رواية بين الحب والقانون الفصل الثالث عشر والاخير
” شاكـر، عاوزاك تيجي البيت عندي دلوقتي حالا! ”
” فيكي ايـه! “.
” كـريم.. كريم اتوفـى…
كـانت تبكـي وصمت هو يستمع لصـوت بكاؤهـا، يتألم لتـذكره ما حدث لأخيه وسبب وفـاتـه ولكنه لا يـُريدها أن تتألم أيضـا، صوتهـا ذاك يؤلمه ولا يعرف السبب..
قـال بصوت هادئ:
“أنـا جايلك”.
تحـرك شـاكر وتـوجه لبيـت أحد السائقين في نفس شـارعه يطـلب منـه مرافقته بسيـارته فهو يعلم بصعـوبة إيجاد سيـارة أجره في منطقـته الآن..
” معلشي يا سيـد، حالة وفاة عند مديرتي “.
” يا عم ولا يهمك، اقعد بس هدخل أغسل وشي و أجي”
“هستناك تحت”.
” طب خد المفاتيح سخن العربية على ما أنزل “.
أخذ شـاكر المفتاح وتحرك يـُشـغل السيـارة حتى آتى صاحبها وأنطـلقا تجاه منـزل فتنـه، لم يكن يعرف المبني بالتحديد ولكنه استطـاع رؤيتها تقف علي جانب الطـريق تتطـلع للسـيارة ورآى عيناها المنتفخـة الباكيـة، خرج من السيارة يـتحرك تجاه الباب الخلفي يفتحه ثم نظر لها يقول بصوت خافت:
” البقاء لله “..
كـانت تبكـي ولم تجيبـه وهـي تجلس في المقعد الخـلفي، فجلس هو بالأمام جوار السائق يراقبها وهي تُخرج هاتفها تُحاول الإتصال بأحدهم مرارا وتكرارا فسألها:
” بتكـلمي حد معين! ”
“بكـلم عمـي بس مبيردش عليا.. هو كان معايا وقت يـزيد بس خايفة يكون مسافر برا البلد”..
” متقلقيش، أنا معاكي “..
كان لسانه هو ما نطق بالكلمـات فقط وليس قلبـه فهو لن يـذهب لذلك الشخص الذي تسبب في قتـل أخيه و يحمـل نعشـه و يقف في النهاية ليدعو لـه!!
لن يفعـلها وإن كان غير قادرا على تركها والرحيل وإن كانت دموعها تُحزنه فلن يصاب قلبـه كما أُصيب وقت موت أخيه..
فـعل الكثير في ذلك اليوم، إجراءات متعددة، ذهب وآتى ممسكـا بالعديد من الأوراق في يده، الكثير من الإتصالات من موظفين الشركة والعـُمال والذين حضروا جميعهم وقت الجنازة وهو ما مكنـه وآخيرا من الإبتعـاد عن ذلك النعش الذي يحمل جسمان الفتـى، وعند المقـابر وقف في الزاوية بعيدا عن الجميع حتي إنتهـوا ورحل الجميع حتي القليل من أهلها الذين آتوا قد رحلوا الآن إلا بعض الصديقات لهـا…
” أوصلك البيت؟! “..
طالعتـه فُتنه بعينيها الحزينة تقول بصوت خافت:
” أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا شاكر، مفيش اي حاجه هتوفي اللي أنت عملته معايا النهاردة “..
” مش عاوزك تشكريني، تحبي أوصلك البيت؟! “..
قالت وهي تنظر لصديقتها التي تمسك بيدها:
” لا كتر خيرك سلمى هتروح معايا النهاردة، إرجع أنت بيتك وإرتاح “..
أومـأ لهـا شاكـر ثم تحرك للخـارج ليجد سيد يقف في إنتظـاره فقال بإرهاق:
” إرجع بينـا بقى يا سيـد وحسـابك بليل على القهوة هديهولك لأني صرفت كل اللي معايا دلوقتي “..
” براحتك يا غالي “..
……………………………………………
آتى الصباح على مـدينـة لنـدن..
فتح دراكو عينيه يشـعر بالتوعك ليجـد قطعـة قماشية فوق جبهتـه فأبعدهـا وإعتدل بوهن يستنـد بظهره على فـراشه، تجـول بعينيه ليجـد زيـن تجلس على الأرض وفقط رأسها يستنـد على طرف الفراش وقد ذهبت للنـوم بعدما قضت ليلتها سـاهرة جواره، قال بصوت هامس:
” عزيـزتي ميـلى! ”
“مممم”.
” اقتـربي، اصعـدي للفراش “.
فتحـت زين عينيها بتعـب ترمش عدة مرات حتى تبيـنت ملامحـه فأعتدلت تسأله بقلق:
” بقيت أحسن دلـوقتي! “.
أومأ برأسه بهـدوء ثم سحـب يدهـا لتقف ثم تحركـت قربـه فدثـرها جيدا بالأغطية وضمها لصدره يقول بإشتياق:
” أليس هذا أفضل؟ “..
أومأت برأسها وهي تُغلق عينيهـا بنعـاس تستمتع بالدفء جـواره فأغمض عينيه كذلك لعـله يستريح قلـيلا ويتعافى في أسرع وقت….
……………………………
منذ الصبـاح أخذت سيـارة أجرة وذهبت لبيتهـا، تبقى فقط أسبوع واحد علي الزواج و يحتاج البيت للعديد من الترتيبـات، أخبرها مازن بأنه لا بأس بأن يُمضيا الإسبوع الأول من زواجهم بالفندق ولكنهـا كانت تريـد أن تذهب معه لمنزلهـم ليس غرفـة الفندق المملـة..
إنتهـت بمفردها من المطبخ وعدد من الغرف حتـى بدأت تشعـر بالتعب و ارتمت بجسدها علي الأريكـة وقد تغلبها النعـاس فذهبت في غفوة قصيـرة ولم تشعـر بمازن الذي دلف للمنزل يبحث عنها ممسكا بحقيبـه بها طعام الإفطـار وبعض الأغراض المنزلية الأُخـرى..
ابتسم بخـفوت عندمـا وجدها نائمـة علي الأريكة فأنحنى يجـلس جوارها يُطـالعها بصمـت وبداخله ألف فكرة..
تلك الفتـاة تعتبـره الآن الحياة بالنسبة لها، يعلم بأنها تزوجتـه لقلة حيلتهـا ولكنه لن يُنكر بأنه يـرى مشاعرها ويشعـر بها وربمـا إن صب جل تركيزه عليهـا فسيتقـرب منها بـلا شك، عليه الآن ترك العنان لقلبه وسيفعـل..
تلمس وجنتهـا برفق ففتحـت عينيهـا تنـظر لها وإعتدلت بإرتباك أصبح مضاعفا عندما أمسك مازن بيدها وقبل باطنها يقول بهدوء:
” تعبتـي معايا في توضيب البيت ودي كانت مسئوليتي أنا “..
قالت بخجـل وهي تسحب خصلات شعـرها خلف أذنها؛
” دا هيبقى بيتنا وأنا مبسوطة إني برتبه بنفسي “..
ابتسم وقال وهـو يُفرغ الحقائب:
” أنا جبـت فطـار و كمان جبت خزين للمطبخ، بقولك ايه تيجي نطبخ سوا النهـاردة؟ “..
ضـحكت مريم ضحكة هادئة وهي تسأله:
” وهو أنت بتعرف تطـبخ يا مازن؟ “.
إقترب يقول بإبتسامة:
” لا بس هشرف عليكي وأنتي بتطبخي “..
إبتسمـت بخجـل وإحمرت وجنتاهـا فأتعست إبتسامتـه كذلك وهو يجـلس علي الأرض جوارها يـُعطيها الطـعام يقـول بهـدوء:
” أما بالنسبة للعشا، عاوزك تلبسي أحلى فستان عندك علشان هاخدك في date.. موعد يعني”..
خفق قلـب مـريم وهـي تطـالعه فأبتسـم لهـا يُغازلها:
” حـلو الكسوف دا، عاجبني “..
قـالت في محـاولة منهـا لتغيير مجرى حديثهم الذي يُربكهـا:
” أنا خلصت فرش المطبـخ و فرشت الأوضتيـن خلاص، فـاضل بس الـصالة دي و أوضـة الضيوف، وهنحتاج ننزل نشتـري شوية منـظفات، معلشي أنا عارفة إن المصاريف بقت تقيلـة عليك خصـوصا إنك لسه مكسبتش أي فلوس من المكتب هنا “..
” متقلقيش من المصاريف مش هنبخل علي بيتنـا يعني وإن شاء الله هنجيب كل حاجه محتاجينهـا “..
” طيب أنا شايفـة إن النهـاردة نسهر نخلص الباقي و نأجـل موضوع الديت دا “.
” بقى كدا! “.
” صدقني والله أنا نفسي إننا نخرج و نقضي وقت سوا، خصوصا إن ظروف جوازنا مش أحسن حاجة بـس كـل اللي شاغلنـي دلوقتي هو البيـت “..
أمسك مازن بيدها يقول بهدوء:
” إن شاء الله هنخرج ونقضي وقت سوا زي ما نحب ولـو عاوزة نأجل الخروجة دي معنديش مانع وبعـدين مالها ظروف جوازنا يعني، الحمد لله أنا مش عاوز من الحياة دي غيـر ماما وأنتي، أنتي سيبتي البلد كلها لأن أنا اللي مش قادر أكمل في مصـر و عاوز أبتدي هنا وأنا بوعدك إن هستغل فرصة وجودنا هنا وهطور من شغـلي “..
” أنا واثقـة فيك يا مازن، حطيت ثقتـي كلها فيك أنت وقلبي بيقولي صدقي إنه عمره ما هيخذلك “..
إبتسـم لها مازن رغم أنه بداخله شعـر بالإرتبـاك، أعطـاها طعامهـا وساد الصمت بينهم لبضعـة دقائق حتى قال مازن:
” طيب أنا هقوم أشتغـل أنا بقى في الأوضة وأنتي إعملينا حاجة نشربها وتعالي “..
أومـأت لـه مريم وتحـركت لمطبخـها الجديد لتُحضر لهـم مشـروب سـاخن، تشعـر الآن ببعـض الراحة والسكون لحديثه وقد طمئنها، كان كلامه دائما قليل و لكنه بهذه الأيام يُحادثها بأجمل الكلمات توردت وجنتيها عندمـا تذكرت أمر الموعد الذي يـريد إصطحـابها إليه أما بالنسبـة لتأجيله فقد فـعلت ذلك لتأخذ مُهلة من الوقت لتشتري شيئا مناسبا لترتديـه…
علي جهة أخـرى…
دلـفت زيـن وأخيـرا عائدة لمنزلها الحبيب ودراكو خلفهـا يحمـله الحقيبـة وقد أصبح أفضل حـالا من الليلة المـاضيـة..
بعـد خلافهم الأخير قررت زين العودة للمنـزل و إعادة الأمور لطبيعتهـا من جديد، لن تتسـرع ولن تضـعه في ضغط كبيـر فهـي مدركه لحساسيـة وضعه الآن بالنسبـة لذلك العمل الذي إختار التحرر منه لأجلها…
” سأجهز حساء ساخن لأجلك، فقط إنتظرني قلـيلا “..
أمسك دراكـو بيدهـا و سحبها لتجلس جـواره فـأبتسمت واتكأت علي كتفـه تسأله بقلق:
” هل أنت بخير الآن؟ “..
” فقط أريدك جواري، لا تفعليها مجـددا و تتركينـي بمفردي، لقد كنت ضائعا و وحيدا رغم أنها كانت بضعة أيام فقط، عديني بأنك لن تتركيني أبدا “..
طـالعته وهمست له بصوت خافت:
” أنا أحبك دراكو “..
ابتسـم لها بحب و ضم كتفهـا لجواره وقـال:
” وأنا متيم بكِ “.
…………………………………………….
” نشرب قهـوة سادة! “..
آتى شاكر لمكتبهـا وهو يحمـل كوبين من القهوة الساخنة فقد أصبح الطقس أشد برودة هذه الأيام، ابتسمت لـه فتنـه بـتعب وأخذت كوب مـنه فجـلس يسألها بإهتمام:
” حاسة إنك قادرة تشتغلي! ”
” آه الحمد لله و بعـدين أنا كنت مفكرة إني هرجـع آلاقي شغل متراكم قد كدا بس أنت ما شاء الله مخلص الشغل علي توقيعي بس! أنت طلعت شاطر بجد “..
” أنا درست في المجال دا لإني بحبـه علشان كدا لقيـت نفسي فيـه “..
” شكـرا يا شاكر، أنا فعلا تعبتك معايا الفترة اللي فاتت دي، بس خـلاص أنا قـررت إني أرجع للشغل والجامعة و أواصل حيـاتي، أنا مبقاش ليا غير الشركة دي “..
” أنا موجود”..
قـالها شاكر بتـلقائيـة ولكنه تراجع عن إكمال حديثه يشعر بالحماقة على إندافعه!
قـال بهدوء مزيف:
” موجـود معاكي الشغل و إن شاء الله الشركة هتبقى أحسن من قبـل كدا بكتير “..
إبتسمت فتنـة و قد إنتقل إرتباكه إليهـا وقالت بهدوء:
” إن شاء الله “..
قـال شاكـر بتذكر:
” أنا عنـدي ليكي الحـاجة اللي هتخـليكي تفصـلي وتبقي أحسن “..
سألته بتعجب:
” إيه هي! “..
بعـد إسبوع وقفـت فُتنـه جوار شـاكر أمام أحد المـقاهي الراقيه وهي تـرتدي فستـان أسود أنيق وراقي، تجـولت بعينيها تبحث عن تلك الفتاة التـي ظل الإسبوع الماضي يُحدثهـا عنهـا، تشعر بالفضول لرؤيتهـا فقد إستطـاعت رؤية عيني شاكر التي إلتمعت بالحنين كلما ذكر إسمها، تذكـر بأنه قد اقتـرض مبلغا كبيرا لأجل تذكرة السفر فقط لأجل زفاف أختها ولأجل رؤيتها في المقام الأول…
على الجهـة الأخرى في منزل زين..
وقف دراكو يتفحص فستـانهـا الأزرق رغم إنه كان ساتـرا قـال بضيق:
” ألم يكن بإمكانك إحضار فستان أكثر وسعا! ”
قالت زين بملل:
“أنت من إشتراه لي دراكو، لا تكن مزعجا فهو حقا جيد، هيا سنتأخر إنه حفل زواج أختي الوحيدة”..
” وكأنك لم تكـوني جوارها طيلة الأيام الماضيـة، أخذتك منذ ساعة واحدة فقط “..
” أجل وكان يمكنك تركي لأرتدي ثيابي بغرفة الفندق رفقتها هي و والدة مازن لكنك كنت مصرا لأعود وأرتدي الفستان أمامك “..
إلتفـت دراكو ينظر للمرآة وهو يسألها:
” هل ستبقى والدة مازن معهم! “.
قـالت زين بإرتباك:
” كنت أُفكر في إستضافتها بضعة أسابيع في منزلنا، فـهي أصرت علي حضور الزواج والعودة لمصر مرة أخري و ستعـود بعد شهرين لتستقـر معهم، أقصد أنها لا تريد مضايقتهم في فترة زواجهم الأولى “..
إلتفت دراكو يقول بسخرية:
” دعيني أُذكرك أنا وأنت أيضا في فترة زواجنا الأولى “..
قـالت بتفهم:
” حسنا أنا لم أقترح عليها ذلك، فقط كنت أفكر في الأمر، إن كنت لا ترغب في ذلك لن أضايقك “..
تنهـد يقـول بإستسلام:
” دعينا نستقبلهـا، منزلنا مكون من طابقين لن تزعجنا كما أنها سيدة لطيفة ومحبة ليست مزعجة مثل إبنها “..
ابتسـمت زين بإمتنان وأقتربت تقف أمام دراكو تعقد له ربطـة العنق تسأله:
” هل ستكره مازن للبقية من عمرك! “..
قـال دراكو يومئ برأسه:
” بالطبع سأفعل، كنت أفكر لو أطعمتـي أطفال أختك عندما تصبحين أما، بالمستقبل لن يتمكن إبنا أحمق له أن يقع في حب إبنتنا والزواج منها.. صحيح!! ”
طـالعتـه زين بتعجب و دهشه لدقائق ثم تعالت ضحكاتها تسأله:
“هل قمت بتأليف قصـة لسنوات قادمه! إن أصبحت مريم أم لصبي و أنا أم لفتاة فستعجـلني أطعم إبنها ليكون إبنا لي وأخ لإبنتنا فقط حتى لا يقع في حبها ويتزوجها في المستقبل!!!! دراكو ماذا إن حملت أنا الصبي و وقع في حب الفتاة! ما الذي ستفعله حينها؟!”.
” حسنا إن كان لنا نصيبا في صبي فلن تطـعمي الفتاة و عندما يقع صغيرنا في حبها سأختطفها لأجله وأزوجها له”.
قالت زين بضحك:
” أنت بالفـعل عميل بالمافيا “..
قال دراكو بغضب:
” أنا لا أمزح، إن أصبحت أب لفتاة فلن أزوجها أبدا، أشعر بالخطر الآن، سأذهب لإيقاف هذا الزواج “..
أمسكـته زيـن توقفـه عن الرحيـل و طالعته بإبتسامة تسأله:
” هل تـريد أن تصبح أب حقا دراكو؟! “..
أومأ برأسه وقد لمعت عينـاه يقول بحنين:
” أريد فتاة تُشبهـك.. لكن ليس الآن ربمـا بعـد بضعه أشهر سنخطط للأمر، حسنا! “..
أومأت زيـن برأسها بإبتسامة فأقتـرب دراكو يطبع قبـله هادئه علي جبهتهـا وقال بهدوء:
” دعينا نذهب لحفل الزواج فهـناك مفاجأة بإنتظارك “..
ابتسمت زين بحماس وتحركت تبحث عن حذائهـا..
استغـرق الطريق بضعـة دقـائق فقـط وأصبح الإثنان بداخل المقهـى.
لم تصدق زين عينـاها عندمـا وجدت شـاكر يجـلس عند إحدى الطـاولات و عندما رأها وقف يطـالعها بلهفـه.
مال دراكو بجسده وقال:
” إن ضممته سأقت.لكم “.
إلتفـتت زيـن لدراكو فوجد عيناها مليئـة بالدموع فقال بهدوء:
” دعينا نرحب به “..
قـادها دراكو بلطف تجـاه طاولة شاكر الذي تحرك تجاهها يبتسم لـها…
” أنا مش مصدقة إني شوفتك تـاني، كنت فاكره إنه خلاص كدا “..
” أنا مصدقتش لما مازن كـلمني بعد ما جـه لندن هنا وقالي إنـه شافك و إنك هنا، من وقتها وأنا بجهز ورق السفر علشان أعرف آجي “..
” أنا كنت خايفـة حد يوصـلي و كنت خايفة لو كلمتك يشكوا فيك إنك ساعدتني، أنا…….
“أنا مش جاي أتكلم في حاجه، أنا جاي أشوفك واتطمن عليكي”..
طـالع شاكر دراكو فأبتسمت زين وهي تقول:
” دا دراكو جـوزي وهو والله مسلم بس هو مولود هنا “..
ضحك شاكـر وتقدم خطوة يُصـافح دراكو الذي بادلـه مصافحته بـود وتحرك يسحب كرسيا لزوجته فجلست ثم جلس هو جوارها مقابل شاكر، إقتربت تسأله:
” أنت اتجوزت؟ “..
إلتفت شاكر تجاه فتنه التي أشارت زين بعينيها صوبها فقال شاكر بإرتباك:
” لا.. أنا أسف نسيت أعرفكم، دي الأستاذة فُتنه صاحبة الشركة اللي أنا شغال فيـها، و دي زين أختي “..
ابتسمت زين وهي تصافحهـا ثم سألت شاكر:
” لسه شغال في الجامعة ولا سيبت الكافيتريا “..
” لا أنا سيبتهـا، مهو أنا ماسك إدارة الشركة مع الأستاذة فتنه “..
رفعـت زين حاجبيها تطـالع شاكر بشك، حديثه وإرتباكـه لم يطمئنهـا أبدا ولكنهـا لم تمتلك الوقت لتسأله عن شيئ إذ بدأت موسيقى الحـفل تـُعلن وصـول العروسيـن…
وقفـت تتطـلع بـلهفة لتـرى أختهـا، رغم أنها كانت تـُرافقها منذ أقل من ساعة ولكنـها متحمـسة لرؤيـة طلتها وهي عروس..
فستـان أبيض راقي و باقـة من زهرة التيـوليب تـُمسكـها مريم وباليد الأخرى احتضنـت يـد مازن، كانت تشعـر بالسعـادة و السـلام لجواره…
صـدع صوت أغاني عربيـة فألتفت الجميـع ليجدوا زين تقف جوار منسق الأغاني، ضحك دراكـو بسخـرية و تحرك سـريعا يقف جوارها..
” ما الذي تفعلينـه! سيأتي جميـع المارة الآن على صوت هذه الأغاني! “..
قـالت زين بحماس وهي تسحب يـده:
” ما أنا عارفة، المصري يـؤثر ولا يتأثر، إن مرقصتش في فرح أختي يعني هـرقص في فرح مين! “..
ضحـك دراكو و وقف يـراقصهـا فأخذ مازن يد زوجته أيضـا يـراقصهـا و مريم تضاحكه رغم شعورها بالخجـل..
كـانت أمسية لطيفة غير متكـلفة، مبهجة بالنسبة لزيـن التي قضت عاما بأكمله بعيدا عن الجميـع، عادت لتجلس علي الطـاولة أمام شاكر تسأله:
” فين مديرتك! ”
“راحت الحمام”..
” امم.. حلوة مديرتك يا شاكر، علشان كدا عينك عليها”..
ضحك شاكر وقال بسخرية:
” عيني عليها علشان هي جاية هنا معايا، مفيش بيني وبينها حاجه يا زين “..
قالت وهي تومئ برأسها له:
” عارفة إن مفيش حاجـة بـس اللي شايفـاه هو اللي خلاني أقول كدا، فيه حاجه منعاك تصدق اللي جواك “..
” أنتي كبرتي الموضوع يا زين، أصلا أنا أعرفها بس من تلات أسابيع، قابلتها مره من سنه بس كانت مرة واحده وبعدين شوفتها في الدار و اتعرفـنا وعرضت عليا الشغل وخـلاص “…
” الأيـام هتعـرفنا كل حاجه، أنت قاعد هنا قد ايه! ”
” همشي بـعد بكرا الفجر “.
” يبقـى بكـرا أنت معزوم عندي في البيـت، هنفطر سوا و نطلع نشـوي في الجنينة، ها موافق! “..
ابتسم شاكر وقال بلين:
” موافق طبعا “..
إنتهـى الحفـل وذهب شـاكر للفـندق رفقـة فـتنه أما دراكو و زوجـته ذهبـا ورفقتهم والدة مازن لمنزلهـم و إنطلق مـازن رفقـة مريم لشقتـه..
قالت مريم بإعتراض:
” إزاي والدتك مش هتيجي معانا يا مازن! “..
” مرضيتش والله يا مريم، إتحايلت عليها صدقيني وكانت مصممة ترجع مصر فلما لقيت زين عرضت عليها في الفرح إنها تقعد عندها قولت كدا أحسن هتبقا جنبنا وأقدر أقنعها بعد كام يوم “..
” بكـرا كلمها وقولها يا مازن إنها مش هتضايقنا، أنا بجـد مش عاوزاها تحس بأي زعل حتى لو كتمـاه في نفسها”..
“متقلقيش يا مريم ماما مش زعلانة، هي بس حابة تدينا شوية خصوصيـة”..
تـنهدت مريم بـراحـه وقالت بإبتسامة:
” كانت حفـلة حلوة أوي اتبسطت صح؟! “..
ابتسم مازن يقول بهدوء:
” كانت جميـلة فعلا، أنا في الأول كنت حاسس إن اليوم هيبقى ناقصـه حاجه بس طلع الفرح مش كل حاجه وكـانت سهرة حلـوة “..
قـالت مريم ضاحكة:
” أنت عارف إن زين صممت تعملي عشاء عروسة!! قعـدت تلف يومين إتنيـن علشان تجيب كل الحاجـات”..
“والله الواحد فعـلا وحشـه الأكل المصـري، وحشتنـي البلد كلها، تفتكـري واحد زيي كان بيخدم الوطن هيقدر يكمل حياتـه بعيـد عنها!”..
” أنت أخدت القـرار بس صـدقني مش لازم تلتزم بيه للأخر طالما مش هتكون مرتاح، إحنا هنحاول و هنشتغـل كويس ولمـا شغل المكتب يستقر لو حابب تكمل كمل لو مش حابب ممكن تسلمه لحد ثقة ونرجـع”..
تـوقف مازن بسيـارته أمام المبنـى وقال بهدوء:
“خلينا نسيبها للظروف، يـلا يا عروسه!”
ابتسم وهو يفـتح باب السيـارة لها يمـد يده ليمسك بيدها، فوضعت يدها في راحـته وتحركت معه للأعلى.
ربمـا أو على الأكيد لم يكـن الحب هو بداية كـل زواج، ولكـن عندمـا يتسـلل ذلك الشعـور بالمحبـة تجاه نصفك الأخر و يبدأ قلبك في إستدراك ذاته وتقودك جوارحك للإستمرار و التقـرب وتنـصـاع خلفـها محاولا التحرر من أي قيود ماضيـة..
المحبـة أو العشق.. ربمـا يوجد بينهم بعض الفروق ولكنهـم في النهاية يُساهمان في شئ مشترك، زواج ناجح…
في الصبـاح التـالي..
أخذت مريم حمـاما دافئـا و تحـركت ببطـئ تجاه المطبخ حتى لا تزعـج مازن، كـانت تريد تحضـير فطـور لكليهمـا ولكـنها توقفت على صـوت جرس البـاب..
تحركت للداخل تبحـث عن إسدال الصلاة فوجـدت مازن يتملل في فراشه ثم فتح عينيه يتسائل:
” مين اللي جاي دلوقتي! “..
” مش عارفة “..
أخذ قميصـه يرتديـه ثم تحرك للخـارج و بقيت مريم بالغرفـة حتى عاد لها من جديد يضـحك وهو ممسك بحقيبة الطعام:
” أختك جابت فطير منين في لندن! “..
سألته مريم:
” هي زين برا؟ “..
قال بإبتسامة:
” لا بعتـاه دلـيفري، هاخد شاور وآجي نفطر سوا “..
أومأت لـه و تحـركت للخارج تفـرغ محتـويات الحقيبـة في الأطباق حتى آتى مـازن وجـلس مقابلهـا يطـالع الطعام بإنبهار:
” وعسل أبيض وعسل أسود كمان! “..
مـدت مريم يدهـا له تطعمه فأمسك بيدها مبتسما يأكل ما تقدمه ثم قبـل أصابعها برفق لتبتسـم مريم بخجـل أعجبـه وابتسم لها بـود…
……………………………….
إمتلأت طـاولة الإفطار في منزل دراكو بنفس النـوعية من الطـعام فقد استقبـلت شاكر وفتنـه منذ دقـائق، جـلس دراكو جوار زوجتـه وترك رأس السفـرة لوالدة مازن التي سألت:
“أنتي جبتي الفطير دا منين!”.
” أنا اللي عملاه يا خالتي، إيه رأيك “..
” والله تسلم إيديكـي، يارب تطـلع مريم شاطرة زيك كدا”.
ضحكت زين وقالت بإبتسامة:
“مريم أشطر مني بكتيـر في الطبخ و شغل البيت”.
أخذ دراكـو يد زين وقبـلها يقول:
” جميـل أوي يا حبيبتي تسلم إيديكي، بس أنا حاسس إن الأكله دي سعراتها تقيلة شوية! “.
ضحكت زيـن و هي تطعمه في فمه:
” قول شويتين تـلاته، دراكو يا حبيبي مصـر ليها عادات في كل حاجه و من العادات دي إن العرسان بيتعمل ليهم فطير مشلتت، علشان كدا عملت لمريم فطيرة وعملت لينا اتنين “..
قال شاكـر ضاحكا:
” أنتي اللي لازم تسيبي بصمتك في كـل مكان يا زين، ريحة السمنة البلدي هتلم علينا جيرانكم “..
قـالت زين بحماس:
” ولسه، دا أنا متبلة الفراخ و الكفتة من بـدري، شوية ونطـلع نشوي و نهفف الريحة في الحي كله “..
قال فتنـة بهدوء:
” أنا عليا السلطـات بقـى، ما أنا لازم هسـاعدك في حاجة”..
قالت زين بود:
” خلاص دراكـو و شاكر يخرجوا يشوا هما برا و أنا وأنتي نقف في المطبخ وخالتي تقعد قصادنا “..
وافق الجميـع على مهمتـه، حـاولت زين التطرق في الحديث مع فتـنه عن شاكر ولكنهـا لن تجرؤ على ذلك، كانت نظرات شاكر واضحة بالنسبة لـزين فهي تعرفـه جيدا، لطالما أخبرها مختار بأن أخيه كتوما لحد يجـعله هو نفسه لا يعرف ما يجول بخـاطره..
في منتصف اليوم تحركت زيـن للخـارج تحمـل الطعـام ليتم شـويـه، وقفت أمام شاكر تقول:
” أدي دقني لو مكنتش مهتم بالبنت دي “..
تنهـد شاكر و جـلس أرضا جوار دراكو الذي جلس يُقطـع بعض الخضار يتابعهم بتعجب، جلست زين أمامه تقول بحده:
” ايه! هتقف كدا و تسيبهـا لحد ما ياخدها غيرك زي ما محمد خد ملك من مختار!!! “..
قال شاكر بتعب:
” أنتي ليه مش فاهمة يا زين أنا بجـد.. أنا بهتم بيها زي أختي، بهتم بيها زي ما بهتم بيكي “.
” آه لما أبقى عبيطة هبقى أصدق الكلام دا “.
” أنتي عاوزة ايه يا زين! “..
” مش عاوزة أشوفك وحيد”..
“أنا مش لوحـدي، أنا ومازن باشا علاقتنا بقت كويسه و هو بقى صاحبي”..
” الصحاب مفيش بينهم ألقاب، لو هو صاحبك مكنتش هتبقى بتقولـه يا باشا “..
” زين، إفهميني أنا لسه ببدأ حياتـي، أنا لسه عندي يدوب 25 سنـة، ليه محسساني إني هعجز وهبقى لوحدي! “..
” أنت معجب بيها ولا لا؟ “..
” زين.. فُتنـة أكبر مني ب 8 سنيـن و أرملة دا غير إني بشتغل عندهـا، هي عندها ملايين وأنا صفر علي الشمال “.
” الفلوس مش كل حاجه “..
” لو مكنتيش في يوم من الأيام حالك من حالي كنت هقولك عمرك ما هتحسي بس أنتي عارفة كويس قيمة الفلوس، أنا حاليا عندي أمل إن شغلي الجديد يغير كتير من وضعي المادي وساعتها هبقى أفكر في الجواز.. أنا مش معايا اللي يخليني أبصلها بإعجاب حتى “..
” طب ولما الدنيا كدا معاك ليـه رجعت الخمسين ألف! ليه جبت لمريم حاجات في جهازها “..
” أنا كان عندي واجبات ناحيتك معرفتش أعملها ولمـا مريم ظهرت كان لازم أكمل واجبي من خلالها هي “..
أمسك دراكو بيد زين يقول بجدية:
” أوقات كتير بتكـون واجبات الشخص أهم من مشاعـره يا زين، والأفضل لشاكر دلوقتي إنه يركز في وظيفـته و يحسن دخـله، حتى لو هو معجب بيها مينفعش ياخد خطوة وهو مش متأكد من مشاعره، غير إنه هو لو حصل وبلغها بمشاعره دي هيستفاد ايه وهو لسه معملش أي فلوس يخطبها بيها، ولا لسه فيه بيت ولا جهاز.. الأحسن إنه حتى لو عنده مشاعر يسكت عنها دلوقتي “..
أكد شاكر على حديث دراكو:
” ولو مكـتوب يحصل معايا زي ما حصل مع مختار فهو مكتوب يعني مقدرش أغيره”..
قـالت زين بأعين دامعة:
” ربنا يرحمه ويغفـرله و إن شاء الله نصيبك يكون أحسن من نصيبه “..
ابتسـم لهـا شاكر ثم تحرك يأخذ الدجـاج يضعـه على الشواية فأقترب دراكو يُعطيها منديـلا يقول بحب:
” سيكون بخير عزيزتي لا تقلقي”.
تمنـت زين ذلك بداخـلها بشدة، تمنت السـعادة للجميع، لنفسهـا ولزوجهـا بحيـاة زوجيـة سعيـدة مليئه بحبـهما و تمنـت لشـاكر أن يجد نصفه الأخر و تمنت لمريم و مـازن الحيـاة الزوجية السعيـدة و أن يُرزقا بأطفـال يـقربونهم من بعضهمـا البعض..
تـوالت الأشهـر حـتى مرت سنـة كامـلة، سنـة كانت مليئة بالحب و الثقة و السعادة و أيضا بعض الخلافـات، زاد عشق دراكو لـزوجته و وقع مازن في حب مـريم و أعطتـه طفل صغير أصبح عمره شهرين الآن عندمـا قرر أربعتهم زيـارة مصـر…
جلس دراكو بالطائرة ممسكا بيد زين الخائفـة فقال بسخرية:
“هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها عميل المافيا يصطحب زوجته و أختها و زوج أختها وأمه كذلك في مهمتـه”..
قالت زين بسعادة:
” وشاكر مستنينا في المطـار، تعالا نعمل عصابة مع بعضنا كدا على الخفيف “..
طالعها دراكو بضيق فقالت ضاحكة:
” ايه مشكـلتك، أنا ومريم كنا هنموت وننزل مصـر، نفسي أكل كشـري يعني أعمل ايه! “..
” هل تشتهينه حقا! ”
لمعت عينيها تقول بحماس:
“أنا موصية شاكر يجيبلي علبة وهو جاي المطار”.
ضـحك دراكـو بسخـرية و اعتدل في كرسيه يربط حزام مقعـده، وأمامهم يجـلس مازن يحمـل صغيـره علي صـدره بينمـا قالت مريم بقلق:
” تفتكر ممكن يتأثر بإختلاف الجو! “.
” إن شاء الله مش هيحـصل حاجه متقلقيش عليـه “.
مـالت مريم بـرأسها علي كتف مازن تقـول براحة:
” أنا مبسوطة أوي إننا نازلين مصر ومـاما كمان مبسـوطة أوي “..
ارتفع مـازن بجسـده قليلا لينظر لوالدته التي تجلس أمامـه وقال مرهقا:
” حاسس إنـي عاوز أنام زيها كدا “..
” طيب غمض عينيك ونام، هات آسر وأنا هشيلـه “.
قال وهو يُغمض عينيه:
” لا لا سيبيـه في حضني “..
وبعـد عدة سـاعات لمست أقدامهم أرض مصـرنا الحبيبـة و علي وجوه الجميـع إبتسـامات واسعـة و فيه صدورهم فرحة عارمة للعودة للوطـن، قـال دراكو:
” ها هو شاكـر يلوح بيديه لنا “..
ابتسـمت زين وهي تتحـرك خلف دراكو تـجاه شاكر الذي رحب ب دراكو بإبتسامة واسعة:
” ويلـكم باك يا حبايبي دا أنا مجهزلكم حتة برنامج رحلة إنما ايه! خرافي “..
قال مازن بسخرية:
” مين اللي بيتكـلم! هو إحنا بقينا نعرف نكلمك! طول الوقت مدعوك في الشغل “..
” الحمد لله ربنا يديمها نعمـة والله، أنا فعلا وقتي كله للشغل بس دا علشان أنا هنا لوحدي”..
قالت زين:
“وأدينا هنا أهوه، قولي بقـى جبتلي الطلب بتاعي!”..
أجابها ضاحكا:
” آه في العربيـة، يـلا بينا “…
تحركوا جميعـهم ليجـدوا سيـارة أجرة بإنتظارهم فسألته زين بتعجب:
” هو أنت مش كنت لسه شاري عربيه! “..
” آه بس مش هتاخدنا كلنا اساسا علشان تاخد كل الشنط دي فجيبـت ميكروباص “..
اقتـرب يقول بصوت خافت:
” هننسى أصلنا ولا اي! ”
ضحكـت زين و تحركت تجلس جوار النافذة و دلف دراكو جوارها فأحتضنت ذراعه و مالت برأسها على كتفـه تقول براحة:
” من زمان وأنا نفسي أقعد جمب جوزي واحط راسي علي كتفه بس مبعرفش اعمل كدا في عربيتك، كدا أحلى “..
قال دراكو بجدية:
” سأعين سائقا عند العودة “..
طـالعته وابتسمـت بحـب..
الوقوع في الحب هو أخر ما ظنت أن تقـع بـه زين، أن تعـيش حيـاة مليئـة بالسعـادة دون عمـل و مشقة، دون مسئوليات، دون إنتقام و لا مؤمرات..
لا ق.تـل، لا سفك دما’ء فقط سعـادة يظللها الحب والود بينها وبين ذلك الرجل الذي تجلس بين أحضانه..
توقف شـاكر أمام منـزله فتطـلعت زين حولها بتأثر تسأله:
” خالتي أمينة فوق؟ “..
إلتفت يقول بإبتسامة:
” وعملالك أحلى صينية مكرونة بالبشاميل، دي عاملة وليمة محاشي فوق “..
ابتسمت زين بسـعادة و هي تتحرك للخارج خلف دراكو ثم تحركت سريعا للأعلى لتجد السيدة في إنتظـارها فأرتمت زين بين أحضانها بإبتسامة واسعة:
” وحشتيني أوي يا خالتي “..
” كدا تغيبي عني كل الوقت دا! وحشتيني يا زين، تعـالوا تعالوا يا جماعة إتفضلوا اعتبروا البيت بيتكم “..
بالداخل استقبلت ملك زين و ضمتهـا بإشتياق وآتت أمينة تدعوهم على طاولة الطـعام..
قالت زين ضاحكة:
” بس أنا معايا الكشري بتاعي “..
” كشري ايه دا اللي هتاكليه، حطيه دلوقتي و اقعدي.. جوزك شكله مكسوف مننا “..
ضحكت زين بسخرية واقتربت تجلس جمب دراكو تسأله:
” هل تشعر بالخجل يا عزيزي! ”
“لا، بل أتحسر على نظامي الغذائي”..
ضحكت زين أكثر و هي تطعمـه و انتهـى به الأمر ببطن منتفخـه و صوته يخـرج بصعوبة:
” أنقذيني زين “..
ضحكت زين و قد انتهـت من إطعامه و تنـاول الطعام وقالت:
” متقلقش يا حبيبي هنشرب شاي دلـوقتي وهتبقى زي الفـل “…
سـاعدت زين ملك و أمينة في توضيب المكـان وقامت بتحضير الشاي بنفسهـا، أقتربت مريم تقـول بتعب:
” زين عاوزة أطلب عربية علشان أمشي “..
” ليه! ايه الرخامة دي لسه القاعدة في أولها “..
” بصي مازن و آسر “.
نظرت زيـن جوارها لتجد مازن قد غفـى على الكرسي وعلى صدره ينام صغيـره كذلك، قالت زين بتفهـم:
” طيب روحي صحي مازن و أنا هقـول لشـاكر يوقفلكم تاكسي وكـلميني قبـل ما توصلي البيت و كمان هبعتلك عنوان شقة دراكو هنا في مصر، أنا بصراحة مش فاكرة هي كانت فين “..
” طـيب نـرتاح بس النهـاردة كدا وبعد كدا نبقـى نشوف هنعمل ايه “..
” ماشي يا مريومـة”.
تحـركت زين تبحث عن شاكر حتى وجدته يقـف جوار النافذة يدخن فأقتربت تسأله بتعجب:
“أنت بتدخن من إمتى!”..
نـظر شاكر لسيجـارته يقول بآسى:
” من وقت ما بقى معايا حقها “..
” أنا مش مرتاحـة يا شاكر، طول الوقت حاملة همك وهم قعدتك لوحدك.. أنت ليه مخطبتش! معقول مفيش واحدة عجبتك! أنت مش دلوقتي دخلك كويس وتقدر تفتح بيت! “..
” واللي هتجوزها دي مش هتسألني فين أهلك! فين أبوك وأمك! “..
” اتجوز واحدة عارفة ظروفك، يعنـي أنا كنت بفكر في ملك، ايه رأيك فيها؟ لو عجباك أنا…
“مستحيل يا زين، دي البنت اللي مختار كان بيحبها”..
” مختار اتوفـى وأنت لسـه عايش “..
” أنا مش عاوز أتجوز يا زين “.
” طب أنت مفيش حاجـة عاوز تقولهالي! “..
طالعها شاكر وتنهـد بتعب فسألته:
” هى فتنـة أخبـارها ايه! “.. ” هى فتنـة أخبـارها ايه! “..
أطرق بعينيه ينظر للخارج مرة أخـرى فعبست زين تسأله:
” ايه! مالك اتغيرت كدا لما جت سيرتها؟! فيه بينكم حاجه “..
” مينفعش يكون فيه بينا حاجه يا زين، أنا إزاي أصـلا اتجننت وعملت كدا! إزاي أحب واحدة أكبر مني!! “.
عقـدت ذراعيها أمام صدرها وسألته:
” تحب؟ “.
التفت لها لوهله ثم أخفض نـظره يقول بآسى:
” مينفعش تكون في حياتي، هي أصلا مش هترضى بيا بس أنا من ناحيتي أنا غلطـان، غلطان إني فكرتها أنتي، فكرت إن عمر مشاعري ما هتتحرك ناحيتها “..
” أنت مشكلتـك معاها إنها أكبر منك و لا إنها كانت متجوزة! ولا انها مش هترضى بيك! ”
” كل حاجه “..
” لو فعلا بتحبها مش هيكون عندك المشاكل دي، هتبقى مشكلتك إزاي تقنعها بيك وبعلاقتكم.. دا اللي أنا مريت بيه،دراكو لما اتجوزني مفرقش معاه أي حاجة من اللي فاتت و كل اللي كان فارق معاه هو ليه محبتهوش في البداية زي ما هو حبني “..
” والناس! اللي هتقول اتجوزت عيل أصغر منها و هو قبل بيها علشان الفلوس “..
” أولا أنت مش عيـل، أنت راجل و اللي مريت بيه في حياتك يخليك أكبر من سنك ومش بتكلم في الشكل أنا بتكلم في العقليـة، وهي الست اللي يهمك في النقطة دي إنها فعلا مش باين عليها إنها أكبر منك، وناس مين اللي أنت بتفكر في رأيهم يا شاكر! الناس دي كانت فين في حياتك كلها! حد منهم ساعدك في حاجه!!!”.
“طب وهـي، نفترض رفضت!”..
” اعمل اللي أنت حاسس إنك عاوز تعملــه وأنت أكيد حاسس لو هى معجبـة ومهتمة بيك أو لا “..
ابتسـم شاكـر بخفـوت و هو يتذكر مرات قليلـة تسرب إليه شعـور بأنها تشعـر بشئ ما تجاهه، تشعر أحيانا بالخجل منـه ثم تتجنبه في اليوم التـالي، ربمـا بداخلها هي الأخرى صـراع!
قالت زين بإبتسامة:
” أنا كدا اتطمنت عليك، انـزل بقـى وقف تـاكسي لـمريم و ساعدهم في نقل الشنط “..
أومأ لها شاكـر مبتسمـا وتحـرك وهـو يعـزم بداخلـه بأن يتحـدث مع فُتنـة في اليـوم التالي عند عـودته للعمـل..
بعـد رحيـل مازن و والدته و زوجتـه تحرك مسـرعا للأعـلى ليجـد زيـن تجلس جوار زوجها وأمامهم السيدة تقـدم لهم أطباق الفاكهة و دراكو يصيح معترضا:
” مبقـاش فيه مكان أكل فيه تاني خلاص “.
” دا لسه فيه أم علي جوا! أومال مين اللي هياكلها “..
فتح دراكو عينيه بصـدمة و سأل زوجته:
” مين أم علي دي اللي هأكلها! أنتوا فاكريني زومبي! “..
تعـالت ضحكـات زيـن وهو تقـول بحرج:
” أم علي دي أكلة يا حبيبي “..
قال دراكو برجاء:
” صدقيني حضرتك أنا مش هقدر أكل لمدة تلات أيام قدام مش هينفع خالص أم علي دي “..
تحـركت زين تجـاه السيدة تهمس لها:
” سيبك منه، حطيلي أنا منها في علبة اكلها بليل “..
قالت أمينـة بإبتسامة:
” أنا كدا كدا عبيتلك من الأكل و من الحلو كمـان”..
“ربنا يخـليكي يا خالتي والله”..
ابتسمت لها أمينة و ربتت على قدمها فألتفـتت زين تقـول لزوجها:
” أنا هطـلع فوق، في حاجات في أوضتي عاوزة أخدها “..
أومـأ لها دراكـو وقال بهدوء و هو يقف:
” سأرافقك “.
ابتسـمت زين وهـي تسحـب يده وتحـرك دراكو خلفها للأعلى، أما شاكر فجـلس لدقائق صامتـا ثم تحـرك للخارج أيضا للأسفل..
استقـل سيـارته وتحرك بهـا أولا ثم أخرج هاتفـه يتصـل بمديـرته ليأتيه صوتها..
” اتراجعـت عن الأجازة ولا إيه! “..
ابتسم شاكر و أجابها:
” لا وهو أنا مجـنون، أنا بس عاوز أقابلك وأتكلم معاكي شوية “..
” طيب ما تيجي الشركة “.
” لا، مش في الشركة.. تعالي نشـرب قهوة سـادة عـند عربيـة حمص الشام “.
ضحكـت فتنـه وقـالت كما أخبرها من قبل:
” بس عربيات حمص الشام مبتعملش قهوة سادة “.
قـال بنـبرة هادئة:
” بس المهم إننا نتكـلم “..
وكـأنه يـراها أومأت فتنـة برأسها ثم أنهـت المكـالمة و تحـركت تأخذ أغراضهـا لتلتقي بـه تُحـاول بشتى الطرق إنكار ذلك الشعور بالإشتيـاق لـه و لمحـادثتـه رغم أنه لم يغيب عن العمـل سـوى نصف اليـوم…
توقفـت أمام ذلك المشروع الصغـير الذي لم يرغب شاكر في هدمه وأعطـاه لشاب غيره يديـره و ينتفع بـه..
وجدته يـقف في إنتظـارها فتحـركت تقف جواره تسأله بإهتمام:
” قابـلت زين؟ “..
أومأ برأسه وهـو يُعطيها المشروب الساخن فسألته من جديد:
” قولي فيه ايه بقى! ”
” في حاجـة خايف منهـا، عاوز أخد رأيك فيها “.
” قول، خير فيه ايه؟! “.
” أنا فيه واحدة حبيتها من فتـرة، بس كل حاجة بتقـول إن مينفعش نكون سـوا، يـعني حتى لو أنا إعترفتلها هيكون عندها حاجات تخاف منها وأنا كمان هكون خايف، مش خايف بالمعنى الحرفي بس قلقان مش متطمن “..
اختفـت ابتسـامة فُتنة المُبهجـة تبدلت لإلتسامة خافتة مليئة بالأسى وقالت بصوت هادئ:
” وليه مفكـرتش تكلمها، مش يمكن مخاوفكم دي تقـدروا تتغلبوا عليها مع بعض! “..
” مهو أنا بردو خايف تبعد عني”..
“الخوف هيخليك دايما خسران يا شاكر، قولهـا وإعمل اللي عليك و لو ليك نصيب فيها صدقني هتكون ليك، مفيش خوف بيمنع النصيب”..
تنهـد شاكـر وهو يهمس لها:
” طب بصيلي “..
طـالعته فُتنه بتعجـب في الوقت ذاته تُحاول إخفاء عينيها الدامعـة و شعورها بالحزن حتى قال بتريث وحذر:
” أنا بحبك “..
فتحـت عينيـها بصدمـة و ظلت تطالعه لدقيقـة قبـل أن تنظر أرضا وهي تقول بتوتر:
” بس.. بس أنا.. مينفعش “..
قال بجدية:
” اللي شايفه في عينيكي بيقول إنه ينفع “..
طالعته تقول بحذر:
” لا.. لا يا شاكر أنا أكبر منك ب8 سنين، الناس هتقول علينا ايه! “..
” أنتي لسه قايلـة دلوقتي قولها و يمكن توصلـوا لحل سوا، أنا كمان خايف تفكريني بستغـلك عشان خاطر فلوسك، خايف تكوني فاكراني عيل صغير قدامك، اه خايف من كلام الناس بس لو قولتيلي دلوقتي إنك عاوزاني زي ما أنا عاوزك يبقى في داهية كل حاجه “..
” أنا بثق فيك، أنا مش بفكر في الشغل خالص وأنا مش شايفاك عيل أبدا بس أنا اللي مش صغيرة وحتـى الفرق بينا مش سنة ولا إتنين! “..
” أنتي يهمك رأيي أنا ولا رأي الناس! “..
صمتت فتنه ولم تجيبـه فأكمل شاكر يقول بجدية:
” أنا شايفك أصغـر مني بعشر سنين، العمر مجرد رقم المهم اللي أنا حاسس بيه وأنا بقى اللي حاسس إنك عيلة صغيرة بس لـو تصارحيني وتقوليلي اللي أنا حاسه صح ولا لا “..
طـالعته بتـوتر ثم أومأت برأسها تقول:
” حاولت أنكر كتير وأكدب نفسي “..
ابتسـم وسألها بجدية:
” تتجوزيني؟ “..
أغمضت عينيها من فرط توتـرها، تريد أن تجن الآن وتُخبـره بموافقـتها ولكنـه تصرف بحكمة وقال بهدوء:
” مش عاوز رد دلـوقتي، فكري براحتك و بعدين جاوبيني “..
ابتسمـت بخفـوت تشعـر الضياع، ما يؤلمها أكثر أنها لا تملك من تسأله فهـي وحيـدة، تماما مثـله فهـو لا يملك عائلة وأصدقـائه جميعا يعيشـون بالخارج وأخيه توفـى منذ عامان ولازال يبكيـه حتى اليوم و هـي مات أخواها و والدهـا، وحتى طفلها الصغير فقدته كذلك..
ربما أقدارهم المتشابهـة هي ما جمعتهم سويا، تتمنى بداخلها أن تكتمـل قصتها معه بالموافقـة والقبول..
………………………….
كـانت تقف في منتصـف الغرفـة تتطـلع لأركانها بوجـه حزين، تُشـاهد فراشها القديم البالي و ثيابهـا التي تركتها كحـالها، إحتضنـها دراكو يسألها بإهتمام:
” ما الذي تريدين أخذه من هنا! “.
قـالت بإبتسامة خافتة:
” صورة ماما.. الصورة دي كانت معـايا في جيب البيجـامة بتاعتي لما عمـي رماني في الطريق، كنت وقتها بعيط في كل ثانيـة و أنا باصة لصورتها “..
تحركت زين تبحث عنها حتى وجدتهـا مكـانها فنظر دراكو لها بإبتسامة:
” لقد كانت والدتك جميلة مثلك يا زين “..
أومأت برأسها وهي تمسح دموعهـا فأقترب يهمس لها:
” عندي لك مفاجـأة “..
طالعته بتعجب فأخرج هاتفـه يريها صـورة لبعض الوثائق القانونية، فأخذتها تقرأ ما بها حتـي همست بتعجب:
” دا! عقد بيت بابا؟! أنت إشتريته من عمي! “..
قـال دراكو بجدية:
” منذ عامـان ذهـب مازن للمرة الأولى لمنزل والدك، حينها إلتقى به وأخبر مازن بقصتـك و بعـد رحيلك عاد مازن ليُكمل إنتقـامك.. لقد أقنع بطريقتـه كلا من يـزيد ومعتصـم بأن الأخر هو المتسبب في ذلك الحريق الضخـم وبعـدما ق.تل كلا منهما الأخر ذهـب وأحرق ذلك القصر بالكامل “..
كانت تشعـر بالصدمة لسماعها ذلك الحديث للمرة الأولي فأكمل دراكو بجدية:
“لقد فعلها لأجلك حتى أنه تخـلي عن عمله لعدم قدرته علي تنفيذ القانون و صديقـه المسئول عن القضية إكتشف الأمر بالنهاية و قاطع مازن لعاميـن.. أما فيمـا يخص هذا العقد فقـد تولى أمره الضابط يحيي و قد خطط بعد إستقالة مازن للمتسبب الأول لكل تلك الجرائم.. عمك..
انتظر لشهـور يتصيد له الأخطاء، يراقبـه حتـى قـام بالقبض عليه في تهمة تعاطي المخـد’رات و بصـعوبة بالغة تمكنت أنا ومازن من إجباره علي بيع البيت و ها هو عقده بين يديكي، مناصفـة بينك وبين أختك “..
جـلست زيـن تسأله بشرود:
” وليه خبيت عني اللي مازن عمله! “.
اقتـراب دراكـو يقول بجدية:
” لم أفعـل.. وقتما عرفت بالأمر كان مازن قد تزوج من أختك بالفعـل و أنا وأنتي كنا سويا، إن كنت أعرف قبـل ذلك الوقت لكنت أخبرتك في الحـال “..
قالت زين بآسى:
” مازن خسر صاحب عمره بسببي أنا، أنت مش فاهم دول كانوا قريبين من بعض إزاي، مازن كان بيحب شغلـه أوي و كان شاطر فيه وهـو مره قبل كدا قالي إنه بيكره شغل والده علشان كدا بعد وفاته قفل المكاتب تاعتـه، أنا كنت السبب “..
قال دراكو بحنان:
” لقد كان ذلك قبـل عاميـن عزيزتي، اليـوم أصبح مازن رجـل أعمال ناجح وقوي بالنسبة لبدايته القريبة في عمله، كما أنه تزوج من فتاة رائعـة و أنجبا طفـلا في غاية اللطف، أنه يحيى حياة سعيـدة لا تلومي نفسك على شيئ أخر “…
قـالت زيـن بتعـب:
” أنا مش عارفة من غيـركم كانت حياتي هتبقى عاملة إزاي كنت حاسة نهايتي بتقرب مني في كل جريمة بعمـلها بـس أنتوا وقفتوا جمبي و رجعـتولي حقي “..
سألها دراكو ببعض الغيرة:
” ألا تلاحظين بأن جميع معارفك هم رجـال! أعني شاكر و صديقه الأخر وكذلك مازن و يحيى!! وتقولين أنك تكرهين الرجال وتخشينهم! “..
قالت زين بسخرية:
” ما أنت لو بصيت للدولاب اللي هناك دا و فتحتـه هتلاقيه فيه لبس رجـالي أنت نفسك متقبلش تلبسه من وحاشتـه، مكنتش مصدقني لما قولتلك أنا معاك حسيت يعني ايه أكون بنت! “..
ضحك دراكـو و أقتـرب يحتضن وجنتيها:
” أنتي أجمل فتاة رأتها عيناي سيدتي “..
قـالت بحذر:
” حسنا وقبل أن أفقد تأثيري عليك الآن، أريد أن أخبرك بأمر ما “..
” ما هو! “..
طـالعته زين بصمت لدقيقـة ثم تنفست بعمـق تقول بلغته:
” أنا.. أحمل صغيرك، ستصبح أبا عن قريب دراكو “..
صمـت دراكـو للحظات وهي لم تنزع عينيها عنه، تحاول معرفـة ما إن كان سعيدا أو مستاءا بأمر هذا الطـفل و لكن لمعة عيناه في هذه اللحظة تؤكد لها سعـادته..
” هل.. هل حقا ما تقولينه! أنتي حامل؟! “..
أومأت له برأسها بإبتسامة سعيدة فقال دراكو ضاحكا بسعادة:
” حمدا لله، لا أعرف ما الذي يجب علي فعـله، أنا أشعر بشئ غريب، سعيد و متوتر أيضا، لا أعرف إن كنت سأكون أبا جيدا أو لا؟! “..
قالت بإبتسامة:
” سنكون والدين جيدين دراكـو، أنا سعيدة لأنك سعدت بهذا الخبر “..
سألها دراكو بقلق:
” والطائرة! ألم يكن الأمر خطيرا! “..
” لا عزيزي لا تقلق لقد استشرت الطبيبة في لندن وأخبرتني بسلامة طفلي”..
سألها بصدمة:
” منذ متـى وأنت تعرفين بالأمر! “.
قالت بتوتر:
” منذ أربعة أيام، أخفيت الأمر عنك لأنني أردت إخبارك هنا دراكـو في هذه الغرفـة، كنت متحمسة للعودة لأجل إخبـارك، و الآن يا سيد ألن تدللني! و تحمـلني مخبرا إياي ألا تطأ قدماي الأرض طوال التسعة أشهر! “..
” ولما أحملك! بالتأكيد الآن ستصبحين أكثر ثقلا”..
طـالعته زيـن غاضبة ثم قالت بحده:
” ستحملني دراكو حتى منزلك، لن تطأ قدماي الأرض وإلا لن أعود معك و سأبقى هنا بمفردي “..
ابتسـم دراكو وأقترب ينحـني ثم وقف يحمـلها بيـن يديه يقـول بحب:
” أستطيع حملك هكذا للبقية من عمري “.
استندت برأسها علي كتفـه وهي تستشعر حنانه و حبه الذي لا ينتهـي، لم تتكن أن تكون نهاية قصتهـا بهذا البطف فطالما رأت نهايتها في أحد السجون أو على منصة الإعدام ولكن أعطتها الحياة فرصة ثانية..
……………………………………
هو يعطيها فرصتها الثانيـة، للحب و الزواج من جـديد، لقد حاولت جاهدة أخذ تفكيرها جهـة الرفض ولكن قلبها يميل تجاه القبـول، ذاتها وهي بأكملها ولسانها يرغب في البوح بالموافقـة..
أمسكت فتنـه هاتفها واعتدلت في فراشها الذي تجلس فيه من ساعتين منذ عودتها من الخارج لتتصل به، نفس الشخص الذي كان يرافقها منذ ساعات قليلة…
” ألو…
” أنت لسه في الشارع ولا ايه! “..
” أنا لسـه واقف مكـاني من بعد ما مشيتـي “..
” أنا بس كنت بكلمك علشان أقول إني موافقـة وإني أنا كمان عندي نفس مشاعرك و عندي نفس الخوف دا “..
ابتسم شاكر بسعادة وهو يعدها بصدق:
” صدقيني يا فتنـه أنا هعمل كل اللي هقدر عليه علشـان نتخطـى كل دا.. أنا هجـيب أهلي بكرا وأجيلك البيت”..
قالت بحرج:
“بس أنا مليش حد، أنت عارف حتى علاقتي بعمي اتقطعت”..
” عارف، أنا كمان مليش أهل يا فتنه أنا هجيب زيـن هي أهلي و هجيب خالتي أمينة كمان ايه رأيك، هما عارفينك وعارفين كل ظروفك مفيهاش إحراج ونقـرا الفاتحة بقى”..
ابتسمت تقـول بهدوء:
” هستنـاكم “..
ابتسم شاكـر بسعادة وهو يودعهـا، تنهد مستديرا تجـاه النهر وهو يتمنـي لو كان مخـتار جواره بهذه اللحظة، أخيه الذي لم تلده أمه ولكنـه اليـوم يقف بمفرده، لا بأس فغـدا ستصبح له شريكـة حياة تُكمل معه بقية المشوار…
لم يكـن مرور عـام أخر سهـلا بالنسبة للجميـع، فها هي مريم تضـع مولدها الثاني رغم أنها لازالت تـُعاني في التكيف مع صغيرها صاحب العام و بضعة أشهر، أما زيـن فقد جلست أمام غرفة العمليات وهي تحمـل طفلتها” مهرة ” بين يديهـا ودراكو يجلس جوارها يمسد على شعر طفلـته بحنان..
لم تتوقف أقدام مازن عن الحركة منذ دلـوفه للمستشفي، ذهابا وإيابا حتى قالت زين بضيق:
” ما تقعد يا مازن خيلتني بجد! “..
” اتأخرت أوي يا زين، المره اللي فاتت لما ولدت في لندن مأخدتش كل دا، أنا قولتلها مش لازم نحضر فرح شاكر علشان وضعها دا “..
” معلشي إن شاء الله هتخرج هي والبيبي زي الفـل “..
آتى شاكر و هو يحمل آسـر يقـول بضيق:
” إمسكوا الواد الزنان دا أنا تعبت، لا أنا مستريح ولا هو بيوقف عياط، روح يا حبيبي لعمك “..
أخذ دراكو الطفـل الذي تحرك برأسه يقترب من مهـرة ليُعطيها قبـلة بريئه قبل أن يسحبه دراكو ويقيده غاضبا:
” إتلم يا حبيبي متخلنيش أقوم أخلص عليك أنت وأبوك “..
ضحكـت زين وقالت بمرح:
” يا أختى عليك وعلى جمالك يا أسورة حبيب قلب حماته “..
طالع دراكو زوجته ببـرود:
” مش هتبقي حماة الواد دا لو اتطبقت السما على الأرض، وإتلمي يا زيـن علشان أنا على أخري من الحوار دا وأنتي وأختك بتقروا فاتحة! لو قريتوا القرآن الكريم كله أنا مش هجوز بنتي للواد دا أبدا “..
تحـرك مازن يأخذ طفـله يقول بغيظ:
” وهو بنتك تطول! بكرا هجوزه ست ستها “..
طالعه دراكو يقول ببرود:
” أحسن بردو “..
ضـرب شاكر يـد بيـد وهو يقـول بغيظ:
” فرحي بكـرا والدنيا عمالـه تبوظ و أنتوا تقولولـي أسورة و حمايا وحماتـي “..
قال مازن بجدية:
أنت سايب اللي وراك وبتعمل ايه هنا أصلا يا شاكر! روح شوف خطيبتـك وشوف اللي وراك”..
قال شاكـر بضيق:
” بعـد إذنك مراتي مش خطيبتي أنا كاتب كتاب، وأنا هنا علشان أتطمن على مريم و على البيبي، الواد دا بقى هجـوزه بنتي يا مازن متخافش مش كل عيالك هيعنسوا “..
قال مازن بتوتر:
” هما بس يخرجوا بالسلامة “..
بعـدما إنتهى من جمـلته إلتفـت على صـوت خـروج الطبيبة من غرفـة العمليات تقول بإبتسامة:
” ألف مبروك جـالك ولد ما شاء الله عليه، الأم حالتها كويسة وهو كمان كويس مفيش داعي للقلق “..
قال مازن براحة:
” الحمد لله، الحمد لله “..
بعـد بضعـة دقائق آتىت الممرضات بمريـم وتحركوا بها تجاه غرفتهـا، كانت منهكـة و كل ما تسأل عنه هو طفلها..
” هو فين! هو فين يا مازن عاوزة أشوفـه “..
سألها بتعجب:
” أنتي مشوفتيهوش جوه! “..
” شوفته بس أخدوه علطول، هي الدكتورة قالت إنه كويس! “..
ابتسم مازن يُطمئنها:
” اه قالتلـي إنه كويس “..
استقـرت مريم بداخـل الغرفة وجلست زيـن جوارها تحمل ابنتها وأمسكـت يديها و مازن أمام البـاب يقف في إنتظار صغيـره و جواره شاكر يبثـه الطمأنينه بينمـا دراكو جلس على الأريكـة يداعب الصغير الذي بكـى فور رؤيته لوالدته فتحـرك به للخـارج يتحرك بـه أمام الغرفة ذهابا وإيابا..
قال مازن بجدية:
” روح يا شاكر شوف اللي وراك، فرحك بكـرا كفاية إني مش عارف أبقى معـاك بس والله أتطمن بس عليهم وهجيلك “..
” أنا مظبط كل حاجه وبعـدين أنا حبايبي كتيـر يا عم مالك فيه ايه! خلاص كل حاجه جاهزة “..
” ربنا يتمملك على خير يا صاحبي، وإن شاء الله كمان تسع شهـور آجي أقف معاك الواقفه دي “…
ضحك شـاكر وتمنـى بداخـله أن يكـون زواجـه سعيدا ومستقـرا كزواج مريم و مازن أو مليئا بالحب والجنون كـزواج دراكو و زيـن..
انقطع حبل أفكـاره عندما آتت الممرضـة تجـاههم بالصغيـر فألتفوا جميعا حولـه ينظرون له بحب و سعـادة حتى ذهب بـه مازن ليستقر الصغير في أحضان والدته الذي أخذته بحنـان تربت عليه…
الحب، الجـنون، الأمومة و العائلـة أو… السعادة هي ما حصـلت عليـه زين في النهاية رفقة زوجهـا و رفقة أختها، رفقـة أميرتها الصغيـرة و عالمها البسيـط..
تمت بحمد الله
