رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل الثالث عشر 13 بقلم اسماعيل موسي


 رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل الثالث عشر  بقلم اسماعيل موسي 



انفجرت سولين واقفة من على عرشها كأن النار قد اشتعلت تحت قدميها وارتجت القاعة الحجرية بصوت صراخها وهي تضرب بذراع المقعد حتى تشقق الخشب الداكن وسألت بحدة ممزوجة باحتقار أهذا جيش مصاصي الدماء الذي حكم الليالي قرونا طويلة أم قطيع عاجز لا يستطيع قتل ذئب واحد

تردد صدى كلماتها بين الأعمدة العالية وانحنت الرؤوس دون أن يجرؤ أحد على الرد وكانت عيناها تتوهجان بلون قاتم والغضب فيها ليس ثورة لحظة بل إهانة عميقة مست كرامتها كزعيمة لا ينازعها أحد

سكتت فجأة وكان الصمت أقسى من الصراخ ثم سألت بصوت منخفض أين البشري الذي اختطف ابنة ايمير وأين تجرأ واختفى وأين الأميرة جود أريدها تحت قدمي

تقدم الحارس الوحيد الذي نجا وكان جسده لا يزال يرتعش كمن خرج من قبر للتو وركع على ركبتيه ووجهه شاحب وقد علق الرعب في عينيه فسألته سولين ببرود أشد من الغضب عن مواصفات الذئب الذي قضى على الحراس وهل كان واحدا فقط

أجاب بصوت متقطع نعم واحد فقط لكنه لم يكن كغيره كان ضخما بصورة غير مألوفة وثابتا كأنه يعرف ما سنفعله قبل أن نتحرك كان يقاتل بعقل جيش كامل

اشتعل غضبها من جديد وصاحت ذئب واحد يا مصاصي الدماء لماذا علي أن أفعل كل شيء بمفردي أين قادتكم وأين سلالتكم القديمة وأين المجد الذي تتباهون به

أمرت بإرسال فرقة مدربة تنهي الأمر بلا ضجيج فرقة تعرف كيف تصطاد وتستدرج وتكسر الخصم دون مواجهة مباشرة

لكن الحارس تجرأ ورفع رأسه قليلا وقال إنه سمع الذئب يعلن أن من تعبر أرضه دون إذنه ستموت وأنه إن أرسلت شخصا واحدا سيقتله وإن أرسلت جيشا سيقتله قال ذلك بثقة لم يكن فيها أثر مزاح

ساد الصمت مجددا وكان الغضب يتلوى داخل سولين كحية تستعد للانقضاض ولم تصرخ هذه المرة ولم تضرب شيئا اكتفت بالنظر إلى الحارس نظرة باردة خالية من أي تعبير

وفي لحظة خاطفة تحركت يدها بسرعة لم يرها أحد وسقط الحارس أرضا بلا رأس دون أن يتجاوز أنينه نفسا واحدا

وقفت تنظر إلى الجسد الساكن ثم قالت ببرود إن ما حدث داخل هذه القاعة لا يخرج منها ولا أريد إشاعات تبني حول ذئب أساطير ولا اسما جديدا يتردد في الظلام

ثم رفعت رأسها وأصدرت أمرها الأخير بصوت ثابت أحضروا لي رأس الذئب الأخير


انطلقت الفرقة المدربة مع أول خيط للفجر تتحرك بصمت بين الأشجار كما تتحرك الظلال حين يختلط الليل بالضوء وكانوا يتتبعون الأثر بدقة يعرفون كيف يقرؤون الأرض وكيف يميزون بين خطى هارب وخطى مقاتل

عثروا على الأسرى الهاربين بعد مسافة ليست بعيدة عن حدود المنطقة المحرمة كانوا متعبين مشتتين وبعضهم مصاب ولم يجدوا من يحرسهم ولم يظهر الذئب الذي تحدى سولين بالأمس لم تهتز ورقة واحدة ولم يسمع عواء واحد ولم يشعروا بتلك النظرة التي راقبتهم سابقا

انتشر أفراد الفرقة حول الأسرى وأحاطوا بهم في دائرة محكمة ثم انقضوا بسرعة محسوبة فلم تكن لدى الأسرى قوة لمقاومة هجوم منظم كهذا وقيدوا أيديهم بالسلاسل الثقيلة وجرّوهم نحو القلعة دون أن يعترضهم أحد

كان بعضهم يلتفت خلفه ينتظر ظهور ذلك الذئب الضخم لكن الغابة بقيت صامتة كأنها تخلت عنهم هذه المرة

عندما وصلوا إلى القلعة وألقوا بالأسرى عند أقدام العرش ارتسمت على وجه سولين ابتسامة طويلة مائلة إلى السخرية وسألتهم بلهجة متعالية وأين الذئب

أجاب قائد الفرقة أنهم لم يجدوه وأن المكان كان خاليا تماما وأنه لا أثر لمواجهة

ضحكت سولين بصوت مرتفع تردد في القاعة وقالت كنت أعلم أنه مجرد ذئب متهور صاح قليلا ثم أدرك خطأه فاختبأ أو هرب من مواجهتي

ثم اعتدلت في جلستها ونظرت إلى الأسرى المقيدين وقالت ورغم أنه عرف حدوده اعثروا عليه أريده مكبلا بالسلاسل عند قدمي ليرى مصيره ومصير كل من يتجرأ على تحدي سولين

سكتت لحظة ثم أضافت بصوت أكثر برودة لا أريده قتيلا بعد بل أريده حيا ليشهد سقوطه بنفسه وليتعلم أن الأرض كلها تخضع لعرشي سواء اعترف بذلك أم لا


وقف يامان فوق الصخرة العالية التي تطل على الجبل المهجور وكانت الريح تعصف بفرائه بينما عيناه تمسحان الوادي الممتد تحته

لم يكن خروجه من منطقته عبثا ولا بحثا عن مواجهة جديدة بل كان قرارا محسوبا فقد أدرك أن من يريد أن ينتصر لا يندفع أعمى نحو عدوه بل يدرسه ويعرف حجمه وأسلحته ويكشف أوراقه قبل أن يكشف أوراقه هو

من عل نظر إلى الطريق الحجري الممتد نحو سفح الجبل ورأى ما لم يكن يتوقعه

لم يكن جيش سولين من مصاصي الدماء فقط بل كان هناك صف طويل من مخلوقات أخرى تتحرك ببطء غريب بشر متعفنون تميل رؤوسهم وتمتد أذرعهم بتيبس والجلد على وجوههم شاحب متشقق كأن الحياة غادرته منذ زمن بعيد ومع ذلك كانوا يمشون

عرف أنها صنعتهم أو أطلقتهم من مكان ما في أعماق الجبل هؤلاء ليسوا أحياء تماما ولا أمواتا بالكامل جيش غريب لا يخاف ولا يتراجع

ظل يراقب بصمت يحصي العدد ويتابع الانتشار ويرى كيف يتمركزون على طول الطريق كحاجز أول في أي حرب قادمة

ثم حدث ما جعل مخالبه تنغرس في الصخر

من خلف الصخور الأخرى تم جر أسرى الذئاب الذين تحرروا أثناء قتاله السابق كانوا مقيدين وملقى بهم أمام تلك المخلوقات المتعفنة دون رحمة وكان واضحا أن أمرا قد صدر بتقديمهم طعاما

تقدم أول مخلوق وانقض على أحد الأسرى وبدأ يمزق جسده بأسنان كريهة والآخرون تبعوه بلا صوت سوى تمزق اللحم وصوت العظام

وقف يامان مذهولا للحظة وهو يرى المشهد وقد تحجر الزمن أمام عينيه

ثم حدث ما هو أسوأ

بعد دقائق من افتراسهم بدأت الأجساد الملقاة على الأرض تهتز ببطء وارتفعت واحدة تلو الأخرى ليس كما تقوم الذئاب بل كما تنهض دمى مكسورة بخيوط لا ترى كانت عيونهم فارغة وحركتهم مترنحة بلا وعي

صاروا يسيرون بلا روح وانضموا إلى صف المخلوقات يأكلون ذئابا من نفس فصيلتهم بلا إدراك لما يفعلون

لم يكن ذلك جيشا عاديا بل كان طاعونا يمشي على قدمين

وفي الأفق عند مدخل الكهف الأكبر لاح ظل مختلف

مخلوق يحمل نفس ملامحهم لكنه أطول وأشد تماسكا يغطي جسده وشاح أحمر يتدلى فوق كتفيه وكان واضحا أنه القائد فكل المخلوقات انحنت أمامه دون صوت

تقدم ببطء ثم أمسك بذئب أسير بكلتا يديه ورفعه في الهواء وقسمه نصفين بسهولة مرعبة قبل أن يلقيه جانبا ويجلس على عرش من عظام سوداء محفورة في الصخر

أطلق صوتا عميقا اهتز له الجبل فتجمعت المخلوقات عند قدميه كقطيع ينتظر الإشارة

راقب يامان المشهد بعينين هادئتين رغم العاصفة التي تعصف داخله وأدرك في تلك اللحظة أن سولين لا تعد حربا عادية

إذا اندلعت الحرب فلن يكون مصاصو الدماء في المقدمة

هذا الجيش المتعفن هو الطليعة

وهذه المخلوقات صممت لتتلقى الصدمة الأولى وتنهك الخصم وتكسره قبل أن يظهر السادة الحقيقيون في الظل

ظل يامان واقفا فوق صخرته صامتا يفكر

المعركة المقبلة لن تكون بين ذئاب ومصاصي دماء فقط

بل بين حياة وموت يمشيان في جيش واحد

وكان عليه أن يستعد لما هو أكثر من مواجهة مباشرة

كان عليه أن يجد طريقة لإيقاف الطاعون قبل أن يصل إلى أرضه

الفصل الرابع عشر من هنا

stories
stories
تعليقات