للعجوز الماثل بالمقعد أمام مكتبه :
- لقد قاربنا على اليوم المنتظر وتحقيق حلم أبي أخيرا ..
بنظرة متشككه استفسر العجوز على الفور :
- هل كان ذلك الاتصال من "حسين" أم من الحكومة !
- من الاثنان معا بعد جولتهما داخل موقع تنفيذ المشروع ..
تهللت اسارير العجوز متمتما :
- مبارك بني .. مبارك ابن جلال ..
------------------------------
على اعتاب شقة والدته ظل ينظر لتلك الورقة بأعين متسعة للمرة التي لا يعلم عددها، وكأنه لا يصدق بأنها باتت ابنة أخيه بورقة رسمية تُسرى داخل البلاد، تعطيه الحق من بعد الآن بمنع أي شخص يقترب منها بسوء حتى وإن كانت والدتها ..
دس مفتاحه في الباب أمامه ثم عبره ببطء شديد وهو لا يعلم كيف سيأتي بالأمر الصادم أمام والدته، ولكن تيسير الله كان له بالمرصاد حين شاهدها تحتل أحد المقاعد والطفلة فوق ساقيها نائمة باستسلام تام بعدما غمرها حنان العجوز المتدفق دون حسبان، حتى بات ذلك المشهد يثير شكوكه تجاه احساس قلب الجدة بحفيدتها ومن تكون !!
ضغط على الورقة بشدة ليستمد قوته التي ذهبت أمام عظمة ما رأه، ثم بات بعينيه المرقرقة بالدمع يتمعن بهيئتهما جيدا وهو يقترب بحذر وبطء حتى انتبهت له وقالت بخفوت حاني لا يخلو من لهفة الاشتياق ..
- حبيبي حمدلله على سلامتك أنت خلصت شغلك وجيت أخيرا ..
مع توالي اقترابه ابتسم لها بهدوء من وسط معالمه الهادئة متمتما :
- جيت لوقت معين وراجع تاني يا أمي ..
إلى ان أقبل على جبينها يلثمه بتأني ثم جثى على ركبتيه أمامها مسترسلا :
- قاعده كده ليه ؟!
راحت تبرر له بوضوح وكأنها ابنته ومدللته :
- مفيش يا حبيبي البنت صعبت عليا قوي لما فاقت من النوم ولقيت وشها ضعفان من اللي مرت بيه .. فقومت عملتلها شوربة فراخ ووكلتها وشبعتها للغاية لما نامت تاني بين إيديا فخفت أقلق نومها لما أدخلها جو في السرير جمب أختها النايمة ..
ثم باستفسارها المتلهف واصلت حديثها قائلة :
- إلا هي اسمها إيه يا "عمر" من لحظة وصولهم وأنا سمعتك بتقول عن "مرام" وهي مخدتش بالي من اسمها ولما سألتها بتقولي "ميم" ..
ثم بضحكة هادئة واصلت : بصراحة مفهمتش قصدها ..
راقبت صمته المقلق ثم تابعت حركة يده وهي تعلو بورقة منفردة تعلم هيئتها الخارجية جيدا وأنها مستخرج رسمي لتسجيل الأنساب، ولكنها تجهل وجودها الآن بين يديه في ذلك التوقيت والأكثر فضوليا لمن صاحبها ..
جاءها الجواب مبسطًا بجناحيه بعدما احتل عرضها ناظريها كاملا ووقعت على فحواها الذي سلب انفاسها وعقلها مع حروفه ..
" مريم ياسين أحمد سلامة "
جملة كانت كفيلة باخراج صرخة ملتاعة على سنوات ماضية ظنت أنها ذهبت هباءً، ولكن الآن رأت أنها سنوات طال غرسها حتى جاء حصادها بتلك الورقة .. وضعت راحتها فوق ثغرة المرتجف وعينيها تشاركها الحدث بعبرات متوهجة وهي تنصت لولدها الذي انحدرت دموعه مثلها ..
- "ياسين" ابنك مامتش إلا لما سابلنا حاجة منه ..
ثم واصل ونظرته المغتامة بالدمع تسقط فوق الصغيرة النائمة بسلام ..
- بنته "مريم" يا أمي !
لهفتها لذكرى حبيب غائب جذبت جملته الاخيرة وغاصت بها في العقل الباطن دون أن تبدي استفسارا عن كيفية حدوث الأمر بعزوبية ولدها .. يكفيها أن "عمر" من صغره لا يكذب مطلقا وهذا أكثر من كافي حتى تتيقن صدقه .. الاشتياق والحنين هما من جعل تلقائية الأمومة تتولى دفة الموقف بعد ذلك .. حين اشتدت بذراعيها حول بنيتها الساكنة في احضانها فكادت تغمرها في عظام صدرها وبين طيات قلبها بنبضه المبتهج دون أخذ تذمر ملامح الصغيرة الناعسة في الاعتبار .. تستنشق عبيرها بنهم وتفيض عليها بالقبلات في كل جانب كأنها كانت تتوق للتشبث بأي أمل عابر لاشباع سنوات الفراق بذلك الوصل ..
وهي تردد باندهاش جنوني :
- بنته بين ايديا .. بنت "ياسين" ابني أنا بين إيديا .. مش ممكن أكيد بحلم .. قولي يا "عمر" أنه مش حلم ..
إيماءة قوية اسقطت العبرات فعلها حتى تطمئن فهتف وهي تعانق رأس الصغيرة بين صدرها ونحرها :
- ده عوض كبير قوي عليا يا رب .. قوي قوي والله مكنتش أحلم بيه ..
راقب ما تفعله بابتسامة منفرجة رغم عدم توقف عينيه عن التدفق متمنيا لو كان الأمر بيده لاسعدها بذلك الخبر من زمن، تحديدا منذ موت أخيه مباشرة حتى لا يبصر بهما سحابة الحزن طيلة تلك السنوات الماضية، في خضم امنياته ومشاعره المشتعلة من رؤياه لذلك المشهد سمع شهقات مكتومة خلفه ثم غلق أحد الابواب مما صدع بصوته هيبة المكان !
طالعته والدته بنظرة مستفسرة فتنهد وهو يتمتم بهدوء :
- شكلها سمعتنا .. هدخل لها ثواني ..
مع استقامته أردفت بجدية :
- "عمر" في حاجات كتير محتاجه استفسر عنها منك !
إيقن بعد حديثها بأنها تخطت الصدمة وباتت تريد السؤال عن الماضي والحاضر للأمر .. وهو لن يبيد سعادتها بالحقيقة المُرة الآن مهما أصرت لهذا راح يبادرها باقتضابه حتى يقطع النقاش ولو مؤقتا :
- مش دلوقت يا أمي لما أرجع لأن مش قدامي وقت كتير ..
ثم ولى ظهره قبل اعتراضها مغادرا تجاه تلك المرأة الذي بات على يقينٍ تام بأنها سرقت لُب عقله وعقر فؤاده بسرقة مشروعة لا يقام فيها الحد عند العموم، ولكنها تعدي محرم في قوانين شريعته، تلك الشريعة التي لا تعترف بالحب أو بوجود امرأة بين طياتها من الاساس ..
مع طرقه الهادئ لم يسمع إلا صوت شهقاتها المرتفع فتنهد بضيق ثم فتحه وهما داخلا، ابصرها جالسة فوق الفراش منكمشة الجسد بعدما احاطته بكلتا يديها وكأنها تبعث رسالة خفية لنفسها قبل لمن يراها بأنني اصبحت وحيدة وانتهى الأمر ..
ود لو احتضنها وبث إليها الطمأنينة والحنان ولكن حرمنية الأمر في شرعيته تعيق رغبته العابرة، لهذا ولج يناديها بنبرة خافتة :
- "مرام" ..
رفعت عينيها الدامية من أثر العبرات تردد بجدية يشوبها الكبرياء :
- مش محتاج تقولي حاجة يا حضرة الظابط لأن أنا فهمت الوضع كويس ..
- فهمتي إيه ؟!
- فهمت أن بقيت غريبة عن أختي والمفروض أحدد معاد خروجي من حياتها في يوم وليلة بعد ما كانت كل حياتي ..
أغلق الباب خشية سماع والدته لحديثهما ثم راح يجيبها باندهاش :
- مين قال أنك هتبعدي عنها دا أنا مردتش اسميها إلا "مريم" عشان ده الاسم اللي أنتي بالذات اختارتيه ليها تجنبا لاسمها الصهيوني ..
مع توالي سقوط العبرات اشاحت وجهها عنه قائلة بعزة نفس :
- وأنا لا يمكن أقبل أن أعيش في شفقة حبها ..
تقدم خطوة منها مرددا باندهاش :
- أي شفقة وليه توصفيها بكده !
التفتت إليه واجمة :
- تقدر تقولي بأي بصفة هأعيش جمبها وجمبكم !
اندفعت شفتيه لنطق المتواري بين ضلوعه ولكنه اخمدهما بزفر ضجر وراحته تعبث بخصلات شعره، قائلا برجاء :
- طب على الأقل مهدي الحقيقة ليها وخليكي جمبها لما أرجع ..
حدقته مستفسرة فواصل مطرق العينين :
- الدكتور طلع من إيديها شريحة متخزنه عن طريق المنظمة و"راشيل" بخصوص العملية اللي رُحت علشانها أيطاليا ..
انتفضت من فوق الفراش تجاهه بنظرة احتلتها الصدمة لبلوغ تلك المرأة عنان القسوة في حق ابنتها فبغتت بمواصلته الخافتة :
- أنا رايح يا "مرام" ومعرفش هرجع ولا لا وأمي متعرفش طبيعة شغلي .. فلو ليا خاطر عندك خليكي جمبهم ومتسبهمش على الأقل الفترة دي ..
ذهولا، وفزع، وخوف .. خليطاً تضافر بمعالمها افقدها النطق أمام استأنفه الهادئ :
- هعتبر سكوتك موافقة ..
ثم استدار يغادر هاربا قبل أن تتدفق مشاعره وتخونه أمام عظمة مشاعرها في ذلك الوداع الأول من نوعه منذ أن بدأ مهامه، إلى توقفت قدماه عن التقدم مع نداءها المتوسل باسمه ..
- "عمــــر" !
ثم هرولتها حتى اعترضت طريقه وغمرت جسدها في صدره تواصل بيديها المحاطة لبنيته والمتشبثة بها خوفا ..
- لا يا "عمر" ماتروحش أرجوك .. مش هيكون وحدة ليا من كله .. أنا تعبت بجد !
تخطى بعزيمة جبارة سحر همسها الأول لاسمه واعترافها المبطن بالحب، متمتما وهو يبعدها عنه برفق :
- "مرام" مهما كانت الضغوطات قدامك أوعي تنسي أنك بنت والأهم أنك مسلمة .. يعني مفيش حاجة في الدنيا تجبرها تحضن راجل غريب عنها أو أنها تنقذه بأي شكل كان حتى لو نتج عن عدم مساعدتها موته ..
طالعته بعينين شاردتين تتذكر مقصده، حتى تذكرت تلك القُبلة الصورية بينهما من قبل لإنقاذه، اطرقت رأسها على استحياء وهي تردد بنبرة ندم :
- مكنتش متوقعة صدقني يا "عمر" ولغاية دلوقت بستغفر ربنا عليها ..
تنهد براحة ثم ابتسم لها بود متمتما :
- ربنا يتقبل مني ومنك ..
ثم همس متأثرا من سحر خجلها :
-لازم تعرفي أن لو مش ليكي معزة عندي مكنش يهمني أحافظ عليكي ..
تخلت عن خجلها ثم راحت تطالعه بذهول وهي تكاد لا تصدق ما سمعته :
- بجد اللي قلته دلوقت ..
جحوظ عيناه دلّ على عدم إدراكه لما خرج من شفتيه عفويًا، فهتف بارتباك مستجد على شخصه ولكن يبدو أن للحب تعويذة نفاذه ..
- الأودة دي على فكرة أودتي وأنتي أول شخص يدخلها فياريت تحاف…..
بتر المواصلة حين وعى لجنون حديثه وقلة تركيزه فتمتم سريعا بأقتضاب وهو يهم للمغادرة دون تباطأ :
- استودعكم الله ..
تابعت مغادرته بقلب ملتاع يكاد يرغب بتوقفه إلا أن صوت غلق الباب الرئيسي قطع الأمال وبدد الأحلام .. مما باتت على يقين بأن حان الوقت لأن تستودعه الله أيضا بكل الآيات والدعوات ..
---------------------------
عقب دخولها المغيب وعينيها الباكية ومرورها للأعلى دون حتى القاء التحية، نظرت شقيقتها "ندى" لوالدتها بريبة ثم هتفت وهي تستقيم من فورها :
- هطلع اشوف مالها يا ماما ..
- يا ريت يا "ندى" وتطمنيني عليها عشان خاطري يا بنتي .. ثم واصلت متضرعة " يا رب يهدي لك الحال يا "أميرة" يا بنتي ويرزقك الخير كله اللي يعوض حزنك ده "
ما أن دخلت غرفتها ابصرتها تبكي بحرارة فوق الفراش دون وعي أن ابنتها ترافق حالتها الهستيرية تلك، اقدمت تجاه الصغيرة بعجالة وهي تردد بنبرة ودودة :
- "هاجر" حبيبة قلب خالتو "جويرية" بتلعب تحت مع نناه وعاوزه حد يشاركها اللعب هتقدري تعملي كده ولا أروح أشوف حد تاني ..
نجحت في صناعة بهجتها وتلاهيها عن أمر والدتها حين همست بتحفز :
- طبعا اقدر ..
ثم ما أن همت تبصرها تركض دون تراخي حتى توجهت تجاه الباكية تربت على ظهرها مرددة :
- مالك يا "أميرة" ؟!
تفاجأت بها ترتمي في احضانها متمتمة :
- تعبانة يا "ندى" .. تعبانة قوي ومحدش حاسس بيا ..
حينها اجابتها بهدوء :
- مفيش حد بيتعب يا مرمر وربنا فوقه وحبايبه جمبه .. افتحيلي قلبك يا حبيبتي عشان اشاركك تعبك ..
ابتعدت عنها تمحي دموعها بظهر يدها وهي تطالعها بتردد، إلى أن حسمت أمرها بسرد كافة ما يتعلق بالأمر أمامها ما أن أيقنت بمدى ثقل الأمر عليها، وبالفعل ما أن انتهت حتى شقت "ندى" بصوتها الصاخب أذنيها قائلة :
" أميــــــــــــــــــــــر وأنتي !!!! "
--------------------------
" هتطلع دلوقت بطائرة خاصة من قاعدة ألماظة الجوية لمطار النزهة العسكري في اسكندرية وبعدها هتاخدك عربية مصفحة لمكان اليخت اللي هيتحرك بيك من المينا هناك وطبعا هيكون مجهز بكافة المتفجرات اللي تكفي تدمر السفينة التجارية للشحنة وكمان كافة احتياجاتك للغوص تحت الميا .. في النقطة المحددة على الخريطة البحرية للبحر المتوسط قدامك واللي هتكون بقرب السفينة بحوالي ١٥٠ متر هتبدأ تنزل بأول دفعة من المتفجرات وتعوم بيها لغاية عندها وبعدين تزرعها .. وترجع تاني تاخد الدفعة التانية وتنفذ نفس الخطوات وبعدين ترجع لليخت فورا وتتوجه للمينا مباشرة ..
ما أن تلقى كافة الأوامر وفهم مخطط العملية جيدا حتى قال لقائده ..
- تمام يا فندم ..
والذي عاد يردد عليه بحزم وجدية :
- "عمر" خد بالك للمرة الألف أن المؤقت الخاص بالمتفجرات الكتروني يعني معاد تفجيره محدد ومفيش يد بشرية تقدر توقفه فياريت يا بطلنا السرعة والهمة في الأداء عشان تلاقي وقت مناسب تقدر تبعد فيه عن السفينة قبل انفجارها ..
ثم بنظرة تقديرية مفعمة بالأمل راح يواصل :
- وفي الأخر قلوبنا كلنا هتتوقف عن النبض لغاية لما خبر نجاح العملية ونجاتك يوصل لنا على خير يا بطل ..
إيماءة قوية ووجه بشوش راح يجيبه بامتنان :
- شكرا يا فندم ..
ثم وهبه التحية العسكرية وهمَّ مغادرا لبدء مخططهم على وجه الدقة بعدما استعان بالله قلبا وقالبا ..
----------------------------
في ذلك الأثناء كان هناك قلبا يخفق بشدة خوفا عليه وعقل ظل من بعد مغادرته هو مالكه، راحت صاحبتهما تتضرع حينا وتصلي حينا أخر ويظل عينيها في الحالتين أسيران العبرات ..
شيء مؤلم أن تودع من تكن إليه كافة المشاعر إلى مصيرٍ غير معلوم ..
ودت لو صاح صوتها بما يختلج صدرها من ألم وآهات ولكنها آبت أن تسمعها والدته وتقحمها في ذلك الشعور المميت، كتمت آهاتها ثم استعانت بالصبر والصلاة فأنهما لكبيرتان إلا على الخاشعين ..
--------------------
مساءً في ميناء الأسكندرية البحري غادر اليخت مبحرا به فوق الأمواج العاتية لوجهته المحددة مسبقا .. استعد خلالها بتبديل ملابسه ببدلة الغوص الكاملة ثم عقب مرور ساعتين اخبره السائق بوصولهم للنقطة البحرية المحددة طولا وعرضا في عرض البحر ثم راح يساعده في حمل أنبوبة الأكسجين فوق ظهره واتمام كافة متعلقاته وتقيد الدفعة الأولى من الذخائر المتفجرة بحزام متين معلق بخصره واسقاطها في الماء قبل سقوطه عقبها ..
على مسافة غوص ١١٠ متر تحت سطح الماء شاهد بكشافه المائي هيكل السفينة السفلي لهذا أخذ حذره من اتجاه سيرها ثم بدأ يزرع قنبلة وراء أخرى على جدرانها حتى انتهى وعاد يجلب الدفعة الثانية التي تُكفي لتفجير سفينة مهولة بهذا الحجم ..
وبالفعل بعد مجهود شاق استطاع أخير بزرع الدفعة الثانية في الجهة الأخرى لها وانتهى الأمر وفر هاربا قبل أن تجود التفجيرات بالأصوات المدوية في وقتها المعلوم .. ولكن لحظه العسير نتيجة للمجهود الشاق الذي بذله ذهابا وإيابا واعتراض سرب من الأسماك المضخمة لخطاه بُعدهُ لم يكن بالقدر الكافي الذي يضاحي حجم وقوة التفجير الذي ذاع صيته لمسافة أكثر من مائة متر حول السفينة .. لهذا لحقه قوة الأهتزاز المائي وهياجه الذي أثر عليه بالأغماء واصابة أنبوبة الأكسجين خاصته بالضرر مما مُنع عنه التنفس تحت الماء !
----------------------------
.jpg)