![]() |
رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل التاسع عشر بقلم اسماعيل موسي
جلس يامان أمام النار بينما كان القدر الصغير يغلي ببطء فوق الحجارة وكانت الأعشاب التي جمعها قد تحولت داخل الماء إلى سائل داكن يميل إلى السواد يعلوه بخار مر الرائحة وكأن الغابة نفسها تخرج أنفاسها من القدر
وقف يامان بصمت وأمسك بعصا خشبية وبدأ يحرك المنقوع ببطء وكانت جذور المولي تطفو أحيانا قبل أن تختفي داخل السائل وأوراق الهينبان تلتف حول نفسها مع الغليان بينما كانت رائحة الماندراجورا الثقيلة تملأ الكوخ
راقبته جود بصمت للحظات قبل أن تقول بهدوء هل أنت متأكد من هذا
لم يرفع يامان عينيه عن القدر وهو يجيب لا ثم أضاف بعد لحظة لكنني متأكد من شيء واحد الفيروس الذي زرعته سولين في جسدي لن يختفي وحده
سكتت جود ثم تقدمت وجلست مقابله بينما مد يامان يده وأطفأ النار قليلا حتى هدأ الغليان ثم سكب السائل في وعاءين حجريين وكان اللون غريبا ليس أسود تماما بل داكنا كظل الليل
أمسك يامان أحد الوعاءين ونظر إلى جود وقال بهدوء هذا قد يقتلني فابتسمت جود ابتسامة صغيرة رغم القلق في عينيها وأخذت الوعاء الآخر وقالت إذن لن تموت وحدك
وقبل أن يعترض رفعت الوعاء وشربت أول رشفة وكان الطعم مرا بشدة كأن الأرض نفسها قد ذابت في الماء فانقبض وجهها للحظة لكنها أجبرت نفسها على ابتلاع المنقوع
نظر إليها يامان بصمت ثم رفع وعاءه وشربه دفعة واحدة وفي البداية لم يحدث شيء وجلس الاثنان بصمت بينما كانت النار تضعف ببطء
لكن بعد دقائق قليلة بدأت جود تشعر بحرارة غريبة في صدرها فوضعت يدها على قلبها وقالت بصوت منخفض يامان
قبل أن تكمل انحنى يامان فجأة وهو يمسك بطرف الطاولة الخشبية فقد كانت الحرارة قد انفجرت داخل عروقه ولم تكن حرارة نار بل حرارة شيء يتحرك في الدم وشعر كأن آلاف الإبر الصغيرة تسير داخل جسده
ارتجفت عضلاته بعنف وسقط الوعاء الحجري من يده وارتطم بالأرض وفي تلك اللحظة شعر يامان بالفيروس يتحرك داخله وكان ذلك الإحساس البارد الذي عرفه منذ أن حقنته سولين لكن هذه المرة لم يكن وحده
فالحرارة التي أطلقتها الأعشاب بدأت تطارده داخل الدم وكأن جسده أصبح ساحة حرب فقبض يامان على صدره بينما كان العرق يتصبب من جبينه أما جود فجلست منحنية وهي تتنفس بصعوبة وكانت الحرارة تنتشر داخلها أيضا لكنها مختلفة أبطأ لكنها عميقة
مرت دقائق ثقيلة ثم فجأة تغير الإحساس فالبرودة التي تركها الفيروس بدأت تتلاشى وكأن الدم نفسه أصبح أكثر قوة
فتح يامان عينيه فجأة وكان يسمع دقات قلبه بوضوح شديد وليس هذا فقط بل كان يسمع أيضا نبض جود ونبضات صغيرة أخرى خارج الكوخ حيوانات الغابة وحشرات الليل وحتى حركة الرياح بين الأشجار
تنفس ببطء وهو يحاول فهم ما يحدث داخل جسده فقد أصبحت الحرارة الآن مستقرة ولم تعد مؤلمة وكأن جسده تعلم كيف يستخدمها
أما جود فرفعت رأسها ببطء وكانت عيناها تلمعان بطريقة غريبة وقالت وهي تلهث قليلا ما الذي فعلناه
نظر يامان إلى يده ولاحظ أن الجرح الذي دخل منه الفيروس كان قد توقف عن الالتهاب تماما بل بدأ يلتئم بسرعة غير طبيعية فأغمض عينيه لحظة وشعر بشيء لم يشعر به من قبل
لم يكن مجرد شفاء بل كان جسده يتغير فالأعشاب التي استخدمها لم تقتل الفيروس فقط بل أجبرت جسده على أن يتعلم كيف يقاومه وكأن الدم نفسه أصبح أكثر ذكاء
فتح عينيه ببطء وقال أظن أن أجسادنا تعلمت كيف تقاتل فنظرت إليه جود بدهشة وقالت تقصد ماذا
أجاب بهدوء أي مرض أو فيروس سيحاول دخول أجسادنا ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال وسيجد أن الدم نفسه يرفضه
ساد الصمت داخل الكوخ للحظة وفي الخارج كانت الغابة تستيقظ مع أول خيوط الفجر
وقف يامان ببطء ولم يعد يشعر بالضعف الذي لازمه منذ معركة القلعة بل كان يشعر بشيء مختلف تماما قوة هادئة تسري في جسده
نظر إلى جود وقال يبدو أننا لم نصنع علاجا فقط ثم نظر إلى الأعشاب المتبقية فوق الطاولة وقال لقد صنعنا بداية شيء جديد.
خرج يامان من الكوخ مع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تتسلل بين الأشجار وكانت الأرض لا تزال مبللة بندى الليل والهواء البارد يتحرك ببطء بين جذوع الغابة العتيقة.
وقف لحظة ساكنا وكأنه يستمع إلى شيء لا يسمعه سواه لأن جسده أصبح يشعر بالأرض بطريقة مختلفة تماما وكانت أنفاسه عميقة وقلبه ينبض بقوة ثابتة وكأن الدم في عروقه أصبح نارا هادئة لا تنطفئ.
أغمض عينيه للحظة ثم ترك جسده يستسلم لذلك التغير الذي بدأ داخله منذ أن شرب المنقوع فلم يكن الأمر مجرد قوة بل كان شيئا أعمق يشبه انفجار الحياة داخل العظام والعضلات.
بدأت كتفاه تنحنيان قليلا وارتجفت عضلاته بينما بدأ التحول يمتد في جسده فاشتد ظهره وبرزت عضلاته بقوة حتى بدت كأنها حجارة تتحرك تحت الجلد ثم انحنت أصابعه وتحولت قبضته إلى مخالب قوية ومع زفرة عميقة خرج من صدره زئير هائل لم يكن صوت إنسان ولا ذئب بل صوتا بدائيا قديما يشبه صوت الغابة نفسها عندما تستيقظ.
وفي اللحظة التالية اندفع فجأة كالسهم وانفجر جسده بالحركة بين الأشجار بسرعة لم يعرفها من قبل وكانت الأرض تحت قدميه تتراجع كأن الغابة نفسها تفسح الطريق له.
تحولت خطواته إلى اندفاعات هائلة وكل عضلة في جسده كانت تعمل بقوة مضاعفة وكان يشعر بالهواء يقطع وجهه بينما كان يسمع كل شيء حوله بوضوح مذهل خفقان أجنحة الطيور وحركة الأرانب بين الأعشاب وارتجاف الأوراق فوق الأغصان العالية.
لكن الحيوانات شعرت به قبل أن يراها فتفرقت الغزلان فجأة من أمامه كأن عاصفة اجتاحت المكان واندفعت الخنازير البرية نحو الأدغال هاربة وحتى الذئاب التي كانت تحكم تلك الغابة اختفت بين الصخور عندما شعرت بمروره لأن يامان لم يعد مجرد صياد بل أصبح شيئا أكبر من ذلك.
قفز فوق جذع شجرة ساقطة بقفزة هائلة كأنه يطير للحظة فوق الأرض ثم هبط بقوة وواصل الركض دون أن يبطئ وكانت كل خطوة أطول من السابقة ثم قفز مرة أخرى فوق جدول ضيق وارتفع جسده في الهواء لمسافة بدت مستحيلة قبل أن يهبط على صخرة كبيرة ويندفع من جديد بين الأشجار.
كانت الأرض المحرمة كلها تتحرك من حوله فالطيور ارتفعت مذعورة في السماء والقردة صعدت إلى قمم الأشجار وحتى الرياح بدت وكأنها تتبع اندفاعه العنيف عبر الغابة. ركض صعودا نحو التلال ثم قفز من حافة صخرية إلى أخرى بقفزة عملاقة جعلته يهبط على بعد أمتار كثيرة في الأسفل لكن جسده امتص الصدمة بسهولة واستمر في الركض دون أن يتوقف.
في تلك اللحظة كان يامان يشعر وكأن حدود جسده قد اختفت فالعضلات لا تتعب والرئتان تمتلئان بالهواء بلا ألم والقوة تتدفق داخله بلا نهاية وكأنه وحش أسطوري تحرر أخيرا.
لكن خلفه بين الأشجار كانت هناك حركة أخرى فقد خرجت جود من الكوخ بعده بلحظات عندما شعرت بالطاقة التي انفجرت في الغابة وبدأت تركض خلفه بسرعة كبيرة أسرع مما ركضت في حياتها من قبل لأن المنقوع الذي شربته قد غير جسدها أيضا وإن لم يغيره بنفس الطريقة العنيفة التي غيرت يامان.
كانت تقفز فوق الصخور وتنزلق بين جذوع الأشجار محاولة اللحاق بظله المتحرك بين الغابة لكنها كانت تدرك أن الفارق بينهما هائل فكلما اقتربت قليلا كان يامان يقفز قفزة هائلة تبعده عشرات الأمتار مرة أخرى. رأت الغزلان تمر بجانبها مذعورة ورأت سربا من الطيور ينفجر من الأشجار عندما مر يامان من تحتها وكانت آثار مروره واضحة في كل مكان كأن عاصفة مرت عبر الغابة.
صرخت باسمه وهي تلهث من الركض يامان توقف لكن صوتها ضاع بين الأشجار ولم يصل إليه لأنه كان ما يزال يركض كالعاصفة داخل أرضه. قفز فوق صخرة ضخمة ثم هبط على حافة واد ضيق قبل أن يندفع نزولا بين الصخور كأن الجاذبية لا تؤثر عليه.
توقفت جود أخيرا فوق تل مرتفع وهي تنظر إلى أثره الذي يختفي بين الأشجار وكانت الغابة كلها قد أصبحت صامتة بعد مروره كأنها مرت بعاصفة حقيقية. تنفست ببطء وهي تحدق في الاتجاه الذي اختفى فيه ثم همست لنفسها ما الذي أصبحت عليه يا يامان.
أما في مكان بعيد داخل الأرض المحرمة فقد كان يامان ما يزال يركض بين الأشجار كقوة جامحة لا شيء في الغابة قادر على إيقافها.
