رواية جحيم عينيك الفصل العشرون
أنت جنتي
لوني يومي بضحكتك الرنانة. وصمتي بيوحك الدافئ.
اصنعي من عتمتي مذبحاً. ومن وجعي طقوس عشق.
وشكليني أسطورة تولد من الرماد.
وطيف حب لا يزول.
"الحماس سبق وعيها وهي تفتح عينيها، كأنها لم تكن غارقة في نوم تقيل أشبه بالموت من شدة التعب، حاولت أن تستعيد أحداث اليوم الماضي، فبدا لها وكأنه حلم طويل متشعب التفاصيل، لا حقيقة صافية عاشتها.
كان يوماً حافلاً، حالماً ومميزاً، والذاكرة نضج فيه بالصور المتلاحقة كأنها شريط سينمائي فتبسمت هامسة لنفسها ...
ليس حلماً أيتها البلهاء.. لقد أصبحت زوجة الزعيم... أصبحت فاليريا أوزيتش"
خفق قلبها لهذه الحقيقة التي أشرقت في عقلها كالشمس واتسعت ابتسامتها أكثر حين تذكرت ليلتها الأولى في جناحهما، ليلة تحولت إلى ساحة حرب وفوضى عارمة.
أي دخلة طبيعية يمكن أن تكون لعروسين مثلهما ؟ كلاهما قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، عضت على شفتها السفلى وهي تسترجع تلك اللحظة الفارقة:
كل منهما حقق انتصاراً أولياً في معركة الحب هو ضفد رجولته المطعونة بسهم التمنع. والكبرياء، وهي روت عطس قلبها بانتزاع اعتراف بالحب من بين أنيابه المسنونة.
يا لها من ليلة ... فصل ملتهب من فصول حربهما الضارية، خلف أثاراً حارفة ما تزال تشعر بها بين ساقيها، فقبضت رجليها شاعرة بوخز طفيف هناك.
سرعان ما دوى هدير الطائرة في أذنها، آخر ما تذكرته من تلك الليلة الملحمية، ليششت ذهنها عن الوخز. لم يأخذها إلى القصر، بل أوقف سيارته عند طائرة مروحية لم تعرف إلى أين ستقودهما.
بعدها لا تتذكر كيف وصلت إلى هذا المكان، ولا كيف ارتمت على السرير وغرقت في نوم عميق.
رفعت رأسها تتأقل أركان الغرفة بفضول، فرائحة خشب الصنوبر والعرعار تفوح من الجدران والأثاث، وتكسو المكان بهالة من الرقى ودف، مخملي
نهضت التقابل مع مراة طولية بالقرب من السرير شعرها الفوضوى وعيناها الناعستان لم يفسدا جمالها، بل أكسياها مظهراً طفولياً رقيقاً مررت أناملها بين خصلاتها لترتب مظهرها، ثم التقطت الروب لترتديه وتنزل على أصابع قدميها متتبعة صوت حركة صادرة من آخر الممر.
تقدمت بحذر حتى لمحت مشهداً لم تتصور من قبل أن الحياة ستمنحها فرصة رؤيته. أطلت براسها بحرص، واضعة بدها على شفتيها كأنها تمنع ضحكة شقية من الانفلات
إنه الزعيم، بطوله الفارع وبنيته الضخمة وهالته المرعبة، ملك البرود وأيقونة الشموخ والغرور.
بمقامه الرفيع نزل من برجه العالي، وتنازل عن سلطاته المطلقة ليستعمل يديه في شيء مختلف عما تعودنا عليه، كالتوقيع على القرارات والصفقات وتحديد مصائر الأشخاص، أو حمل المسدس والضغط على زناده حاصداً الأرواح كما تحصد حبات القمح تحت جرار حاد.
لقد استعملهما هذه المرة في عصر البرتقال وتحميص الخبز، وبدل أن يحمل السكين لتقطيع الأجساد، يبدو أنه اكتشف أنها تصلح لتقطيع السلطة أيضاً.
رؤيته واقفاً في المطبخ يحضر الفطور بنفسه، ويتحرك في أرجائه بخفة وهو يحبس سيجارته بين شفتيه، حدث نادر يستحق الوقوف عنده وتأمل معجزات الحب وصنائعه في رجل شامخ كالجبال الشاهقة، وقلب قاس كالصخور الصفاء.
المعجزة ليست في إعداد وجبة فطور وإنما في تذكره لكلماتها المتذمرة، اخذا إياها بجدية رغم أنها عابرة كسحابة صيف.
اهتمامه بطلباتها ورغباتها وأمنياتها، وحرصه على تحقيقها بكل تفاصيلها، هو معجزة الحب حتى وإن تهربت شفتاه من البوح به، فإن أفعاله تبوح، بل تصرخ به
"ألم يكن بإمكانك تأجيل الدخلة إلى أن نذهب للقصر ؟ كنت أتخيل أنني سألازم فراشي حتى الصباح لتوقظني بقبلة ووردة حمراء وأنت تقدم لي الإفطار بنفسك."
كان مرتديا تيشرتا أسود وسروالأترابياً قصيراً، متحزراً من بداته القائمة التي يزيد طابعها الرسمي والصارم من هالته المرعبة وحضوره التقيل، ربما لم يسبق لها أن رأت ظهر أحدهم بهذه الفتنة والرجولة، والان بدت وكأنها أغرمت به من جديد.
بعد أن استمتعت بأولى قطرات الغيث انسحبت بهدوء كما جاءت لتعود إلى السرير وتستلقي عليه بجسدها الذي يهتز بذبذبات السعادة في انتظار مجينه.
فرحتها في تلك اللحظة كانت لتقتلها من شدتها، لولا وجود معضلة الأكاديمية في حياتها .... وأسرار الفلاشة اللعينة.
نعم، الفرح المفرط يمكن أن يسكت القلب في لحظة، كما يفعل الحزن العميق أو الغضب الشديد. فالمشاعر والانفعالات حين تتجاوز الحد الطبيعي قد تؤدي صاحبها، حتى لو كان شعور الفرح. ربما لهذا السبب لا توجد فرحة مطلقة ودائمة، ولا حزن مرير مدى الحياة.
كلما ارتقى الإنسان واقترب من القبض على السعادة تسحبه خيال التعاسة إلى الهاوية .....
فيظل الإنسان تائها في الحياة كالفلك في عرض البحر، تتقاذفه الأمواج، لا هو غرق بركابه فأراحهم من أهوال العواصف، ولا أرسى بهم على شط الأمان.
أغمضت عينيها بشدة تهرب بعقلها بعيداً عن حساباته المعقدة، لتنفتح على ثغرها ابتسامة كوردة وهي تسمع وقع قدميه في الممر متجها نحوها.
وحده يملك القدرة على انتشال روحها من هؤة أفكارها السحيقة والمظلمة.
هو ملاكها وحارسها في جنته إن أرضته... وشيطانها الجلاد في جحيمه إن أغضبته.....
انقلبت على بطنها، حاضنة المخدة، حتى دخل الغرفة ليدنو منها، واضعا صينية الفطور على المنضدة قرب السرير، ثم قبل خدها يلطف وهمس لها بصوته الذي يقطع أمعاءها من الإثارة...
"صباح الخير، ايتها العروس المتلصصة .."
لتدرك من فورها أنه عرف بأمرها، ودون أن تتحرك ردت عليه ...
دائماً ما أتخيل أن لك عيناً ثالثة خلف رأسك، يا زوجي العزيز ..."
لتشعر به يلغي السنتمترات الضئيلة بينهما يقربة منها ...
"إذن... هلا وفرت خيالك الخصب لأجلي؟ أحتاجه الأشياء أخرى."
شعرت بملمس ناعم على خدها الطري، مع رائحة لطيفة داعبت أنفها الجميل. استدارت نحوه وأمسكت وردة الجوري بيديها، مقبلة خذه بنعومة ....
"خيالي تحت تصرفك حبيبي...
نظرت إلى الإفطار الذي أعده لها...
" قد أتخيل أي جنون لعين بخصوصك... إلا أن أتخيل أمراً طبيعياً كإعدادك للفطور بنفسك."
اعتدل في جلسته على طرف السرير، ساحباً إياها ليجلسها فوق ساقيه كطفلة صغيرة.
وابتسامة لاحت على طرف شفته كوميض شهاب في ظلمة الليل...
"ولا أنا... صدقيني.."
تصلب أسفلها على فخذيه القاسيين بعدم ارتياح، فابتسمت محاولة إخفاء انزعاجها، غير أن خذيها التهيا خجلاً من نظراته التي تعزي حقيقة مشاعرها وأفكارها بشكل مخيف، وبنبرة أقرب
للهمس قال....
"لا عليك... سوف يزول الألم بعد جولة أخرى ..."
تبال هذا جعلها تتمنى أن تذوب أو تبتلعها الأرض وتختفي من أمامه.
اكتفت بالصمت، وعيناها الهاربتان استقرتا أخيراً على يده حين قرب صينية الإفطار الشهي. حمل كأساً من العصير، جاعلاً إياها تشربه من يديه، ثم ناولها قطعة بانكيك بالنوتيلا التي تعشقها بشوكة الطعام، فأرادت أن تمسكها وتأكل بنفسها، لكنه أبعد الشوكة وهو يهز رأسه باعتراض..
تتتت.. أريد أن أطعمك بيدي افتحي فمك يا قطتي المدللة..."
رقص قلبها فرحاً، فأذعنت له لتستقبل أول لقمة في فمها.
أعادها الموقف إلى الماضي، حين كانت أسيرة لديه وأطعمها بالطريقة نفسها، لكن الفرق بين الموقفين أنها كانت أسيرته جسدياً، بقيود الخوف والرهبة والكره لدرجة مرعبة .... والآن هي أسيرة له عقلاً وقلباً، بروابط العشق والهيام إلى حد اللامعقول.
نعم، لم تكن مشاعرها نحوه معتدلة فمجرد التنفس إلى جانب هذا الإنسان يقبر أي اعتدال في المشاعر.
كان صامتاً يستمتع بما يفعله، خاصة بعد أن عوض الشوكة بأصابعه، فكانت لمسة شفاهها الأصابعه الغريه بتذوق سوط من سياط العذاب اللذيذ، وجمرة منعة مستعرة توجع بدله.
إحدى تلك اللقيمات كادت أن تضرم النار في ذلك السرير، لولا تحكمه الرهيب بنفسه، ووضعه لهدفه نصب عينيه وهو أن يجعلها تعيش أياماً لا تنسى أياماً على طرازها الحالم، وعلى مقاس تطلعاتها البريئة وأمالها البسيطة.
استدعى الأمر حجب "الزعيم" والتخلي عنه موقعاً، كونه لا يتوافق مع دلال عروسه الناعمة والرقيقة، والأمر يستحق... فـ "يمان" هو الأصلح لهذه المهمة.
لكن ما أشعل فتيل تلك النار، أن القطة لم تبقى هادئة كما ينبغي، بل استسلمت لنداء الأنتى الجامحة في أعماقها.
إذ مدت يدها الصغيرة وأحكمت قبضتها على يده، تقرب إصبعه الملطخ بالنوتيلا نحو شفتيها، التلعقه ببطء مثير بطرف لسانها.
تلك اللمسة العابرة لم تكن بريئة كانت دعوة صريحة مفتوحة الأبواب، إلى جموح لم يتوقعه في تلك اللحظة.
وحين ضفت إصبعه بشفتيها، وامتضته كأنها تتذوق ألذ نكهة مرت على حياتها، توهجت عيناه فجأة، وتحول سواد بؤبؤيه إلى هاوية قاتمة تبتلع كل تعقل.
توغل في تقرها بعينيه قبل شفتيه ينهشها بنظراته الجامعة، وكأنها فريسة مسلوبة الحيلة، فيما انفاسه تتسارع، تلتهب حادة كالجمر تحت ربح عاصفة.
اقترب أكثر حتى كاد يذيب المسافة بين وجهيهما، وهمس بصوت رجولي أجش ارتعشت له أوصالها ...
" أنت تبعثرين كل محاولاتي لأكون لطيفاً معك .... يا قطني المشاكسة "
سحب إصبعه من بين شفتيها، لكنه لم يبتعد. ظلت أصابعه الأخرى منطبقة على خدها وشفتيها، ثم انقض عليها بقبلة صاعقة.
قيلة كشفت عن بربرية عاطفته وعمق ناره المستعرة، قبلة أحرقت أطرافها وأفقدتها توازنها، حتى كانت روحها تفلت منها.
بدا كأنه يطفئ بها حريقه حريق أشعلته هي بتصرفها الطائش، لكن النار في الحقيقة ازدادت اشتغالا
كانت تلك القبلة دفقات طبول الحرب جديدة، سحراً مخيفاً يجعلها تتقدم خطوة وتتراجع أخرى تتمنى أن تذوقها مرة أخرى، وتخشى في الآن ذاته أن تهلك إن كررت.
ابتعد فجأة، تاركاً لها لحظة واحدة تلتقط فيها نفس الحياة. نظر إليها بعينين ما زالتا نشفان جوعاً، ثم حسم الأمر بنبرة عميقة...
"ليس الآن، أمامنا الليل بطوله، لن ترغبي في قضاء هذا النهار بأسره حبيسة السرير.."
حاولت أن تهدئ نبضها الذي يخفق كطبول في صدرها، وسألت بفضول مرتبك...
هذا يعني أن لديك خططاً لهذا اليوم؟
ابتسم بهدوء، ومسح على شعرها الكستنائي بحنان غير مألوف في يده القاسية، وهو يحذق في عينيها نظرة مترعة بالحب واللين...
"لا، خططي تبدأ بعد نهاية اليوم، لأول مرة أريد أن أعيش معك يوماً بلا مخططات بلا جدول
ولا التزامات، يوماً من نسجك أنت.... يوما بعفويتك، بنكهتك ببراءتك، هذا اليوم هو للك.... لونيه كيف شئت."
ارتجف قلبها كما لو تحول إلى فراشة ربيعية تتراقص بين البساتين حققت في النافذة الكبيرة المطلة على منظر طبيعي خلاب، وسألت بنبرة متلهفة...
" أين نحن الآن؟"
نهض متجها إلى حقيبته في حركة واحدة رفع ذراعه والنقط مؤخرة قميصه، فخلعه ورماه جانية.
عضلانه انقبضت وانبسطت بوضوح تحت الضوء الذي انسدل من النافذة.
أخرج قميصاً آخر بأزرار، وارتداه ببطء وهو يغلقها زرا زراً، ثم التفت إليها، قائلاً ببرود الواثق...
نحن في شمال أدرنة ... تماماً على الحدود البلغارية"
اقترب منها، وانحنى حتى صار على مقربة من وجهها، وهي لا تزال غارقة بين الوسائد في
السرير صوته انخفض إلى همس عميق...
"أنت تختارين .... أين ستكون محطتنا الموالية"
توسعت ابتسامتها حتى غمرت ملامحها، وتألقت عيناها كنجمتين يلمعان فرحاً وحماسة ...
"إذن.... سنتناول طعاماً بلغارياً على الغداء!"
تطل قرية ريزوفو على البحر الأسود، وهي موضحة بطبيعتها الخلابة مزهوة يغابتها الخضراء وسهولها المترامية.
تحتضن نهر موتلودره الفاصل بينها وبين نظيرتها على الضفة التركية "بيانديك"، التي تشهد
حركة غير اعتيادية صادرة من مزرعة على أطرافها.
يحيط بها حراس مسلحون من كل الاتجاهات، ويتوسطها بيت ذو شكل مموه وهندسة فريدة
ومتطورة، المزرعة هي من بين أملاك الزعيم التي لا حصر لها.
خرجت سيارات سوداء من تحت الأرض، كأنها سرب من النمل يخرج من جحره.
كانت تقل الزعيم وزوجته إلى الحدود مع بلغاريا.
بالنسبة للزعيم لا توجد حدود لا يمكن أن يعبرها، حتى لو كان من أجل وجبة غداء سريعة أو فنجان قهوة.
أطلت فاليريا من نافذة السيارة على النهر الحدودي، وعلى جانبيه علما البلدين يخفقان بشموخ. لوحة طبيعية بديعة غيرت الصورة النمطية في ذهنها عن الحدود المسيجة والمسورة أو حتى الملغومة.
حين وصلا نزلا من السيارة ليركيا القارب الذي سينقلهما إلى الضفة البلغارية، وقبل أن تركب اقتربت منه و همست......
"أمن الضروري أن يرافقنا هذا العدد من الحراس، حبيبي ؟ دعنا نكن ضيفين حفيقين على أهل القرية ....
رمقها بنظرة غربية لم يبد منها أنه رحب بالفكرة، فأشاح عنها، لتتشبت بذراعه وهي تفتعل نظرات "الجرو الصغير" وهو يهز ذيله.....
" أنت من أراد عيش يوم بنكهتي أنا وألواني أنا، فافعل ما طلبت"
هز رأسه بتفهم وهو يمسك بيدها ليركبا القارب...
"حسناً، لك ذلك يا قطتي المغامرة."
وأشار الخراسه بالانتظار هنا ريتما يعودان.
كانت فرحها كفرحة طفل بيوم العيد، وهي تركض بمرح في سهل ريزوفو بفستانها الطويل.
تدعو الزعيم لخلع عباءة الوقار والجدية، وتدعوه للتخلي عن بروده والانسلاخ عن الزمن للحظات.
إنها تريد يهان الذي عرفته في كوينكا، مسقط رأسه في إسبانيا.... العفوي، المرح، الإنساني إلى أبعد الحدود. وحده يمان من يمكن أن يسايرها ويلبي شغفها الطفولي.
أبطأت من خطواتها ليلتحق بها وهو يرتدي نظارات شمسية ويداه في جبيبيه، كان قليل الكلام مستمتعاً بمراقبة حركاتها المرحة وشعرها الذي يتمايل مع نسمات الهواء العليل، وأحياناً يتطاير
مع اشتداد الربح منذرا بتغير الطقس.
اعترضته لتحيط يديها حول خصره، فراحت تتفخص ملامحه الشديدة الوسامة باحثة عن عينيه المتواريتين خلف نظاراته السوداء تم ضحكت لذكرى قديمة عزت عقلها وقلبها، فقرص
خديها برفق قائلاً....
"ما الذي يضحكك ؟"
فوقفت على رؤوس أصابع قدميها للقلص المسافة بينهما، قائلة ببحة دافئة...
تذكرت أول لقاء بيننا ... هلا أزحت نظاراتك قليلاً ونظرت إلى داخل عيني كذلك اليوم؟ ربما استعيد ذلك الإحساس الذي انتابتي حيتها "
ابتسم لكلامها وفعل ما طلبت منه .....
لن تحصلي على مثل ذلك الشعور ثانية، فالموقف تغير صحيح كنا على هذا القدر من القرب جسدياً، لكن كان بيننا أميال وأسوار...
رفعت يديها لتلفهما حول رقبته تم صرحت بنبرة ساخرة...
"طبعاً، كنت مغروراً، متعالياً، فظاً غريباً ومخيفاً. "
رمقها بنظرة محذرة وهو يهز رأسه نافياً...
"ليس هذا ما قصدت قوله ...".
فقاطعته مواصلة كلامها كأنها تخاف أن يقطع سلسلة أفكارها، آخذة نفساً عميقاً ...
عدا ألك ما زلت بنفس الطباع الحادة... أنت الآن زوجي وحبيبي وكل حياتي، مررنا بمواقف كثيرة، عشت معك مشاعر قوية، عاصفة، ومتضاربة في أحيان كثيرة، لا شيء كان هادئاً في علاقتنا، كانها على صفيح ساخن طوال الوقت..... لكن ثمة شيئاً عميقاً في عينيك في اللقاء الأول هزني بشدة، واخترق أعماقي بقسوة كالسهم، ولا زال موجوداً حتى هذه اللحظة. حتى الآن. نظراتك لا زالت تخترقني بعنف لذيذ. لقد أدمنت ما تطلقه من سهام نحو قلبي ... أحب الطريقة
التي تنظر بها إلى في كل حين، ولا أريد أن تتغير أبداً"
ملامحه الهادئة لم تعكس عاصفة المشاعر التي تصاعدت داخله وهو يسمع كلماتها الأقرب للنجوى.
دنا منها وقبل شفتيها برقة نادراً ما يتحلى بها، كأنه يكافتها على تلك الترنيمات التي انسابت من شفتيها فاطربت مسامعه واسعدت فؤاده تم همس بصوت اقشعر له بدنها ...
"هل أفهم من هذا أنك أحببتني من النظرة الأولى ؟"
نظرت له بإغراء، وعضت على شفتها السفلى في حركة ذبحته رغبة ...
" إن كنت قد وقعت في حبي من النظرة الأولى، فكيف لا أقع أنا أيضاً؟"
ثم ابتعدت عنه والتفتت نحو بعض ياسمينات الشتاء التي أزهرت على جنبات الطريق الريفي التنحني وتقطف بعضا منها فسمعته يجيبها بتكبر...
"لا ... لم أقع، لأنني ببساطة لا أقع"
استدارت إليه وهي تقلب عينيها غير مصدقة لكلامه، ثم قربت زهرة الياسمين من أنفه ليشفها.
فأبدى استغرابه من رائحتها المتعدمة، فقالت بثقة عالية...
" يسمونه "ياسمين الشتاء"، ويسمونه أيضاً "الياسمين الكذاب"، لأنه يتشبه بالياسمين الحقيقي شكلاً، لكنه لا يملك عبيره الفواح"
نظرت له بمكر واستطردت...
"زهرة كاذبة، كبعض البشر"
كنم الزعيم ابتسامته، وهز رأسه متفهماً تلميحها الماكر، ليواصل طريقه نحو البلدة التي صارت أمامهما تماماً.
دخلا مطعم البلدة الذي يرتاده السياح وسكان المنطقة على حد سواء. ورغم بساطته وطابعه
التقليدي، كان يقدم أجود وأشهى الأكلات المحلية.
لم يجدا صعوبة في التعامل مع العاملين فيه، إذ يتحدثون التركية يحكم القرب من الحدود. اختارا طاولة بجانب نافذة تطل على السهل الأخضر والبحر الأسود في لوحة بديعة.
طلبا سلطة Shopska. وأكلة ورق العنب Lozovi Sarmi، وطبق Moussaka (السقعة)، وبعض المشاوي. كانت سحر جائعة بشكل غريب بسبب رائحة الطعام الطازج، خصوصاً Mesenitza الخبز البلغاري التقليدي.
كانت تأكل بلا تكلف، وتدس لقمة في فم يمان بين حين وآخر لتخرب أسلوبه الأنيق في تناول الطعام .....
"صدقني... الأكل يكون أطيب إن أكلته بيدك هذا الإتيكيت الذي تتبعه يقطع الشهية يا رجل " أبعد يمان وجهه يتأقف...
"توقفي عن هذا ... هل تزغطين البط أم ماذا؟"
الفرد ضاحكة .....
"لا أستطيع أن أتخيلك بخدود ممتلئة وكرش بارز."
هز راسه نافياً.
اطمئني، لن تريني يوماً بتلك الهيئة انتبهي فقط لنفسك حتى لا تفسدي ما هو لي "
سكتت عن الضحك فجأة، مظهرة استغرابها واحتجاجها من تملكه الفضيع ...
فأجاب بهدوء...
"نعما! ماذا تفضلت التوك؟"
كما سمعت يا قطتي، اليوم كلي واشربي كما تشائين، وافعلي ما يحلو لك، لكن عند عودتنا يجب أن تلتزمي بنظام غذائي صحي وتمارسي الرياضة، لأن جسدك ملكي بالدرجة الأولى. وأريده رشيقاً كما عهدته "
تغيرت ملامحها إلى التجهم، ليبتسم هو قائلاً...
"هيا ... لا تعتبري الأمر انتقاصاً لك أو إهانة في حقك، ما يحبه الرجل في المرأة بالدرجة الأولى هو جمالها، أنونتها رقتها .. ببساطة شكلها الخارجي، تم طريقة حديثها وسلوكها، وبعدها تأتي الأشياء الأخرى، فاتركي عنك هذه الشعارات النسوية السخيفة، الأنوثة ثمرة خلقت لتقطف وتؤكل جميلتي، لا لتذبل وتجف تحت مسمى إثبات الذات ومناطحة ما تسمونه بالذكورية المتسلطة "
ر مقته بعدم تصديق...
تتحدث وكان أكثر ما لفت انتباهك بي هو جسدي توقف عن محاولة أن تبدو أمامي عكس ما أنت عليه حقاً، لو لم أكن فتاة قوية الشخصية، ذات كبرياء شامخ، ما التفت إلي أصلا، لو لم تلمس روح التحدي والصمود والوفاء المبادئي في تصرفاتي وكلامي، لما كنا معا، هنا"
لمحت طيف ابتسامة على طرف شفتيه، وهو يتناول مشروبه ثم تحدث...
"بما أنك لا تتفكين عن مدح نفسك.. فما الداعي لأفعل أناء الغرور لا يليق بك بقدر التواضع ....
خاصة معي زوجتي العزيزة، كوني متواضعة "
رفعت حاجبيها بدهشة لترد بعزة نفس وهي ترفع نحبها أمامه.....
" ولا المراوغة تليق بك بقدر الصراحة.. خاصة معي زوجي العزيز، فكن صريحاً ولا تنسى... أنت
حتى الآن لم تصارحني بحقيقة مشاعرك تجاهي "
أشار بيده لتقترب، ثم همس لها ...
"بلى ... صارحتك بذلك حين ضاجعتك أمس "
اتسعت عيناها الخضراوان، واحمرت وجنتاها ولم تدر بماذا تجيب على صراحته الوقحة.
غیر انفلات اسمه من شفتيها باستهجان وتحذير...
"يما لان."
بينما أخرج سيجاره الفاخر وأشعله، ليفرق في صمت نام تزامناً مع بداية وصلة غنائية جميلة.
حتى الآن يجد صعوبة في الاعتراف بمشاعره لها، كأنه سيخسر كبرياءه أو يخسر ذاته. رغم أنه فعل كل شيء يدل على حبه الشديد لها، ضحى بحياته فداء لها، وغامر بإمبراطوريته الأجلها.
حتى أنه أقدم على خطوة كانت منذ زمن قريب مرفوضة رفضا كليا لديه، تلك الخطوة كانت الزواج، أن يمنحها كتبته، سمعته، وشرفه، وأن يدخلها لعالمه وعائلته، أكبر دليل على حبه لها.
فالحب كالموت لا مفر منهما. مثلما الموت هو مصير كل الجسد فالحب هو مصير كل قلب
ينبض مهما فسا وتحجر.
تذكر كلامها عن لقائهما الأول ليستعيد تلك المشاعر الباردة والقاسية والتي اعتملت في صدره حين اللقاء الأول.
من سخرية الأقدار التي تسوقه، رغم جبروته، إلى مصيره المحتوم ككل المخلوقات في هذا الوجود.
لم يتصور أن قلبه سيلقى مصيره وهو يسير محاظا بشياطينه ومحمولا بشر مطلق إلى ذلك الرجل الخمسيني الذي نصب نفسه حامل لواء العدالة وحامي الحقوق، بينما لم يراه سوى حجر عثرة في طريقه يستعد السحقه يكعب حذائه ثم إزاحة فتاته جانبا.
حتى التقاها هناك.. هشة مرتبكة كادت تقع من اصطدامها به لو لم يمسكها.
ساوره شعور العين وهو يطل على روحها المتمردة من خلال بلورات عيونها الخضراء، شعور لم
يفهم معناه حتى لقائه الثاني بها، وهي تزحف إليه لتفرس دبوسها المسموم في عروقه.
هذا كان كافيا ليدرك أن حجر العترة ذاك ترك خلفه صخرة كبيرة الطموح وصلبة الإرادة.
أخيرا، قد تشققت وانشطرت إلى تصفين لينبعث منها شعاع متوقع لجوهرة نادرة وثمينة، بات مستعدا ليهب حياته للحفاظ عليها.
فكانت مكافأته أن منحته الحياة رؤيتها في حضنه، عارية من كل ما علقت به نفسها، منسلخة عن قشرتها الصلبة، كاشفة عن أجمل وأندر ما تملك لأجله، روحها الشفافة والنقية، والتي تدعوه المعانقتها حتى الرمق الأخير، حتى نهاية الكون، حتى آخر قطرة دم في وريده.
لم ير في حياته اللعينة كلها قوة تولد من رحم الضعف. لم يعتقد أن الصلابة قد تنبثق من الرقة واللين، حتى عرفها هي هي تجسيد للشيء ونقيضه بشكل خلب ليه، وخرب عقله، وخالج جوارحه
هو الزعيم.... جحيم أعدائه وجنة أحباته. داخله أسود كالفحم، وحالك كالليل، ملك البرود قلبه أقسى من الماس، لكن بوجودها تتغير طبيعته من الصلابة إلى اللين من الظلام إلى النور من البرود إلى الدفء.
ارتفع صوت قلبه داخله كأنه أسير داخل قضبان غليظة من البرود والغطرسة يصرخ على محبوبته تسمعه وتعرف ما يعتليه...
نعم، أنا أحبك.. هذا ما تريدينه إذا ؟... فليكن.. أنا أحبك بل أعشقك حتى النخاع .. فماذا بعد؟ إلى أين يقودني حبك الذي يستخني عن ذاتي، يهدم أسواري، ويجزدني من أشواكي المدينة؟
إلى أين المال يا قطتي المتمردة؟ إلى نهايتي وجسدي الفاني في تعشي الخشبي البارد وقبري الموحش ؟ أم إلى جنوني، وعقلي المختل في مهب التيه والضياع، والفراغ المخيف ؟
أشهيد عشقك هو قدري ؟ أم مجنون ليلاك هو مصيري؟ بالنسبة لي، لا فرق بينهما مادام في سبيل عينيك، أنا فاتح ذراعي الاستقبال حكمك علي، وبكل رحابة الكون في صدري .... أليس هذا ما تسمونه الحب ؟؟؟
انصت لصوته الداخلي وهو يتأملها في صمت وسط سحابة الدخان المتبعث من سيجارة، بينما وضعت نادلة المطعم طبقين من الحلوى التقليدية البلغارية Tikvenik، وهي ترتدي لباسها التقليدي الجميل، كحال كل عمال المطعم بينهم مجموعة من نسوة المنطقة ومن يرددن أهازيج شعبية بأصواتهن العذية كحوريات الجنة...
Малка мома си са Богу моли
Дай ми, Боже, очи голубови"
Дай ми, Боже, крилца соколови
Да си форкнам отвъд бели Дунав
"(Да си найда момче според мене)
"أعطني يا الله العيون الزرقاء.
القناة الصغيرة تصلى الله :
أعطني يا إلهي أجنحة الصقر
الأطير فوق نهر الدانوب الأبيض
لأجد شايا يناسبني "
سمعها الله، فمنحها عيونا زرقاء وأجنحة الصفر، فوجدت ولذا عليها.
أما هي فقد كانت مأخوذة بتلك الألحان والحنين الصادر منها، وعينيها تغرقان رويدا رويدا في فيض الدمع تأثرا.
شعرت بيده تحضن يدها يحب، بينما الأخرى تداعب وجنتيها شعرت بالخجل وبسخافة دموعها ..
"ربما ستقول عني سخيفة تذرف دموعها على أتفه الأسباب"
قال متفهما ...
" بالعكس لا يملك كل الناس القدرة على إظهار ما بداخلهم الأمر يحتاج الشجاعة والتصالح مع الذات، وأنت شجاعة ومتصالحة مع ذاتك، فلا تخجلي من مشاعرك معي، بل أطلقي العنان لها .."
ابتسمت باستحياء لتنظر عبر النافذة إلى السماء الملبدة بالغيوم، ثم التفتت إليه ...
لنذهب قبل أن تهطل الأمطار"
خرجا من المطعم عائدين إلى ضفة النهر حيث ينتظرهما الحراس بالسيارات على الجانب الآخر،
لكن أولى قطرات المطر باغتتهما أثناء السير في الطريق الريفي.
رفعت فاليريا رأسها وذراعيها لتعانق قطرات المطر وتتشرب مسامات جلدها رائحته.
فراحت تلهو وتمرح وتغني ليزداد المطر غزارة حتى ابتلت ثيابهما، غير أنهما لم يأبها لذلك. كانت تشعر بنشوة السعادة، لا شيء يضاهي السعادة التي يمنحها القرب من الحبيب.
وكان هو سعيدا بسعادتها وأقربه منها، قد يكون كبيرا سنا ومقاما على هذه الحركات الطفولية.
لكن الفراغ الذي تركه الحرمان من الطفولة الطبيعية والجرح الغائر في عمق كيانه جعلاه يقف تحت المطر بارتياح، وخصلات شعره الداكن كالليل يتدلى من البلل على جبينه وعينيه.
بل استجاب لها حين مدت يدها لتراقصه تحت المطر، ففعل بكل حب، بل حملها من خصرها، جاعلا ساقيها المرمريتين تلتفان حول خصره، بينما يحكم تثبيت ظهرها.
تملكتها رغبة لا تحتمل في تذوق شفتيه النديتين بماء المطر، فهمس لها بلغته المبهمة كأنه سمع صوت رغبتها ...
Besame hasta que te falte el aire
con pasión, hasta que mi corazón baile
,bésame con locura, con lujuria y amor
así en mi mente no muera la ilusión
Bésame con toda la intensidad de tu alma
así por fin mi corazón hallará calma
,me muero por sentir un beso de tu boca
ese que a mi pasión siempre provoca
قبلها حتى نقد الهواء، يشغف حتى يرقص قلبها، قبلها يحنون بشهوة وبحب، قبلها بكل روحك القوية، هكذا أخيرا سيهدأ قلبي، فموت لأشعر بقبلة من فم الشخص الذي يثير شغفي دائما..
لم تفهم غير كلمة واحدة...Besame ... قبليني، وحتى بدونها كانت ستعرف ما يقوله من عينيه اللتين عكسنا رغبته المميتة بها وترجمت ما نطقت به شفناه.
ففعلت مكملة أجمل لوحة حب لعشاق في حضن المطر. تركها تخط على شفتيه تعابير العشق الأنتوي، وتعبث بهما لتبعثر كيانه وتذيب رجولته، فتسيح كقطرات المطر على جسده.
زمجر من بين أنيابه يتوعدها بالرد الحازم حالما يعودان، بينما ارتسمت ابتسامة عابثة على محياها، ليدعها تنزل على الأرض وتركض سابقة إياه باتجاه ضفة النهر.
في رفعة أخرى من هذه الأرض المعطاء، كانت إيلا تعد مائدة العشاء، بينما والدها يقرأ كتابا في صالة الجلوس.
سمعت صوت المفتاح في الباب، فتوقفت لحظة، وضعت ما في يدها، ثم خرجت من المطبخ التتطلع إلى الوافد عليهما هذا المساء.
كان من تنتظر وتنوق لرؤيته ليس هي فحسب، بل والدها أيضا انفرجت أساريرها، وصاحت بفرح...
"أبي ... أبيل قد عادا
لقد اختفى لأيام، دون أن يستطيع أحد الوصول إليه أو معرفة شيء عنه.
بدا في حالة مزرية، كأنه لم يتم ولم يستحم منذ فترة، شكره طافح، لدرجة أنه بالكاد يقف على قدميه بجسده المترنح.
جرت اليه لتسنده حتى لا يقع، بينما وقف سيمون في الممر مصدوقا وحزيلا لحالة ابنه، ذلك الشاب الذي كان مثال الاستقامة والاتزان.
رؤيته في ذلك المنظر أوجع قلبه.
كيف أهمل ابنه البكر؟ كيف بلغ به الحال هذا المبلغ دون أن يدرك ذلك؟ لماذا لم يفتح له قلبه ويبوح بألمه ؟ لماذا تحمل وحده وطأة الحب من طرف واحد؟
حاول ابيل أن يقف على قدميه دون الاستعانة بأخته، فضمهم بكلام غير مفهوم....
دعييييني... سأصعد وحدددددي.."
تقدم خطوات متذبذبة، ليحى والده تحية عسكرية، رافع يده إلى جانب رأسه بصعوبة... تحياتي، سيد سيمون."
لم ينبس ببنت شفة، وما عساه أن يقول لشخص مخمور عقله محجوب ووعيه مغيب؟ خفض راسه باسی بالغ، وعاد إلى الصالة.
تتمكه الحسرة على حال ابنه، بينما اكتفت إيلا بمراقبته بعيون دامعة حتى صعد وتوارى عنها،
وغناؤه الأقرب للجعير المزعج يملأ الطابق العلوي.
عادا أخيرا من رحلتهما القصيرة بعد مغيب الشمس.
نزلت فاليريا السيارة وهي ترتدي معطف يمان الذي أمسك يدها بهدوء، وأدخلها إلى البيت
بصمت أنقل خفقان قلبها.
صعد بها مباشرة إلى الغرفة التي بدأت فيها يومها الجميل. هناك نزع عنها معطفه ووضع هاتفه على المنضدة بعد أن أغلقه، ثم دخل بها إلى الحمام دون أن ينبس ببنت شفة.
ابتسمت في محاولة لإخفاء توترها، وهي ترى جسده على حافة حوض الاستحمام يخلع حذاءه وجواريه لم تجد ما تعبر به عن دهشتها سوى سؤال بلید...
" ماذا تفعل يا يمان؟"
لعنت نفسها على سؤالها، وماذا يفعل في نظرك أيتها البلهاء؟
"لا تقل أننا سنستحم مغا!!"
رفع رأسه إليها، مرددا بهدوء ماكر...
بلى ... وإلا ما دخلنا معا إلى الحمام"
سألها بنبرة تحذيرية"
"هل لديك مانع ؟ "
خانتها الكلمات في تلك اللحظة، فلم تعرف ما تقول. فاستأنف هو كلامه بتفهم....
"ألم تفعلي كل ما أردته هذا اليوم دون أن أعترض؟ الآن حان دوري الأفعل ما أريده دون أن
تعترضي، اتفقنا أن لك اليوم كله، وأن لي الليل بطوله، بيبي "
أنهى كلامه بابتسامة عابثة، فارتجت أطرافها من التوتر. ثم وقف ليفك أزرار قميصه، دون أن
يزيح عينيه عن ملامحها المصدومة...
"هيا.... ستمرضين أن بقيت بثيابك المبللة "
خلع قميصه المبلل، لتبرز عضلات صدره كأنه يتحت من جمرتين متقدتين.
فخفق قلبها كحمامة تضرب جناحيها في محاولة النجاة من ذلك المفترس، شعرت بالخجل فتشيح بنظرها عنه، بينما تخلص من بقية ملابسه بأريحية واقفا أمامها عاريا تماما.
أغلقت عينيها، واضعة كفي يديها عليهما في حركة لا إرادية.
فرفر بسخرية، متجها إلى مقصورة الدش ليشغل الصنبور ويعدل حرارة المياه المتدفقة بغزارة. حتى شكلت ضبابا ناعما حولهما ...
"لا يوجد ما يخجل... افتحي عينيك.
حين لم يجد منها وذا اقترب منها بخطوات واثقة، وجسده المقتول وطوله الفارع يشبه تمثالاً إغريقيا حيا...
"هيا، فاليريا... ابعدي يديك وافتحي عينيك "
نبرة صوته الجادة والأمرة لم تترك لها مجالا للمماطلة. ففعلت ما أمرها به، لتكشف عن وجنتين مشتعلتين بالخجل.
مد يده إلى وجنتيها، واضعا ضهرها في راحة يده...
"طالما أثارت حمرة وجنتيك جنوني، والآن لم أعد مضطرا لكيحة، بل سأمارسه معك كما اشتهيت يوم رأيتك أول مرة"
أنزل يديه إلى صدر فستانها، ليبدأ بفك الأزرار زرا زراء حتى سقط تحت قدميها كآخر حصونها. تنهارت كل دفاعاتها مع آخر قطعة كانت تحجب عنه أنوثتها، واستسلمت لرغبة مشتعلة بين
ساقيها، امتدت نيرانها إلى كل أطرافها.
كان قلبها يقرع كالطبول، ومفاتتها تحت أنظاره الثاقبة وفي متناول يديه المتملكتين.
شعرت لأول مرة أن جسدها له صاحب غيرها، يقف أمامها مستمتعا بكل تفصيل فيه تضاريسه المثيرة، بياضه المشع ملمسه الناعم والطري، وحرارة جلده التي تشع دافئا في رذاذ الماء.
لم تهدأ طبول قلبها إلا حين أمسكها برفق ودخل بها تحت المياه الدافئة التي غمرت جسديهما. على الأقل سيحجب بخار الحمام جسدها المرتجف عن نظراته المتقدة.
حين وقعت عيناي عليك أول مرة ... وقعت جمرة في قلبي بحمرة شفاهك، أريد أن أحترق
وأصبح رمانا بين يديك، تنذره أنفاسك اللهثة باسمي .....
هكذا همس قرب أذنها، وهو يداعب بشرتها الرقيقة، ويضرم النار بأنامله في كل ذرة يلمسها.
أخذ يدها ليضعها على صدره، ممرزا إياها على عضلاته القاسية وعلى وشمه المهيب، ليعاود
التفوه بأشياء جعلت قدميها تصيران هلاما.
قبض بيده الأخرى على رقبتها بتملك من الخلف مقربا ثغرها إليه، ليكون أول وجبة يتذوقها لسانه بشهية.
الصاعد البخار، ورائحة منتجات الاستحمام العطرية، وامتلاء نبرة صوته بالشهوة، وتناقل أنفاسه، كل هذا جعل حواسها تتخدر.
ازداد ظلام عينيه وهو ينظر إلى شفتيها المرتجفتين، ليأخذهما في قبلة قوية وخاطفة كالموت. سحب فيها أنفاسها، واسال دماء شفتيها بين أسنانه كانه يقتص من قهر الحب وإذلاله.
فانتفضت كالعصفور المبلول في حضن فولاذي لا مناص منه بعد اليوم.
قبلاته الجنونية كانت تزداد توحشا وعمقا مع مرور الثواني، رغم ذلك، أحبت ما يقترفه من انام في حق ثغرها، وأحبت لسانه العايت، وشهد ريقه المسكر شاردا بعقلها بعيدا، فكانت تنتشي برغبته الشديدة لها.
رغم صالة حجمها أمامه، كانت تشعر بعظمة أنوثتها التي أغرت رجلاً مثله، وأوقعته في حيالها. وجعلته يهذي باسمها.
ربما هو محرك اللعبة والمسيطر وهو من يمارس طقوسه عليها، لكنها تدرك أنها مصدر سعادته. ونشوته، ولا تكتملان بدونها.
مزرت يدها على عضلات بطنه القاسية متجهة بها إلى الأسفل، ليبعد يده ويتركها تقرر، إما أن تدخل عمار عالمه الخاص بقلب أنتى جريئة ولعوبة، فتكمل طريقها نحو معين اللذة، أو تبقى كما هي خجولة مترددة، فتعود أدراجها تاركة له دفة القيادة.
فاختارت بروحها المغامرة والمشاكسة أن تزحف ببعض من التردد والخوف، بأناملها الرقيقة والمبتدئة نحو رجولته المتوحشة والمتعطشة لها.
ابتلعت ريقها حين عاودت يده توجيهها، ثم تثبيتها على عضوه المنتصب بشموخ، وهو يدنو منها
في غمرة خجلها ورهبتها من حجمه وصلابته.
في عيونها حيرة وقلة حيلة، ففهم مغزاها جيدا ليهدي من اضطراب أنفاسها وخفقان قلبها...
" بعد الآن، لن تكفيني لمستك المرتجفة والمبتدئة لإخماد نيراني، صغيرتي. لذا سأحرص على أن تكوني خير تلميذة لخير معلم و اول درس لك يا قطني الشرسة، هو الا تخجلي مما تحدتك به نفسك الشهوانية وأنت معي افعلي ما تمليه عليك، واطلبي ما تتوقين إليه، أنا موجود لتلبية احتياجاتك بسعادة"
رفعت عينيها تنظر إلى تقاسيم وجهه الوسيم وعيناه تزدادان ظلمة مع كل حركة تحدثها على رجولته، لتزيد من حدة أنفاسه والتهابها...
" علمني إذن."
لتبدأ أمسيتهما ملتهبة ومتأججة، لم تنته إلا عند حدود الفجر، منطقتين ومنهكين، منهيين بعضهما تماما.
استيقظت مثقلة الجفون بعد سهرة أخرى معطرة بالقبل والتأوهات... ثلاث ليال مزت كأنها عمر جديد أهدى لها، لا تزال تتعثر بين الدهشة والنعيم.
دون قدرة على النهوض من السرير تكاد تقسم أن كل ظلع فيها قد تحطم ليلة أمس تحت ثقل جسده ووطأة جنونه، والطريقة التي يأخذها بها إلى عالمه الخاص .....
أووو تباء هي حقا لا تستطيع تحديد وصف له، إنها مزيج من الرقة والعنف، من اللذة والألم. مزيج يجعلها تختبر ألف إحساس وكأنها في قلب إعصار لتزيد كلماته الماجنة من شتاتها.
نظراته المتباهية على جسدها الذي يهتز على أوتار النشوة وعيونها الدامعة من فرط الوجد كانت تخبرها أنه سيدها ومالك عقلها، وإن شاء جعله حاضرا، وإن شاء غيبه عن الوجود بأنامله الساحرة.
لا تغيب عباراته المزلزلة لكيانها عن مسامعها ....
بعد الآن، لن تشعري بالكمال إلا معي.. وأنا بعيد عنك، سوف يتملكك شعور رهيب بالنقص. صغيرتي.. وستبكين من الفراغ بداخلك، وستتوسلين أن أملاه..."
نظرت حولها ولم تجده في الغرفة، فتحاملت على نفسها لتنهض باتجاه النافذة، بعد أن ارتدت روبا تستر به نفسها، حيث تصدر منها أصوات رجال بالخارج.
لم يكن هناك سوى حراس يراقبون المكان ببنادقهم الرشاشة يتبادلون أطراف الحديث.
ابتعدت عن النافذة لتدخل الحمام الرخامي يخطى متناقلة، وما إن فعلت حتى عضت على شفتها السفلى، وهي تستعيد صور ما حدث هنا بعد عودتهما من الرحلة قبل يومين.
ابتسمت بخجل، وشعور لذيذ ينتابها، غير أن ابتسامتها لم تطل حين تفاجأت بصوته المثير خلفها، لتشهق من حركته المباغتة وهو يحضنها من الخلف...
"هل لي أن أعرف سبب ابتسامة زوجتي العزيزة ؟"
تبا، لقد رأها تبتسم ببلاهة بسببه، وهذا سيزيد غروره أكثر لكن من يكثرت؟ هو أصلاً مغرور.
فأفزت بخجل وصوت منخفض...
"أنت"
هل يكتفي بذلك ويخرس ؟ طبعا !!
أزاح شعرها وطبع قبلة في عنقها، وهو ينظر إلى انعكاسها في المرأة المقابلة لهما، وبنبرة ماكرة وابتسامة غرور...
"أعرف... أريد التفاصيل .... ثرى أي تفصيلة جعلتك تبتسمين وتعضين شفتيك بشهوة ... هااا؟"
أمالت رأسها إلى الخلف على كتفه، كاتمة ضحكة خجولة لأن كل تفصيلة تنسيها سابقتها ...
"ساحتفظ بالجواب النفسي....
فتح حزام الروب الحريري ليقع أرضا، وعيناه تلمعان فخرا بصنيعه على جسدها المليء ببصماته الفريدة..
"كما تشائين إذا!"
كان جسدها موقع حرب ضروس بكل ما في الكلمة من معنى، فتحت فمها من الصدمة، غير مصدقة ما حصل لها اللعين لم يترك بقعة سليمة على جسدها إلا وترك عليها علامات ملكيته وانحرافه.
وقبل أن تحتج وتظهر استهجانها وغضبها، رفع جسدها المنهك ودخل بها حوض استحمام كبير كان قد حضره مسبقا، ليغمرها في مياه دافئة وزيوت مرطبة، تعلوها رغوة كثيفة من صابون
الاستحمام المعطر.
جلس خلقها، وسحبها إليه مانعا اياها من الاحتجاج......
شوووت، لا تقولي شيئا لست مقتنعة به.... أنت أيضا أحببت ما حصل بالأمس..."
ضغط بأصابعه، ممرزا اياها بين رقبتها وكتفيها صعودا وتزولا، مما جعل تشنجها يتلاشى.
ذلك بشرتها برفق كأنه يزيل آثار عدوانه عليها، أو يكافئها على أدائها الباهر والنعيم الذي جعله. بعيشه
شعرت بالاسترخاء والاستسلام لذلك الشعور الدافئ واللذيذ وسط رغوة ناعمة، فتمنت ألا ينتهي هذا إلى الأبد، لأنها تعرف جيدا أن مجينه إلى هنا كان لإراحة ذهنه، والنقاط أنفاسه. وخطف لحظات جميلة قبل بداية حرب شرسة تنتظرهما مع عدو يجسد الشر الحقيقي على هذه الأرض.
لا تدري كم من من الوقت وهي مستندة على صدره ومغمضة عينيها، قبل أن تفتحهما بعبوس حين أخبرها بضرورة العودة، وكأنه سمع ما كانت تحدت به نفسها.
فرفعت رأسها عن صدره واستدارت نحوه لتتأمل ملامحه الهادئة والمسترخية، وهو فارد ذراعيه على جانب الحوض وقابض على كأس النبيذ بإحدى يديه، معيدا رأسه للخلف.
ابتلعت غصة مؤلمة انتابتها تلك اللحظة ....
" وأنا لا أريد.... لا أريد أن أهبط من هذه الجنة... إلى أرض الشقاء.."
فتح عينيه لينظر إليها بعمق، بينما حظت أصابعه الساحرة على خذها المتورد...
الجنة في حضني، وبين أناملي وعلى شفاهي.... وأنا كلي لك.... أنا جنتك ونعيمك .... فلا تربطي نفسك بالزمان والمكان، بل اربطي نفسك بي..."
نزل بيده واضعا سبابته على صدرها أين موضع قلبها.....
ضعيني هنا واقفلي على جيدا.."
كأنه لم يدخل عنوة إلى قلبها ويجري في عروقها مجرى الدم.
اخذت نفسا عميقا، كأنها تستجمع شجاعتها للتفوه بشيء قد ينغص عليهما صفو هذه اللحظات. وكأنها ستقول كلمة حق عند سلطان جائر، فمجرد أن تقولها سيقطع رأسها على الفور.
ليا، لماذا تها به هكذا؟ هو زوجها وليس سلطانا جائزا، لكنه في الواقع أسوأ من سلطان جائر.
هل ستطلعني على الفلاشة بعد عودتنا كما اتفقنا ؟ "
بملامح مستغربة احتسى رشفة من مشروبه، ثم قال مدعيا الاستغراب... "
كما اتفقنا ! ..... متى اتفقنا ؟"
ابتعدت عنه وهي نقطب حاجبيها استياء، حتى ظهر نهديها من بين الرغوة الكثيفة .....
ظننت أننا حسمنا الموضوع ... أنا لن أتنازل عن حقي في الإطلاع على الفلاشة، لذا لا تتذاكي معي، يمان...
المحت ابتسامته الشيطانية ونظراته تلتهم تهديها بشدة كأنه يراهما لأول مرة خاصة مع رغوة الصابون حولهما، فانتبهت لذلك لتحفظ جسدها بخجل، جاعلة إياهما يتواريان عن مرمى بصره ليرفع عينيه المظلمتان إلى خاصتها، بدا لها كأنها تلقت سهماً في قلبها.
نظرته اخترقت قلبها، جاعلة إياه يخفق يعنف لسبب تجهله لا تدري هل يخفق خوفا أم حناء لكنها أدمنت هذا الخفقان حتى لو به موتها يوما ما.
ابتلعت ريقها حين اخترق صوته العميق مسامعها ....
"لماذا أخفيتهما عني ... كنت أعد علاماتي عليهما .....
ردت بهدوء مصطنع ....
" وماذا وجدت إذا ؟ "
وضع كاسه جانبا وبابتسامته المرعبة.....
"وجدت أنها لا تكفي واحتاج لوضع المزيد عليهما ....
شعرت بأنه يتجاهل مطلبها بأسلوبه المستقل لتزفر بسخط ...
"كم تجعلني أشعر بحاجة شديدة لقول هذا ....
وهي تهم بمغادرة حوض الاستحمام...
"تبا لكلا"
فجذبها نحوه مطوقا يديها خلف ظهرها. تلك الحركة السريعة جعلت مياه الحوض تضطرب كانه مشهد لهجوم تمساح ضار على غزال ساقه عطشه إلى فكي مفترس كان ينتظر بفارغ الصبر تحت المياه الهادئة، فزمجر بمتعة ...
"أوووه بيبي... صدقيني، دائما أقولها لنفسي في كل مرة أراك فيها... تبا لي .."
泰泰泰康小車車
بطلب منه جلسا أمامه، بفضول ينظران إليه بقلق.
ترى كيف سيبرر دخوله بالأمس سكرانا بعد اختفائه الثلاثة أيام؟.. أيعقل أن يسرد لهم قصة حبه الكتيبة والمملة والتي يعرفانها منذ سنوات؟
هي ليست مبرزا لفعلته تلك، لأنه ليس ضحية علاقة فاضلة أو خيانة، لم يعش هذا الحب إلا في خياله هو لم يصدر من فاليريا سلوك أو كلام يجعله يتمادى في أوهامه يوما، طالما كانت صريحة معه.
بعد لحظة صمت أثقلت على الجميع، تكلم أخيرا، ورأسه في الأرض منكسرة ...
" في الحقيقة، أنا طلبتكما لسببين، فأرجو أن تسمعاني للنهاية ... أنا أسف لما جعلتكما تعيشانه في الفترة الأخيرة .... حقا أسف..... دمرت صورة الابن المثالي ونسفت كل شيء في لحظة ضعف"
أرادت إيلا التحدث، لكنه أشار إليها بعدم مقاطعته ليواصل حديثه ...
أخطأت حين أحببت ابنة عمي ظلا متي أنني الأولى بها.... أخطأت حين تركت حبها ينمو بداخلي منذ الصغر حتى غدا وحشا إلتهم روحي وقلبي، واختزل الحياة كلها في عينيها فقط..... أخطأت في عيش دور الحبيب الذي هجرته حبيبته.... لا أحد مسؤول غيري... لكن ما شعرت به ليس من صنع يدي، ولا من اختياري، ولم أسعى إليه قط... إنه ببساطة قلبي الذي تمرد علي واختارها هي دونا عن غيرها، ليجرني وراءها كالكلب لسنوات...
ضرب يده على موضع قلبه...
هذا القلب اللعين، لو كنت أملك القدرة على ترويضه وتسييره ما تركته يعشقها... ببساطة ما حصل معي كان خارج إرادتي... هذا هو تبريري الوحيد..."
ابتلع غصة مرة في حلقه، وهو يحاول حبس دمعة يالسة بين جفنيه ليستصعب ما سيتفوه به .....
وثاني شيء هو أنني قررت الرحيل ... هذا القرار لم يكن وليد لحظة أو انفعال أو موقف ما .... كنت أفكر فيه منذ فترة، لكن قلبي لم يطاوعنى فيه ... فلم أقوى على تنفيذه، خاصة بعد عودة فاليريا وسكنها معنا، وازدياد أملي في الزواج منها ... لكنني تلقيت ضربة قاضية بزواجها المفاجئ والغريب من ذلك الرجل .."
التقاطعه إيلا بانفعال، وفي حلقها غصة مؤلمة ...
" وماذا عنا نحن.... ألم تفكر بألم الفراق الذي ستتسبب به لنا ؟!!"
قال وهو ينظر إليها بألم....
"فكرت كثيرا، إيلا... اللعنة، فكرت بكما وبوظيفتي ومستقبلي وذكرياتي هنا ... فكرت كثيرا.
فتوضلت الحقيقة واحدة، وهو أني لن استطيع نسيانها إن لم أرحل من هنا ... هذا البيت يذكرني بها.... اسطنبول تذكرني بها.... حتى من موقع عملي في أنقرة دائما أطلع للعودة إليها في أقرب. إجازة ... الحل الوحيد لأجتثها من قلبي هو قتل كل بصيص أمل في رؤيتها إلى الأبد..... سيمون بنبرة هادئة تخفي انكسارا وخيبة أمل تكلم وهو يعدل نظارته... وماذا عن عملك؟ هل ستضحي به وتبدأ من الصفر؟ كيف تلقي بنفسك إلى المجهول يا بني ؟!"
رد أبيل بثقة ....
يوجد فرع في أوروبا للشركة التي أعمل معها ... هناك منصب شاغر سأنتقل الأشغله.... هر سیمون رأسه بتفهم، وبنبرة حزينة قال...
"يبدو أنك حسمت قرارك وانت هنا لتبلغنا به، ولا أهمية لرأينا...".
أخذ نفسا عميقا واستطرد قائلا...
"لم أعترض على قرار أخذته في حياتك كلها ... في دراستك وعملك... كنت دائما داعما لك، حتى لو أخطأت، كنت تتعلم من أخطائك وتقف على قدميك من جديد أكثر عزما وطموخا.... ولن اعترض على قرارك هذا ... لكنني لن أدعمك فيه، يا بني ... اذهب إن شئت... لن أمنعك.... لكن تذكر أن وصولك لمثل هذا القرار المصيري، الذي سيؤثر على حياتك وحياة من حولك، يعني أن حساباتك كلها خطأ في خطأ... وعليك إعادة النظر في توابتك في الحياة ومراجعة نفسك.... لن اسمى ما ستقدم عليه ضعفا أو حبنا أو حماقة .... ستجد له اسما مناسبا حين تدرك فداحة قرارك هذا ... وكل ما أرجوه هو ألا يكون الأوان قد فات على التراجع وتدارك الأمر.....
أنهى كلامه، ثم قام عن مقعده مغادرا، بينما اكتفت إيلا بسؤال واحد وهي تذرف الدموع .....
" إلى أي بلد سترحل ... "
اصطف الحرس والخدم عند البوابة الرئيسية للقصر الاستقبال الزعيم وعروسه، كأنه أحد مراسم
الاستقبال الرسمية التي تشاهدها على التلفاز.
كان الأمر حماسيا للغاية، لكنه ترك تساؤلا في نفسها ترى لأي درجة ستتخلى عن عفويتها وبساطتها .... كم هو مرهق لقب السيدة أوزيتش !؟"
نزلت من السيارة بعد أن فتحوا لها بابها، لتلتفت إلى يمان الذي ظل داخل السيارة ....
" ألن تنزل معي ؟"
رد ببروده المعتاد دون أن يلتفت إليها بينما بصره مركز على الأوراق بين يديه .....
الذي بعض الأعمال على القيام بها... أراك مساة .."
ثم أشار إلى السائق بالانطلاق لتتراجع مفسحة المجال للحارس لغلق الباب دون أي كلمة.
هكذا عاد ليروده من جديد، عاد الزعيم المتغطرس...
زفرت نفسا كان يضيق على صدرها، يتأقف وبسخرية لاذعة تمتمت.....
"أراك مساء أيها الزعيم المبجل ......
توجهت للداخل لتجد انستازيا باستقبالها مع رستم فقط.
تعانقتا يحب، كأنهما لم تريا بعضهما منذ سنتين وليس يومين...
"ابنتي الجميلة، أهلا بعودتك !"
و با در رستم بعبارات الترحيب هو الآخر، لتشكرهما فاليريا بلطف بالغ، ثم توجهنا إلى إحدى
صالات الجلوس.
بحثت بعينيها عن بقية العائلة لتسأل انستازيا...
" أين بقية العائلة ؟... لا أرى أحدا هنا.."
فأخبرتها بابتسامة هادئة....
ضيا في الجامعة، والبقية توجهوا منذ الصباح الباكر لمقر الشركة يطلب من يمان، منار قالت إن لديهم اجتماعا طارئا."
رفعت فاليريا حاجبيها بسخرية مريرة....
تقصدين بأمر منه ؟ لأنني سمعته يلقى أوامره الأونور ولوكاس عبر الهاتف، ولم أظن أن هذا الأمر سيشمل الجميع ...
ابتسمت في وجه أنستازيا مستطردة....
"إذن، ستمضي الكنة والحماة اليوم لوحدهما .. هذا سيكون جميلا للغاية ..".
ضحكت انستازيا بعفوية لتصحح...
بل الابنة وأمها ستقضيان وقتا ممتعا... كان سيكون أكثر امتاعا لو سمح لنا بقضائه خارجا، لكن مع الأسف أصبح القصر كنكنة عسكرية، الدخول والخروج منه بتصريح .."
خفت بريق عينيها فجأة حين تذكرت موضوع الفلاشة، فبدات تتلاشى ابتسامتها ...
"أنا أسفة حقا... لأنني وضعتكم في هذا الموقف.."
اقتربت منها لتربت على ضهرها ...
"لم أقل ذلك لأزعجك، صغيرتي.... وإنما على سبيل الدعاية ... أنت لست مذابة في شيء، هذا مقدر لك ولنا ... ولا تعرف ما تخبنه الأيام لنا من مفاجآت سارة .... تفائلي وثقي بأن يمان سينهي هذا الوضع بأحسن طريقة....
تفحصتها لتستطرد مغيرة الموضوع ...
"هيا، أخبرني أين اختفيتما ... منذ ليلة الزفاف ونحن لا ندري عنكما شيئا؟"
عادت البسمة المحياها لا إراديا، ولمعت عيناها من جديد لكن نبرتها كانت مليئة بالحسرة....
"لقد كنا في الجنة ....!! في مكان لا وجود فيه لمشاعر سلبية ولا لأفكار مرهقة .... مكان كنت فيه على سجيني استهلكت فيه كل جميل إلى الرمق الأخير، مع قطعة منك أنت... مع يمان الطفل الذي كان يلعب في الحديقة الخلفية لبيتك .... كم تمنيت ألا تنتهي تلك اللحظات.."
الترد انستازيا مشجعة...
" منذ أن رأيتك أول مرة على شرفة جناحه عرفت أنك المرأة المناسبة له.... المرأة التي تستطيع تحمل شوك الجوري لأجل عطره.... أنت قوية عكس ما تبدين عليه .... شجاعة ومضحية .... وتحملين قلبا كبيرا وعميقا كالمحيط ليحتويه بكل قسوته وبروده.... أنا أكيدة أن يمان ستعود إليه إنسانيته على يدك..."
هيا، اذهبي وارتاحي في جناحك قبل موعد العشاء... لقد أرسلت في طلب إيلا، وستكون هنا في غضون ساعة .... أعرف أن لديكما حديث بنات مطول عن الزفاف..."
شعرت فاليريا بالامتنان لوجود أنسانة متفهمة وحنونة مثلها بحياتها....
"أشكر الله على وجودك في حياتي.... أمي .."
التضع رأسها على صدرها كأنها ابنتها الحقيقية، فسمعت تيرتها الحنونة لتمسح عن قلبها الحزن والقلق...
" وأنا كذلك يا ابنتي .."
وبشكل مفاجئ غيرت نبرتها كأنها تذكرت شيئا مهما...
"آه ... ومارسيلا متشوقة أكثر منكما للترثرة وإعطاء تقارير مفصلة عن الزفاف... وأيضا عن تحضيراتها لحفل الخطوبة ......
استطردت يتأقف...
" الفتاة جنت حرفيا من شدة الحماس .... ولم أعد أتحكم بها ... لقد خرجت عن سيطرتي. فأعيناني عليها أكن لكما من الشاكرين ...".
فضحكت فاليريا بصوت عالي ... ضحكة من زمن طويل على أن تصدح بها جدران هذا القصر....
صعدت فاليريا إلى جناح الزعيم، الذي صار جناحها الآن.
لقد قام بتغييرات على الجناح ألوان الجدران الأفرشة، والديكورات... كل شيء تقريبا تغير، عدا موقع البانو أمام الشرفة الرئيسية، ما زال في مكانه، والبار الخاص به لم يتغير شكله أبدا.
هذا أوحى لها بأنه ترك ما يتعلق به كما هو، فتساءلت عن سبب تكتمه عن هذه التغييرات العادية، حسب ما وصلها من كلام، فالجناح طوال الأسبوع الماضي لم يهدأ من حركة العمال.
التفتت حولها، فأثار باب مميز الشكل في الطرف الآخر من صالة الجناح انتباهها.
تقدمت بفضول مميت نحوه لتفتحه، وتدخل بخطوات حذرة فاتسعت حدقاتها من الصدمة.
الباب فتح على عالمها الخاص حرفيا، على حياتها السابقة، على ذكرياتها الماضية... طفولتها ومراهقتها، ايام دراستها.... كتب والدها ومجلداته، صورها وشواهده الدراسية، وكل ما يتعلق
بدراستها للحقوق مرصوص بعناية على الرفوف في قسم منه.
وبالقسم الآخر، يوجد مشغلها الذي طالما كان ملاذها في الماضي، لقد كان صورة مطابقة المشغلها القديم، الذي حرب تماما، به بعض الأدوات التي كانت تستعملها وبعض المنحوتات التي ظلت سليمة.
وعلى الجدار صور لكل المنحوتات التي كانت تحملها على حسابها في الانستغرام، معلقة
بالتتابع، وعلى كل لوحة تاريخها واسمها الذي أطلقته عليها، آخرها كانت منحوتة مكتوب تحتها ..
"الرجل الصبار... زوجك الحالي" بخط يداه هو.
وضعت يدها على فمها، لا تدري هل تضحك من دعايته الفريدة أم تبكي لإلتفاتته المميزة....
اختلطت عليها المشاعر لدرجة أن من يراها في تلك اللحظة سيظن أنها جنت على شفتيها ضحكة، وفي عينيها دمعة.
كل وسائل الراحة والرفاهية متاحة لتستأنف دراستها وتمارس هوايتها المفضلة.... أحضر كل ما يخصها من بيتها حتى تستأنس به وتشعر بدفء المكان.
مسحت دموع الفرحة، وأخذت الهاتف لتتصل به، وهي تتمنى ألا يتجاهل اتصالها بسبب ضغط العمل.
رن الهاتف للحظات، حتى بدأ اليأس من سماع صوته يتسلل إلى قلبها ... وفجأة، سمعت صوته الرجولي أخيرا.....
دعيني أخفن سبب الاتصال... أعجبتك الغرفة الجديدة وتريدين شكري عليها ....
جاءه صوتها ملينا بالسعادة .....
"كلمة "أعجبتني" لن تكفي لأصف إحساسي .... كما لن تكفيك كلمة شكرا."
ابتسم وهو ينظر عبر زجاج الواجهة المطلة على المدينة من علو شاهق...
" وما حل هذه المعضلة الخطيرة برأيك، سيدة أوزيتش ... علما بأنني لن أرضى بكلمة شكراً ...".
سكنت قليلاً، ثم ابتسمت بخجل...
"لا تتأخر في العودة مساء.... مكافأتك بانتظارك .... أحبك"
أنهى مكالمته لتنطفى ابتسامته ثم يأخذ نفسا عميقا مستعيدا ملامحه الصارمة ثم استدار عائدا إلى منتصف القاعة، حيث طاولة اجتماعات مستديرة جلس حولها إخوته، عمه، لوكاس، واونور.
كانوا يتناقشون حول آخر المستجدات بقلق بالغ، وملامحهم تنذر بمصيبة وشيكة.
جلس بهدوء، ممرزا بصره بين الأوراق الموضوعة أمامه، والصور الكارثية لحرائق مهولة نشبت في مخازنه.
تكلم أراس وهو يهز رأسه بعصبية موجها كلامه للزعيم....
تخيل لو لم أغير مكان السلاح في مخزتين... لكانت خسائرنا تعد بالمليارات... هذا فقط مجرد بداية .... والقادم سيكون كارثيا إن لم تحل هذه المشكلة في أقرب وقت. أيها الزعيم"
أضاف يلتشن بقلق ....
" حتى الآن لم يستهدفوا أحدا من العائلة بسبب المهلة التي بيننا وبينهم.... ماذا ستفعل بعد انقضائها؟ نحن بحاجة لمعرفة الخطوة الموالية... يجب أن تكون على علم بكل قرار تتخذه بشأن الفلاشة ... لأننا في قارب واحد... إن استهدفوا واحدا منا، ستغرق جميعًا لا محالة."
رفع الزعيم عينيه عن الأوراق نحو مدار...
لما أنت صامتة منار ؟... اسمعيني صوتك أنت أيضا.... أن تفتحوا أفواهكم بخسارة وتملوا علي ما يجب أن أفعله دون أن أفرغ سلاحي في جماجمكم، هو فرصة نادرة لا تحصل إلا نادرا"
عدات نظاراتها وشبكت يديها من التوتر، لكنها سرعان ما استجمعت شجاعتها...
هذه الحرب لم تستين شركاتنا وصفقاتنا وعلاقاتنا العامة ... لقد بدأ بعض المساهمين في سحب تفتهم .... لا أدري من أين جاءوا بهذه الجرأة، لكنهم سوف يشجعون غيرهم على ذلك، خصوصا ان تعقدت الأمور أكثر.... ما أنا واثقة منه أن هذا سينتهي أن أنت قررت تسليم الفلاشة ببساطة ... إنها معادلة سهلة إن لم تدخل فيها العواطف.... وأنت خير من يعمل بدون عواطف أبها الزعيم "
أعاد ضهره إلى الخلف ببرود.....
حضري لي قائمة بالأوغاد الذين انسحبول"
فجأة من هاتف الشركة ليجيب أونور، وسرعان ما تغيرت ملامحه، وازداد توترا وانفعالا..
"وافيني بكل التفاصيل، واتصلي بممثلينا القانونيين في كل من قبرص وباليرمو.... يجب أن تصل السفينتان في موعدهما المحدد"
أغلق الخط قائلاً وهو يفرك جبينه...
"لقد حجزت سفينتان مهمتان.... واحدة في ميناء قبرص بحجة عدم استيفاء عقودها الشروط اتفاقية التبادل الدولي، والسفينة الأخرى ب باليرمو بسبب بلاغ كيدي بوجود مواد محظورة وخطيرة داخل السفينة ... هذا سيؤخر السفينتين عن موعد التسليم ستة أشهر على الأقل يسبب
الإجراءات القانونية .... حينها سنتعرض لخسائر مالية كبيرة نحن في غنى عنها"
أراس كاد ينتف شعر رأسه من هذه الأخبار الكارثية، وكلما التفت إلى الزعيم، كان يصعق من
بروده حرفيا حتى نفذ صبره، وصاح بهستيريا.....
"برودك هذا سيسبب لي جلطة قلبية.... وكأن الأمر لا يتعلق بأمبراطورية الى أوزيتش التي بدأت في الانهيار!"
ضغط الزعيم على زر فوق الطاولة ليدخل القاعة حارس عملاق البنية، وفي يديه صندوق فارغ.
رفع الزعيم هاتفه الجميع مشيرا إليه بلهجة أمرة...
"ضعوا هذا في الصندوق الذي مع الحارس... سوف الستلمونه عند الخروج من هنا."
ففعلوا أثناء مرور الحارس عليهم، وهم يتبادلون نظرات الحيرة والترقب.
ثم خرج، مغلقا الباب خلفه، ليقوم الزعيم من مقعده، وهو لا يزال محافظا على هدوئه، واضعا
بديه في جيبه، يتحرك حول الطاولة المستديرة بخطوات ثقيلة.
حتى وصل إلى لوكاس، فضرب على كتفه عدة ضربات اذنا له بالكلام...
...Lucas... déjame escuchar tu hermosa voz"
لوكاس اسمعني صوتك الجميل !!"
تتحتج لوكاس راذا بسخريته المعتادة...
"Con mucho gusto".
.... "بكل سرور"
لیکمل موجها كلامه للبقية ...
حسنا يا سادة، مخاوفكم وتحذيراتكم مبررة وفي محلها صراحة لم يكن لها داع في الأصل..... لأن من يدير هذه الإمبراطورية لسنوات بقبضة من حديد... عينه لا تنام وعقله لا يتوقف عن العمل كالساعة ... قبل أن يدخل في حرب مع أولئك الأوغاد وضع بعين الاعتبار كل شيء..... المخازن التي احترقت لم تحتوي إلا على 10% من السلاح... الموضوع في الواجهة، والباقي عبارة عن صناديق من رقائق الخشب محشوة بمواد متفجرة لإيهامهم بانفجار ذخيرة السلاح
اخذ نفسا يجول بيصره في وملامحهم المندهشة ثم استطرد باستمتاع .....
"أما عن السفينتين، صحيح أنهما محتجزتان، لكن شحنتهما تعبران الآن البحر بسلام في طريقهما إلينا... وسيتم تسليمهما في الأجل المحدد، جواسيسنا في إدارة الموانئ التي تتوقف بها سفننا قد أخبرونا بقرار الحجز قبل الخروج من ميناء جزيرة بالما... فاستطعنا تفريغ
السفينتين من حمولتهما وإعادة شحنها يسفن أخرى قبل الانطلاق. بالنسبة لأبناء العاهرات الذين السحبوا سيندمون على هذا القرار الغبي، حين يضطرون لدفع
ثمن الـ 10% من السلاح الذي فجر بالمخازن، مقابل أن تعفو عنهم."
أصيب الجميع بالدهشة لبعض اراس على سيجارته وزفر دخانها بحدة...
عليك اللعنة يا ابن الإسبانية .... كيف تركت أعصابنا تحترق طوال هذه المدة بينما هذا السعدان لديه علم بكل شيء !"
انحنى الزعيم على الطاولة متكنا بيديه...
"لأنني أردت إحاطة الموضوع بأقصى قدر من السرية ... لا أثق في هواتفكم، ولا في حراسيكم ولا موظفيكم، حتى اللواتي تضاجعونهم.... الأكاديمية وضعت لكل واحد منكم ذيلاً بعد عليكم أنفاسكم، وكان لا بد من استثنائكم في البداية."
التقت إلى لوكاس بمكر...
"أنتم لا تقلون أهمية عن الآخرين... أردت فقط أن تبدوا ردود فعل حقيقية تجاه الضربات.... هذا كل شيء."
أعقب ينتشن بقلق...
لكن الضربات لن تتوقف عند هذا الحد... ولا يمكنك إهدار الوقت والمال في تفاديها كل مرة ..... لا يجب ترك أعمالنا تحت رحمة الأكاديمية للأبد"
مز الزعيم رأسه متفهما ...
"أمهلوني بعض الوقت، وسأجد حلاً نهائيا ... إلى ذلك الحين، تصرفوا بشكل طبيعي، ولا تغيروا هواتفكم، حتى يظنوا أنهم يفلحون في الضغط علينا... ولا تأمنوا الأحد"
انتهى الاجتماع، وخرج الجميع.
وأولهم أراس فلحقته منار في الردهة، مقربة رأسها منه....
"ماذا يوجد داخل الفلاشة؟ لماذا هي سرية وخطيرة؟ ولماذا يتمسك بها مادمت ستسبب لنا
المشاكل ؟"
رد آراس وهما يتسلمان هاتفيهما من الحارس...
" الوحيد الذي يعرف الإجابة هو الزعيم، وليس أنا يا عزيزتي "
استدار مغادرا فأمسكت بذراعه باصرار...
" فاليريا لها علاقة بالموضوع ؟"
ظل صامنا حتى الحث عليه ...
"أرجوك... من الضروري أن تجيبني.... يمان أخي أيضا، وأريد مصلحته"
تنهد أراس بتعب وأوماً برأسه إيجابا، فابتسمت منار له بامتنان، لكنه رفع اصبعه محذرا...
ابق بعيدة عن هذا الموضوع .... تعرفين كيف هو الزعيم.... سينسي أنك أخته، وسترين منه ما لن يعجبك "
اعتذرت إيلا عن الحضور الأسباب لم تقتنع بها فاليريا، لكنها لم تضغط، وفضلت قضاء قسم من اليوم في جناحها المميز بين ذكرياتها وأحلام طفولتها ومتعلقات والدها.
لم تشعر بمرور الوقت حتى نزلت المجالسة مارسيلا و انستازيا قبل موعد العشاء.
تبادلت معهن أطراف الحديث، وانضم اليهن ضيا بعد يوم جامعي حافل، يتذمر كعادته من
الحراسة المشددة والحصار المفروض على تحركاته.
جالستهم جسدا بلا وعي، وكأن روحها في مكان آخر.... حتى وصل كل من أراس ولوكاس، تم دخل يلتشن برفقة من ظل قلبها وعقلها معه، فهرولت نحوه بخطوات أخف من الريش، لترتمي في حضنه، تمسك برقبته كأنها الحياة نفسها.
همست قرب أذنه....
"اشتقت لك حبيبي.."
احتضنها بكل الحب والاشتياق، أمام من كانوا معه في الشركة طوال اليوم، وترك الجميع في حيرة من أمرهم .....
كيف تغيرت ملامحه ؟ كيف لمعت عيناه لرؤيتها ؟ تلك المشاعر المستترة، الغامضة، العميقة كالمحيط، لم تكشف إلا لها.
منار التي كانت تراقب الوضع عند المدخل كانت ترى في صحوة الحب هذه نهاية الجميع، دمار كل شيء، فناء إسم أوزيتش.
قد لا تحيط بالأكاديمية علما ولم تشهد على ماضي يمان.. لكن الكلام الذي دار في الفترة الأخيرة حولها أثار الرعب في نفسها، ليس لأنها كيان الشر الأعظم على هذه الأرض، ولكن لأن من يقف في مواجهتها هو الزعيم...
الرجل الذي لا يخشى الموت والآن أصبح لديه شيء يناضل لأجله ويقاوم، المرأة التي يحب.
اللعنة ... سوف يؤخد آل أوزيتش كلهم بذنب هذا الحب...
تقدمت نحوهما، كاتمة ما في قلبها، وراسمه ابتسامة صفراء على وجهها...
"أخشى أنه عليك الاعتياد على غياب يمان طوال اليوم، وربما لن تريه لأيام أو أسابيع فهو كثير العمل والسفر.. عزيزتي فاليريا"
أنهت كلامها لتفتح ذراعيها وتسلم عليها وترحب بعودتها من الرحلة ...
فيا دلتها فاليريا عناقا مقتضيا وشعور بعدم الارتياح انتابها من نبرة كلامها، لكنها ردت بابتسامة وائقة ...
" إن لم أنجح في تغيير أولوياته، سأضطر للتعود طبعا"
اشاحت عنها بلطف منهية الحوار المقتضب بينهما، أمام تجاهل الزعيم الذي تأى بنفسه عن تراشق النواعم ذاك ساحيا فاليريا من خصرها، ليتوجه الجميع نحو مائدة العشاء الفخمة التي
أقيمت على شرف الزعيم وزوجته...
بعد العشاء، ترك الزعيم الجلسة العائلية عندما جاء رستم وهمس له بشيء ما، فشعرت سحر
بالقلق، خاصة وأن ملامح الجميع تغيرت بعد ترك الزعيم للمكان.
حتى لو صمتوا، أعينهم تنطق بأشياء. نظراتهم تتهمها وتلومها بشدة.
لم تتحمل البقاء وتلقي تلك الكمية من الطاقة السلبية، فقامت مستأذنة واتجهت إلى جناحها عبر ردهة في آخرها مصعد يؤدي إليه.
هناك سمعت نداء أحدهم يستوقفها لتلتفت إذ بها منار.
غمغمت بضيق خفي...
"أوووه ليس الآن.. هذا آخر ما أرغب به... الحديث مع منار التي لم تتوقف عن شرري طوال
العشاء"
ابتسمت ببرود ترد بعدم رغبة ...
نعم منار، هل من خدمة ؟"
استشعرت منار الجفاء من تبرة فاليريا، لكنها لم تعر ذلك اهتماما، فالأولوية بالنسبة لها هو قول ما يزعجها في وجهها ...
"لن أخذ من وقتك كثيراً."
هزت فاليريا رأسها متفهمة، فاستطردت منار وهي تتأبط ذراعها وتمشي بها في الممر مبتعدتين عن المصعد....
فاليريا، أعرف جيدا مدى اهميتك بالنسبة لأخي... ونحن بدون استثناء جد سعداء لأجلكما.... وارجوا ألا تعتبري كلامي الذي سأقوله هجوما موجها ضدك"
توقفت فاليريا تنظر إليها باستغراب قائلة ...
"إذن، تلك النظرات التي كنت ترمقينني بها على العشاء، لم تكن من نسج خيالي أو سوء فهم... ليس أنت فقط بل الجميع تقريباً.. ماذا بالكم ؟"
أخذت مدار نفسا عميقا ثم قالت...
"لقد تعرضنا في الأيام الأخيرة لمشاكل في العمل.. لا، بل كوارث لو تعرض لها غيرنا لذمر تماماً ... من المؤكد أنك تعلمين سبب وجود حراسة مشددة حول القصر وعلى أفراد العائلة... لا أحد يخطو خطوة واحدة بدون حراسة أمنية. كل هذا بسبب الفلاشة، فاليريا"
سكنت قليلاً بينما تناظرها فاليريا بذهول، لتستطرد بعد تردد...
" بالأخرى بسببك... لأن الفلاشة تخصك أو تخص والدك.. لولا وجودك في حياتنا ما عشنا ما نعيشه اليوم.. قد يكون كلامي قاسيا لكنني إنسانة عاقلة وعملية، لا اربط الأشياء ببعضها.. ولا ابكي على ما فات.. أنت زوجة الزعيم الذي يملك رقابنا بين يديه.. هذه حقيقة لا مفر منها .. وقد وقع المشكل.. لكن بيدك الحل فاليريا .. ان..."
قاطعتها فاليريا باستياء غير مصدقة لما تسمعه ...
"ماذا؟.. هل أطلب الطلاق حتى ترضي يا مدار"
رفعت مدار حاجيبها وهي تهز رأسها بالنقي....
" قطعا لا... ليس هذا ما قصدته.. أريدك ببساطة، أن تقنعي يمان بتسليم الفلاشة للأكاديمية قبل أن يفوت الأوان... هل يرضيك أن يضع زوجك حياته على المحك.. أن يضحي بكل ما وصلنا إليه و حققناه.. المعلومات الموجودة بالفلاشة تخصهم ولا تخصك او تخص والدك، وفي حالة خروج فحواها للعلن سوف بهدمون السماء على رؤوسنا .. سوف يمسحون إسم اوزيتش من الوجود... ان كنت تحبينه فاقنعيه بتسليمها وكفى ...
لم تجد ما ترد به على كلام منار رغم أن لسانها مشحون بعبارات رفض وشجب، ساخطة، كارهة لهذا الموقف.
وفي نفس الوقت هي محقة، ما ذنبها أو ذنب اليقية في موضوع لا يخص غيرها هي.
ضاعت في خضم أفكارها حتى سمعتها من جديد...
"فاليريا، القرار بيدك أنت حرة فيما ستفعلين.. لكن حبي لعائلتي حكم على وضعك في صورة ما يحدث"
انهت كلامها وغادرت تاركة فاليريا تضيع فى هياغب الحيرة والخوف...
جاءها ما كانت منه تحيد ولا مهرب منه الآن عليها المواجهة.
الفلاشة من حقها وليست من حق الأكاديمية ولا من حق يمان، هي الوحيدة التي يجب أن تقرر مصيرها، لأنها تركة والدها القاضي دافيت ما تشافارياني
