رواية ارض الدوم الفصل العشرون 20 بقلم رحمة نبيل


 رواية ارض الدوم الفصل العشرون 

 [ هي حلمي ] 

«ولتغنموا في العشرِ كلَّ فضيلةٍ
 واستبشروا بثوابها استبشارا»


كانت جملة نطق بها بعد تفكير دام ثواني، ما الذي يبتغيه الجميع في النهاية ؟!

أوليس الأرض ومن بها ؟! 

جده يريد أن يدفن في مدافن عائلته ويستعيد منزله وأرضه التي تحيط به، والورثة يريدون بيعها لأجل الأموال وحقهم ؟؟ وشعب الدوم يبتغيها لأنها وطنهم ؟؟

وهو لم يكن يبتغي منها سوى تحقيق أمنية جده، والآن بحسبه بسيط يمكنه أن يمنح جده حقه بالقرية ويحقق أمنيته ويقدر باقي الأرض ويمنح أموالها من أمواله الخاصة للورثة، ويمنح الأرض لهم ويحصل في المقابل على حياته التي يحتفظون بها أسفل سقفهم .

لكن السؤال هو هل سيقبل الباقيين بيع الأرض أم يتمسكون بها ؟!

كانت لحظة تهور ما ابتغى منها سوى وصالها، وكاد يتراجع، لكنه لم يفعل، بل تمسك بكلمته وترك أمر الجميع وسيمنحهم أكثر مما يريدون من أمواله التي كسبها خلال عشر سنوات .

ورغم أنه كان يرفضها لأنها تذكره بعذابه، إلا أنها في النهاية كانت حقًا اكتسبه بتنفيذ عدالة مستترة للبعض .

رفع عيونه صوب رايانا وللحظة استوعب حقيقة مرعبة، مرعبة وتخيفه أكثر من أي شيء مر به في هذه الحياة .

هو في هذه اللحظة كان على استعداد لتخطي كافة الحدود التي وضعها لنفسه، لأجل رايانا، كان مستعدًا ليضحي بكل ما جمعه في حياته لأجلها، وهذا جعله يبعد عيونه بسرعة ولا تفسير منطقي لما يحدث سوى أنه ربما ...ربما ....

أُصيب بسحر قوي .

_ والله ايه ؟!

استفاق من أفكاره على صوت عز الدين الذي تحدث بنبرة ساخرة وهو يبتسم له بسمة متسعة يقترب منه مستهزءًا:

_ الأرض ؟! ارض ايه يا خويا دي ؟! يعني يوم ما تفكر تقدم ليها حاجة تقدم ليها حاجة لا تملكها ؟؟ مين قالك إن الأرض دي بتاعتك عشان تهديها لست الحسن والجمال ؟!

ومسلم فقط كان ينظر له بملامح وجه جامدة دون أي ردة فعل تذكر منه، قبل أن يتجاهله ويمنح كامل انتباهه لمعتز مبتسمًا بهدوء :

_ قولت ايه ؟؟ زواجي من رايانا قصاد الأرض واسحب كل اللي معايا وهوقف أي حاجة بعملها عشان ارجع الأرض.

_ وأنت مفكر هتشتري بنت اخويا بأرض مش ملكك أساسا ؟؟

_ ومين قالك إني هسمحلك تعاملها أنها سلعة وتسمي اللي بعمله شرا ليها ؟! اسمها بشتري ودها، بقدم ليها كل اللي تستحقه عشان تقبل بيا، مهرها، سميها زي ما تسميها، لكن إياك تسميها اشتريها .

كانت رايانا تستمتع وتراقب ما يحدث بعدم فهم وما تسمعه في هذه اللحظة كان أكبر بكثير مما تخيلت أن يحدث يوما، هي لن تكذب وتقول أنها في أشد أحلامها لم تحلم بهذا، بل فعلت، هي لم تكن تمتلك سوى الحلم، لكن أن يتحقق الحلم ومعه هو، كان صدمة أكبر من أي شيء تمر به بحياتها .

سقطت دموعها لا تدرك سعادة بما يحدث، أم كرهًا لعائلتها التي تعاملها كما تُعامل السلع، أم قهرًا من حياتها التي تقف في طريق أي فرحة تطرق بابها .

فجأة سقطت دمعة منها حينما استدار لها مسلم ونظر لها نظرة لم تكن تدرك أكانت غاضبة أم حانية، لكنه فقط ابتسم بسمة صغيرة وهو يبعد عيونه عنها بهدوء ومن ثم نظر لعمها يتحدث بهدوء شديد .

_ الأرض مهر لرايانا و...

_ أنت بتقدم شيء متملكوش ليها ؟! موضوع مضحك والله. 

ابتسم مسلم بسمة جانبية من كلماته وقد نال ما أراد:

_ يبقى خلينا زي ما احنا مهر رايانا هيتقدم ليها بالشكل اللي هي تطلبه، والأرض برضو هاخدها، وحابب اشوف مين هيمنعني ارميكم برا ارض جدي .

ختم حديثه ثم تجاهلهم ينظر للبارو بجدية :

_ أنا جيت لغاية بيتك وطلبت أيد بنتك بما يرضي الله وكلامي معاك باعتبارك والدها فقول اللي تحبه ونتكلم زي البشر عادي وانا جاهز لأي حاجة تطلبها .

_ واحنا بقى مش جاهزين، ورايانا مش هتتجوزك ولا تتجوز غيرك، ويلا بقى من غير مطرود .

كانت كلمات عز الدين، ومجددًا تجاهله مسلم وكأنه هواء، وكأنه لا شيء حوله، فقط يمنح كافة انتباهه لمعتز وعزيز الذي كان ينظر له نظرات غير مفهومة .

نظرات جعلته مسلم يمنحه كافة الاهتمام وهو يتحرك صوبه بلهفة :

_ بارو أنا...

لكن معتز وضع يده أمام مسلم يمنعه التقدم من شقيقه ببسمة واسعة سمجة :

_ شرطي قولته ليك، مفيش بنت بتتجوز من برة القبيلة إلا لو اللي عايزاها قدم ليها حاجة أبناء القبيلة ميقدروش يقدموها ليها، الأرض والفلوس دي حاجات عادية أي حد يقدر يقدمها وعشان كده نورتنا .

نظر مسلم ليده ثواني وهو يحاول أن يهدأ كي لا يضرب الرجل أمام الجميع، هو لم يعتد يومًا أن يضرب رجل بعمر والده، لكن هذا الرجل يصيبه بالجنون هو وولده .

شعر معتز بنظرات مسلم التي بدأت تحتد لذا تراجع في حدته وهو يردد ببساطة :

_ عامة رايانا اساسا مش هتتجوز و....

_ وأنت مين عشان تقرر بقى ؟؟ 

كانت كلمات قاطعت حديثه، ولم تكن صادرة من مسلم أو أحد الرجال، بل من صوت قوي من الأعلى ولم يكن الصوت سوى لرايانا التي شعرت فجأة أن حياتها أصبحت لعبة يرميها كل منهم للآخر، يتحكمون في حياتها وكأنها لا شيء ..

تحركت صوب الدرج بنظرات مشتعلة وهي ترمي خجلها وجبنها جانبًا، تقف أعلى الدرج تتحدث ببسمة غريبة بدت مرعبة للحظة وقد شعر عمها أن جني تلبسها :

_ أنت مين اساسا عشان تقول هتجوز ولا لا ؟؟ مين عينك ولي أمري وابويا لسه عايش ؟!

اتسعت عيون معتز بصدمة من كلماتها ووقاحتها التي أظهرتها صراحة أمام مسلم واضعفت من موقفه يهتف بحدة وتحذير بضربات لن تنجو منها هذه المرة :

_ أنا عمك وكلـ...

_ طــــــظ .

اتسعت عيون معتز وصمت وقد أوقفته الكلمة عن التنفس حتى، ولم يصدق ما قالته رايانا في هذه اللحظة، بينما الأخيرة ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تحرك رأسها بهدوء :

_ ودلوقتي اتفضل بقى أنت وابنك برة بيتي من غير مطرود، شرفتونا .

ختمت حديثها وهي تضم يديها لصدرها تراقبهم باستحقار وقد كان جسدها متحفزًا بشكل مرعب وكأنها تخفي ارتجافته بصعوبة، والسبب الاول والأخير في كلماتها تلك، أنها علمت يقينًا أن أحدهم لن يتجرأ على المساس بها طالما كان هو هنا .

أوليس هو من ساعدها مرات ومرات سابقًا ؟!

وبالفعل بمجرد انتهاء كلماتها  سمعت صرخة عز الدين وهو يندفع صوبها صارخًا بغيظ شديد :

- يا بنت الكـــ ....

وقبل تحرك عز الدين خطوة صوبها، كان مسلم يتحرك بسرعة وهو يمسك عز الدين من ثوبه بعنف شديد جعله يشهق، يجذبه للخلف وهو يلوي يديه خلف ظهره بقوة جعلت الأخير يشعر أنه فقد الشعور بذراعيه ومسلم فقط كان يحاول ألا يرتكب شيء يصعب موقفه أمامهم أكثر، لكن حركات عز الدين جعلته يضغط على ذراعيه أكثر .

_ صدقني انت لو ما أخدتش ابوك في اللحظة دي وخرجت، هتكون أكبر مشاكلك في الحياة أنك مش عارف تهرش لنفسك حتى .

أعاد عز الدين رأسه للخلف وكأنه يبحث له عن طريقة ليبصر وجه مسلم ويتبين إن كان يتحدث صدقًا أم لا، لكن مسلم لم يسمح له وهو يضغط على يده أكثر.

ومعتز سأم مما يحدث لذا تدخل بسرعة وهو يتحرك صوب شقيقه يمنحه نظرة قاتلة مليئة بالوعيد هامسًا بصوت غير مسموع سوى له :

- اتصرف لاحسن اقسم بالله بكرة ما هتلاقي محامي يقدر ينجدك من اللي الورطة اللي هتكون فيها يا عزيز .

شحب وجه عزيز بشكل واضح جعل رايانا تنبته لما يحدث وهي تقترب لترى ما يحدث بين والدها وبين عمها، لولا حديث معتز وهو يصرخ :

- سيب ابني يا جدع أنت وبطل بلطجة بدل والله لأكون مبلغ البوليس أنك بتتهجم علينا في بيوتنا بكل بجاحة .

ورايانا لم تصمت وهي تصرخ في المقابل :

_ بيوتكم دي تقولها في بيت الملاعين اللي عايش فيه مش في بيتي يا عمي .

نظر لها عمها بشر ومن ثم تحدث ببساطة :

_ ماشي يا بنت اخويا، عامة موضوع جوازك خلصان ومش هنفتحه كتير، وحتى ابوكي نفسه قبل ما يحصله اللي حصل كان عندنا بليل بعد فضيحة كتب كتابك وقال إنه خلاص مش هيجوزك ويفضح نفسه تاني مع الخلق بسببك، ولا ايه يا عزيز ؟!

نظر الجميع صوب عزيز الذي كاد يتصبب عرقًا تحت أنظار الجميع، لكن تحذير صغير من معتز جعله يهز رأسه بنعم ويبعد عيونه عن الجميع .

ورايانا فقط رمته بنظرة من تم خذلانه للمرة الألف، فعلها مجددًا بها، فعلها وداس سعادتها لأجل اسباب هو ترفع حتى عن توضيحها، وافق عمها على أنها لا تستحق العيش كباقية البنات ولا حق لها بالزواج .

وافق عمها على دمارها .
مضى بصمت على اتفاقية دفنها حية جوارهم.

سقطت دمعة لم تستطع منعها والبسمة المقهورة تزين شفتيها لا تستطيع نزع عيونها عن والدها تهمس بصوت خرج بصعوبة :

_ بابا ؟!

ابتسم عز الدين يبتعد عن مسلم بالقدر الممكن كي يتجنب أي ضربة منه :

_ أظن الرد وصل ليك ومن ابوها، اتفضل من غير مطرود .

حرك له مسلم عيونه ثواني قبل أن يتجاهله وينظر صوب البارو ثواني وقد شعر بالريبة من نظرات معتز له، لكنه فقط تراجع خطوات قليلة وقد تلقى رده الواضح بالرفض .

ورايانا تراقب تراجعه للخلف وقد شعرت بالهواء يفرغ من حولها، فرصتها الوحيدة في الحياة مع الشخص الوحيد الذي تمنته تضيع من يدها، سقطت دمعة صغيرة منها وقد شعرت بالقهر تنظر ارضًا تخفي بكائها ونظراتها لوالدها قتلت الأخير .

ومسلم فقط تحرك صوب الباب وقبل خروجه توقف فجأة ومن ثم استدار يردد بجدية وهو يضع يده على رأسه يدعي النسيان :

_ آه صحيح يا بارو، أنا مش هعمل فرحي على بنتك في القرية هنا، هيكون في القاهرة باذن الله، ده عشان تعمل حسابك بس، ومتجيبش معاك اي رجالة من عيلتك عشان ميشرفنيش وجودهم.

ومن ثم نظر نظرة أخيرة صوب رايانا التي توقفت عن البكاء بعدم فهم، وابتسم هو لها بسمة صغيرة محركًا حاجبه ومن ثم رحل دون كلمة إضافية معلنًا بكل بوضوح أن الموضوع لم ينتهي بالمرة، على الأقل ليس من طرفه .

وبدل من التحرك صوب منزله، تحرك ليستقر أمام بوابة منزل البارو يختفي تحت الشجرة يعسكر أمام المنزل ينتظر أن يطمئن لرحيلهم مخافة أن يذهب هو فيمسها أحدهم بسوء، سينتظر فقط حتى يطمئن أنهم رحلوا ومن ثم يرحل كذلك .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ يعني اكون هنا امتى مش فاهم ؟؟

كانت جملة رماها يحيى بمجرد أن عاد الجميع وطرح أمر الخطبة المزيفة، كل ذلك وكارا ما تزال ساكنة في أبعد نقطة ممكنة عن عيون يحيى الذي كان يحاول تجاهلها كي لا يسبب لها حرجًا بعدما أدرك حساسية الأمر لها.

ورجب هو من تولى التخطيط لكل شيء بعدما ضاق الحال بمحفوظ وابصر سدودًا تُغلق في وجهه، لم يكن يهتم لشيء في هذه اللحظة سوى الاحتفاظ بابنته جواره ويقسم بالله أنه لن يجبرها على شيء ولو ظن للحظة أنه حبل نجاتها من الغرق، لن يتسبب لها بأي حزن بعد الآن، فقط تظل معه وجواره .

آخر شيء يحتفظ به من زوجته الحبيبة .

سقطت دمعة من عيون محفوظ أخفاها وهو يدفن وجهه بين يديه، وابصره يحيى ليدرك أن قهر الرجل وصل مداه لدرجة البكاء عجزًا .

تنهد بصوت مرتفع :

- شوف يا عم رجب عايز ايه مني وانا هعمله متقلقش مش هـ...

وقبل إكمال جملته توقف عن الحديث وهو يسمع رنين هاتفه، اخرج بهدوء ينظر له بعدم فهم حينما أبصر اسم والده ينير الشاشة .

_ بابا ؟!

رفع عيونه للجميع يتحدث بهدوء وهو يتحرك صوب النافذة التي تقع في نهاية البهو :

_ عن اذنكم يا جماعة هرد بس وراجع .

تحرك صوب النافذة وهو يجيب الهاتف سريعًا:

_ حبيب قلبي عامل ايه واحشني والله يا ابو مسلم ..

_ يحيى أنا امك .

_ حبيبة قلبي عاملة ايه واحشاني والله يا ام مسلم .

ابتسمت والدته من الطرف الآخر وقد شعرت بالحنين لابنائها ومشاكسات يحيى لها، تتنهد بصوت منخفض :

_ انا كويسة يا حبيبي طمني أنت عليكم، كلكم بخير !!

_ ايوة يا حبيبتي كلنا بخير وزي الفل، هو بس عيسى امبارح غير تسريحة شعره وخلاه متكهرب كده، لكن كلنا بخير الحمدلله، طمنيني أنتِ عليكِ الحاج واخد باله منك ولا تاعبك ؟!

ابتسمت والدته بحب كبير، ومن ثم صمتت طويلًا مما تسبب في قلق يحيى الذي استدار للخلف يضيق عيونه وكأنه ينظر لوالدته ليجبرها على  الاعتراف بما تخفي عنه .

لتقع عيونه فجأة على كارا التي كان يبدو عليها الاهتمام الكبير وهي تتابعه بشكل وثيق، حتى أبصرت نظراته لها وبسمته الجانبية، فابعدت عيونها بسرعة كبيرة تدعي اهتمامًا باظافرها وهي تقلب يديها يمينًا ويسارًا وكأنها تتأملها ربما .

أما عنه فتنهد يتحدث بجدية وعيونه ما تزال مثبتة على كارا دون شعور وكأنه شارد :

_ مالك يا سنية ؟! حد مزعلك ؟!

_ مسلم اخوك يا يحيى .

تعجب يحيى من كلماتها وقد كانت غريبة ربما على والدته التي ترى مسلم ملاكًا لا يستطيع أن يؤذي أحدهم فما بالكم باغضابها، هذا بالطبع ووالدته لم تبصر آخر نسخة نزلت الأسواق من مسلم .

_ مسلم مزعلك ؟!

_ أنا خايفة على اخوك يا يحيى .

هنا وضربت أجهزة الإنذار برأس يحيى ولم يكد يستفسر منها عما تقصد بالتحديد من خوفها على مسلم، وما الذي حدث لتقول هذا ؟! ربما عليها الخوف عليهم من مسلم .

فتح فمه بغية الاستفسار عما تقصد، لكن قاطع نيته فتاة صغيرة بعض الشيء تقترب منه وهي تحمل فستان وردي بخجل :

_ بص ده فستاني اللي هلبسه في فرحك أنت وابلة كارا حلو ؟!

اتسعت عيون يحيى في اللحظة التي اندفعت كارا بسرعة صوبهم وهي تصرخ باسم الفتاة :

_ ميران تعالى هنا ...

ويحيى لم يجذب انتباهه في كل هذا سوى اسم الفتاة التي خمن ببساطة أنها ابنة رجب:

_ مسمي ابنه عطية وبنته ميران ؟؟ ايه العك ده بجد ؟!

وبالتفكير في الأمر لثواني أدرك أن هذه اشياء ربما يفعلها في المستقبل، نعم سيدلل الفتيات أكثر، لكن ليس لدرجة ميران وعطية، هذا الفرق في الطبقات الاجتماعية داخل عائلة واحدة كان كبيرًا ومرعبًا ليستوعبه .

رفعت كارا عيونها له وابتسمت له بتوتر واعتذار :

_ أنا آسفة هي بس صغيرة ومتحمسة مش أكتر.

تحدثت الفتاة بسعادة وهي تشير ليحيى :

_ انا عايزة لما أكبر اتجوز واحد بيبلبس كده وحلو كده .

اتسعت بسمة يحيى وقد نسي لثواني أن هناك من يستمع بصدمة من الطرف الآخر، يميل جالسًا القرفصاء أمام الفتاة وبالتالي أمام كارا التي كانت يدها ترتجف مما يحدث :

- تصدقي يا ميران أنك بتفهني عن بنت خالك ؟! أنا أحب جدا تكون مراتي قمر وبتفهم وبتقدر زيك كده.

ختم حديثه وهو ينظر بطرف عيونها صوب كارا التي كانت أصابعها تقبض على ثوب ميران بتوتر شديد تحاول أبعاد عيونها عنه، لولا أن سقطت فجأة في مصيدة عيونه، لتشعر أن تتفسها توقف ثواني، وهو فقط ابتسم لها بسمة جعلتها تنتفض للخلف وهي تجذب ميران بعيدًا عنه معتذرة بصوت متوتر .

ترحل بكل بساطة من أمامه بعدما سلبت جزء صغير داخل قلب يحيى الذي أحب ربما ذلك الجزء الخجول والمتوتر منها .

كانت الفتاة جميلة لا ينكر، سمرتها تسلب القلوب وعيونها الكبيرة مذهلة، وهذا كان أكثر مما تخيل يومًا .

استفاق فجأة من شروده حينما شعر برنين هاتفه يرتفع بشكل جعله ينتفض ويدرك أنه كان على اتصال بوالدته .

ضرب جبهته بضيق وقد نسي الأمر يتحدث يفتح الهاتف بتوتر يجيب بسرعة :

_ الو يا ماما معلش المكالمة قطعت بالغلط ...

_ لا يا قلب امك المكالمة مقطعتش ده أنت اللي قطعت وقعدت انادي عليك وأنت مش بترد فقفلت واتصلت تاني .

صمتت ثواني ويحيى يفرك خصلاته بتوتر وقد أعطى ظهره الجميع يسمع صوت والدته :

- فيه ايه يا يحيى ؟! فرح ايه وعريس ايه وفستان ايه ؟؟ أنتم هتجننوني أنت واخوك ؟؟ أنتم رايحين هناك تتجوزوا ولا تعملوا ايه ؟!

تعجب يحيى كلماته يتحدث بعدم فهم :

_ أنا واخويا ؟! قصدك مين ؟! عيسى عملها واتجوز عرفي ؟؟

- ما هو ده اللي ناقص والله، لا يا خويا بكلمك عن مسلم اللي اتصل بينا من شوية وقال لابوك أنه رايح يطلب ايد بنت من الغجر وقفل ومفهمتش منه غير أنه بيحبها وعايزها، قولت اتصل بيك افهم لقيتك واقف بتختار البدلة والقاعة .

توتر يحيى وأصيب بالصدمة جراء كلمات والدته هل فعلها مسلم واخيرًا ؟؟

ابتسم دون شعور :

_ مسلم راح يطلب فروشكا من ابوها ؟؟

فجأة سمعت صوت والده الذي صدح في المكان بعدم فهم :

- فروشكا مين يا بني ؟؟ هي مش اسمها ريا باين ؟؟

_ ريا ايه ؟؟ هو مسلم راح يتجوز مين بالضبط ؟؟

سمع صياح والدته بجنون من الجهة الأخرى وهي تصرخ بعدم فهم :

_ أنت يابني هتجنني ؟؟ هو مش أنت معاه ؟؟ أنتم سايبين ابني كده ماشي يصاحب البنات وهو يا حبيبي ميعرفش حاجة .

_ والله أنتِ اللي متعرفيش حاجة يا سنية .

- بتقول ايه يا يحيى، اخوك رايح يتجوز مين ؟؟ البنت كويسة طيب وهتسعده ؟!

_ يا اما أنا معرفش غير أنه بيحب واحدة هنا هو مسميها فروشكا، ومش فاكر اسمها الحقيقي اوي هو حاجة شبه ريا فعلا فممكن تكون ريا مين عارف ؟!

صدح صوت والده مجددًا :

_ طب هو وعرفنا رايح لريا، وأنت يا خويا ؟!

ابتسم يحيى وهو يستدير فجأة صوب كارا التي كانت ترتشف بعض المياه وهي تراقبه، لتشعر فجأة بتوقف المياه في حلقها وتسعل بقوة حينما أبصرت بسمته لها :

_ سكينة يا حاج .

_ أنت هستهبل يلاا ؟؟ انا والله مكنتش مطمن من الاول من السفرية دي، ويا ترى بقى سيبتوا ايه لعيسى ؟! بديعة ؟!

ضحك يحيى بقوة على كلمات والده، والغضب يسيطر على الآخر، حتى توقف يحيى يجيب بهدوء :

- الموضوع مش زي ما أنت فاكر يا حاج ده بس عمل خير مش أكثر.

_ عمل خير ؟! لا وانت وش خير اوي يا خويا .

_ اعمل ايه يا حاج بضعف قدام الخير .

تنفس والده بقوة قبل أن يهتف بصوت مرتفع :

_ يحيى مش ناقص حواراتك دي، خلص اللي بتعمله وشوفلي واخوك وكلمني وانتم مع بعض عايز افهم اللي بيحصل معاكم، وأمن على عيسى لأحسن يضيع مننا هو كمان .

ختم حديثه يغلق الهاتف، ويحيى حرك عيونه صوب الجميع يبتسم لهم بسمة صغيرة، يتحدث بجدية :

_ اعذروني بس ده كان الحاج وحابب بس يطمن على اخواتي لأنه مش قادر يوصل ليهم، المهم احنا خلاص متفقين، وقت ما يجوا الناس عم رجب رن عليا وأنا هاجي و ...

_ كارا سجلي رقمه عندك عشان مش عندي غير تليفون المحل وتليفوني عطية بوظه .

نظرت كارا لرجب بصدمة ومن ثم حركت عيونها صوب والدها الذي تنهد وهز رأسه بموافقة، لتنهض هي وتتحرك صوبه تمد له هاتفها الصغير المتواضع بعض الشيء بتردد .

نظر ليدها ثواني ومن ثم رفع عيونه لها مبتسمًا، بعدها سحب منها الهاتف بهدوء يسجل رقمه، ومن ثم اتصل بنفسه وسجل رقمها .

منحها الهاتف مرة أخرى يتحدث بهدوء وبسمة :

_ إذن يا آنسة كارا، اشوفك على خير .

كاد يرحل وهي تهز رأسها بهدوء لكنه توقف مرة ثانية فجأة ينظر لها بتقييم :

_ حاولي تبتسمي وتنسي اللي بيحصل، شكلك وحش جدا وأنتِ مكشرة بالشكل ده .

رفعت عيونها له بصدمة ليغمز لها غمزة وابتسم :

- على تليفونات بقى يا ...كارا .

تحرك بسرعة خارج المكان تاركًا إياها مصدومة شاردة في أثره تتابع خروجه بنبضات غير ثابتة تشعر بالمكان كله يدور حولها، حتى وقعت عيونها على شاشة هاتفها تبصر رقمه الذي ينير هاتفها واسمه المسجل بكل فخر جوار الرقم .

" راجلي وتاج راسي " 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ كده تمام يا عيسى، حابب اعملك حاجة تاني يا قلبي ؟؟

_ لا يا حبيبتي تسلم ايدك تعبتك معايا .

رفعت نورهان يدها تمررها بحنان على رأس عيسى والبسمة تعلو وجهها بوضوح تحاول نسيان ما حدث في الخارج مع أحمد وغضبه مما فعل طليقها .

فادعى عيسى فجأة المرض كي يبعدها عن عيون أحمد وهي لا تنفك تعتني به منذ دخلت معه الغرفة، لكن لم يكونا وحدهما في الحقيقة .

بل كان هناك ضيف آخر فهم ما يحدث وتحرك معهم يراقب ما يحدث ببسمة جانبية .

قلب حاتم عيونه بسخرية لاذعة .

_ مو ناقصها غير تقعد تطعمي هالمدلّل بإيدها كمان .

رفعت له نورهان عيونها بعدم فهم، ليبتسم لها بسمة جليدية يتجاهل نظراتها وهي لا تفهم ما يحدث معه .

_ فيه حاجة يا حاتم ؟! أنت كويس ؟!

_ شو مو شايفتِني إني بألف خير قدامِك؟ 

_ لا الحقيقة مش شايفتك بالف خير .

تدخل عيسى ببسمة وهو يردد بهدوء :

- شيفاك بتولع الحقيقة .

تنفس حاتم وهو ينظر له بتحذير وقد استفزته بسمة عيسى الذي كان بين أحضان نورهان تقريبا تربت عليه وكأنه طفلها، تدلله دلالًا يستغفر الله أن يستقر داخل عقله فيوسوس له الشيطان بنفس المشهد مع تغير وجه عيسى .

_ هو كل إخوة مسلم هيك ما عندهم تربية؟ 

اتسعت عيون نورهان بعدم فهم :

_ أنا مش فاهمة فين مشكلتك بجد ؟!

وحاتم الذي بدا أنه كبت الكثير داخله طوال الوقت، سنوات طويلة من التراكمات وعدم التفكير في الأمر بينه وبين نفسه، كان الأمر مجرد اعجاب لحظي ببسمة وبراءة استقر بعقله في أحلك اوقاته، ليأتي ويبصرها على الحقيقة ويبصر كيف تعامل الجميع بلطف ورقة وكأنها والدته .

تعاملهم معاملة لم يتلقاها يومًا بعد وفاة والدته، حنان لم يبصره في عيون شخص يومًا، ليتساءل في لحظات يأس كثيرة " لماذا ليس هو ؟!" 

_ هاي... هاي هي مشكلتي، إنتِ مشكلتي يا نورهان، إنتِ أكبر مشكلة بحياتي كلها.

اتسعت عيون نورهان بصدمة واعتدل عيسى في جلسته بتحفز وهو ينظر له بشر ولم يكد يوقفه عن الصراخ في وجه أخته حتى اكمل حاتم وقد شعر أنه لا يستطيع الاستمرار في هذه اللعبة، ورغم أنه وعد مسلم بالتريث حتى تنتهي عدتها إلا أنه لم يتمكن أمام نظراتها .

_ مش قادر أنام، ولا أعيش طبيعي بسببِك،
وإنتِ عايشة حياتِك عادي كأنه ما في حدا عم يتعذّب بسببك… كأنه ما في كلب عم ينحرق .

شعرت نورهان بتنميل شديد باطرافها من حديثه وقد شلتها كلمات حاتم، وعيسى صمت ولم يتمكن من التحدث بكلمة واحدة، بماذا يتحدث حتى ؟؟ 

وحاتم شعر فجأة أنه بالغ، بالغ وبشدة، علاما يلومها حقًا ؟؟ هي حتى لا تشعر به، لا تنظر له نظرة امرأة لرجل قد تعجب به يومًا، وهذا جعله يتراجع بصدمة من هول ما فعله منذ ثواني ..

كان يلوم المرأة على عدم الشعور بمشاعره التي أخفاها  حتى عن نفسه، يلومها على سنوات أحبها دون حتى أن تبصره، أو تعلم بوجوده.

أما عن نورهان فكانت متجمدة، لا تفهم ما يحدث حولها، هل ما فهمت من كلماته صحيح ؟؟ هي ...كانت تبصر نظراته لها، تصرفاته الغريبة حولها، لكنها يومًا لم تفكر بها بهذا الشكل، منطقيًا كيف يحبها رجل ابصرها للتو؟ 

وهل يمكن أن يحبها أحدهم حتى ؟! هل يمكن أن تُحب بهذا المقدار الذي تحدث به ؟!

لقد أكد لها عادل أنها أقل من أن تنال فتات اهتمام حتى، فكيف يحبها رجل؟

كيف يحمل لها رجل هذه المشاعر .

وليس أي رجل، كان حاتم .

ظل حاتم ينظر لها بصدمة وتوتر وقد فقد القدرة على التصرف بشكل صحيح، يتحرك بسرعة بعيدًا عنها يهرب من الغرفة تاركًا إياها تناظر أثره بصدمة كبيرة ولا تدرك كيف ستنظر في وجهه يومًا بعد هذه اللحظات .

أما عن عيسى فقد تجمد بأرضه لا يفهم ما قيل منذ ثواني ولا يصدق الحقيقة التي تجلت كشمس الظهيرة أمام عيونهم .

حاتم يحب نورهان ؟

ــــــــــــــــــــــ

ترك الهاتف على الفراش الخاص به وقد أخرج حقيبة صغيرة يضع بها بعض الأغراض بشكل سريع وأفكاره كلها تتحرك صوب ذلك الحقير الذي يهدد شقيقته بفضحها، كانت يده ترتجف بغضب مرعب .

انتهى من تجهيز كل ما يريد وهو يتحرك خارج الغرفة ليتحدث مع نورهان للمرة الأخيرة، لكنه فجأة أبصر حاتم يخرج بوجه شاحب وملامح غير مفسرة من غرفة عيسى وكأن الشياطين تطارده .

ضيق ما بين حاجبيه بشك وقد بدأ كل ذلك يثير ريبته وضيقه الشديد، لحق به بسرعة ليتحدث معه، ليجد أنه تحرك صوب الملحق الخاص بالمنزل والذي ابصره يجهزه مع مسلم لينتقل به .

توقف أمام الملحق ولم يكد يطرق الباب حتى سمع صوت خطوات خلفه، استدار ليجد مسلم يخطو للمنزل فاوقفه بسرعة .

_ مسلم استنى .

توقفت اقدام مسلم واستدار صوب الصوت يبصر أحمد الذي تحرك صوبه بهدوء ويبدو على وجهه التحفز الشديد :

- مسلم محتاج اتكلم معاك بموضوع مهم .

نظر له مسلم بعدم فهم في اللحظة التي خرج بها حاتم بمجرد سماع اسم مسلم يراقب ما يحدث من الخلف .

لينظر له مسلم بعدم فهم :

- حاتم نقلت خلاص ؟؟

- هيّني بـ...

لم يكمل حديثه حتى قاطعهم أحمد بهدوء شديد :

_ كويس برضو أنك طلعت من اوضتك لأن الموضوع يخصك أنت كمان.

لم يفهم حاتم ما يحدث ومسلم شعر بالريبة من طريقة حديث أحمد وكلماته :

- خير يا أحمد فيه ايه ؟!

_ أنا اللي عايز أسأل يا مسلم فيه ايه ؟؟ فيه ايه بيحصل في البيت ده من ورا ضهري ؟؟ انا مش فاهم اي حاجة .

_ حاجة ايه اللي مش فاهمها دي يا أحمد عشان اقدر افهمك ؟؟

تنهد أحمد وهو يحرك نظراته بينهما،  قبل أن يتنفس بصوت مرتفع يحاول أن يفكر وينتقي كلماته كي لا يوقع شقيقته في حرج إن خاب ظنه .

_ مسلم ليه صاحبك نقل برة هنا ؟! 

توتر حاتم من سؤال أحمد ومسلم بدأ يفهم أن أحمد أدرك شيء ما؛ لذا لم يحبذ أن يكذب عليه في شيء، يمسك مرفقه مشيرًا لحاتم بالتحرك وهو سيتولى الأمر:

- طب تعالى معايا و....

قاطعه حاتم بجدية يأبى أن ينسحب من الحوار إن كان يخصه، هو لم يرتكب شيء خاطئ ليأبى المواجهة .

_ سيبه يا مسلم، هو بده يحكي معنا إحنا الاثنين. 

نظر له مسلم بتحذير فهو أكثر من يعلم أحمد حينما يجن جنونه أو يفقد أعصابه بشكل غير طبيعي :

_ حاتم ادخل أنت خلص ترتيب الملحق وانا هتكلم مع احمد و....

_ لا يا مسلم خليه موجود لأني محتاج افهم منكم ايه اللي بيحصل من ورايا بلاش احس اني مغفل ؟!

زفر مسلم وقد ضاق ذرعًا مما يحدث، ولم يكد يتحدث بكلمة حتى تدخل حاتم بجدية وهو يردد بصوت خافت بعض الشيء متماسك بشكل كبير :

_ ما عاش يا أحمد، بس خبرني شو بدك تعرف وبقلك .

نظر له أحمد ثواني ومن ثم استدار صوب مسلم بنظرات فهمها الأخير، ليتنهد بصوت مرتفع وهو يرفع يديه وقد كان في هذه اللحظة غير مستعد للدخول في نقاشات طويلة، لذا اختصر ما يريد احمد :

_ تمام حاتم اساسا مستني عدة اختك تخلص عشان يتقدم ليها، يعني الشاب معملش حاجة غلط، اتمنى تكون أخدت اللي عايزة دلوقتي .

اتسعت عيون حاتم بصدمة كبيرة من كلمات مسلم التي لم يكن لها أي تمهيد حتى وكأنه يسلمه لأحمد دون حتى أي مقدمات، هل طلب أحمد منه هذه المعلومة حتى ؟؟

وما لم يدركه حاتم أن أحمد بالفعل كان يدور حول هذا، ومسلم بالفعل التقط الأمر دون الحاجة لقوله صراحة .

ابتسم أحمد بسمة واسعة غريبة وهو يحرك عيونه بينهما :

_ وكنتم شايفين إني المفروض اعرف عند أي مرحلة إن شاء الله ؟! سبوع أول بيبي ؟!

قلب مسلم عيونه من حديث أحمد، بينما حاتم شحب وجهه بقوة وهو يحاول تجميع كلماته، لكن فجأة انتفض من مكانه حينما وجد أحمد ينقض على مسلم بعنف جعل الاخير يتراجع بصدمة للخلف وهو يرميه بنظرات حادة، وفي ثواني وبلا سبب نشب قتال مرعب بين الاثنين ..

وفي هذه الحالة كانت الغلبة لمسلم الذي لولا أنه يتحكم في قتاله لكان حطم عظام أحمد بالكامل .

وأحمد يلكمه بغضب صارخًا :

- أنت مين عشان تتحكم في حياة اختي، مين إداك الحق إنك تعرف عنها حاجة زي دي ومتقولش ليا ؟! مدخل بينا واحد عينه على اختي يا حيوان ؟!

هنا واشتد جنون مسلم وهو يترك التعقل جانبًا ينقض بلكمة قوية على فك أحمد جعلت الاخير يتراجع للخلف يصيح بوجع من قوة الضربة وصوت صراخ مسلم رج المكان :

_ أنت اللي حيوان لو فكرت إني ممكن اعمل حاجة أضر بيها اختي أو أسمح بسوء يمسها، حاتم اسلمه حياتي مفكر مش هآمن لأختي معاه، هو عمره ما رفع عيونه فيها بشكل ولا بصلها بصة وحشة، بالعكس كان بيساعدها وقت ما حضرتك كنت مش موجود .

في اللحظة التالية كانت نورهان تركض مع عيسى للخارج يشاهدون القتال بصدمة كبيرة ولا يفهمون السبب وقد كان الصوت غير واضحًا لهم من الداخل .

بينما حاتم يتابع ما يحدث بأعين متسعة وقد شعر فجأة بأن وجوده هو من تسبب في كل هذا، لذا تراجع بهدوء شديد دون أن يشعر به أحد يستدير ويهرول خارج المنزل بالكامل مصطدمًا في طريقه للخارج بيحيى الذي تعجب :

_ ايه يا حاتم بيك ما تفتح هيك و....ايه ده هو فيه ايه؟

ولم يتوقف حاتم للتحدث بكلمة وهو يخرج من المكان بأكمله، ويحيى هرول بسرعة صوب أحمد ومسلم وهو يصرخ بعدم فهم :

_ فيه ايه ؟؟ فيه ايه أنت وهو مالكم كده نافشين ريشكم قصاد بعض زي الديوك الرومي ؟!

نظر صوب مسلم الذي كان ينظر صوب أحمد بأعين سوداء مرعبة يتحدث دون أن يوضح ما يحدث بعدما أبصر بطرف عيونه وقوف نورهان .

_ ولعلمك يا محترم الموضوع ده أنا عرفته بالصدفة امبارح، من يوم واحد بس ومكانش فيه أي فرصة اقعد معاك اعرفك، عرفته بالصدفة لأن حاتم مكانش حابب أنه يتكلم عشان خايف يتبص ليه بالشكل ده.

تنفس بشكل عنيف ومن ثم رفع إصبعه في وجه أحمد يهتف بشر والغضب يكاد يعمي عيونه :

_ حاتم اللي أنت واقف تضربني عشان دخلته بيتنا وخايف على عيلتك منه، كان هو ...هو السبب بعد ربنا إني عايش دلوقتي، حاتم هو ....هو اللي ...

ارتجفت يده وتوقف عن الحديث وقد أصبحت نظراته مخيفة أكثر وصوت صراخ قديم لحاتم يتردد في أذنه، صوت صرخاته يصدح داخل رأسه وهو يركض به بين ممرات المشفى باكيًا .

" اخـــــــي ...لقد شرب ســـــم، شرب ســـــــم ساعــــــدوه، سيمـــــوت، ساعدوه أتوسل إليكم" 

تنفس مسلم يحاول جذب نفسه بعيدًا عن سواد ماضيه وكل ما حدث له سابقًا رافضًا أن يغرق به في هذه اللحظة، يقترب من أحمد بالقدر الكافي الذي يسمح للاخير فقط أن يسمع :

_ حاتم اضمنه بحياتي أنه عمره ما أذى اختك بمجرد نظرة وتقدر تسألها، وبالمناسبة هو اللي طلب ينقل للملحق عشان يبعد نفسه عن أي شبهة، وكان مستني تخلص عدتها ويتقدم ليها، لكن انت اللي غبي ومعرفتش توزن الأمور بعقلك لأول مرة في حياتك يا أحمد .

تنفس بعنف شديد وهو ينظر له بحنق قبل أن يكمل حديثه :

_ نورهان اختي أكتر منك، متربية معايا أكتر منك، وأخاف عليها اكتر منك، وأقسم بالله لو قعدت عمرين على عمري ما هتمنى ليها راجل احسن من حاتم، راجل عارف انه يموت ولا ينزل لأختي دمعة واحدة .

ابتسم على وجه أحمد الذي اسود بشكل غريبة وهو ينظر صوب نورهان في الخلف :

_ عامة عشان تريح نفسك حاتم يعرف نورهان من قبل ما يشوفها، اتعلق بيها من غير ما يحتاج يكون معاها بنفس البيت .

ختم حديثه وهو يستدير بحثًا عن حاتم بعيونه، ليبصر مكانه فارغًا ضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم :

_ فين حاتم ؟!

نظر له يحيى لا يفهم حتى الآن ما يحدث :

_ معرفش وانا داخل خبط فيا وكان بيجري برة البيت فكرت فيه مصـ...

لكن مسلم لم ينتظر وهو يهرول خارج المكان بسرعة خلف حاتم تاركًا الجميع واقفين دون كلمة واحدة وأحمد صامت بشكل غريب وقد كان في هذه اللحظة كما لو أن أحدهم القاه بين النيران .

تحركت له نورهان بتردد تدرك السبب وتنكره، كانت مرتعبة مما يحدث وكأنها مراهقة امسكها والدها تراسل ابن الجيران، ورغم أنها لم تفعل أي شيء إلا أن يدها كانت ترتجف تنظر لأحمد بخجل:

_ أحمد أنت كويس ؟! فيه ايه ؟؟ وخانقت مسلم ليه ؟؟

رفع أحمد عيونه لها ثواني يتحدث بصوت شارد :

_ هو حاتم ضايقك قبل كده يا نور ؟؟

اتسعت عيون نورهان بصدمة من سؤال أخيها ولم تفهم مقصده، لكنها سارعت تجيب :

_ ضايقني ؟! ضايقني ازاي مش فاهمة ؟! هو عمره ما اتعامل معايا غير بحدود، وعمره ما ضايقني يا أحمد.

صمتت ثواني قبل أن تتساءل بريبة :

_ الخناقة دي كانت بسببي، صح ؟؟ 

نظر لها أحمد ثواني ومن ثم تركها واقفة مكانها وخرج من المنزل بأكمله، ويحيى ما يزال واقفًا يناظر الجميع بشك كبير .

_ ايه بقى اللي بيحصل هنا من ورايا ؟؟ الواحد يغيب ساعتين عشان يتجوز يرجع يلاقي المكان مقلوب كده ؟!

صرخ عيسى بعدم فهم بعدما كان شاردًا بحزن فيما حدث :

_ تتجوز ؟؟؟؟؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توقفت أقدامه وهو يتنفس بعنف ينظر صوب البحيرة التي تفصل القرية عما قبلها، ينظر لظهر رفيقه الذي يراقب البحيرة وكأنه ينتظر أن تبتلعه المياه فجأة وينتهي من كل ذلك .

أبعد تلك الفكرة السخيفة عن رأسه وهو يردد بصوت حاول أن يجعله متماسكًا بعد كل الركض الذي رفضه كي يلحق به :

_ أنت طلعت قموص بشكل يا حاتم .

تجمد جسد حاتم لثواني وهو يستدير صوب مسلم ينظر له باعتذار خفي هامسًا :

_ حقك عليّ يا خوي، ما كان قصدي أسبب مشكلة أو خصام بينك وبين أحمد.

ابتسم مسلم وهو يتقدم منه حيث كان يقف على طرق البحيرة بهدوء شديد يتنفس بصوت مرتفع :

_ لو كل خناقة بيني وبين أحمد سميناها خصام، يبقى مكناش هنبقى مع بعض دلوقتي، أحمد عقلاني بزيادة وكل شيء بيوزنه بعقله وده اللي مخليه ياخد كل حاجة على صدره، بس سيبه شوية هيفوق ويعتذر .

ابتسم له حاتم بسمة صغيرة ومن ثم نظر أمامه، يشرد بتفاصيل البحيرة وعيونه غائمة بأفكار كثيرة، قبل أن يشعر بيد مسلم تلتف حول كتفه يجذبه صوبه بحنان :

_ اوعى يا حاتم تنسحب تاني بالشكل ده كأنك غريب، الاخوات بيضربوا بعض ويقعدوا في وش بعض عقابا لبعض، مش بيهربوا.

نظر له حاتم ثواني قبل أن يبتسم له بسمة بدت متحسرة :

_ بس أنا ماعندي إخوة يا مسلم .

اتسعت عيون مسلم بصدمة من كلماته ليعدل حاتم جملته بسرعة وهو يضيف عليها :

_ غيرك .

ربت مسلم بحنان على كتفه مبتسمًا بلطف يحاول تخفيف ما حدث منذ ثواني والذي حدث كما لو أن جن تلبث الجميع، وقد بدا أن أحمد يعاني من ضغط أخرجه في وجوه الجميع : 

_ ايوة وأحمد ويحيى وعيسى ونور...

قاطعه حاتم بسرعة وهو يبعد يده عنه بعنف :

_ لا إلا هاي .

أطلق مسلم ضحكة صاخبة على ملامح الحدة التي علت وجه حاتم، يضرب كتفه بقوة بعض الشيء :

_ طب اتلم ومش قدامي .

زفر حاتم بضيق شديد وهو يجلس وقد شعر فجأة بالتعب في أقدامه، نظر قدمه على طرف البحيرة يردد بجدية :

_  الموضوع عم بسوء أكثر يا صاحبي، حاسس إنه القصة صارت شبه مستحيلة هسا.

_ لا يا عم مش لدرجة مستحيل هو صعب وممكن روحك تطلع على ما توصل ليها، بس مش مستحيل، المستحيل ده عندي أنا.

نظر له حاتم بعدم فهم ومسلم جلس جواره يستند على يده وهو يعيد رأسه للخلف يتنفس بصوت مرتفع مغمضًا عيونه وكل ما يستطيع رؤيته أمامه هو وجهها فقط، دموعها، نظراتها ..

_ على الأقل أنت أكبر اخصامك أحمد ويحيى، إنما أنا أعمل ايه في قبيلة الإجرام اللي وقعت فيها دي ؟؟

نظر له حاتم بعدم فهم، ليبتسم مسلم وهو يوضح له ما فعل أثناء غيابه :

_ أنا اتقدمت لفروشكا .

اتسعت عيون حاتم وانتفض من جوار مسلم للخلف صارخًا :

_ شو عملت ؟! تقدمت لمن ؟؟ 

ابتسم مسلم يردد وهو ما يزال مغلقًا عيونه يستمتع بنسيم البحيرة في هذا الوقت :

_ هتقدم لمين ؟! ليا مين غيرها يا حاتم ؟؟ 

تنفس بصوت مرتفع وهو ثم فتح عيونه ومازالت بسمته مرتسمة على فمه :

_ رايانا، اتقدمت ليها .

_ إن شاء الله اتقبلت ؟!

_ ده سؤال ؟! طبعا اترفضت وبالتلاتة، بس والله ما هسيبهم في حالها، ولو كنت في الاول بعافر عشان حلم جدي، فأنا حاليا هحارب عشان حلمي أنا، ومش هطلع من القرية دي غير ومعايا أرض جدي، وباقي حياتي ...

_ اوف، من وين جايب كل هالشاعرية يا .

ضحك مسلم بخفوت وهو لا يصدق حتى نفسه، لا يصدق أنه يحيا كل هذا الأن بعدما ظن أن لا نجاة له من سواده و...

فجأة توقفت أفكاره وكأنه للتو انتبه لشيء هام، ينظر جواره صوب حاتم يتحدث بتردد بخوف ولم يفكر قبل تهوره في هذه النقطة، ما الذي فعله :

_ حاتم أنا نسيت أنه.... أنا....هي متعرفش حالتي و...

توقف عن الحديث لا يعلم كيف غفل عن هذه التفصيلة ؟! كيف نسي هذه النقطة، كيف غفل عن هذه الحقيقة ؟!

_ هي ...مش ....ممكن متقبلش لو عرفت ؟؟

كان سؤال يائس خرج منه، وحاتم صمت ولأول مرة لا يجد ما يجيب به، من يدري إن كانت الفتاة قد تتحمل العيش مع مسلم بكل ما يحمل في ماضيه، الرجل يدخل بين الحين والآخر لنوبات تسحبه لعالم لا يشعر به بشيء، حتى أنه...تناول سمًا في إحدى نوباته دون شعور .

قد يؤذي الفتاة دون تحكم بنفسه، قد يقتلها ربما في إحدى نوباته، هذا بافتراض أنها ستوافق عليه .

ابتلع ريقه وصمت ومسلم شعر بوجع في صدره من الفكرة وقد بدأ يختنق أن مرضه سيقف بينه وبين الشيء الوحيد الذي تمناه في هذه الحياة .

ابتسم بقلة حيلة يراقب المكان أمامه وهو يفكر هل ينسحب من كلمته التي ألقاها عليهم، هل يتركها لغيره ؟؟

والسؤال الأخير كان نيرانًا تحرق صدره، لكن هل يكون انانيًا بهذا الشكل ؟؟

أيتخلى عنها بعدما وعدها ؟!

_ حاتم ...

لم يكن الصوت الذي صدح لمسلم، بل لأحمد الذي جاء ليختلي بنفسه جوار البحيرة كما اعتاد، ليجد أنه ليس الوحيد الذي جاء يشكو همومه للبحيرة.

استدار حاتم بهدوء صوب صوت أحمد، ليتحرك الأخير صوبهم يجلس على الطرف الآخر لحاتم، وهو ينظر للمكان أسفل قدمه ثواني قبل أن يتحدث .

_ قولتلي إن حاتم يعرف نورهان قبل ما يشوفها، قصدك ايه ؟؟

اتسعت عيون حاتم بصدمة كبيرة وهو ينظر صوب مسلم ومن ثم نظر لأحمد الذي كان ينظر له بهدوء مريب ينتظر منه رده .

ليبدأ حاتم يقص له بتردد وخجل ما حدث .

ومسلم فقط كان يجلس في الجانب لا يهتم بما يدور جواره، فقط يشرد في انعاكسه في البحيرة، يفكر في القادم هل يأمن عليها مع نفسه، هل يتركها وشأنها، هل يستطيع حتى ؟!

كان يشعر بأن الحياة لن تسمح له يومًا أن يحيا بسعادة، لم تكتب له الفرحة ربما، ربما ليس الآن، لكنه ...يقسم أنه يومًا لم يقنط من حياته، لم يتمنى شيئًا لنفسه، سواها ...

ابتسم بسمة صغيرة وقد شعر بالضباب يسيطر على عقله بشكل كبير، وقد بدأ المكان يدور من حوله، لولا يد حاتم الذي امسكه من مرفقه يتحدث بهدوء :

_ مسلم ؟؟ أنت منيح ؟!

هز مسلم رأسه بنعم وما يزال لا يعي حقًا ما يحدث حوله :

_ كويس ...كويس، حصل ايه ؟! 

نظر له أحمد بعدم فهم فوضح مسلم :

- اتفقتوا على ايه ؟؟

مسح أحمد وجهه بضيق شديد مما يحدث حوله :

_ كنت حابب أخد نورهان وانا راجع القاهرة بكرة، بس مش حاببها تكون موجودة الفترة دي هناك، خاصة بعد اللي عمله الحيوان طليقها معاها، مش حاببها تتعرض ليه بأي شكل او يعرف أنها رجعت فيضايقها .

لم يفهم مسلم ما يحدث :

_ وهو طليقها عمل ايه معرفوش ؟!

رفع له أحمد نظراته ثواني قبل أن يبتسم بسمة غاضبة  وملامحه اتقبضت بشكل مرعب :

_ بيهددها بصور .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منتصف الليل، نفس اليوم بعدما عاد من البحيرة مع الجميع وجلس لينتهي من أمر الصور التي يهدد بها ذلك الحقير أخته، وقد كان ما يزال يمتلك التحكم الكامل على هاتفه.

نام دون شعور وهو يعمل على تفريغ هاتفه من كل ما قد يسييء لنورهان، والآن يجلس على طرف الفراش وهو ينظر لقدمه دون أي حركة توحي أنه حي .

فقط مجرد تمثال من الرخام، حتى وبعد ساعة تقريبًا من اللاوعي، تحرك بشكل آلي من مكانه، يتوجه صوب خزانته يفتحها بهدوء ويخرج منها حقيبة صغيرة يمسكها بهدوء ومن ثم خرج دون أي كلمة واحدة .

تحرك خارج المنزل بالكامل يسير بين طرقات القرية وكأنه مُسير وليس مخير، توقف أمام منزل صغير يراقبه بهدوء ينتظر أي إشارة على الحياة بالداخل حتى تأكد أن لا أحد في عيادة محمد؛ لذا رحل ببساطة صوب وجهته الثانية ..

منزلها .

أما عنها فكانت تجلس على الفراش بهدوء شديد وهي تراقب السماء من نافذتها شاردة لا تفهم ما يحدث بحياتها وإن كان ما يجري حولها حتى الآن حقيقة وليس حلم تتمناه، وهل كان يقصد مسلم بكلماته أنه سيتزوجها حقًا ؟! لم يستسلم ؟!

وكأنه سمع اسئلتها فظهر من العدم أمامها بشكل جعلها تطلق صرخة صغيرة مرتعبة قبل أن يكتمها هو بسرعة وهو ينظر لها بهدوء يهمس بصوت منخفض :

_ اششش اهدي مش هأذيكِ .

كيف لا يؤذيها وهو كاد يوقف قلبها عن الخفقان منذ ثواني، ارتجف جسدها وهي تحاول التراجع للخلف .

أما عنه همس بصوت خافت مخيف بعض الشيء وهو ينزع يده عن فمها  :

_ مش جاي عشان اخوفك ...

نظرت حولها برعب وهي تتراجع بعيدًا عنه بسرعة كبيرة وفكرة وجوده في غرفتها هذه المرة ترعبها، هذا تجاوز لحدوده .

ومسلم أبصر خوفها فتراجع يخرج الحقيبة التي أخذها معه من المنزل يضعها على الفراش، ثم تراجع الخلف صوب النافذة يهمس بصوت منخفض :

_ متخافيش حتى لو هو سابك أنا مش هسيبك .

كانت عيون رايانا مثبته على الفراش على الحقيبة، ومن ثم رفعت عيونها له تهمس بصوت مرتجف تحاول التماسك وتذكر نفسها أن هذا أمامها هو مسلم الشاب الذي يحميها طوال الوقت ولن يؤذها :

_ مين ...مين اللي هيسيبني ؟!

ابتسم لها بسمة صغيرة وهو يميل برأسه هامسًا :

_ أنا...

_ أنت.... أنت هتسيبني ؟!

_ عمري ما هسيبك أبدًا، مش هسيبك لحد يأذيكِ أبدًا يا رايانا .

ابتلعت ريقها وهي تقول بتردد لا تفهم ما به، يبدو كأنه لا يبصرها، عيونه ونظراته غريبة، ليست كتلك التي ينظر لها بها طوال الوقت :

_ مسلم أنت مينفعش تيجي هنا، مينفعش وآخر مرة جيت أنت...

صمتت ومن ثم اقتربت منه بتردد وهذه المرة قادها فضولها لتعلم ما يحدث معه، وسبب عدم تذكره لما قال آخر مرة :

_ آخر مرة جيت فيها، فاكر قولت ايه ؟! فاكر وعدتني بايه ؟!

ابتسم لها يميل برأسه وهو يراقب اقترابها حتى أصبحت أمامه مباشرة :

_ فاكر كل كلمة .

_ بس أنت بعدها مكنش باين عليك أنك فاكر حاجة، مسلم أنت بتلعب بيا ؟؟

خرجت كلمتها الأخيرة مرتجفة وقد كانت على وشك البكاء، وهو فقط ابتسم بحنان يميل فقط قليلًا ليصل برأسه لمستوى رأسها :

_ هو اللي نسي مش أنا، أنا فاكر كل كلمة قولتها وفاكر كل وعد وعدتك بيه .

نظرت له بعدم فهم وقد كانت كلماته غريبة على مسامعها :

_ هو ؟!

همهم لها دون كلمة واحدة، ومن ثم تراجع عنها وهي تنظر له بعدم فهم، ثم توقف أمام النافذة ينظر لها نظرات بدت فارغة رغم كل الحنان الذي يشع من عيونه :

_ مش ناسي أي وعد وعدته ليكِ، حتى لو نسيت، فعقلي مش ناسي، وعدي أنا لسه عنده، مش همشي من هنا من غيرك .

نظرت له بتردد تتحرك صوبه تهمس باسمه في تردد كبير :

_ مسلم ... أنا....

توقفت عن الحديث وقد شعرت بالعجز عن التعبير عما يكمن داخل صدرها، لذا صمتت تنظر ارضًا، وهو فقط راقبها بهدوء قبل أن يهمس لها أخيرًا :

_ هنفذ وعودي بس أنتِ اوعديني.

رفعت عيونها له بعدم فهم فتحدث لها بلهجة غير مفهومة :

_ حتى لو طلبت منك تسيبيني اوعي تعملي كده .

لم تفهم رايانا كلماته، ولم تكد تستفسر منه، حتى ابصرته يبتعد عنها يتحدث بإصرار مرعب  :

_ وهو حتى لو بعد أنا هقرب....

ومن ثم اختفى دون كلمة إضافية ودون توضيح حتى لحديثه الذي لم تفهمه هي، تراقبه يرحل من أمامها ويختفي، وهي تنظر من النافذة دون فهم .

ظلت دقائق طويلة تراقب النافذة قبل أن تستدير وتنظر صوب الفراش تتحرك له ببطء تمسك الحقيبة بتردد تفتحها بعد ثواني من التفكير، تبصر علبة كبيرة الحجم نسبيًا .

وبلهفة كبيرة أخرجت ما بها لتشهق بصوت شبه مسموع حينما التمعت عيونها بكرة ثلج كبيرة بها شجرة من أوراق وردية مبهرة، حركت أصابعها بسرعة أسفل الكرة تضيئها وفمها مفتوح من الانبهار، تبتسم بعدم تصديق ويدها ترتجف وهي تحمل الكرة .

ضمت الكرة مبتسمة بعدم تصديق، لقد صدق وعده وأحضر لها كرة أكبر، هل هذا يعني أنه...هل سينفذ كامل وعوده ؟؟

أولم يفعل بالفعل ؟!

وقعت عيونها على علبة أخرى صغيرة جعلتها تترك الكرة جانبًا وهي تمسكها لتبصر سلسلة صغيرة عبارة عن كرة صغيرة فارغة من اللون الاسود، كانت تشبه ... لا تعلم ما تشبه لكنها كانت غريبة بعض الشيء، لم تفهم معناها، لكنها أحبتها وتحركت صوب المرآة التي تتوسط غرفتها تقف أمامها تتأمل نفسها وقد وضعت السلسال على رقبتها بانبهار وبسمة وصوته يتردد في أذنها ..

" حتى لو طلبت منك تسيبيني اوعي تعملي كده ."

وفي هذه اللحظة نطقت وعدها، حتى وإن طلب، فلن تفعل طالما يتمسك هو من الطرف الثاني،.

 ليس بعدما وجدت أخيرًا شيء تحيا لأجله ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ طيب يا أحمد حتى قولي هتعمل ايه، بلاش تروح لوحدك خد حتى يحيى معاك طيب .

نظر لها أحمد بتشنج ومن ثم حرك نظراته صوب يحيى الذي كان يجذب خصلات عيسى بغيظ، يعود بنظراته صوب نورهان :

_ أنتِ تقلقي عليا اكتر لو أخدت معايا يحيى يا نور، بعدين يعني هيحصل ايه انا رايح افتح قضية جدك، عايزين نخلص الحوار ده يا نور ..

صمت في اللحظة التي أبصر بها نظراتها القلقة ليتنهد بصوت مرتفع :

_ متقلقيش انا مش صغير وبعدين لما ارجع لينا حوار طويل سوا، ومتخافيش امبارح مسلم اتصرف في حوار الصور وخلى تليفون الزبالة ده حتة حديد ملهاش لازمة .

ابتسمت نورهان براحة بعض الشيء وقد أخطأت لأنها لم تخبرهم منذ البداية :

_ ربنا يخليكم ليا مش عارفة كنت هعمل ايه من غيركم .

_ مش محتاجة تفكري لأننا معاكِ على طول ياقلبي .

ابتسمت له بحب وهي تتحرك لتضمه، وهو قبل رأسها بحنان، لكن فجأة انتفض الجميع برعب في اللحظة التي خرج بها مسلم من الغرفة يهتف بجنون :

_ مين اللي دخل اوضتي وفتش في حاجتي ؟؟

نظر له الجميع بعدم فهم وتحدث يحيى وهو ينهض من مكانه :

_ مين يعني يا مسلم اللي هيدخل وياخد حاجة تخصك ؟! وايه هي الحاجة اللي ضايعة منك اساسا ؟؟ 

نظر فجأة صوب عيسى الذي لم يفهم سبب نظراته :

_ ولا أنت سرقت سجاير من اخوك ؟!

اتسعت عيون عيسى بصدمة وهو ينتفض نافيًا التهمة عن نفسه :

_ سجاير ؟؟ سجاير ايه دي أنا ما أخدتش أي حاجة والله.

زفر مسلم بضيق شديد وهو يكاد يجن وقد كان هذا الأمر يعني له الكثير :

_ مش سجاير دي هدية و....

صمت يتنفس بصوت مرتفع وقد كان تفسير الأمر اصعب من ايجاده، ابتلع ريقه وهو يشعر بالجنون يتلبسه يقسم بالله أنه رأى الحقيبة البارحة قبل نومه، كيف اختفت أثناء نومه، هو لم يسمع أي خطوات جواره و...

_ صباح الخير .

رفع رأسه بسرعة على وقع صوتها وقد بدا أن جدران المنزل افتقدت صوتها أكثر منه هو.

نسي في ثواني غضبه لضياع هديته، وهو يراها مشرقة أمامه مبتسمة، تنظر للجميع تحمل بين يديها حقيبة صغيرة .

صمت وهدأ بملامح جامدة بعض الشيء وهو يشرد بها في اللحظة التي تحركت بها وهي تضع حقيبة أمام الجميع تردد بهدوء وخجل وهي تحاول تلاشي النظر له :

_ دي شنطة فيها أكل بسيط عشان الرحلة، ساڤا جاية ورايا، هي بس نسيت حاجة في البيت ورجعت تجيبها .

نظر لها الجميع بعدم فهم، وهي أبصرت جهلهم بمقصدها، لتوضح بهدوء وبسمة مترددة وهي توجه كلماتها لأحمد: 

_ ساڤا قالتلي أنك عرضت عليها تسافر معاك عشان تشتري حاجات من القاهرة، مش كده ؟!

كانت تتحدث بعدم فهم لنظرات الجميع التي تحولت في ثواني منها صوب أحمد الذي اتسعت نظراته بصدمة كبيرة ولم يكن يعتقد أنها جادة في عرضها .

نظر حوله للجميع وقد انعقد لسانه عن الحديث لا يستطيع حتى الإنكار، يقسم بالله أنه لم يعرض شيء هي من عرضت الأمر وهو لا دخل له بكل هذا .

لكنه لم يفعل وقد شعر بانعقاد لسانه يمسح وجهه بتعب من كل ما يحدث في حياته، الآن سيكون عليه الانتهاء من أمر قضية جده وطليق أخته، والاهتمام بساڤا وفساتينها .

عظيم.

القى رأسه للخلف على الأريكة وهو ينظر للسقف بتعب، بينما رايانا ابتسمت وقد أدركت في هذه اللحظة من نظرات أحمد ما حدث .

فركت فمها تخفي ضحكة كادت تفلت منها وقد لعبت ساڤا لعبتها كالعادة :

_ طيب أنا بس جيت اساعدها في الشنط وبس مش هوصيك عليها هي متعرفش حاجة هناك اعتبرها اخـ..

توقفت عن الكلمة وهي تبتسم بسمة أخرى لا تعلم ما يجب عليها قوله، تهز رأسها من الموقف الذي وضعت به، لكنها في غمرة تفكيرها استدارت بهدوء صوب جهة معينة تنظر بطرف عيونها له، ولا تصدق أنها تقف أمامه بعد ما حدث البارحة، توترت وهي تعدل خصلات شعرها من نظراته. 

كان يتابعها وهو يضم ذراعيه لصدره بهدوء شديد، يبصر تفاعلها مع الجميع بحنق، توترها من نظراته، وفجأة لفت نظره شيء جعله يعتدل في وقفته وهو يميل برأسه متسائلًا دون شعور بأن صوته كان مسموعًا :

_ السلسلة دي ...ازاي ...ازاي وصلت ليكِ !؟؟؟؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمسكت الحقيبة التي عادت لأجلها وقد كانت حقيبة ادويتها تدسها داخل حقيبة يدها، ثم تحركت بسرعة لباب المنزل تفتحه ولم تكد تخطو خارجه حتى أبصرت جسد يسد مخرجها .

تراجعت للخلف خطوة واحدة وهي ترمق صاحب الجسد بحنق شديد :

_ خير ؟؟ 

_ خير إن شاء الله يا حبيبتي، أنا بس شايفة عيارك فلت اليومين دول فقولت تتربي .

رفعت ساڤا حاجبها بسخرية وهي تتحرك صوب الباب تدفعها للخارج ولم تكن في حالة تسمح لها حتى بسماع ما تريد هذه المرأة .

_ مش نقصاكِ يا سكينة واوعي من وشي عشان مش فاضية ليكِ .

ولم تكد تتحرك حتى دفعتها سكينة للداخل بعنف جعلها تتمسك بأول شيء يقابلها كي لا تسقط ارضًا وقبل الاستقامة في وقفتها وصراخها بوجه سكينة أبصرت ما جعل شحوب يزحف لوجهها حينما أبصرت الجسد القابع خلف سكينة .

تراجعت للخلف بأقدام مرتجفة حتى تعرقلت في شيء لم تبصره، نهضت بسرعة وهي تستند على المقعد وعيونها جاحظة وصوت سكينة يصدح في المكان بأكمله بعدما دخلت للمنزل تغلق الباب خلفها، غافلة عن ساڤا التي حملت هاتفها بسرعة تحرك أصابعها عليه بهياج تضغط على  أول رقم ابصرته .

لولا سكينة التي ضربت يدها بقدمها وهي تبعد الهاتف عنها تتحدث بصوت حاد :

_ لقيتك ناقصة رباية جيبت ليكِ اللي يربيكِ يا ساڤا .

رفعت ساڤا عيونها صوب الرجل الذي كان يتقدم منها وهو يخلع حزامه يلفه حول يده وصوته يصدح في المكان بشكل مهيب :

_ اللي قالته خالتك ده صحيح يا ساڤا ؟؟ 

تراجعت ساڤا للخلف وهي تهمس بصوت مرتجف :

_ متقولش خالتــــ.......

قاطع كلماتها صرخة مرتفعة خرجت منها بمجرد أن سقط الحزام على جسدها، صرخ رن صداها على الطرف الآخر من الهاتف لتتجمد رايانا وهي تصرخ باسم ساڤا.

_ ساڤا فيه ايه ؟؟ ساڤــــــــا ؟؟؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــ

«فَيا حَزَنًا فِي الصَدرِ مِنكِ حَرارَةٌ
وَفي النَفسِ حاجاتٌ تَشوقُ وَلا تُجدي!»

_بشّار بنُ بُرد.

ــــــــــــــــــــ

تعليقات