رواية بيت العيلة الفصل الثاني عشر 12 والاخير بقلم ندي السيد


 رواية بيت العيلة الفصل الثاني عشر والاخير 


يوسف سكت لحظة، وبص لكل اللي قاعدين بخبث، وبعدين وجّه كلامه لجده رياض، وقال بصوت عالي شوية:
-" بمناسبة الضحك، واللمة دي، مش ناوي تقول لعمي مُراد على المفاجأة اللي أدهم وافق عليها الصبح؟ أصل الموضوع يخص البيت كله ،ومش أدهم بس اللي هياخد القرار."
الكل سكت فجأة، وعيونهم اتوجهت لرياض، وبعدين لأدهم اللي وشه جاب ألوان، وحس إنه يوسف دبسه في وقت غير مناسب خالص. 
محمد اتعدل مكانه، وبص لمراد بطرف عينيه، وقال بنبرة فيها نوع من الهزار التقيل:
-" ليه لمراد بس، بما إنه يخص البيت كله؟"
يوسف رد بضحك:
-" مش قصدي حاجة يا عمي، بس أنا جه في بالي عمي مُراد عشان هو اللي كان بيدعمه ".
مُراد بص لمحمد بهدوء وقال:
-" يا محمد، كل واحد أدرى بمصلحته، وأدهم كبر، وبقى راجل، وجده أكيد مش هيضره".
رياض خبط بالعصاية بتاعته على الأرض خبطة خفيفة عشان يسكتهم، وقال بحكمة:
-" الموضوع وما فيه، إني عرضت على أدهم إنه يمسك قسم الديكور إن شاء الله لما نفتح الشركة بتاعتنا، يعني يجمع بين اللي بيحبه، وبين شغل العيلة. وأدهم وافق مبدئيًا."
صفا وسعت عينيها من الفرحة، وبصت لأدهم اللي كان باصص في طبقه بإحراج، حست إنه أدهم بيحاول يرضي الكل حتى لو على حساب وقته. 
محمد ضحك ضحكة قصيرة وقال:
-" ومين هيعلم أدهم بقى؟"
يوسف رد بسرعة:
-" جرا إيه يا عمي، أدهم شاطر، ولما بيحط حاجة في دماغه بيعملها."
قامت خناقة كلامية بين محمد ومراد، بس المرة دي كانت مختلفة، مكنش فيها حقد، ولا غيرة، مراد وجّه كلامه لمحمد، وقال له بصدق:
-" بقولك ايه يا محمد، إحنا كبرنا على المناقرات دي، الشركة شركتنا كلنا، وعوض وأدهم ويوسف هما اللي هيشيلوا اسمنا بعدين، خلينا نساعدهم بدل ما نكسر مقاديفهم."
محمد سكت للحظات، وبص في عيون أخوه، وحس لأول مرة إنه مراد فعلًا رجع لطبيعته، الشخص الهادي، اللي بيحب الكل، وقال له بصوت هادي:
-" عندك حق يا مراد، اللي فيه الخير يقدمه ربنا."
بعد الفطار، صفا كانت بتلم الأطباق مع مريم، وأدهم كان واقف بعيد شوية بيراقبها، استغل إن الكل انشغل، وقرب منها وقال بهمّس:
-" الرسمة لسة معاكِ؟"
صفا اتخضت ولفت له، ووشها بقى أحمر من الكسوف:
-" أيوة، شلتها في وسط كتبي."
أدهم ابتسم وقال:
-" طب ركزي في المذاكرة، ومتاخديش كلام يوسف جد دلوقتي، أنا وافقت عشان جدي وعشان أثبت لعمي محمد إني أقدر أنجح في الاتنين."
صفا بصت له بامتنان وقالت:
-" أنت تقدر تعمل أي حاجة يا أدهم، وشكرًا عشان مراجعة النحو."
أدهم غمز لها وهو ماشي:
-" العفو يا صفصف، بكرة  تبقي في تالتة ثانوي وأشوفك هتعملي إيه في البلاغة."

في الناحية التانية، كانت آلاء واقفة بتتفرج على يوسف وهو بيحاول يصلح البايك بتاعه في الحوش، كانت بتبص له بإعجاب طفولي، ويوسف كالعادة مكنش بيبطل لماضة.

يوسف بص لآلاء وقال:
-" واقفة كدا ليه يا لولو؟ تعالي أمسكي المفتاح ده بدل ما أنتِ فاتحة بؤك كأنك شايفة فضائي."
آلاء كشرت وقالت:
-" أنا مش لولو، اسمي آلاء، وبعدين أنت بتعملها غلط أصلاً."
يوسف ضحك وقال:
-" طب تعالي يا ست العارفين، وريني الشطارة، ولا أنتِ بس شاطرة في أكل الشيبسي؟"

آلاء قربت منه وبدأت تناقره، والجو كان مليان طاقة غريبة، وفي النهاية خلصوا خناقة مع بعضهم، وآلاء روحت بيتهم.

مر الليل، وكل واحد دخل أوضته بيفكر في بكرة، صفا طلعت الرسمة وبصت فيها تاني، وقالت لنفسها:
-" يعني بجد يا أدهم؟ أنت فعلًا بتحبني، ولا لأ؟"

وفي الأوضة اللي جنبها، أدهم كان واقف قدام لوحة فاضية، مسك الريشة وبدأ يلون، بس المرة دي مكنش بيرسم وش صفا، كان بيرسم بيت كبير لامه فيه كل العيلة، وعلى بابه مكتوب" بيت العيلة ".

مرت الأيام، والبيت حاله اتشقلب تمامًا، بس المرة دي الشقلبة كانت حلوة،مراد ومحمد بقوا ينزلوا مشاوريهم مع بعض كل يوم، والحقد اللي كان مالي القلوب داب مع أول ضحكة صافية بينهم وهما بيشربوا شاي العصاري في الصالة.

| بعد مرور 4 شهور |

البيت كان مقلوب، وصوت الزغاريد مالي المكان،وسام ولدت بالسلامة، وجويرية نورت العيلة. البيت كله كان متجمع في الصالة، والكل عايز يشيل البنت.
عوض كان شايل بنته بفرحة مش سايعاه، وواقف جنب وسام اللي كانت ملامحها تعبانة بس فرحانة.

 محمد قرب منهم وشال البنت وباسها وقال بصوت عالي:
-" نورتي بيت جدك يا جويرية، وش السعد علينا كلنا."

زينب وعلياء كانوا بيوزعوا الحلويات، وصفا وآلاء ومريم كانوا قاعدين حوالين وسام بيطمنوا عليها كل شوية. 

يوسف دخل الصالة وهو شايل كيس كبير فيه ألعاب وبلالين، وقال بصوته العالي:
-" وسعوا كدا لعمو يوسف، أنا جبت لجويرية لعب تكفيها لحد ما تتجوز."
آلاء بصت له وضحكت:
-" هي لسة شافت الدنيا يا يوسف، سيبها في حالها شوية."
يوسف غمز لها وقال:
-" وأنتِ مالك يا لولو؟ غيرة بنات بقى ولا إيه؟"
آلاء اتكسفت وبصت الناحية التانية، وأدهم كان واقف بعيد مراقب المشهد بابتسامة، عينه جت في عين صفا اللي كانت بتبص لجويرية بحنان، حس إن الوقت بيجري، وإن صفا فعلًا بدأت ملامحها تتغير، بقت آنسة رقيقة.

| في ركن هادي في الجنينة |

أدهم نده على صفا، وهي راحت له بترقب:
-" خير يا أدهم، سيبت الحفلة وجيت هنا ليه؟"
أدهم طلع من جيبه علبة صغيرة، واداها لصفا:
-" دي بمناسبة إنك خلصتي امتحانات تالتة إعدادي، وعارف إنك تعبتي أوي الفترة دي."
صفا فتحت العلبة لقت فيها سلسلة رقيقة فيها فص فيروز صغير، عينيها لمعت وقالت:
-" دي جميلة أوي يا أدهم، بس كتير عليا، والنتيجة لسة مظهرتش."
أدهم بص لها بصدق وقال:
-" مش كتير عليكِ يا صفا، والنتيجة أنا واثق إنك هتفرحينا،وكمان أنا وفيت بوعدي مع جدي، بدأت آخد كورسات جمب الكلية بتاعتي، يعني لحد ما أخلص الجامعة، كنت بقيت فنان في مجال الديكور، وكمان هتكون الشركة اتبنت، وبقت جاهزة للشغل، أنا بس مستني اليوم اللي تخلصي فيه ثانوي عشان أقدر أتكلم مع عمي مراد رسمي."
صفا قلبها دق بسرعة، وقالت بصوت واطي:
-" أنا كمان مستنية، ولسة محتفظة بالرسمة."
أدهم ابتسم وقال لها:
-" طب يلا ادخلي جوه عشان مريم بتنادي عليكِ، ومش عايز حد يلاحظ حاجة دلوقتي،وكمان معرفش حضرتك شاغلة بالك بالرسمة ليه."
صفا ردت عليه بابتسامة:
-" بحب كل شوية افضل اتفرج عليها، برغم إني مكنتش بحب مجال الرسم ده، بس حبيته أوي لما رسمتني ".
أدهم بص لها بدهشة، وقالها:
-" إزاي، ده أنتِ الوحيدة اللي كنتِ بتقولي حرام، إيه اللي اتغير ".
صفا ابتسمت بخجل، وقالت بصوت هادي:
-" أنا دورت في الموضوع ده، وبصراحة في اختلاف، فالمهم دلوقتي إنك خلاص هتبدأ في شغل جديد ".

| في الصالة |

حسن كان قاعد مع مراد ومحمد، وكانوا بيتكلموا في موضوع مهم، حسن قال بهدوء:
-" يا جماعة، بمناسبة اللمة الحلوة دي، أنا كنت عايز أفتحكم في موضوع يوسف، الولد السنة دي في تالتة ثانوي، ومستواه في النازل بسبب الشقاوة، وأنا خايف عليه."
محمد رد عليه:
-" ولا يهمك يا حسن، أنا هوصي أدهم عليه، وأنا هخليه يذاكر غصب عنه، ده أنا هحبسه في الأوضة لحد ما يجيب المجموع اللي يشرفنا."
مراد ضحك وقال:
-" براحة على الواد يا محمد، يوسف ذكي بس محتاج توجيه، إحنا نخليه يذاكر مع صفا وآلاء، يشجعوا بعض."
يوسف سمع الكلام وهو داخل، وقال بتمثيل:
-" بقى كدا يا كبار العيلة؟ بتخططوا لمستقبلي من ورايا؟ طب إيه رأيكم بقى إني هجيب مجموع يدخلني هندسة،وبكرة تقولوا يوسف وفَّى بوعده."

الكل ضحك على ثقته بنفسه، والجو كان كله حب.

| بعد العصر في الجنينة |

صفا كانت قاعدة على المرجيحة الخشب، وماسكة كتاب العربي، بس عقلها كان في عالم تاني خالص، فجأة لقت آلاء  داخلة عليها وهي بتجري ووشها مخطوف:
-" صفا! شوفتي يوسف عمل إيه؟"
صفا انتبهت لها وقالت بضحك:
-" عمل إيه المصيبة ده كمان؟"
آلاء قعدت جنبها وهي بتنهج:
-" أخد الكشكول بتاعي اللي كنت بكتب فيه خواطر وقعد يقرأ قدام أدهم وعوض ويضحك، ويقولي "يا ست المتنبي" قوليلي أعمل فيه إيه؟"
صفا ضحكت من قلبها:
-" معلش يا آلاء، يوسف ده غلباوي، بس قلبه طيب، تعالي نطلع ناخد الكشكول منه."
وهما داخلين، قابلوا يوسف وهو خارج وبص لآلاء نظرة كلها شقاوة وقال:
-" إيه يا لولو؟ روحي بلغي الأمم المتحدة كمان، ده أنا كنت بشوف لو عندك أخطاء إملائية بس، أصل الخواطر بتاعتك دي محتاجة مترجم."
آلاء اتعصبت وقالت بعصبية:
-" هات الكشكول يا يوسف بدل ما أقول لجدو."
يوسف طلع الكشكول من ورا ضهره واداهولها وهو بيبتسم ابتسامة غريبة، وقال بصوت واطي سمعته هي بس:
-" على فكرة، خطك حلو، وكلامك أحلى، بس متكتبيش تاني عن "الفارس اللي راكب حصان"، خليكي في الواقع شوية."
آلاء وشها احمر وسكتت، ويوسف مشي وهو بيبصلها بخبث. 

| بالليل في أوضة أدهم |

كان قاعد قدام اللوحة اللي بدأ فيها الصبح، خبطت صفا خبطة خفيفة ودخلت، كانت شايلة صينية عليها كوباية شاي وبسكوت.
أدهم لف لها بابتسامة:
-" إيه الدلع ده؟ حسِّك بقيتي عاملة زي أمي، كنت دايمًا تجبلي شاي مع بسكوت."
صفا حطت الصينية وقالت بجدية مصطنعة:
-" قولت أشكرك بطريقتي، وكمان عشان أشوفك قررت إيه،وهل فعلًا هتعمل اللي قلت عليه."
أدهم سكت شوية وبص للوحة، وبعدين بص لصفا وقال بهدوء:
-" وافقت يا صفا، عشان أثبت للكل إن اللي بيحب حاجة بيعرف ينجح فيها وفي غيرها، وعشان أكون أستاهل فعلاً المكانة اللي جدي حطني فيها، وأستاهل الحاجة الغالية اللي في قلبي."
صفا فهمت قصده، ونزلت عينيها الأرض بخجل:
-" ربنا يوفقك يا أدهم، أنت تتساهل كل خير."
أدهم ابتسم تلقائيًا، وقال لها بهدوء:
-" والله يا صفا أنتِ اللي فيهم، ربنا يكرمك ".
صفا ضحكت بصوت عالي شوية، وقالت له:
-" حاسة إنه كلمة ربنا يكرمك دي طالعة من ورا كسوف ".
أدهم ضحك بإحراج، وقال لها:
-" ميغركيش لساني الطويل، أنا بتكسف من أقل حاجة ".
صفا ردت بسرعة، وقالت:
-" واضح، المهم، أنا هروح أشوف وسام، وأطمن على جويرية ".
أدهم رد عليها، وهو مشغول:
-" طيب، خدي الباب في إيدك بقى ".

صفا وهي رايحة لوسام سمعت باباها بيقول لعلياء إنه هيمشي النهاردة. 
دخلت الأوضة لقيت مراد معاه شنطة سفر كبيرة، فقالت بلهفة:
-" بابا! أنت هتمشي تاني؟ مش أنت قولت إنك هتستقر معاهم هنا خلاص؟"
مراد قرب منها وباس راسها وقال بحنان:
-" يا حبيبتي أنا فعلاً استقريت، بس دي سفرية يومين بس للقاهرة عشان أصفي ورقي هناك وأجيب باقي حاجتي."
في اللحظة دي دخل محمد ومعاه حسن .
 محمد بص لمراد وقال بجدية بس فيها مودة:
-" السفرية دي يا مراد أنا هطلعها معاك، مش هسيبك تخلص ورقك لوحدك، وعشان كمان نعدي على الموردين اللي هناك ،ونبدأ نجهز للشركة."
حسن ابتسم وقال:
-" وأنا هنا هخلي بالي من البيت والعيال، متقلقوش، بس يا مراد، قبل ما تسافر، كنت عايزك في كلمة سر."
مراد استغرب وراح مع حسن في جنب، وحسن همس له:
-" أدهم ابني، أنا ملاحظ إنه متعلق بصفا زيادة، والواد بدأ يفتح قلبه ليا، أنا مش بطلب منك رد دلوقتي، بس حبيت أقولك إن أدهم شاري، وعايزك تبقى عارف إن بنتك في عنينا."
مراد بص لحسن بابتسامة هادية وطبطب على كتفه:
-" يا حسن، أدهم ده ابني قبل ما يكون ابنك، وأنا مش هلاقي لبنتي أحسن منه، بس سيبهم يكبروا، وصفا تخلص دراستها وتعرف تختار بقلب وعقل."

| في الجنينة ورا البيت |

يوسف كان قاعد بيحاول يذاكر فيزياء، بس كالعادة الشقاوة في دمه. شاف آلاء معدية ومعاها طبق فاكهة، نده عليها:
-" يا دكتورة آلاء! ما تيجي تشوفي أخوكِ الغلبان اللي الفيزياء هتاكل دماغه ده."
آلاء قربت منه بكسوف وقالت:
-" أنا مالي بالفيزياء يا يوسف، أنا لسة في أولى إعدادي."
يوسف ضحك وقال:
-" طب خدي، كلي تفاحة من دي يمكن ذكاءك يعديني،. بقولك إيه، لو جبت مجموع ودخلت هندسة، هتعمليلي الحفلة اللي وعدتيني بيها؟"
آلاء ضحكت وقالت:
-" لما تجيب المجموع الأول، وبعدين ابقى اتشرط."

| في مرسم أدهم الجديد اللي عمله في أوضته|

أدهم كان واقف بيمسح إيده من ألوان الفحم، ودخلت عليه مريم. 
مريم قالت له بفضول:
-" أدهم، بابا بيقول إنك خلاص بدأت تاخد كورسات، بس أنا شايفة إنك لسة بتقضي وقتك كله في الرسم هنا."
أدهم بص لها بذكاء وقال:
-" الفن مش بيعطل الشغل يا مريم، بالعكس، الرسم بيخليني أركز أكتر، المهم أنتِ، مش ناوية تشدي حيلك في المذاكرة بدل ما أنتِ مراقبة الكل كدا؟"
مريم ضحكت وقالت:
-" ما تقلقش عليا، أنا عيني في وسط راسي."
أدهم ضحك على كلمتها، وقال لها:
-" بقالي كذا يوم ملاحظ إنك قلقانة من حاجة."
مريم اتوترت، وقالت له بزعل:
-" بصراحة خايفة من النتيجة بتاعتي أوي، أنا مكنتش بذاكر كويس".
أدهم بص لها بتفهم، وقال لها:
-" ولا يهمك، خلي السنة دي تعدي، مهما كانت درجتك، وابدأي تالتة اعدادي بهمة، وأنا معاكِ في أي حاجة، وصفا جمبك، يعني متقلقيش من حاجة ".
مريم فرحت أوي، وقالت له بحماس:
-" بإذن الله هذاكر كويس، ومش هراكم أي حاجة عليا ".
أدهم بص لها بحنان، وقال لها بتشجيع:
-" جدعة، عايزك ترفعي راسنا ".

| في أوضة صفا |

الليل جه، وصفا كانت قاعدة بتبص للسلسلة اللي أدهم جابهالها، والتردد مالي قلبها. فجأة لقت رسالة على موبايلها من رقم أدهم:
" بكرة نتيجتك هتظهر، عايزك تاخدي الأمور ببساطة، وأنا واثق إنك هتطلعي من الأوائل ".
صفا ابتسمت، وحضنت الموبايل بفرحة، وبعدها بشوية كانت نامت، بعد ما كانت بتفكر في النتيجة بتاعتها.

| طريق القاهرة - الصباح |

مراد ومحمد كانوا راكبين العربية سوا، والسكوت كان سيد الموقف في البداية، لحد ما محمد قطع الصمت ده وقال بنبرة فيها لوم خفيف بس محبب:
-" لسة برضو يا مراد مصمم تسوق أنت؟ يا أخي كبرنا، سيب السواقة لعوض ولا لأدهم."
مراد ضحك وهو باصص للطريق:
-" يا محمد السواقة دي هي اللي بتخليني أحس إني لسة شباب، وبعدين أنا عايز أستمتع بالطريق معاك."
محمد ابتسم ورجع ضهره لورا:
-"  أنا عايزك تسامحني يا مراد، الغيرة والضيق عموا عيني فترة، بس لما شوفتك راجع البيت، عرفت إن مفيش أغلى من الأخ."
مراد طبطب على إيد محمد وقال له:
-" نسينا يا محمد، اللي فات مات، وإحنا ولاد النهاردة."

| في بيت العيلة - الظهر |

صفا كانت قاعدة قلقانة، النهاردة نتيجة الشهادة الإعدادية هتظهر. كانت رايحة جاية في الصالة، وحسن قاعد بيقرأ جرنان وبيهديها:
-" يا بنتي اقعدي خيلتيني، إن شاء الله خير، أنتِ تعبتي وربنا مش بيضيع تعب حد."
فجأة دخل يوسف وهو بيجري وماسك الموبايل في إيده وبيصرخ:
-" ظهرت! ظهرت يا جدعان!"
أدهم نزل من فوق على صوته، وصفا وقفت ومسكت في طرف هدومها بتوتر. يوسف وقف قدام صفا ووشه كان جاد جداً، وقال بنبرة واطية:
-" صفا،أنا مش عارف أقولك إيه.."
صفا دمعت: -" إيه يا يوسف؟ سقطت؟"
يوسف انفجر ضحك وقال لها بفرحة:
-" سقطت إيه يا هبلة! أنتِ جايبة 98%! الأولي على المدرسة يا شبر ونص!"
البيت كله اتقلب زغاريد، زينب وعلياء طلعوا يجروا من المطبخ يحضنوا صفا، وحسن قام باس راسها وهو فخور بيها. أدهم كان واقف بعيد، عينه بتلمع بفرحة مش عادية، كان نفسه يروح يبارك لها بطريقته بس وجود الكل منعه.
استغل أدهم لحظة انشغالهم مع صفا، وقرب من يوسف وضربه على كتفه بهزار:
-" وقعت قلب البنت يا حيوان، حد يعمل كدا؟"
يوسف غمز له:
-" لازم أكشن يا هندسة، وبعدين مبروك ليك أنت كمان، مش عروسة المستقبل نجحت؟"
أدهم كتم ضحكته وقال له: -" بس يا ابني، هتودينا في داهية."

| العصر - في الجنينة |

صفا كانت قاعدة لوحدها تحت الشجرة، بتحاول تستوعب الفرحة، لقت أدهم جاي عليها وماسك في إيده نوت بوك متغلف وشكله شيك أوي.
قعد قدامها وقال بهدوء:
-" مبروك يا صفا، كنت عارف إنك هتعمليها."
صفا ردت بكسوف: -" الله يبارك فيك يا أدهم، السلسلة كانت وش السعد عليا."
أدهم اداها النوت بوك وقال:
-" دي هدية النجاح، بس دي مش نوت بوك عادية، دي فيها رسوماتي ليكي من يوم ما عرفت إني بحبك، كنت برسمك في كل حالاتك وأنتِ بتذاكري، وأنتِ بتضحكي، وأنتِ زعلانة، خليها معاكِ، ولما تحسي إنك محتاجة تشوفي نفسك بعيوني، افتحيها."
صفا أخدت الهدية وإيدها بتترعش من الفرحة، فتحت أول صفحة لقت رسمة ليها وهي بتضحك مع مريم ،وآلاء، ومكتوب تحتها: " البداية كانت هنا، والنهاية هتكون وأنتِ في بيتي " .
دموع صفا نزلت، وبصت لأدهم وقالت بصوت مهزوز:
-" أنا هذاكر في الثانوية أوي يا أدهم، عشان أكون فعلاً قد المسؤولية دي."
أدهم ابتسم وقال: -" وأنا هستناكِ، لو هعيش عمري كله أستنى."

قطع اللحظة دي صوت موبايل أدهم، كان عوض بيتصل وصوته مرعوب:
-" أدهم! الحقني يا أدهم، بابا وعمي مراد عملوا حادثة بالعربية وهم راجعين من القاهرة، والاسعاف نقلوهم مستشفى العام!"
أدهم الموبايل وقع من إيده، وصفا وقفت مخضوضة: -" في إيه يا أدهم؟ بابا ماله؟"
أدهم حاول يتماسك وقال بصعوبة:
 -" عمي مراد ومحمد عملوا حادثة، صفا، خليكِ هنا ومتعرفيش حد حاجة لحد ما أروح وأطمن، فاهمة؟"
أدهم جرى على برا، وصفا وقعت على الأرض وهي بتعيط وتدعي ربنا يرجعهم بالسلامة."

أدهم نزل جري على المستشفى، وقلبه بيدق بعنف. صفا فضلت مكانها في الجنينة، مابقتش قادرة تتنفس، الدنيا لفت بيها، فرحة النجاح اتبخرت في ثواني وحل مكانها رعب ملوش آخر.

| في المستشفى - قسم الطوارئ |

أدهم وعوض وصلوا في نفس الوقت، لقوا يوسف هناك، كان وشه باهت وإيده بتترعش.
عوض مسك في يوسف:
-" بابا فين يا يوسف؟ وعمي مراد؟ رد عليا!"
يوسف صوته طلع مخنوق:
-" عمي محمد جوه في العمليات، الحادثة كانت شديدة من ناحيته هو، وعمي مراد في العناية، بيقولوا عنده كسر في الحوض واشتباه في ارتجاج، بس لسة فايق."
أدهم سابهم وجرى ناحية العناية، قلبه كان واجعه على عمه مراد اللي بيعتبره أبوه التاني، أول ما وصل عند الزجاج، شاف مراد نايم والأجهزة حواليه، بس عينيه كانت مفتوحة وبيدور على حد.
الممرضة سمحت لأدهم يدخل ثواني، مراد أول ما شاف أدهم، حاول يتكلم وصوته كان ضعيف جداً:
-" أدهم... صفا... متقولهاش... مـ... متخوفهاش يا ابني."
أدهم مسك إيد مراد وباسها ودموعه نزلت:
-" متخافش يا عمي، صفا بخير وفرحانة بنجاحها، والبيت كله مستنيكم. شد حيلك أنت بس عشان خاطرنا."

| في بيت العيلة |

الجو كان مشحون بالتوتر، صفا دخلت البيت ووشها باين عليه العياط، حاولت تداري بس علياء أول ما شافتها حست إن في حاجة.
علياء بقلق: -" مالك يا صفا؟ وشك أصفر كدا ليه؟ وأدهم ويوسف راحوا فين فجأة؟"
صفا مابقتش قادرة تمسك نفسها، اترمت في حضن أمها وانفجرت في العياط:
-" بابا يا ماما، بابا وعمي محمد عملوا حادثة وهم في المستشفى دلوقتي."

الصرخة اللي طلعت من علياء وزينب هزت البيت.
  رياض كان قاعد في أوضته، سمع الصريخ وخرج وسند على عصايته وهو بيترعش:
-" في إيه؟ ولادي حصلهم إيه؟"
زينب  وقعت على الكرسي وهي بتلطم على وشها وخايفة على محمد، بس صفا جريت على جدها ومسكت إيده:
-" اهدى يا جدو، أدهم هناك وطمنا، هما كويسين والله، دي مجرد كدمات."
صفا كانت بتكدب عشان خايفة على قلب جدها، بس من جواها كانت بتتقطع.
رياض اتصدم، وقال لها بخوف:
-" اتصلي على أدهم خليه يطمنا، يارب استر، ده أنا ملحقتش أفرح بلمتهم ".

| في المستشفى - الفجر |

خرج الدكتور من غرفة العمليات، عوض ويوسف وأدهم جريوا عليه. الدكتور مسح جبينه وقال بتنهيدة:
-" الحمد لله، قدرنا نوقف النزيف اللي عند الحاج محمد، هو حالياً تحت الملاحظة. والحاج مراد حالته مستقرة، بس محتاج راحة تامة وعلاج طبيعي بعدين."
 حسن بص لأولاده  وقال بلهجة حازمة:
-" من النهاردة مفيش نوم، إحنا هنبقى ضهر بعض. عوض وأدهم خليكم هنا، ويوسف ارجع البيت خليك جنب جدك والستات، وطمنهم يا يوسف."

| بعد يومين - في المستشفى |

محمد بدأ يفوق، ومراد اتنقل أوضة عادية جنب أخوه. الاتنين كانوا نايمين في سراير قصاد بعض، ملامحهم تعبانة .
محمد بص لمراد وابتسم بتعب:
-" شوفت يا مراد؟ الموت كان قريب مننا أوي، بس ربنا أراد يدينا فرصة تانية عشان نصلح كل حاجة."
مراد رد عليه بصوت واطي:
-" الحمد لله يا محمد، الحادثة دي خلتني أعرف غلاوتك عندي بجد. المهم دلوقتي العيال، أدهم وعوض شالوا المسؤولية في يومين كأنهم رجالة كبار."
في اللحظة دي دخلت صفا ومعاها أدهم. صفا أول ما شافت باباها، جريت عليه وارتمت في حضنه وهي بتعيط، ومراد بيطبطب عليها بإيده السليمة.
أدهم كان واقف باصص للمشهد، وعينه جت في عين عمه محمد، محمد شاور له يقرب، وأخد إيد أدهم وحطها في إيد مراد وقال:
-" يا مراد، أدهم ده راجل، وأنا شوفت في عينيه خوف عليك أكتر من خوفه على نفسه، وأنا ببارك لك وببارك له على اللي في بالكم، لما تقوم بالسلامة."
صفا وشها احمر جدًا وبصت للأرض، وأدهم اتفاجئ إن عمه محمد فهم مشاعره، وابتسم بكسوف وقال:
-" تقوموا بالسلامة بس يا عمي، وكل حاجة ملحوق عليها."

| بعد مرور شهرين |

مراد ومحمد رجعوا البيت، والبيت رجع عمره وحسه بيهم. صفا بدأت أولى ثانوي بجد واجتهاد، وكل ما تضعف تفتكر كلام أدهم إنه واثق منها.
يوسف بدأ يركز في دروسه فعلاً، وآلاء كانت دايماً بتشجعه بطريقتها الطفولية، وعلاقتهم بدأت تاخد شكل صداقة قوية بتمهد لحب كبير لما يكبروا.

أدهم بقى يقسم وقته بين الكورسات والرسم.
وفي يوم الجمعة، والكل متجمع على الغدا، رياض رفع كوباية الشاي بتاعته وقال بفخر:
-" النهاردة أنا أسعد واحد في الدنيا، ولادي رجعوا لبعض، وعوض جاب لنا جويرية، وأدهم وصفا ويوسف ومريم بيكبروا قدام عيني، كدا أموت، وأنا مطمن عليكم."
حسن قال له بخوف:
-" ربنا يبارك في عمرك يا بابا، ده أنت البركة ".
بعد ما خلصوا أكل، طلعوا كلهم للجنينة، والجو كان مليان طاقة إيجابية، وفرحة مالية المكان. 

| بعد مرور 4 سنوات |

السنين مرت زي الثواني، وبيت العيلة كبرت فيه القلوب.
 صفا كبرت وبقت في أولى جامعة كلية ألسن، ملامحها بقت هادية وجميلة، ونضجت وبقت صفا اللي أدهم كان بيتمناها.
 أما يوسف، فقدر فعلاً يحقق وعده ودخل كلية الهندسة، وبقى البشمهندس اللي مالي البيت شقاوة برضه، بس بوقار شوية.

| في جنينة البيت - يوم خطوبة صفا وأدهم |

البيت كان متزين بالأنوار، والكل لابس أشيك ما عنده. صفا كانت واقفة قدام المراية في أوضتها، لابسة فستان رقيق بلون جميل، وطرحة هادية، والتوتر ماليها. دخلت عليها آلاء، اللي كبرت وبقت في تانية ثانوي، ومازالت محتفظة برقتها.
آلاء بابتسامة:
-" ما شاء الله يا صفا، طالعة زي القمر، أدهم لو شافك دلوقت هيغمى عليه من الفرحة."
صفا بكسوف:
-" بجد يا آلاء؟ حاسة إني خايفة، السنين جريت أوي، ومستنية اللحظة دي من يوم ما كنت في تالتة إعدادي."
آلاء غمزت لها:
-" النصيب يا ست صفا، وأدهم طلع راجل وصان الوعد، عقبالي بقى لما أخلص ثانوي وأشوف المهندس اللي تحت ده هيعمل إيه."
صفا ضحكت: -" يوسف عينيه بتفضح حبه ليكي كل ما بتعدي من قدامه."

| في الصالة تحت |

أدهم كان واقف لابس بدلة كحلي شيك جدًا، كان واقف مع والده حسن، وعمه مراد، وعمه محمد.
مراد  حط إيده على كتف أدهم وقال بصدق:
-" النهاردة أنا بسلمك أغلى ما عندي يا أدهم، أنا عارف إنك هتصونها، وعارف إنك استنيت كتير."
أدهم باس إيد عمه مراد:
-" صفا في عيني يا عمي، دي هي الملهمة الأولى لكل لوحاتي، والنهاردة الحلم بقى حقيقة."
محمد  ضحك وقال:
-" مبروك يا عريس، بس خلي بالك، صفا دلوعة أبوها، لو زعلتها هتلاقي العيلة كلها واقفة لك."
عوض كان واقف شايل جويرية اللي بقت طفلة عندها 4 سنين وشقية جدًا، ووسام مراته واقفة جنبه بتبتسم للفرحة اللي مالت البيت.

| لحظة تلبيس الدبل |

أدهم طلع لصفا فوق، ونزلوا سوا على السلم والزغاريد ملت المكان. 
 رياض كان قاعد في أول الصالة، وعيونه مدمعة من الفرحة.
أدهم مسك إيد صفا، ولبسها الدبلة وقال بهمس سمعته هي بس:
-" قولتلك "هستناكِ"، واديني أهو، بقيتي بتاعتي رسمي قدام الكل."
صفا بصت له بعيون لمعت فيها الدموع وقالت:
-" وأنا استنيت، ومندمتش لحظة يا أدهم."

| في ركن بعيد في الجنينة |

يوسف كان واقف مع آلاء، والجو كان هادي. يوسف بص لآلاء وقال بنبرة جدية لأول مرة:
-" شوفتي أهو أدهم وصفا اتخطبوا، الدور على مين بقى يا دكتورة آلاء؟"
آلاء بصت للأرض بخجل: -" مش لما تخلص هندسة الأول؟"
يوسف ضحك بشقاوته المعتادة:
-" مهندس وبشتغل في الشركة مع الكبار أهو، ناقص بس الخواطر بتاعتك تتكتب عني أنا المرة دي، مش عن الفارس اللي راكب حصان."
آلاء ضحكت ،وقالت له:
-" حاضر، بس لما تبقى علاقتنا رسمية ".
مشيت، وسابته بيضحك مع نفسه، ودخلت قعدت مع البنات، وحكتلهم عن اللي يوسف قاله.

اتجمعت العيلة كلها في صورة واحدة، الجد في النص، وولاده مراد ومحمد وحسن حواليه، وأحفاده اللي بقوا هما مستقبل البيت. الشركة كبرت، وبقت معروفة، والقلوب بقت أصفى، والحقد اللي كان موجود زمان اندفن تحت تراب المحبة والود.
بيت العيلة فضل مفتوح للكل، والسر كان دايماً في كلمة واحدة قالها الجد رياض في آخر السهرة:
-" العيلة مش بالاسم، العيلة باللي بيشيل التاني في وقت المحنة، والحمد لله إن عيلتي طلعت رجالة."

صفا بدأت حكايتها مع أدهم، وطول السنين دي مقلتش لحد أنها كانت بتحب أدهم من قبل ما يعترفلها بحبه، كانت شايفة إنه ده الأفضل ليها. 
آلاء ندهت على صفا، ومريم، وقعدوا يفضفضوا مع بعض، آلاء قالت بحماس:
-" يوسف ناوي ييجي يتقدم لي، أنا مبسوطة أوي بجد ".
صفا ابتسمت ببلاهة، ومكنتش متوقعة إنه الموضوع ده يتفتح بسهولة، اخدتها بالحضن، وقالت لها بحنان:
-" فرحانة أوي علشانك، هتبقي عروسة قمر، عقبال مريم بقى ".
مريم ردت بسرعة:
-" لأ، أنا مش حاطة الموضوع ده في بالي دلوقتي خالص، لما أخلص تعليمي الأول ".
آلاء بصت لها بخبث، وقالت:
-" بكرة نشوف، أول ما ييجي صاحب النصيب، هنلاقيكي طايرة من الفرحة ".
مريم ضحكت، وقالت لها بحنان:
-" طيب، بس في وقته المناسب ".

صفا ابتسمت لما شافتهم كويسين مع بعض، فاستجمعت شجاعتها، وقررت تكلمهم بخصوص الحجاب الشرعي. 
آلاء أخدت بالها أنها سرحانة، فقالت لها بهدوء:
-" ما لك يا صفا؟ حسيتك سرحتي مننا ".
صفا انتبهت لها، وقالت بتفهم:
-" محتاجة أتكلم معاكم في موضوع مهم أوي ".
مريم استغربت، وقالت:
-" خير إن شاء الله، اتفضلي ".
صفا اتنهدت بهدوء، وبدأت تجهز كلامها في دماغها الأول:
-" محتاجة أتكلم في موضوع الحجاب بتاعكم، وأنا عارفة أنكم هتستجيبوا لكلامي لإنه ده فرض زيه زي الصلاة، ومينفعش نتهاون فيه أبدًا ".
آلاء بصت لها باستعجاب، وقالت:
-" طب ما احنا محجبين الحمد لله ".
صفا ردت عليها براحة بدون تجريح:
-" يا حبيبتي مقصديش كدا، قصدي على الحجاب الشرعي بالمواصفات بتاعته".
مريم أتدخلت، وقالت:
-" ممكن أعرف ايه مواصفاته؟"
صفا فرحت لما لقيت إقبال منهم، وقالت لهم شروط الحجاب:
-" 1ـ أن يكون ساترًا لجميع بدنها إلا الوجه والكفين فقد اختلف أهل العلم في وجوب سترهما والراجح الوجوب .
2 ـ وألا يكون ضيقًا يصف تقاسيم الجسم .
3 ـ وألا يكون رقيقًا يشف عن ما تحته .
4 ـ وألا يكون يشبه لباس الرجال أو لباس الكافرات أو من اشتهر بالفسوق والعصيان .
5 ـ وألا يكون لباس شهرة .
6 ـ وألا يكون مطيبًا بالعطور أو البخور عند الخروج."
آلاء سكتت لثواني، وبعدين قالت بزعل:
-" بس أنا لسة صغيرة عشان ألبس كدا ".
صفا كانت هترد ،بس مريم قطعتها، وقالت بجدية:
-" نعم!! فين ده اللي لسة صغيرة يأ آلاء، حبيبتي أنتِ كبرتي، كلها أيام، وتتخطبي كمان، وتقوليلي صغيرة!! "
صفا عقبت على كلام مريم، وقالت بهدوء:
-" يا حبيبتي ده فرض، ومفيش حاجة اسمها لسة صغيرة، الموت بييجي للصغير، والكبير، تخيلي تموتي، وأنتِ لسة منفذتيش أوامر ربنا، وقتها محدش هينفعك، وهتتمني لو ترجعي دقيقة واحدة عشان تطيعي أمره، بس وقتها هيكون فات الأوان ".
آلاء اتأثرت بكلامهم، وقالت بسعادة:
-" خلاص من النهاردة هروح أشتري فساتين، وخِمارات تليق ببنت مسلمة ".
مريم قالت بحماس:
-" وأنا برضو هاجي معاكِ، تعالوا نروح دلوقتي مابقاش في وقت على العصر ".

جهزوا نفسهم، ونزلوا عشان يمشوا، فقابلوا أدهم تحت. 
أدهم بص لهم باستغراب، وقال لهم:
-" على فين كدا؟"
صفا ردت عليه بابتسامة هادية:
-" رايحين نجيب لبس جديد للبنات، هيلبسوا خِمارات النهاردة ".
أدهم أتبسط منهم، وقال بفرحة:
-" أحلى حاجة هتعملوها، ربنا يثبتكم، بس ياريت متتأخروش ".

بعد مرور نص ساعة وصلوا لمحل الملابس، اشتروا كل مستلزماتهم، ورجعوا البيت من غير تأخير. 
آلاء روحت بيتها بسرعة عشان تقيس الهدوم، وتفرح مامتها، ومريم دخلت أوضتها ولبست فستان بسيط، وعليه خِمار لونه أبيض. 
زينب كانت واقفة بتصب الشاي لرياض، وأول ما شافت بنتها فرحت أوي، واخدتها بالحضن، قالت لها بفرحة غمرت صوتها:
-" اللهم بارك، تحفة عليكِ يا مريومة، ربنا يثبتك يا حبيبتي ".
كلهم باركولها على التغيير الحلو اللي وصلت له، ويوسف كالعادة مكنش بيبطل لماضة، فقال لها:
-" هي البنات بتكبر أمتى كدا، أوعي تقوليلي آلاء القزمة لبسته برضو ".
مريم ضحكت، وقالت بابتسامة واسعة:
-" لبسته برضو، بس هي روحت بيتهم الأول، وهتيجي تاني ".
بعد دقايق آلاء جاتلهم، وهي لابسة جيبة، وبلوزة واسعة، وعليهم طرحة كبيرة كأنها خِمار ،مكنتش تقل جمال عن مريم ".
يوسف أول ما شافها أُعجب بيها أكتر، وقال بنبرة جادة:
-" بابا ممكن كلمة على جمب ".
حسن قام، ودخل أوضته، ويوسف دخل وراه، وقال باستغراب:
-" خير يا يوسف."
يوسف قعد على الكرسي، وقال بهدوء:
-" عايز اتقدم لآلاء."
حسن استغرب في الأول، وقال له بتفهم:
-" أنا معنديش مانع، بس ده وقت غير مناسب خالص، أنت لسة بتدرس، وآلاء لسة صغيرة ".
يوسف أتنهد بِغُلب، وقال :
-" عارف يا بابا، بس ميضرش يعني لو اتخطبنا دلوقتي، والجواز بعدين".
حسن قال له بثبات:
-" خلاص براحتك، بس افترضنا هي موافقتش ".
يوسف ضحك بخبث، وقال:
-" متقلقش من الموضوع ده ".
حسن قال له بهدوء:
-" خلاص على بركة الله، النهاردة نطلب إيدها، وبعدين ربنا يحلها ".
نزلوا سوا، وفي وسط العيلة حسن قال بحماس:
-" عايز أقولكم على حاجة مهمة، يوسف ابني عايز يطلب إيد آلاء، ويخطبها دلوقتي، والجواز إن شاء الله لما يكبروا ".
كلهم اتصدموا في الأول، لكن الصدمة قلبت لفرحة كبيرة، وكلهم باركوا ليوسف، وأدهم قام قعد جمب يوسف، وقال له بمشاكسة:
-" عملتها يا يوسف، بس مش مهم، المهم إني هتجوز قبلك ".
يوسف ضحك بصوت واطي، وقال له:
-" والمهم برضو إني هخطب بعدك على طول زي ما وعدتك ".
عوض كان قاعد جمبهم، وسامعهم فقال ليوسف:
-" مش هتكبر أبدًا، هي دي فيها عِند كمان، على العموم ألف مبروك يا عريس، يا رب نهدى بقى ".
يوسف بص له بطرف عينيه، وقال له بصوت واطي:
-" هعقل إن شاء الله لما أجيب دستة عيال ".
أدهم فرط من الضحك جمبه، وقال له بضحك:
-" بالله أنت عيل بارد، دماغك دي مصيبة لوحدها، هو أنت اتجوزت عشان تجيب دستة بحالها ".
يوسف ضحك، وقال له بثقة:
-" الأيام بتجري بسرعة، وبكرة تشوف ".

عدى الوقت، ونزل الليل، كلهم راحوا مع يوسف عشان يطلب إيد آلاء، وبما إنهم أصدقاء من زمان، أهلها وافقوا. 
باباها قال بابتسامة واسعة:
-" والله يا حسن مش هنلاقي حد كويس زي المهندس يوسف، كفاية إننا عارفينكم أنكم ناس تعرف الأصول، وأنا موافق بإذن الله ".
صوت الزغاريد ملى المكان، وآلاء طايرة من الفرحة جوا، وكل شوية تقول للبنات:
-" أنا مش مصدقة بجد، يعني أنا خلاص كدا بودع حياة العزوبية ".
مريم ضحكت وقالت لها بحنان:
-" إن شاء الله هتبقي عروسة قمر ".

بمرور السنين، مكنتش الدبلة هي بس اللي بتربط صفا وأدهم، كان فيه عهد قديم من أيام ما كانت صفا صغيرة إنهم يبقوا مسؤلين، ويطلعوا ذرية صالحة تفيد المجتمع، فكانت فترة الخطوبة عبارة عن قواعد بحيث ميقضوض فترة الخطوبة في كلام فارغ، ويبدأوا حياتهم الزوجية بدون ذنوب. 

| ليلة الفرح - بعد سنة |

البيت كله كان في حالة طوارئ جميلة. الأنوار اتعلقت من أول مدخل الشارع لحد باب الفيلا. يوسف كان المسؤل عن الفرح، لابس بدلة سودة وشيك، وبيهزر مع عوض اللي واقف يوزع المشروبات على المعازيم.
يوسف بص لعوض وقال بضحك:
-" شوفت يا عوض؟ أدهم اللي كان بيسرح في اللوحات، النهاردة بقى عريس، وأنا العريس القادم إن شاء الله ."
عوض طبطب على كتفه:
-" عقبالك يا يوسف، بس شد حيلك وخلص السنة الأخيرة دي، عشان نفرح بيك أنت وآلاء."
يوسف غمز له: -" متقلقش، كله تحت السيطرة."

| في أوضة العروسة |

صفا كانت قاعدة زي الملكة، فستانها الأبيض المنفوش كان مخليها فعلًا لوحة من اللي أدهم كان بيرسمهم. مريم  وآلاء كانوا حواليها بيساعدوها.
آلاء بصت لصفا بإعجاب:
-" صفا، أدهم لو شافك دلوقت مش هيصدق إن الطفلة اللي كان بيحبها  بقت العروسة الجميلة دي."
صفا ابتسمت بتوتر:
-" أنا لسة خايفة يا آلاء، بس وجود أدهم بيطمني."
مريم قالت بتفهم:
-" طبيعي تحسي بكدا، دي أحلى أيام حياتك، ولازم تتغاضي عن الخوف،والتوتر ده ".

| لحظة الزفة|

نزل أدهم من على السلم، وأول ما شاف صفا واقفة مع باباها، وقف مكانه ثواني مبهور. مراد سلم صفا لأدهم وقال له بصوت طالع من القلب:
-" أدهم، أنا مديتلك إيدي زمان لما كنت محتاج أب، والنهاردة بديك حتة من قلبي. صونها يا ابني."
أدهم باس راس صفا وإيد عمه مراد وقال بيقين:
-" في عيوني يا عمي، دي أمانة العمر كله."
 رياض كان قاعد في الكرسي اللي قدام الكوشة، ماسك عصايته وباصص لولاده  وهما واقفين كتف في كتف، بيضحكوا وبيرحبوا بالناس. محمد قرب من حسن وقال له:
-" مبروك يا حسن، أدهم بقى عريسنا كلنا."
الفرح عدى على خير، وكلهم فرحوا من قلوبهم، أدهم، وصفا كانوا أول فرحتهم، ولسة الأفراح هتكون جاية كمان. 

| بعد مرور شهر|

في شقة أدهم وصفا اللي في نفس بيت العيلة ، أدهم كان واقف قدام لوحة كبيرة متغطية. صفا دخلت عليه وهي شايلة صينية العشا:
-" لسة برضه مش عايز توريني اللوحة الجديدة يا أدهم؟"
أدهم ابتسم وسحب الغطا، صفا شهقت من المفاجأة. اللوحة كانت بتجمع كل العيلة: الجد رياض في النص، والآباء حواليه، والشباب وجويرية.
أدهم حضن صفا وقال:
-" كنت مخليها مفاجأة للكل ،بس مقدرتش أخبي عنك ."
صفا سندت راسها على كتفه وقالت:
-" الحمد لله إننا كبرنا سوا، والحمد لله إن عيلتنا رجعت إيد واحدة."

في ساحة الشركة الكبيرة، اللي بقت دلوقتي شركة رضوان للمقاولات والفنون، كان فيه احتفال صغير بمناسبة افتتاح التوسعة الجديدة. يوسف كان واقف وبيشرف على آخر نقلة للمؤن.
| في أوضة أدهم |
أدهم كان قاعد وبيرسم سكيتش سريع لآلاء ويوسف وهما واقفين في الجنينة، صفا دخلت عليه وقفلت الباب وراه بالراحة.
صفا: -" لسة بتراقب الكل بريشتك يا أدهم؟"
أدهم رفع عينه وابتسم: -" الريشة دي هي اللي جابتك ليا يا صفا. وبعدين يوسف وآلاء بيفكروني بينا زمان."
أدهم قام ووقف قدام صفا، ومسك إيدها وبص في عينيها بامتنان:
-" عارفة يا صفا، أجمل حاجة حصلت في الـكام  سنة اللي فاتوا مش إن الشركة  كبرت، ولا إننا اتجوزنا، أجمل حاجة إننا قدرنا نحافظ على البيت كبير ويساعنا كلنا."
صفا سندت راسها على صدره وقالت:
-" عشان إحنا بدأنها صح يا أدهم."

| بمرور الأيام |

 رياض قاعد في بلكونة البيت، وباصص لولاده وأحفاده وهم متجمعين في الحوش، بيضحكوا وصوتهم عالي.
محمد بيناقر مراد في الشغل، وحسن بيصلح حاجة في جنينة البيت، وأدهم وصفا واقفين مع بعض مبسوطين ، ويوسف وآلاء بيبدأوا حكاية جديدة.

تمت بحمد الله 
تعليقات