رواية بين الردي والهدي الفصل الرابع عشر بقلم نوري
الجو في المستشفى كان لسه مشحون وصوت صرخة كريمة كان لسة بيتردد في ودن مصطفى، راح مع أدهم الخزنة ودفع كل اللي معاه رغم رفض ادهم الشديد
لا يا عمو مصطفى متكلفش نفسك، انا هروح اجيب فلوس من البيت واجي بسرعة
بطل عبط يا ادهم عيب تقول كدة، احنا اهل ومفيش بيننا الكلام دة
انا عارف والله بس المبلغ كبير
مفيش حاجة تغلى على سيف، انتوا الاتنين ولادي
سكت ادهم وحس إن مصطفى رجع يميل لسيف تاني ودي حاجة هتفرح اخوه وتبقى في صالحه، رن تليفون مصطفى في جيبه ف فتح الخط وقال
أيوة يا فاطمة
انت فين يا مصطفى انت وبنتك
جاله صوتها من الناحية التانية مخضوض ف مكنش عارف يقولها ولا لا عشان ميخضهاش اكتر
احنا مع كريمة وادهم
ليه خير، حد فيهم حصله حاجة
لا هما كويسين الحمد لله
اومال اية اللي حصل، ما تقول يا مصطفى وقعت قلبي
مفيش، حادثة بسيطة لسيف وكلنا معاه، بس هو بخير الحمد لله
يا لهوي حادثة، اية اللي حصل طيب
مش عارف، بس حد طلع عليه ضربه على دماغ، بس الحمد لله هو كويس والجرح سطحي
ازاي متخدونيش معاكم طيب
ما انتي كنتي بتصلي القيام هنقولك ازاي، وكريمة مكنتش مستنية حد ف جرينا وراها
يا حبيبي يا ابني، يا وجع قلب أمه عليه بجد مبتلحقش تاخد نفسها، طيب أنا جاية هلبس واجي على طول
رد عليها بنبرة متقبلش نقاش رغم الحنية اللي في نبرته
تيجي فين في الوقت ده؟ الساعة داخلة على تلاتة الفجر والشوارع مقطوعة، خليكي في البيت وانا هبقى اجيبك الصبح إن شاء الله
بس يا مصطفى
قاطعها بهدوء وقال
مفيش بس، خليكي مكانك وانا هبقى اطمنك كل شوية، يلا سلام
قفل الموبايل و وقف يفكر في ليلى اللي شاف في عينيها نظرة حزن وحس بقلبها اللي بيتحرق عليه وهو مش عارف يعمل اية ولا يحميها ازاي من كل اللي بتتعرضله في حبها لسيف اللي ملوش نهاية
تاني يوم، بدأت أشعة الشمس تداعب جفون سيف ببطء، حس بتقل غريب في راسه وحاول يفتح عينه لكن مقدرش في الأول، غمضهم تاني وهو بيئن أنة مكتومة طلعت من بين شفايفه الناشفة
سيف؟ سيف يا حبيبي أنت سامعني؟
صوت كريمة كان أول حاجة لمست قلبه، صوت مليان دموع ورجاء
فتح عينه المرة دي ببطء أكتر وبدأت الرؤية تتجمع قدامه زي صور مهزوزة بترسم ملامح الناس اللي بيحبهم، اول حاجة شافها كان سقف الأوضة الأبيض، وبعدين وش أمه اللي كان قريب منه وعينيها منفوخة من كتر العياط، حاول ينطق بس حلقه كان جاف كأنه صحرا
أدهم لمح حركة إيده ف جري بسرعة جاب كوباية مية وشال راسه براحة وسنده
اشرب يا حبيبي، حمد الله على سلامتك
شرب بوق مية صغير وبدأ الوعي يرجعله تدريجياً، لف بعينه في الأوضة، شاف أدهم وفاطمة وهي بتمسح دموعها، عينه راحت على ركن الأوضة، كانت واقفة هناك، ساندة ضهرها على الحيطة وضمة إيديها لصدرها .. ليلى
عينيها كانت حمرا والدموع لسه معلمة على خدودها، بس أول ما عينه جت في عينها اترسمت على وشها ابتسامة فيها كمية راحة متتوصفش، ابتسملها براحة ف هزيتله راسها كأنها بتقوله
- انا هنا .. متخافش
بص الناحية التانية لقى مصطفى، حاول يعدل نفسه بس مصطفى حط إيده على كتفه بهدوء وضغط ضغطة خفيفة كأنه بيثبته مكانه
خليك مكانك يا سيف، الدكتور قال محتاج راحة تامة
بصله بذهول ومكنش متخيل إنه هيلاقيه واقف جنبه في محنة زي دي، كمل مصطفى وقال
حمد لله على سلامتك يا ابني، فداك مية مكنة، المهم إنك قومتلنا بالسلامة
ابتسمله وهو حاسس بفرحة وراحة من جواه، بص لأمه اللي كانت بتبوس إيده و لليلى اللي كانت لسه عينيها مش مفارقة عينه وحس إن الوجع اللي في راسه كله يهون قصاد اللحظة دي، غمض عينه تاني وهو حاسس بدفا مكنش متوقعه، دفا العيلة واللمة، ونظرة ليلى اللي كانت كفيلة إنها تنسيه مرارة الضربة وغدر الشارع
بعد شوية، خبط الباب خبطة رسمية ودخل أمين شرطة ماسك في أيده دفتر وقام و وراه ظابط شاب ملامحه حادة ورسمية
وقف ادهم جمب مصطفى والكل سكت وكأن هيبة القانون فرضت نفسها على المكان، قرب الظابط من سرير سيف، بص في ملامحه المجهدة وراسه المربوطة بالشاش وقال
حمد الله على السلامة، انا المقدم عزيز الشامي من مباحث قسم عابدين، أنا عارف إنك تعبان، بس محتاجين كلمتين منك عشان المحضر
حاول يعدل وضع رقبته ببطء والوجع لسه بيسمّع في دماغه، بصله بعيون دبلانة وقال
* الله يسلمك يا فندم .. اتفضل، أنا معاك
فتح الأمين الدفتر واستعد
احكيلي اللي حصل بالظبط، كنت فين؟ والساعة كانت كام؟ وشوفت ملامحهم ولا لأ؟
سكت لحظة كأنه بيسترجع شريط الفيلم البشع اللي عدى عليه في الضلمة وصوت الكاوتش وهو بيفرمل وراه بدأ يرن في ودنه تاني
* كنت مخلص مشوار وراجع البيت، كنت في الشارع الجانبي اللي ورا الورش، الدنيا كانت ساكتة ومفيش صريخ ابن يومين، فجأة عربية قطعت عليا ونزل منها تلاتة
سكت والكل كان باصصله بتركيز، ليلى كانت ضمة إيديها لصدرها وعينيها بتلمع بالخوف عليه، كمل بصوت أهدى وقال
* كانوا مغطيين وشهم، كوافي وشالات، مش باين منهم غير عينيهم، طلبوا المكنة والموبايل وأنا قاومت عشان أكل عيشي وشقايا، ضربت واحد والتاني هجم عليا، فجأة محستش غير بحاجة تقيلة نزلت على دماغي من ورا وبعدها الدنيا اسودت
مممم، بتشك في حد؟ ليك عداوة مع حد؟ حد هددك قريب أو كان مستنيلك غلطة؟
اتلجم لحظة وسكت، صورة وليد وتهديداته القديمة ونظراته الغدارة نطت قدام عينه، بس فكر في ليلى وفكر في أمه وفكر إن معندوش دليل ملموس يثبت إن وليد هو اللي بعتهم، خاف يدخل في دوامة تانية وخاف يورط أهله في صراع مع ناس معندهاش قلب، بلع ريقه وبص لعزيز
* لا يا فندم، مليش عداوة مع حد، أنا بقالي فترة مليش غير شغلي وبيتي وبس، الموتوسيكل كان جديد وشكلها يطمع أي حد، متهيألي هما مجرد بلطجية كانوا عايزين يسرقوا الموتوسيكل مش أكتر
هز راسه وكأنه مش مقتنع لكن سكت وسجل الكلام في المحضر
تمام يا سيف، إحنا هنفرغ الكاميرات اللي في أول الشارع وآخر الورش، وإن شاء الله هنجيبهم والمكنة هترجع، ارتاح أنت دلوقتي
لف وخرج هو والأمين، اخد سيف نفس طويل وغمض عينه، كان حاسس بوجع في قلبه أكبر من وجع راسه، وجع إنه عارف مين اللي عمل كدة بس مش قادر يتكلم
قرب ادهم منه وهمسله بصوت واطي وهو بيعدل له الغطا
متشغلش بالك يا سيف، المهم إنك وسطنا والمكنة في داهية، بكرة ربنا يعوضك بأحسن منها
مردش و بص لليلى اللي كانت بتبصله بنظرة فهم وحزن، كأنها حاسة باللي بيدور في عقله، وحاسة إن الحكاية لسه فيها فصل غامض ميعرفوش غيره هو و وليد
بعد ما الدكتور اطمن على جرحه وسمحله ياكل، كان ساند ضهره على المخدات بضعف لكن بوش منور بوجودهم حواليه، ريحة الأكل البيتي اللي فاطمة طبخته بحب ملت المكان وغلبت على ريحة المستشفى اللي تخنق
كريمة كانت قاعدة على طرف السرير ماسكة المعلقة وبتقربها من بوقه بإصرار
يا حبيبي خد بس المعلقة دي، دي شوربة من إيد خالتك فاطمة ترد الروح وتخليك تقف على رجلك قبل ما نخرج
ضحك ضحكة خفيفة وهو بيحاول يهرب من المعلقة
* يا ست الكل والله شبعت مش قادر
أدهم غمزله وهو بيسرق صباع محشي من الحلة اللي فاطمة شايلاها
يا عم كُل وأنت ساكت، ده أنت وشك كان لونه أصفر زي الليمونة الصبح، دلوقتي بس بدأ يرد فيه الدم، وبعدين أنت مش شايف الدلع؟ ده أنا لو اتخبطت الخبطة دي مش هلاقي حد يسقيني مية
الأوضة كلها ضحكت وفاطمة كانت واقفة جنب كريمة ساندة إيدها على كتفها وبتبص لسيف بنظرة حنينة ومبتسمة
بالهنا والشفا يا حبيبي مطرح ما يسري يمري، المهم تقوملنا بالسلامة وتملى البيت علينا حس من تاني
في الركن التاني من الأوضة كانت ليلى قاعدة على كرسي مثبتة عينيها عليه، مكنتش بتاكل ولا بتتكلم، كانت بس بتبصله بذهول ممزوج براحة كأنها لسه مش مصدقة إن الراجل اللي شافت دمه مغرق هدومه من ساعات قاعد قدامها دلوقتي وبيهزر، عينيها كانت بتلمع بدموع فرحة محبوسة وكل ما يخطف نظرة ليها وسط كانت بتنزل عينيها في الأرض بخجل والابتسامة بتترسم على وشها غصب عنها
رغم تعبه مكنش بيبطل يلمح طيفها، وكل ما عينهم تتقابل للحظة كان بيحس إن الوجع اللي في راسه بيختفي تماماً، وكأن نظرته ليها هي المسكن الحقيقي اللي محتاجه
كل التفاصيل دي، من ضحكة سيف المكتومة لنظرة ليلى الملهوفة، كانت تحت عيون مصطفى، كان واقف ساند ضهره على الباب مربع إيديه وبيراقب المشهد بصمت رزين، ملامحه اللي كانت دايماً جامدة بدأت تلين وعقله بدأ يعيد حساباته وهو شايف الخيط المتين اللي رابط بينهم، شاف في عين بنته خوف مبيطلعش لغير حد غالي، وشاف في عين سيف عفارة محارب مش عايز يقع قدام حبيبته
اتنهد وبصله وهو بيشوف فيه الراجل اللي كبر في نظره النهاردة، مش بس عشان كفاحه، لكن عشان الحب الصادق اللي باين في عينيه
الليل كان تقيل على قلب مازن، الندم بياكل في روحه وهو متخيل صورة سيف وهو غرقان في دمه مش مفارقة خياله، وقف قدام القسم متردد لحظة، بيفكر في العشرة اللي كانت بتجمعه بوليد، بس سرعان ما افتكر غدره وضحكته الخبيثة وهو بيحط إيده على الموتوسيكل المسروق فاستعاذ بالله ودخل بتصميم
جوا القسم، كانت الحركة هادية وسكون الممرات بيقطعها صوت خبط على الآلات الكاتبة، وقف قدام مكتب النبطشية وشه شاحب وعيونه باينة فيها قلة النوم
لو سمحت، أنا عايز أبلغ عن واقعة سرقة بالإكراه وشروع في قتل وعايز أدلي بأقوالي لأني عارف مين اللي عمل كدة
وبعد دقايق، كان قاعد جوا مكتب الظابط، المكتب كان مليان ملفات وصورة وليد وسيف بتمر قدام عينه كأنها شريط سينما، الظابط بصله بتركيز وسند ضهره لورا
انت قريبه؟ ولا كنت شاهد عيان؟
بلع ريقه وصوته طلع مخنوق بس واضح
انا كنت صاحبه يا فندم، وصاحب اللي حرض على ضربه، أنا جاي أبلغ عن وليد الناجي، هو اللي بعت ناس تثبته وتضربه وتسرق مكنته، والمكنة دلوقتي مركونة تحت بيته في الشارع الجانبي متغطية بمشمع
اعتدل الظابط في قعدته وبدأ يسجل الكلام باهتمام
وأنت عرفت الكلام ده منين؟ وايه اللي يثبت إن اللي بتقول عليه دة هو اللي عمل كدة؟
غمض عينه لحظة ورجع رسه لورا بأسى
هو اللي قالي بلسانه يا فندم، وراني المكنة واتباهى باللي عمله، قالي إن ده تمن توبة سيف وتمن وقوفه في وشه.، أنا كنت معاه وقتها وشوفت الغل في عينه وهو بيقول إنه بعتله ناس يربوه، أنا مقدرتش أسكت، سيف ميستاهلش الغدر ده
بدأ مازن يحكي التفاصيل بالملي، الساعة اللي وليد استلم فيها المكالمة، الكلمتين اللي قالهم في التليفون، والمكان اللي الموتوسيكل مستخبي فيه بالظبط، الظابط كان بيكتب بسرعة وعيونه بتلمع بجدية
انت عارف إن شهادتك دي هتودي وليد ورا الشمس؟ وأنت كمان ممكن تتحاسب لو ثبت إنك كنت شريك في التخطيط؟
هز راسه بإصرار وقال
عارف يا فندم ومستعد لأي حاجة، المهم سيف حقه يرجع و وليد ياخد جزاؤه، أنا مش هقدر أعيش بذنب سيف طول عمري
خرج الظابط للمأمور وبلغوا عزيز لما إنه ماسك القضية وأتحرك فوراً بقوة للكان عشان يقبض على وليد قبل ما يهرب
خرج مازن من القسم وهو حاسس أن ضميره مرتاح وهينيمه الليلة دي من غير تأنيب
ليل القاهرة بدأ يفرض سكونه على ممرات المستشفى والهدوء حل في الأوضة بعد يوم طويل مشحون بالمشاعر، وقف مصطفى وعدل جاكيته وبص لكريمة وفاطمة بنظرة هادية وقال
يلا يا جماعة، الوقت سرقنا والليل ليل وانتوا من إمبارح منمتوش ولا ارتحتوا، لازم تروحوا عشان تقدروا تيجوا بكرة
رفضت كريمة وقالت
أروح فين؟ أنا مقدرش أسيب ضنايا لوحده
سيف سحب إيدها وباسها
* يا ست الكل أدهم معايا ومش هيسيبني، وأنا الحمد لله بقيت أحسن كتير، روحي ارتاحي عشان تيجيلي الصبح بضحكتك اللي بتنور الدنيا
أدهم كمل وهو بيطمنها
يا أمي متخافيش أنا هنا معاه، روحي أنتي مع طنط فاطمة وعمي مصطفى
فاطمة طبطبت على كتفها وقالت
يلا يا حبيبتي، الصبح إن شاء الله نكون عنده من النجمة
بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني ومصطفى كان في المقدمة، ليلى استنت لما الكل خرج وبدأت تأخر خطواتها بذكاء وقلبها بيدق بتسارع، لفت وشها وسيف كان عينه عليها كأنه مستني اللحظة دي بفارغ الصبر
قربت من طرف السرير والابتسامة اللي كانت مخبياها طول اليوم ظهرت بخجل
- حمد لله على سلامتك يا سيف، إن شاء الله هتكون بخير ومش هتشوف أي حاجة وحشة تاني أبداً
بصلها بظرة كلها امتنان وقال
* الله يسلمك يا ليلى، وجودك هو اللي خلاني أحس إني بخير فعلاً
كملت بصوت واطي وقالت
- متزعلش على الموتوسيكل يا سيف، فداك أي حاجة، المهم إنك قومتلنا بالسلامة
اتنهد تنهيدة فيها وجع خفيف بس مختلط بأمل
* عارفة الحاجة الوحيدة اللي مزعلاني إيه؟ إن اللي أنا فيه ده عطلني إني آجي أتقدملك تاني، كنت راسم اليوم ده في خيالي بشكل تاني خالص، بس أوعدك أول ما رجلي تخطي برا المستشفى دي، هكون عندكم في البيت
وشها احمر ونزلت عينيها في الأرض بكسوف
- أنت بس قوم بالسلامة وأشوفك بخير وسطنا، دي عندي أهم حاجة في الدنيا
حب يفك التوتر ويهزر معاها ف قال دي الأهم؟ يعني مش عايزة تتجوزيني ولا إيه؟
ضحكت بخجل وسكتت، وفي اللحظة دي صوت مصطفى جه من برا الممر وهو بينده
ليلى .. يلا
اتوترت وبصت لسيف نظرة أخيرة كلها وعود وجريت لحقت باباها، مصطفى بصلها بنظرة فاحصة وهو بيحط إيده على كتفها وبيمشي بيها، عينه جت في عين سيف لثانية، نظرة كانت غامضة بس مفيش فيها الرفض بتاع زمان
أدهم قفل الباب وراهم ورجع قعد على الكرسي وهو بينفخ
ربنا يستر من عم مصطفى ونظراته دي، أنا بحس إنه بيقرأ اللي في النفوس
سيف ابتسم وقال
* تعرف يا أدهم .. انا حاسس المرة دي إنه هيوافق، مش عارف ليه، بس قلبي مطمن
يا رب يا سيدي، يسمع منك ربنا
حاول يعدل نفسه بصعوبة
* أدهم .. أنا عايز أتوضى، ساعدني بالله عليك
أدهم بصله بقلق وقال
يا سيف أنت تعبان ومحتاج راحة، ومش هتعرف تصلي وأنت بالوضع ده
بصله بإصرار وقال
* لا إن شاء الله ربنا هيعينني، مش عايز أنام وعليا صلاة فايتاني وأنا غايب عن الوعي
حاضر
جاب إزازة مية كبيرة وطبق وبدأ يساعده برفق يتوضى وهو مكانه على السرير، بدأ سيف يصلي كل الفروض اللي فاتته بأيماءات راسه وخشوع ملوش وصف، دموعه كانت بتنزل وهو بيحمد ربنا على النجاة، بعد ما خلص سند راسه لورا ونفسه هدي تماما
* الحمد لله، مفيش أحلى من إني أنام وأنا متوضي
أدهم قعد جنبه بفضول
أنا عارف إنها سنة، بس مش عارف بالظبط إيه اللي بيحصل لما الواحد ينام متوضي؟
سيف بصله بـ هدوء وقال
* عارف إيه اللي بيحصل؟ يبات في شعارك ملك، يعني بين جسمك وهدومك بيبات ملك من ملائكة ربنا، فـ ميقربكش شيطان بإذن الله، وكل ما تتقلب أو تتحرك في نومك، الملك ده يقول اللهم اغفر لعبدك، تخيل يا أدهم ملك بيدعيلك بالمغفرة ودعاؤه مستجاب؟
أدهم بصله بذهول وإعجاب
ياه، دي حاجة عظيمة أوي سبحان الله
قعدوا الاتنين يحكوا في هدوء الليل، وأدهم بدأ يحس بفخر بأخوه اللي رغم وجعه مسبش فرض ربنا ولا نسي دينه، والسكينة بدأت تنزل على الأوضة وهما بيستعدوا لنوم هادي بعد عاصفة كانت هتاخدهم بعيد
بعد ايام، هلت شمس نهار جديد كانت مالية الحارة، والخبر كان سبق سيف لبيته، الكل واقف مستنيه وهو راجع من معركة غدر وهو رافع راسه، العربية وقفت قدام البيت وأدهم نزل بسرعة يفتحله الباب وهو نازل ببطء، ساند بإيده على كتف أدهم وبالإيد التانية ماسك راسه اللي لسه ملفوفة بالشاش الأبيض النضيف
براحة على مهلك
كان بيتكلم وهو بيحاوط ضهره بدراعه، وسيف كان بيحاول يبتسم للجيران اللي بيباركلوا على السلامة، بس الوجع والدوخة الخفيفة كانوا لسه مأثرين عليه
طلعوا السلم وبمجرد ما دخلوا الشقة ريحة البخور اللي كريمة كانت مولعاه ملت مناخيره، حس إنه أخيراً في أمان، أدهم سنده لحد ما دخل أوضته وقعده على السرير براحة ورفعله المخدات ورا ضهره، سيف اتنهد تنهيدة طويلة وغمض عينه
* ياه، وحشتني ريحة البيت، مكنتش فاكر إني هشتاقله كدة
أدهم قعد على طرف السرير وفضل ساكت شوية وهو بيبصله والسكوت طول لحد ما سيف فتح عينه وبصله
* مالك يا أدهم؟ في إيه في دماغك؟
فرك إيده بتوتر وقال بصوت واطي
بصراحة يا سيف، في سؤال واكل عقلي من وقت ما الظابط كان في المستشفى، أنت ليه مقولتش إنك شاكك في وليد؟ ليه قولت معرفش ومتكلمتش في أي تفاصيل؟ أنت عارف أكتر من أي حد إن مفيش حد ليه مصلحة يكسرك غيره
سيف سكت لحظة وبعدين قال
* الله أعلم هو اللي عمل كدة ولا لأ، حتى لو شكوكي رايحاله أنا معنديش دليل يمسكه، والكلمة في القسم مش لعبة، وبعدين أنا مش ناقص مشاكل، وليد ده شيطان، ولو دخلت معاه في حرب علني وسيرته جت في محضر مش هيسكت وأنا مش حمل إني أشوف أمي ولا أنت ولا ليلى يجرالكم حاجة بسببي، أنا عايز أعيش في سلام وأبدأ من جديد، أنا بس كل اللي واجع قلبي وحامل همه هو الموتوسيكل اللي راح وفلوس أمك اللي ضاعت في الأرض وشقاها اللي طار في ليلة
في اللحظة دي الباب اتفتح وكريمة كانت داخلة بصينية فيها شوربة، سمعت كلمته الأخيرة فحطت الصينية بسرعة وقربت منه، مسكت وشه بين إيديها وباسته من جبينه بحنان غامر
تضيع الفلوس يا سيف ويغور الموتوسيكل في ستين داهية، يغور الحديد وتعيش أنت يا نور عيني، الفلوس بتروح وتيجي وشقايا فدا ضفرك، المهم عندي إنك قاعد قدامي دلوقتي بتتنفس ونورك مالي البيت
عينه لمعت بالدموع، مسك إيدها وباسها
* والله يا أمي لهعوضك عن كل قرش، أوعدك يا ست الكل إن بكرة هيكون أحلى وهجيبلك كل اللي بتتمنيه
أدهم حب يكسر لحظة الدراما دي ف نط وقعد جنبهم وهو بيضحك
ايوا بقا يا عم سيف، بقيت أنت النجم وأنا اللي شغال ديليفري طلبات وعصاير، طب ما توعدني أنا كمان بمكنة جديدة أركب وراك فيها بدل ما أنا ماشي كعابي كدة؟
كريمة ضحكت وطبطبت على أدهم
بس يا واد، اخوك محتاج راحة مش محتاج نقرك ده
يا أمي أنا بفك عنه بس عشان الارتجاج اللي عنده ده يروح بخفة دمي، ولا إيه يا سيف؟
ضحك من قلبه لأول مرة من يوم الحادثة
* والله يا أدهم أنت اللي مهون عليا، بس ارتاح أنت من خفة دمك دي شوية عشان الجرح ميفكش من كتر الضحك
الأوضة اتملت بدفء العيلة وسيف حس إن رغم خسارته للموتوسيكل كسب رضا وحب وسند يسدوا عين الشمس، وبدأ يستعد لأيامه اللي جاية بنفس جديدة
الشمس كانت لسه مايلة للغروب، وقف بوكس البوليس قدام بيت سيف و نزل منه عزيز ببدلته الميري وهيبته وطلع السلم بخطوات واثقة، خبط على الباب خبطات هادية، أدهم فتح الباب وأول ما شافه قال
خير يا فندم؟
ابتسم ابتسامة هادية طمنت قلوبهم
مساء الخير، اولا متقلقش مفيش غير كل خير، أنا جاي أطمن على سيف وأبلغه بشوية أخبار هتفرحه
كريمة وسعتله الطريق وقالت
اتفضل يا ابني نورتنا
دخل الصالة وطلب يقابل سيف، ف خرج سيف من أوضته ببطء ساند على كتف أدهم وراسه لسه ملفوفة بالشاش و عينه فيها تساؤل كبير
بدأ عزيز كلامه بنبرة مريحة
حمد الله على سلامتك يا سيف، أنا جيت بنفسي عشان أقولك إن الحق مبيضيعش، وإحنا قبضنا على وليد والرجالة اللي بعتهم ليك
سيف اتسمر مكانه والدهشة لجمت لسانه
* قبضتوا عليه؟ إزاي يا فندم؟
سحب نفس وقال بجدية
الضربة جاتله من صاحبه، مازن جيه القسم وبلغ عنه بكل التفاصيل، وحكى على الاتفاق اللي تم بينه وبين البلطجية، ولما القوة راحت تقبض عليه في شقته لقينا عنده كمية مخدرات وخمرة، والأهم من ده كله .. لقينا الموتوسيكل بتاعك مركون تحت بيته ومستخبي تحت مشمع
سيف بص لأدهم بذهول وأدهم ضرب كف بكف
مازن؟ مش ممكن! ده كان دراع وليد اليمين
الجدعنة لسه موجودة يا أدهم، المهم، وليد طبعاً في القسم أنكر كل حاجة وعمل فيها مظلوم، بس لما اتعرض على النيابة الصبح وواجهناه بشهادة مازن وبالمسروقات والمخدرات انهار واعترف بكل حاجة، ودلوقتي صدر قرار بحبسه وهيترحل على المحكمة
كريمة رفعت إيدها للسما ودموعها نزلت
الحمد لله يا رب لك الحمد، تسلم يا ابني ربنا ينصركم دايماً
وقف عزيز وجهز نفسه للمشي وبص لسيف بتقدير
الموتوسيكل بتاعك موجود دلوقتي في القسم، خلصنا الإجراءات وبقى حرز مسترد، تقدر تيجي في أي وقت بالبطاقة والرخص وتستلمه
سيف حس إن في جبل انزاح من عليه، مد إيده سلم عليه بامتنان حقيقي
* أنا مش عارف أشكرك إزاي يا فندم، تعبناكم معانا وحقك عليا إني مكنتش صريح في الأول بس كنت خايف على أهلي
مقدر ظروفك يا بطل وده واجبنا، المهم ترتاح وتشد حيلك عشان ترجع لشغلك
سلم عليه وخرج من الشقة، قعد سيف على الكنبة وأخد نفس طويل وبص لأدهم بابتسامة نصر
* شوفت يا أدهم؟ الفلوس والشقاء مرجعوش لوحدهم، دول رجعوا ومعاهم كرامتي وحقي، و وليد اللي كان فاكر نفسه فوق القانون، نهايته كانت بغدر إيده
أدهم ضحك وهو بيحضنه
مبروك يا حبيبي، بكرة نروح نجيب الوحش من القسم ونلف بيه الحارة كلها
ابتسمله وحس براحة لأول مرة من ساعة ما خرج من المستشفى، بص للسما وحمد ربنا في سره ورجع تاني يضحك لأدهم
بعد ايام، كان قاعد على القهوة مع منصور، الراجل اللي شاف فيه ريحة أبوه الله يرحمه وسنده في كل أزمة، كان بيفرك إيده بتوتر ونظراته مش مستقرة لحد ما أخد نفس طويل وقال
* بقولك إيه يا عم منصور، كنت عايزك في خدمة وعارف إنك مش هتردني
نزل منصور حجر الشيشة وبصله باهتمام
قول يا سيف، رقبتي ليك يا ابني
* كنت عايزك تيجي معايا نطلب إيد ليلى رسمي من عم مصطفى، أنا مش عايز أستنى أكتر من كدة والحق رجعلي والحمد لله بقيت واقف على أرض صلبة
ابتسم منصور ابتسامة عريضة وطبطب على كتفه
يا زين ما اخترت يا ابني، ليلى بنت أصول وأنت تستاهلها، هتروح إمتى؟
رد سيف بتفكير
* يعني .. على آخر الأسبوع إن شاء الله، نكون رتبنا حالنا
قام منصور وقف فجأة وعدل جلبابه
وليه مش دلوقتي؟
سيف اتخض و وقف هو كمان
* دلوقتي؟ دلوقتي إزاي يا عم منصور؟ إحنا لسه بنقول يا هادي والناس مش عاملة حسابها
سحبه من إيده بحزم وحنية
يا ابني خير البر عاجله والقلوب شواهد، لسه هنستنى لأخر الأسبوع ونفتح باب للشيطان؟ يلا بينا، أنا اللي هروح معاك وبصفتي أبوك
حاول يقنعه إن ده مش وقته بس منصور كان مصمم، وفعلاً طلعوا السلم وخبطوا على بابهم، فتح مصطفى الباب وأول ما شافهم استغرب ورفع حواجبه بذهول
عم منصور؟ خير يا جماعة، في حاجة حصلت؟
رد منصور بضحكة بشوشة
كل خير يا أبو ليلى، ممكن ندخل شوية
اة طبعاً اتفضلوا
دخلوا وقعدوا ومصطفى كان لسه بيراقب سيف بنظرات فاحصة، منصور مستناش ودخل في الموضوع بقلب جامد
بص يا مصطفى، أنت عارفني دوغري ومبحبش اللف والدوران، أنا جايب سيف النهاردة بما إني في مقام أبوه، وجاي أطلب إيد زينة البنات ليلى ليه على سنة الله ورسوله
سكت تماماً وعينه جت في عين سيف اللي نزلها الأرض بأدب، كمل منصور بحكمة ورزانة
انسى اللي فات يا مصطفى، انت عارف وكلنا عارفين إن سيف ده زينة الرجال، متربي في وسطنا وأخلاقه الكل بيحلف بيها، اللي حصل ده كان وزة شيطان وكل إنسان وله زلاته لولا ستر ربنا علينا، متعقدهاش بقا و وافق خلينا نفرح بالعيال
اتنهد تنهيدة طويلة وقال
مجيتك على راسي يا عم منصور وأنت مقامك كبير عندي
لف وشه لسيف وكمل
وأنت يا سيف .. مش عايز تقول حاجة؟
حاول يسيطر على توتره وبص لمصطفى بجدية
* يا حاج مصطفى أنت عارف إني شاري ليلى من زمان، والله يعلم إني اتغيرت ومستحيل أعمل أي حاجة تغضب ربنا أو تخسرني ليلى تاني، أنا بدأت صفحة جديدة ونفسي أكملها معاها
سكت مصطفى تاني والجو كان مشحون بالانتظار لحد ما منصور نكزه بهزار
ها يا أبو ليلى؟ خير البر عاجله بقا، ادخل خد رأي العروسة يلا
بص لمنصور وابتسم ابتسامة خفيفة
عشان خاطرك أنت بس يا عم منصور
قام ودخل لقى ليلى وفاطمة في الأوضة، ليلى كانت واقفة ورا الباب بتسمع دقات قلبها وهي بتترعش، مصطفى قعد جنبها على السرير بحنان أبوي ملوش وصف وقال
طبعاً أنتي عارفة مين اللي برا
هزت راسها بكسوف وعينيها في الأرض
كمل وقال
سيف جايب عم منصور وجاي يطلب إيدك، موافقة ولا لأ؟
هزت راسها تاني وقالت
- موافقة يا بابا
سألها تاني بتأكيد
متأكدة من قرارك؟
رفعت عينها وبصتله بـرجاء وفرحة
- ايوا يا بابا .. متأكدة
هز راسه وسكت لحظة، وبعدين خرج ليهم برا، سيف اول ما شافه بصله بلهفة، قعد مصطفى وقال
أنا موافق يا سيف
كان لسه هيفرح ويضحك لكن مصطفى كمل بجدية
بس الخطوبة مش أقل من تلت سنين
انطفت فرحته شوية وقال بعفوية
* تلت سنين؟ كتير يا عمي
بصله بنظرة عميقة وقال
اعذرني يا ابني، أنا أب وليلى دي بنتي الوحيدة وأغلى ما عندي وعايز أطمن عليها بجد، تلت سنين أشوف فيهم صدق توبتك وأتأكد إنك شاري بنتي وصاينها في كل الظروف، ساعتها تتجوزوا وتدخل بيتك وأنا مرتاح
سكت وبص لمنصور اللي هزله راسه بوافق، بص لمصطفى وقال برضا تام
* وأنا مش هعارضك يا عم مصطفى، أوعدك مش هتشوف مني إلا كل خير، والتلت سنين دول هثبتلك فيهم إني استاهل شرف نسبك
اتدخل منصور وقال
عللى بركة الله، نقرأ الفاتحة بقا؟
وقروا الفاتحة أخيراً .. والبيت اللي كان مليان هموم من أيام اتملى بنور الفرحة والدعوات اللي طالعة من القلوب
