رواية اشتد قيد الهوي الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم دهب عطية


 رواية اشتد قيد الهوي الفصل الرابع والثلاثون 

حرك أصابعه ببطء قابضًا على عجلة القيادة بقوةٍ حتى ابيضّت مفاصل يده... كان قد صفَّ سيارته جانب الطريق منتظرًا  بعينين حادّتين كالنمر خروج ذلك الحقير من السيارة التي توقفت أمامه لتوّها....

خرج هيثم من السيارة مترنحًا من أثر الشراب يدندن بأغنيةٍ بلسانٍ ثقيل وهو يتجه نحو العمارة ليصعد إلى شقته...تلك التي كانت ملكًا لعبلة سابقًا كما أخبرته بأنها تعرّضت للاحتيال من هذا السكير....

ضاقت عينا ياسين بشكٍّ واضح يتمعن بالنظر لهذا الشاب....فكيف تتعرّض والدته للاحتيال من شابٍ هزيلٍ وسكيرٍ مثله؟!....هي ليست ساذجة لتكون لقمةً سائغة في فم رجلٍ بهذا المستوى.....

كانت هناك ثغراتٌ عديدة في قصتها لكن الحقيقة الملموسة أمامه أنها تعرّضت للضرب والإهانة ولابدّ أن يستعيد حقها منه...

فتح هيثم باب شقته بالمفتاح وفي اللحظة التالية وجد ياسين يدفعه بركلة قوية إلى الداخل.....

سقط هيثم على وجهه ونزف أنفه من أثر الوقعة فيما أغلق ياسين الباب وهو يثني
كم قميصه كاشف عن ساعديه ناظرًا إليه
نظرة شيطانية قائلاً....

"فوق يا حيلتها كده.... وسند طولك..."

سأل هيثم جافلاً وهو يمسح أنفه من الدماء

"إنت مين؟"

رمقه بنظرة إجرامية هامسًا بفحيحٍ خطر...

"أنا واحد جاي يدفعك الفاتورة اللي سبتها... مش عيب تبقى مكتوب في البطاقة دكر 
وتمد إيدك على واحدة ست؟!....لا والخيبة
إنها مراتك..."

احتقن وجه هيثم بالغضب فصاح...

"إنت تبع عبلة؟.....هي اللي بعتاك..."

مط ياسين شفتيه وهو يحرك حدقته بتفكير ثم قال باعصاب باردة...

"كان بودي أكون واحد مزقوق عليك... بس من حظك الأسود إني ابنها... يعني الحساب هيبقى اتنين....."

اتسعت عينا هيثم بدهشة وقال...

"إنت بقى ياسين؟!"

أكد ياسين بسخرية لاذعة...

"اسم الله عليك...اي نباهة دي كسبت معانا"

بلَع هيثم ريقه بخوف واسترسل ياسين بابتسامةٍ لا تطمئن أبداً....

"مش عايز تاخد جايزتك ولا إيه؟"

"خلاص... هاجي أنا أدهالك..."

وجد هيثم نفسه صامتًا يترقب القادم فلم يطل انتظاره إذ اقترب منه ياسين بخطواتٍ ثابتة ثم سدد له لكمةً قوية باغتته بعنف...

هجم ياسين على هيثم وانهال عليه بقبضتيه
كمن يفرغ غضب السنوات... بينما الآخر دافع عن نفسه بلكماتٍ متفرقة....

صاح ياسين....

"طلقها... ارمي عليها اليمين وأنزل معايا دلوقتي نخلص... " 

رفض هيثم وسدد له لكمةً أسفل عينه 
قائلاً....

"أنت بتحلم؟!.... عايزني أطلع من المولد بلا حمص؟! لا دي عبلة العزبي يعني فلوس مالهاش آخر.... "

مسكه ياسين بقوة من ياقة سترته صارخًا..

"وهي بقى حلتها حاجة يا روح أمك 
ما أنت خلّصتهم... "

ضحك هيثم بدنئة وطمعٍ ساخر وقال...

"ما البركة فيك.... بقى عايز تخلصها مني
إدفع وأنا أطلقها بتلاتة..."

صاح ياسين من بين أسنانه وهو يركله بين ساقيه....

"يا وسـخ..."

أكّد هيثم بحقارة وسماجة مستفزة...

"من بعد ما عند الست الوالدة...اصل هي اللي علمتني إزاي ألعبها صح واستغل الفرص."

جاشت مراجل ياسين وصار يصرخ بوحشية كأسدٍ غاضب ونهال بالضرب عليه أكثر بينما الآخر يدافع عن نفسه قدر المستطاع.....

"هطلقها ومن غير ما تاخد ولا مليم..." 

قالها ياسين وهو يضيف ضرباته بإصرار.

رفض هيثم بردٍّ بارد ومتعجرف.....

"لا.... انت كده خدت أكتر من وقتك معايا 
وده معاد نومي...."

عاد القتال يتصاعد بينهما بعنفٍ أكبر ياسين يصرّ وينهال عليه بالضرب وهيثم يصدّ ويماطل في الحديث مصرًّا أنه لن يفعل
شيئًا قبل ان يحصل على المال....

عاد إلى البيت في وقتٍ متأخّر بخطواتٍ أشبه بخطوات الموتى وأكتافٍ مرتخيةٍ بالهزيمة كمن خسر معركةً للتو....

وبالطبع خسر فهو لم ينل شيئًا بعد أن تقاتل مع ذلك الحقير لساعات حتى فقد الوعي بين يديه فتركه أرضًا وبصق عليه قبل أن يخرج. عائد إلى هنا بلا حلٍّ مجرد لكماتٍ وركلاتٍ لم تُشفِ غليله قط....

يشعر أنه كان تقاتل مع الهواء كالأبله وهذا 
ما يزيد الأمر سخريةً....

حين خرج من السيارة رفع عينيه للأعلى فرآها تقف في الشرفة بإسدال الصلاة
تنتظره والقلق والخوف مرتسمان على ملامحها وعينيها السوداء...

كان قد أغلق هاتفه منذ بداية اليوم حتى
لا تعرف وجهته لكن يبدو أن قراره لم يكن صائبًا فقد أفزعها وها هو الآن يعود إليها 
بهذه الحالة...

وجه مظلم كالسابق يملؤه الغضب وتغطيه الكدمات وكأنهما عادا معًا إلى تلك الأيام بمرارتها وأوجاعها....

أطرق برأسه نحو الأرض وهو يصعد الدرج حامدًا الله أن شقته في الطابق الثاني فلن يضطر إلى المرور بالطابق الثالث وسيدلف مباشرة إلى شقته دون أن يلتقي بأحدًا.

حين دلف ياسين إلى شقته وجد والدته ما زالت مستيقظة ليس قلقًا عليه كأي أم لأنها ببساطة لم تكن يومًا أمًا له !.....

كانت جالسة على الأريكة تضع طلاء الأظافر وتدندن مع أغنية تصدر من هاتفها ببالٍ رائقٍ
لا تشوبه ذرة هم....

اكفهر وجه ياسين وتضخم الغضب في صدره حتى كاد يخنقه فأشاح عنها بعينيه متغاضيًا عن وجودها ومضى....

"إيه ده يا ياسين..أخيرًا جيت...متأخر يعني"

قالتها عبلة دون أن ترفع نظرها عن أظافرها تنفخ عليها برقة لتجفف الطلاء....

التفت إليها ياسين يرميها بنظرة استهجان مليئة بالمرارة....

"اللي يسمعك يا عبلة هانم يقول قلقانة عليا ومستنياني؟!"

ابتسمت بخفة باردة وقالت بنبرة لاهية...

"أكيد يا حبيبي إنت مش ابني ولازم أَهتم بيك...."

ظلت عيناها مصوبتين نحو أظافرها الحمراء تنفخ فيهما بعناية بينما ابنها الوحيد يقف أمامها ينتظر نظرة واحدة منها...نظرة أم 
ولو عابرة !....

وحين لم تسمع منه ردًا رفعت عينيها أخيرًا نحوه فتجمدت للحظة وهي ترى الكدمات التي تملأ وجهه....

قالت بصدمة خالية من أي دفء...

"أوبس... إيه ده مين عمل فيك كده؟..."

أجابها بجمود قاتل...

"جوزك..."

وضعت يدها على فمها بصيحة مستنكرة....

"هيثم؟!...... وليه يعمل كده؟"

رد بنفس البرود...

"أنا اللي عملت.....وهو طبيعي يدافع عن نفسه..."

احتقن وجهها بالغضب وقالت بحرقة لا تخلو من الأنانية....

"وليه روحت عنده أصلًا؟....أنا مش قولتلك همشيها قانوني معاه... إيه قعدتي تقيلة على قلبك إنت كمان زي كل اللي في البيت هنا..."

هتف ياسين من بين أسنانه وصدره يغلي كأتون حارق...

"كنت بجبلك حقك اللي إنتي نسيتيه... "

قالت عبلة بضيق حاد..

"أنا مش عايزة حقوق منك... أنا هتصرف وهحل أموري بنفسي.... "

اهتاج من ردها ولوّح بيده غاضبًا....

"ولجأتي ليا ليه... طالما إنتي هتحلي
أمورك بنفسك...."

عقدت ساعديها أمام صدرها ببرود قائلةً...

"عشان ألاقي مكان أقعد فيه مش أكتر... لكن ما طلبتش منك تضربه وتتصرف زي الصيع كده.... هو ده اللي علمهولك فاروق وأهله... "

لمعت عيناه بوحشية وهو يحذرها بصيحة قوية....

"ما تجيبيش سيرة أبويا على لسانك واعرفي إنك قاعدة هنا في خيره وماله... "

حلت عبلة عقدة ذراعيها بصدمة وقالت بحدّة ممتزجة بالحنق...

"إنت اتجننت؟!..... وكأني عدوّتك... أنا أمك.."

حدّق فيها باستهجانٍ مريرٍ وقال بغضب
مكتوم....

"ماهي دي المصيبة... إنك أمي.... أمي اللي هافضل طول عمري أتعاير بيها وبجوازتها... "

احتد صوت تنفسها وحاولت السيطرة على نفسها وهي تقول بكبرياء....

"أنا ما عملتش حاجة غلط...أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله... ما أجرمتش..."

ثم أضافت وهي تلقي اللوم عليهم...

"أهل أبوك هم السبب...هم اللي ملوا دماغك بحاجات مش حقيقية... "

ظهر الاستهزاء والبغض في عينيه وهو يقول بقتامة....

"أنا كل حاجة سمعتها عنك كانت من برّا... مش منهم....تحبي أقولك كنت بسمع إيه من الجيران... ومن صحابي... وأمهات صحابي
اللي كانوا المفروض أصحابك وقتها... "

أخذت عبلة خطوة إلى الخلف تشعر بالكلمات كالرصاص الطائش يخترق صدرها....

بينما تابع ياسين حديثه بغصّة مريرة...

"تحبي أقولك ضربت كام عيل وعملت عاهة مستديمة لكام واحد فيهم...وانفصلت من المدرسة كام مرة.... تحبي أقولك إن مستوايا ساعتها نزل للصفر في التعليم....بسبب الحالة النفسية اللي دخلتيني فيها ومش عارف أطلع منها لحد دلوقتي...

تحبي أقولك جوزِك اللي هو في سني قال إيه عنك النهاردة ولا بلاش... تحبي أقولك أنا شايفك إزاي...."

مال برأسه نحوها معترفًا بملامح جامدة كالصخر وقال بصوتٍ منخفضٍ يقطر مرارة..

"طب تعرفي أنا بكرهِك قد إيه؟"

شهقت عبلة واتسعت عيناها مشيرةً إلى نفسها بعدم تصديق...

وكأن أفعالها طوال السنوات السابقة لا تستحق كل هذا الكره والغضب منها ؟!....

"بتكرهني..ليه عشان سيبت أبوك أجرمت؟!"

صرخ ياسين معترفًا بانفعالٍ حارق..

"عشان قتلتيه... إنتي اللي قتلتيه... موتيه بحسرته... "

صرخت عبلة في وجهه تدافع عن نفسها مرتديةً ثوب الضحية ببراعة....

"أبوك عمره ما حبني...هو بس اتقهر إزاي أسيبه وأروح لغيره ده مش حب..ده مرض
وهو اللي مرض نفسه بنفسه"

ضحك ياسين ضحكة مفتعلة ومعها بدا الارتباك والضيق واضحين على وجهها
وحين أنهى ضحكته قال بتهكمٍ ساخرٍ...

"طب واللي عندك إنتي ده... مش مرض؟!"

جف حلقها فجأة وسألته بترددٍ مرتجفة...

"تقصد إيه؟"

رد ياسين باحتقارٍ جارح...

"أقصد إن كل حاجة ليها نهاية... حتى حبك المريض لنفسك ليه نهاية....."

وقبل أن ترد عبلة سمعا معًا صوت طرقات
على باب الشقة 

تحرّك ياسين وحدسه يخبره أنها هي من تطرق الباب لكن عقله يرفض التصديق...

حتى رآها أمامه تقف عند عتبة شقته بإسدال صلاتها كما رآها في الشرفة لكن هذه المرة قريبة... قريبة جدًا لدرجة أنه رأى دموعها تسيل من عينيها وهي تشهق بفزع مقتربة
منه ثم لمست كدمات وجهه بأنامل
مرتجفة....

حاول ياسين أن يُلهي عقلها فقال بضيقٍ
ظاهر...

"أبــرار... إيه اللي طلعِك هنا؟"

قالت بتهدّجٍ وهي تتفحص وجهه بعينيها
وقد تجمعت في ملامحها كل مشاعر الخوف والحنان والدفء....

أشياء لم تفعلها أمه الواقفة خلفه تنظر إليهما ببرودٍ خالٍ من اي عاطفة....

"إيه اللي في وشك ده..مين عمل فيك كده
يا ياسين....وليه قافل تليفونك من الصبح
كنت هموت من القلق عليك...كنت شوية وهنزل أدور عليك في الشارع زي المجنونة.."

أبعد ياسين يدها عنه قائلًا بملامح جافة...

"انزلي يا أبرار...ونتكلم بعدين... وجودك هنا غلط...."

لم تُنصت إليه أبرار وقالت بلوعة...

"هبقى أقولهم إني كنت بطمن على طنط..."

ثم انتبهت إلى وجود عبلة خلفهما فقالت بحرج....

"إزاي حضرتك آسفة... لما شوفت اللي في وشه اتلغبطت...."

تبرمت عبلة وهي توزع نظراتها الحانقة عليهما بعجرفة باردة، قائلة....

"ياريت تعقلي خطيبك شوية... لحسان بالشكل ده هيخسر كتير أوي...وأول واحدة هيخسرها إنتي...."

ثم غادرت إلى غرفتها وتركتهما بينما قالت أبرار بقلقٍ وهي تنظر نحوه....

"ليه بتقول كده؟..... فهمني... في إيه؟... "

أغمض ياسين عينيه بقوة ثم سحب نفسًا عميقًا وأطلق تنهيدة طويلة بعده قائلا 
بصلابةٍ مُصر.....

"انزلي دلوقتي يا أبرار.... "

تململت أبرار بعصبيةٍ مغتاظة منه...

"إنتَ مالك في إيه.... كل اللي عليك انزلي انزلي.. مش نازلة غير لما أفهم في إيه...
وإيه اللي في وشك ده؟..."

ثم أضافت بعد لحظة صمتٍ قصيرة...

"دي عايزة كمدات تلج... عندك في المطبخ صح؟..."

تحركت نحو المطبخ ببساطة فأوقفها ياسين وهو يمسك بذراعها رافضًا تواجدها هنا خوفًا من عواقب والدها إن علم....

"أبــرار..."

نظرت إليه بتساؤل فترك يدها بتحفّظ وقال بضيق...

"أبوكي لو عرف..."

قاطعته أبرار بهدوءٍ تبثّ الطمأنينة إليه...

"متقلقش...أنا قولت لشروق تغطي على غيابي لحد ما أرجع....ممكن تسيبني أجيب التلج خليني أفهم إيه اللي حصل... ومين عمل
فيك كده؟"

بعد لحظات كانت تجلس بجواره على الأريكة في الصالة تُعالج كدماته بكمادةٍ باردة.....

بينما هو يحكي لها كل شيء باستفاضة كطفلٍ صغيرٍ يحكي لأمه عن يومه من بدايته إلى نهايته...وأمه تسمع بكل اهتمامٍ وحنان....

المشهد لم يكن غريبًا عليهما فهذا هو حالهما منذ الصغر كلاهما يبحث عن الآخر ليشكي له ما يوجعه ويُخرج ما يعتمل في صدره.
كانا العائلة والسند لبعضهما....

هي كانت تراه صديقها الوفيّ الدائم وهو كان يراها أمه الصغيرة...تلك التي جاءت عوضًا 
عن كل ما افتقده في حياته....

"عشان كده قفلت تلفونك....."

قالتها أبرار وهي ترمقه بنظرة لائمة...

نظر لها ياسين معترفًا بوجوم...

"كنت ممكن أقع بلساني وأقولك على اللي ناوي أعمله..."

سألته أبرار بضيق يشوبه العتاب...

"ولما عملت كده ارتحت؟... وصلت لحاجة؟"

أغمض ياسين عينيه وهو يشعر بيدها الحانية تسير برفق على كدمته من خلال تلك القماشة الباردة...

"ولا حاجة...حتى الراحة مش حاسس بيها... أنا ضايع يا أبرار ومش عارف أطلع من الدايرة دي...حاسس إني محبوس جواها... وبشدك معايا..."

انكمشت ملامحها عابسة وهي تقول بظَفَر...

"إيه الكلام الكبير ده...مفيش حاجة من دي... مشكلة وهتعدي وهنرجع أحسن من الأول... وبعدين تشدني إيه؟.. مفيش حد هيخرجك غيري...ده أنا بنت صالح الشافعي يا بني..."

فتح ياسين عينيه إليها قائلًا بتهكم...

"الخوف من صالح الشافعي نفسه..."

قالت أبرار بدفاع...

"على فكرة.... بابا طيب وبيحبك..."

أومأ ياسين مؤكدًا بتجهم...

"طيب ما قولناش حاجة لكن أكيد بيحبك إنتي أكتر... وسعادتك عنده أهم..."

تأففت أبرار بضيق وهي تنظر إليه شزرًا...

"جرالك إيه يا ياسين...حد قالك إني تعيسة معاك...وبعدين إيه الكلام اللي يقلق الواحد 
ده... ده إحنا المفروض داخلين على خطوبة... خف نكد... "

ثم غمغمت وهي تخفض عينيها أرضًا...

"قال وبيقولوا الست هي اللي نكدية..."

تأملها ياسين بحب وشفتيه تميلان في ابتسامة صغيرة دافئة رأتها أبرار بعد أن
رفعت عينيها عليه فقالت بغيظ...

"بتضحك...ممكن تقولي هتحضر الخطوبة 
إزاي بوشك المتخرشم ده؟"

أطلق ياسين تنهيدة متعبة وهو يرجع ظهره للخلف قائلًا...

"لما ييجي وقت الخطوبة يحلها ربنا... وبعدين أبوكي قال هتبقى شرعي يعني حتى الشبكة مش هلبسهالك... يمكن أشوفك من على بُعد عشان يضمن إني ما قربش منك..."

احتدت نظرات أبرار وهي تقول...

"مفيش الكلام ده... انت اللي هتلبسني الشبكة...وهترقص معايا كمان.."

توسعت ابتسامة ياسين حتى ظهر صفّ أسنانه ونفحات من البهجة والرضا تملأ 
صدره وهو يقول....

"معنديش مشكلة والله أعمل أكتر من كده... بس أبوكي وضعه إيه؟....هتقدري عليه؟"

ظهر التردد جليًّا على وجهها وهي تقول 
بخفر...

"ما يقدر على القدرة إلا ربنا... كلمه إنت..."

ضحك ياسين بسخرية قائلًا بمزاح ثقيل...

"إنتي بتسلّمينِي؟.... أنا مالي أنا معنديش مشكلة...إنتي اللي معترضة وعايزة ترقصي معايا وتصوري على حجري..."

جحظت عينا أبرار بصدمة وهي تلكمه في صدره....

"أنا قلت أتصور على حجرك؟.... يا كداب"

ضحك ياسين قائلًا بمناكفة...

"ما هو ده سيشن قراية الفاتحة.. كل صحابي عملوه... فاضل أنا وبعض الصالحين..."

تبرمت أبرار قائلة باستياء...

"بجد ظريف أوي..."

غمز لها ياسين مؤكدًا بزهو صبياني....

"إيه رأيك بذمتِك تلاقي حد زيي كده حلاوة ووسامة وخفة دم....عريس لقطة... "

نهضت أبرار من مكانها وهي تردد كلمته بسخرية...

"لقطة... آه انت هتقولي..."

سألها ياسين بلهفة...

"رايحة فين؟"

أجابته وهي تتحرك ناحية باب الشقة...

"نازلة...... كفاية كده..."

قال من خلفها بمناغشة وقحة...

"طب وسيشن قراية الفاتحة... ما تيجي
نعمل بروڤا..."

دون النظر إليه قالت بصوتٍ خشن...

"احترم نفسك... وروح نام..."

مد ياسين يده يأخذ كوب الليمون الذي حضرته له مع الكمدات بينما تابعها بعينيه
وهو يرتشف منه...

رآها تنظر من العين السحرية للباب قبل خروجها ثم في اللحظة التالية ارتدت للخلف بهلع وقد هربت الدماء من عروقها وشحب وجهها فجأة وهي تنظر نحو ياسين هامسة بارتيـاع....

"يا نهاري...أبويا واقف على الباب أعمل إيه دلوقتي؟...."

أفرغ ياسين ما في فمه دفعة واحدة في الهواء ثم بدأ يسعل بقوة حتى احتقن وجهه وشعر بالاختناق....

"إيـه؟!....... على الباب؟!"

ابتسمت أبرار بتشفٍ وهي تقول قبل أن تخرج من باب الشقة كالحمل الوديع....

"اتشهَد يا حبيبي مش كده... أمال مين هيعمل معايا سيشن قراية الفاتحة؟"

الآن استوعب أنها تلاعبت به منذ دقيقة...
تلك المخادعة..... 

هتف ياسين متوعدًا بغضب...

"يا بنت الـ... ماشي يا أبرار والله ما هعديها..."

..............................................................
غطت الإناء وتركته على النار ثم استدارت إلى الخالة أبرار تسألها بهدوء...

"ها يا خالتي... أحط برام الرز في الفرن؟"

قالت الخالة بهدوء...

"حطي يا حبيبتي... تلاقي صالح على وصول."

ثم مطّت شفتيها باستياء قائلة...

"كان نفسي ياسين يطلع ياكل معانا... منها لله اللي ما تتسمّاش...."

اقترحت عليها شروق وهي تشعل نيران الفرن لتضع الفخّار....

"كلميه لما يرجع من الشغل...قوليلو ينزل..."

تنهدت الخالة وهي تجيب بحنق....

"مش هيرضى... هيقولي جبت أكل معايا من برا زي كل يوم.... قعدتها في البيت زي قلتها
مش بيهون عليها تطبخ له لقمة مش عارفة
أم إزاي دي..."

قالت شروق بتحفّظ...

"ربنا يهدي يا خالتي..."

جزت الخالة على أسنانها وهي تقول ببغض..

"إمتى بقى تغور من هنا؟!"

قالت شروق بدهشة...

"طوّلي بالك يا خالتي...دي ما بقِلهاش كام يوم... "

ظهر الانزعاج والخوف على ملامح الخالة وهي تقول بمقت...

"قعدتها في البيت مش مريحاني ولا مطمّنالي قلبي...أصلك ما تعرفيهاش زيّي...دي يا ما عملت مشاكل وقوّمت الدنيا وكانت بتوقّع الأخوات في بعض...غيرتها من جميلة كانت قاهراها من الكل..."

بلعت شروق الغصة في حلقها وهي تسألها بتحشرج....

"وهي كانت بتغير منها ليه؟"

أجابتها الخالة بحذر...

"غيرة سلايف بعيد عنك... لكن جميلة عمرها ما حطّتها في دماغها...كان كل اللي يشغلها جوزها وبنتها....وده كان بيقهر عبلة..."

ثم تابعت الخالة متناسية تمامًا وضع شروق الحالي بينهم....

"حب صالح لمراته وحنيّته عليها كانوا بيضيّقوها خصوصًا إن فاروق رغم حنيّته وحبه لعبلة وقتها بس كان كتوم ما كانش
زي صالح..."

سألتها شروق باختناق...

"كان بيحبها أوي؟"

سألتها الخالة..

"تقصدِي مين؟..... فاروق؟"

هزّت رأسها نفيًا....

"لأ... صالح."

قالت الخالة باستفاضة....

"في الأول كان جوازهم عادي زيّي أنا 
وأبوه كده الله يرحمه....أهلها كانوا جيرانّا...
شوفتها وعجبتني فخدتها لصالح وهو
وافق...بعدها بقى حبوا بعض وجت أبرار وربطت اللي بينهم أكتر..."

ساد الصمت بعد حديثها وتركت كلماتها الأخيرة صدى يتردّد في أذنَي شروق.

أطلقت الخالة زفرة استياء بعد أن أدركت زلّتها....

"يوووه... يقطعني ساعات بنسى إنك بقيتي مراته وبقول كلام ما ينفعش يتقال..."

ثم اقتربت منها تراضيها معتذرة....

"ما تزعليش مني يا شروق...صالح لو ما كانش بيحبك وميال ليكي ما كانش اتجوزك.
أنا عرضت عليه عرايس أشكال وألوان
ما كانش بيرضى يبُصّ في وشهم حتى.."

التوت ابتسامة شروق بمرارة وهي تقول..

"بتصبّريني بالكلام يا خالتي...يمكن صعبت عليه فاتجوزني علشان خاطر بنتي..."

انكمشت ملامح الخالة بعدم رضا وهي تقول باستنكار....

"إيه الكلام العبيط ده؟! هو اللي بيصعب عليه حد اليومين دول بيتجوزه؟!... جرالك إيه سيبي الكلام ده لعيلة صغيرة مش لواحدة عاقلة وفاهمة زيك... لفت الدنيا وشافت
وتعرف تفرق بين راجل بيحبها... وراجل واخدها شفقة زي ما بتقولي..."

شردت عينا شروق في مكان آخر بينما تنهدت الخالة بقنوط وهي تقول...

"استهدي بالله كده وشيلي الأفكار دي من دماغك...بلاش تخربي على نفسك."

ثم تحركت للخروج قائلة...

"أنا هروح أصلي العصر... خدي بالك من تسوية الأكل...."

خرجت الخالة وتركتها وحدها في المطبخ
مع وحوش أفكارها تتصارع في رأسها.
فقد أشعل حديث والدته عن عشقه الأبدي لزوجته الراحلة  كما أخبرتها عبلة بالأمس نيرانًا في صدرها....

لم تكذب إذًا...

الجميع يؤكد تلك المشاعر وكأنها أمر واقع يجب أن تقبل به بينهم....

أطلقت تنهيدة طويلة وهي تخرج من المطبخ
تشعر بأن الحوائط تكاد تُطبق على أنفاسها من كثرة التفكير....

وجدت ساقيها تقودانها إلى غرفتهما...
غرفة (جميلة وصالح) تلك التي لا يدخلها أحد سوى للتنظيف ويبقى كل شيء فيها كما هو.

فتحت الباب ودلفت إليها ثم أغلقته خلفها
وأضاءت النور تتأمل تلك الغرفة التي لم تطأها يومًا....

غرفة جميلة... مرتبة بسيطة دافئة تحمل عطرًا أنثويًا طيبًا لطيفًا على الأنف..... من الذي ينثر عطرها في أرجاء الغرفة هكذا؟

أهو صالح؟ 

أم أبرار؟

نمت الغصة في حلقها أكثر وهي تتخيل أنه هو من ينثر عطرها ويبقى هنا ليسترجع لحظاتهما الخاصة الدافئة... والحميمية.

هل يفعلها؟!

شعرت بوخزة قوية في قلبها فوضعت يدها على صدرها تلقائيًا وهي تتأوه بألم.

لماذا تختار شقاء قلبها بيديها؟

هي على دراية تامة أن جميلة ستظل بينهما إلى اللانهاية.

فلماذا لا تتقبل ذلك وتريح نفسها؟

عشقها له وغيرتها عليه يفوقان قدرتها على تحمّل ذكرى امرأةٍ ميتة......

بلعت غصتها وهي تمنح نفسها الحق في التفتيش في أغراض امرأة أخرى 

لتجد ملابسها وعطرها وزينتها وحتى فرشاة شعرها كما هي وكأنها حُنطت لتبقى ذكرى خالدة...

حتى لا ينساها أحد وتظل عالقة في الأذهان.

وفجأة...

انفتح باب الغرفة فرفعت عينيها نحوه بتردد
وهي تُغلق باب خزانة الملابس على عجل.

رأت صالح أمامها...ملامحه لا تنذر بالخير بعد أن رآها هنا تعبث بأغراض زوجته الراحلة... حبيبته.....

إذا كانت هي الزوجة والحبيبة له...فما مكانها 
الحقيقي في تلك الزيجة....مجرد امرأة... تُثير رغباته؟!

سالها عابسًا بشدة....

"بتعملي إيه هنا....." 

ازدرَدت ريقها بتوتر وهي تهرب من عينيه القويتين...

"ولا حاجة..."

استشاط غضبًا من مراوغتها له فقال بحدة..

"إزاي ولا حاجة؟!... دخلتي هنا ليه وبتفتشي في حاجتها ليه؟!..."

قالت وهي تتحرك تنوي الخروج من الغرفة..

"عادي يعني... كنت عايزة أتأكد من حاجة واتأكدت..."

أمسك بذراعها قبل أن ترحل قائلًا وهو ينظر إلى عينيها...

"إيه هي الحاجة اللي كنتي عايزة تتأكدي منها؟...."

شعرت أنها تفقد قدرتها على الصبر والتحمّل أمام حصاره بالأسئلة والنظرات الحانقة 
فقالت بغضب وهي تنزع ذراعها من
قبضته...

"حبك ليها... اللي مخليك تحتفظ بحاجتها السنين دي كلها... لا وكمان مغرق الأوضة من ريحة برفانها... ساعات كنت بستغرب انت ليه كنت بتطول فوق أوي كده قبل ما تنزل تقعد معايا..."

ثم أشارت إلى الغرفة بكرهٍ وغيرة...

"اتاريك بتبقى هنا... بتفتكر اللي كان..."

تحدث صالح بهدوء وثقة...

"مش محتاج أفتكر... مفيش حاجة نسيتها..."

إجابته أصابتها في مقتلها رغم إدراكها لتلك المشاعر إلا أن سماعها منه كان أمرًا آخر.

"يعني بتحبها؟!"

هتف صالح باستنكار وهو ما زال محافظًا على رباطة جأشه...

"حد قالك إني بكرهها؟!... دي أم بنتي... عشرة تسع سنين ما شوفتش منها غير كل خير."

اهتاجت من رده فصاحت بغيرة...

"وطالما هو كده... اتجوزتني ليه؟!"

حذرها صالح بنظرة محتدة مهيبة...

"وطي صوتك واتكلمي براحة... إحنا مش بنتعارك..."

علا صوت أنفاسها حدةً وهي تقف أمامه بأعصابٍ على حافة الانهيار. بينما هو هادئ حديثه متزن ورده صائب... وهذا الفرق
الكبير بينهما....

حاولت أن تهدأ من روعها وهي تعيد السؤال بإصرار....

"رد عليا... اتجوزتني ليه؟"

سألها بتحفز...

"تقـصدي إيه يا شروق؟"

قالت بانفعال دون أن ترفع صوتها عليه...

"أقصد اشمعنا أنا؟!..صعبت عليك مثلًا فقولت تتجوزني تكسب فيا ثواب أنا وبنتي؟!"

حديثها كان بمثابة طعنة غادرة تلقاها في
قلبه فانحنى حاجباه تلقائيًا من دهشة يشوبها العتاب وقست نظراته وهو يسألها بلوم...

"انتي شايفة إن بعد كل اللي عشناه اتجوزتك عشان صعبانة عليا؟!..."

أسبلت جفنيها ناظرةً إلى الأرض وعقلها يسترجع كل ما حدث بينهما منذ أن دخلت 
هذا البيت رغمًا عنه إلى آخر لحظة تعيشها الآن....

عاد صالح يسألها بصلابة وثبات...

"ردي... أنا اتجوزتك عشان انتي صعبانة عليا طب اللي حصل بينا من أول يوم جواز معناه إيه من وجهة نظرك؟..."

انطلقت عبارتها بنزقٍ دون تفكير...

"معناه إنك راجل... وكنت محتاج ست في حياتك..... مش أكتر... "

ارتد صالح برأسه إلى الخلف مصعوقًا من ردها الذي نال من كرامته كرجل... فيما عضت هي على لسانها تلعن غباءها وغيرتها....

رنّ الصمت بينهما للحظاتٍ بدت كدهرٍ بالنسبة لها فهو لم يُنزِل عينيه عنها ونظراته كانت تفيض خذلانًا ولومًا...

"لو كنت زي ما بتقولي مكنتش قعدت عشر سنين من غير جواز..."

قهرها الرد وتمنت لو تعود بتلك الدقيقة لتسحب كلامها....

"كنت فاكر إن مخك أكبر من كده... وإنك فهماني وحاسة بيا... حتى لهفتي عليكي من أول يوم جواز لينا فهمتيها غلط... يا خسارة
يا شروق..."

خفق قلبها بوجع وانعكس الندم على ملامحها وعينيها وهي مطرقة برأسها أرضًا أمامه تفرك يديها كتلميذةٍ مذنبة ارتكبت خطأً لا يُغتفر...

انتقلت عيناه من انحناءة رأسها أمامه إلى أرجاء الغرفة الدافئة... غرفة زوجته الراحلة التي لم تتجرأ يومًا على جرحه أو المساس بكرامته....

تابع حديثه بصرامة عن أمرٍ مفروغٍ منه..

"حاجات جميلة موجودة في أوضتها لأنها حاجتها...مش هرميها عشان أأكدلك إني نسيتها...وهبقى كداب لو قولت إني نسيتها. جميلة عمري ما هنساها... كانت مراتي قبلك وأم بنتي الوحيدة."

ثم أضاف بنبرةٍ أكثر هدوءًا...

"لو مخك يستوعب شوية هتعرفي إننا بنتكلم عن ست ميتة مبقتش موجودة معانا... بقت مجرد ذكرى حلوة لما نفتكرها نترحم عليها."

ثم أوضح بملامح جافية...

"أنا مبقعدش في الأوضة دي يا شروق... بقضي الوقت مع أمي وبنتي هما ليهم حق عليا... وعشان أبرار متحسش بفرق."

ثم زم فمه كاظمًا غيظه وغضبه مستأنفًا...

"أما البرفان اللي مغرق الأوضة زي ما بتقولي فأبرار متعودة ترش من برفان أمها كل ما تدخل الأوضة وتحب تقعد فيها... وعشان مقفولة أغلب الوقت... تلاقي ريحتها كده."

أمرها بصلابة...

"ارفعي عينك...."

رفعت عينيها بخفر وجسدها يرتجف رجفةً خفية مثل قلبها بين أضلعها في حضوره فيما تابع صالح بخشونة لم يرتفع صوته عن العادي

"آخر حاجة جوازي منك كان رغبة في الحياة معاكي...مش في جسمك."

شعرت أن قلبها تحطّم إلى أشلاء وتمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها من أمامه... لعلّه ينسى وتنسى هي أنها وضعت نفسها في هذا الموقف المخزي....

تابع صالح حديثه معترفًا بصوتٍ خالٍ من الدفء...

"ولهفتي عليكي في أي وقت بنبقى فيه مع بعض مش عشان أنا راجل شهواني زي ما بتلمّحي... ده عشان أنا حبيتك."

"ومش لازم أقولها بلساني عشان تفهمي ده وتحسي بيه... أظن إني وصلت حبي ليكي بكل الطرق.... بس انتي شكلك مخدتيش بالك..."

ثم رفع ذراعيه وأنزلهما معًا بقلة حيلة قائلًا..

"ماهو لو خدتي بالك...ما كنتيش هتوقفيني الوقفة دي... ولا هتخليني أقول الكلام ده..."

ثم خرج من الغرفة أمام عينيها وتحركت شروق خلفه بتردد تتقدم خطوة وترجع ثلاثًا بخوف حتى وقفت عند عتبة باب الغرفة.

رأته يتحدث إلى ابنتها في الصالة فظلت مكانها تشاهدهما من على بُعد خطوات
بعينين نادمتين....

"مبروك النجاح يا ملك."

قالت ملك ببراءة...

"لسه النتيجة مظهرتش... بس إن شاء الله هنجح زي ما وعدتك يا عمو..."

قال صالح مبتسمًا...

"وأنا واثق... عشان كده بقولك مقدمًا مبروك النجاح... ودي هديتك اللي وعدتك بيها."

سحب صالح من على الطاولة حقيبة هدايا أحضرها معه عند عودته من العمل... أخذت ملك الحقيبة بسعادة وهي تُخرج علبة الهاتف الحديث الذي وعدها به...

قالت بانبهار وهي تفتح فمها إلى آخره...

"إيه ده بجد... نفس نوع التليفون اللي مع أبرار... "

أكد صالح مبتسمًا...

"زيه بالظبط... إحنا مش متفقين على كده؟"

دون تفكير عانقته ملك بسعادة وامتنان...

"شكرًا يا عمو... انت أحسن حد في الدنيا... شكرًا... شكرًا... "

سألها صالح برفق...

"هتعرفي تفتحيه؟"

قالت ملك وهي تضم العلبة إلى صدرها بسعادة عارمة...

"أيوه... بس مش هطلعه من علبته غير لما أبرار تيجي ونفتحه سوا."

لانت نظرات صالح أكثر نحوها وهو يقول بملاطفة...

"كده محتاج أجيب هدية أكبر للدكتورة..."

قالت ملك بشقاوة...

"تحب أقولك تجيبلها إيه؟"

رفض صالح وهو يقول بنظرة ذات مغزى..

"مش عايزك تغشّشيني... أنا عارف هجيب لها إيه... وهعتمد على مين..."

رفعت ملك عينيها لترى أمها تقف هناك تتابع ما يحدث بنظرة حزينة صامتة....

ركضت إليها ملك تقفز بفرح وحماس قائلة..

"ماما.... شوفتي عمو صالح جبلي إيه.. "

مسدت على شعرها وهي تنظر نحو صالح باعتذار...

"يعيش ويجبلك يا حبيبتي... مبروك عليكي."

أبعد صالح عيناه عنها مغادرًا فهتفت اسمه بلهفة ولم تتحرك من مكانها خوفًا من ردّة فعله...

"صـالـح..... رايح فين..... الغدا... "

رد باقتضاب فابنتها ما زالت تقف بينهما...

"مليش نفس... أنا هطلع عند برج الحمام شوية.... "

قالت بلوعة...

"شوية؟!.....قصدك لحد آخر الليل؟"

أومأ برأسه مؤكدًا دون أدنى شك...

"كويس إنك عارفة... والأحسن متستنيش...
أنا ناوي أنزل أبات هنا."

"إيــه؟!......تبات هنا؟!"

خرج أمام عينيها بينما هي تردد الكلمتين بصدمةٍ تنز بالقهر والندم... فهي من أوصلت الأمور إلى هنا وتركت الشيطان وتلك المرأة يتلاعبان بها...
...............................................................

وقف أمام السيارة ينتظر نزول صديقه رفع عينيه إلى شرفة الشقة متصورًا خروجها ولو بالخطأ...

لكن كيف ستفعلها وهي تعرف أنه بالأسفل؟

ألم تشتاق إليه؟!

ما بال قلبه كلما ظن أنه تحرر من قيدها عاد الحنين يعصف بوجدانه؟

اعتصر عينيه بقوة غاضبًا من نفسه ومن مشاعر أشبه بوسوسة شيطانٍ تجذبه إلى الوقوع في نفس الذنب...

"أمي زعلت منك على فكرة..."

فتح سلامة عينيه فرأى صديقه يخرج من البيت وهو ينطق بتلك العبارة....

"ليه بس..... أنا عملت إيه؟"

أجابه أيوب بوجوم...

"بقالنا ساعة بنتحايل عليك تطلع... إيه 
كبرت علينا بعد الجواز؟"

قال سلامة باقتضاب...

"لا كبرت ولا صغرت أنا قولت أستناك هنا في الطراوة... وبالمرة أخلص السيجارة."

لم يرد عليه أيوب الذي انشغل في تفتيش جيوب بنطاله فسأله سلامة...

"مالك..... في إيه؟"

"نسيت المفاتيح..."

قالها أيوب وهو يخرج هاتفه مجريًا اتصالًا بأخته...

"نهاد بالله عليكي احدفي سلسلة المفاتيح بتاعتي من عندك..."

رفع سلامة عينيه بلهفة إلى الشرفة حتى ظهرت هي أمامه بشموخٍ أنثويٍّ يليق بها...

كانت تضع حجابها الورديّ الناعم على رأسها بعشوائيةٍ تتسلل منها بعض الخصلات الحريرية...

ظل واقفًا في مكانه يحدجها بنظرة المحروم من الجنة من الراحة ومن الحب...من نهاد
حبها....وحنانها..همستها...ابتسامتها... 
طلتها... روحها.....محروم من الشعور بها...

كان ما بينهما استثنائيًا...حتى الوجع نفسه أصبح استثناءً في قلوبهما....

ألقت سلسلة المفاتيح نحو أخيها فالتقطها أيوب بمهارة....

ابتسمت لأخيها بمحبة ثم دلفت إلى الداخل ولم ترفع عينيها نحوه وكأنه غير موجود...

سرعة تخطيها له أدهشته وتلك هي المرة الثانية التي يتأكد فيها أنه مرَّ في حياتها
مرور الكرام ولم يترك أثرًا يُذكر...

عندما دلفت نهاد إلى غرفتها نزعت حجابها وجلست على حافة الفراش تتابع ارتداء ملابسها للذهاب إلى الجامعة وإنهاء الاختبارات المتبقية عليها...

فترة مرهقةٌ مرت عليها تُقحم نفسها بين الكتب والجامعة...

حتى باتت تشعر أن عقلها يكاد ينفجر من
شدة الضغط الذي تمارسه على نفسها بمنتهى السادية....

لكنها الطريقة الوحيدة والمضمونة للخروج من
تلك الحالة.....

شعرت أن الدموع تسيل من عينيها عنوةً عنها فمسحتها بعصبية وهي تستقيم لتلفّ حجابها
بملامح شديدة التحفظ والجدية....

يجب أن تمضي دون الالتفات لأيّ شيءٍ آلمها.
عليها أن تبني من وجعها وخذلانها سورًا عاليًا يحميها من الحب... ومن أهل الحب....

سمعت أمها في الخارج تتحدث مع سلامة من الشرفة مُلِحّةً بأسلوب ودود على العزيمة...

أغمضت عينيها بقوة وعلت وتيرة أنفاسها بعصبية بينما قلبها يئنّ بين أضلعها تعبًا وكأن الجميع يتآمر ضدها ويستفزّ صبرها وقوة تحملها....

"مش هينفع والله يا خالتي أم أيوب خليها مرة تانية..."

رفضت صفية بإصرار...

"لا مرة تانية ولا مرة تالتة... انتَ بكرة هتتغدى عندنا انت ومراتك... وقولي هي بتحب أكل إيه أعمله ليها..."

لم يجد ردًّا ففي الحقيقة هو لا يعرف الكثير عن زوجته....

"خليها مرة تانية بالله عليكي..."

تدخل أيوب قائلًا بضيق...

"ما تسمع الكلام يا سلامة عشان مراتك تعرف إنك ليك أهل وعزوة...وبالمرة تتعرف على البنات..."

حديث أيوب لم يزده إلا تصميمًا على رفض تلك الزيارة وهذا التعارف...

"عزة عارفة اللي فيها يا أيوب...وبعدين إحنا أكتر من الإخوات يابو الصحاب...وأهلك هما أهلي....مش العزومة هي اللي هتأكد ده..."

تدخلت صفية مجددًا تقنعه...

"ليه بس كده يا سلامة...هتزعلني منك؟ ما بكرة الجمعة إجازتكم..."

فقال بسرعة بديهة معتذرًا....

"معلش أصل أنا بكرة هروح أتغدى عند خالتها عزماني من أسبوعين...وكل مرة عزة بتروح لوحدها عشان الشغل...المرة دي عايز أروح معاها...."

لن يضع زوجته في موقف كهذا ولن يجرح الدكتورة أكثر بوجوده.....

يجب أن يتخطاها كما فعلت هي وإن كانت الصدف تجمعهما بسبب عمله مع أخيها فعليه أن يتوارى عن الصدف كما توارى عنها وخذل قلبها.....

تنهدت نهاد براحة بعد سماع رفضه وبعد أن انتهت تحركت لتخرج من الشقة تودّع أمها بعدما سمعت صوت سيارة أيوب تغادر المكان فأصبح الطريق أكثر أمنًا الآن....
................................................................
بعد يومٍ طويلٍ ومرهقٍ في العمل دلف سلامة إلى غرفته يجر قدميه جرًّا من الأرض وحين وصل إلى الفِراش ألقى بنفسه عليه بقوة...

"سلامتك يا سي سلامة... مالك؟"

أخبرها سلامة بصوتٍ أجش...

"رجلي مش حاسس بيها من كتر الوقفة..."

ذهبت نحو الحمام وهي تسأله بقلق....

"ليه كده؟..... الشغل كان يامه عليك؟"

أجابها بصوتٍ عالٍ قليلًا حتى تسمعه....

"ما أنا قولتلك امبارح إننا بنسلم طلبيات تانية دا غير الشغل اللي أيوب بيعمله بنفسه للستات الأكابر... بعد ما كسب في المسابقة."

أتت عليه عزة وبين يديها إناءٌ بلاستيكي وضعت فيه ماءً دافئًا....

"ربنا يزيد ويبارك ويوسع رزقكم كمان وكمان..."

وضعت الإناء أرضًا وجلست عند قدميه ثم ساعدته في نزع جواربه ووضعت قدميه المتورّمتين في الماء....

سألها سلامة مذهولًا...

"بتعملي إيه يا عزة؟"

قالت وهي تدلّك أصابعه برقة...

"مية دافية تريح رجلك...بعد الوقفة دي كلها."

رفض سلامة جلوسها هكذا...

"طب قومي بلاش تقعدي كده."

افترت شفتيها في ابتسامةٍ رقيقة وهي
تقول...

"الله... وأنا لو مقعدش تحت رجل جوزي حبيبي هقعد جنب مين؟"

سرت النشوة بين عروقه وشعر بالاكتفاء بعد كلامها وعنوةً عنه همس باسمها..

"عـزة..."

ظنت أنه يناديها كي تتوقف فتابعت تدليك قدمه وهي تقول بحنو...

"هدعكهالك عشان تفُك كده والوجع يروح."

لانت نظراته أكثر نحوها فهي لا تُعالِج ألم قدمه كما تظن بل تُعالِج جرحًا أعمق وأكثر خطورة عليهما...

"تسلم إيدِك يا وِزة.... "

قالت عزة بحب...

"إن شاء الله تسلم من كل شر."

ثم بعد دقيقة نادت عليه بتردد...

"سي سلامة... ولا خلاص؟"

قال سلامة بصوتٍ أجش...

"عايزة تقولي حاجة؟... قولي."

رفعت عزة عينيها بتساؤل والغيرة تعصف بصدرها...

"هي الستات الأكابر اللي بتقول عليهم دول... حلوين؟..... بتشوفهم يعني؟"

رد سلامة بإيجاز....

"أه بشوفهم...بشوفهم وبقعد معاهم كمان... بتسألي ليه؟"

قالت بلوعة...

"يعني... حلوين؟"

مط سلامة شفتيه مجيبًا على مضض...

"أكيد حلوين... ولو مش حلوين بفلوسهم هيبقوا حلوين... "

سألته بحرقة...

"يعني هما أحلى مني....صح؟"

علت الدهشة وجهه وهو يدقق النظر بها ليفهم أخيرًا مغزى سؤالها فقال بمداعبة....

"مفيش حد أحلى منك يا وِزة."

أسبلت جفنيها وهي تقول دون تبسّم...

"ربنا يجبر بخاطرك."

مال سلامة عليها يرفع وجهها بيده برقة قائلًا بصوتٍ أجشّ صادق...

"مش بجبر بخاطرك والله... أنا لسه قايلك لو هما مش حلوين هيبقوا حلوين بفلوسهم... يعني من الآخر كلها تجميل ونفخ وشد... إنما إنتي بقى الطبيعي كله."

ثم أضاف مبتسمًا...

"دا كفاية ضحكتِك..."

حرّكت أهدابها بارتباك وحمرة الخجل تغزو وجنتيها فقال سلامة وهو يتأمّل جمالها البسيط وشعرها الأسود القصير الخفيف...

مد يده لأول مرة متجرئًا على لمس تلك الخُصل الصغيرة فارتجفت عزة إثرَ لمسته الحانية فيما وهو يقول....

"شعرك خفيف أوي يا عزة..."

قالت بحرجٍ شديد...

"هي دي طبيعته من زمان... بس يعني لما نفسيتي بتتعب... بيبقى كده."

عقد حاجبيه عابسًا متسائلًا...

"نفسيتك تعبانة؟... من إيه؟"

زمت فمها وهي تقول بصوتٍ أجوف...

"من القعدة لوحدي يا سي سلامة... وانت مش بتيجي غير نص الليل زي دلوقتي... وأنا طول اليوم وشي في وش الحيطة...."

لان قلبه إليها فحاول أن يراضيها قائلًا...

"متزعليش يا عزة... بكرة أجازة هنقضي اليوم سوا... عايزة تخرجي فين؟"

قالت عزة بملامح منبسطة...

"مش عايزة أخرج يا سي سلامة... عايزة أقضي اليوم معاك هنا في بيتنا."

ضاقت عيناه مندهشًا من ردها...

"متأكدة؟... بتضيعي الفرصة من إيدك
خروجة مش هتتعوض... "

ردت عليه وهي تنهض من على الأرض حاملة الإناء بين يديها....

"تتعوض وقت تاني... اليوم اللي هنقضيه في بيتنا أحسن من اللفّ هنا وهناك."

ثم رآها تخرج من الحمام بعد لحظات قائلة بابتسامةٍ واسعة...

"أنا حضرتلك الحمام وطلعتلك هدوم نضيفة علقتها عندك... على ما تخرج يكون الغدا جاهز. عملتلك بامية باللحمة والرز."

عقّب سلامة متعجبًا...

"بامية؟!.... عرفتي منين إني بحب البامية؟"

قالت عزة بنفس البسمة الجميلة والنظرة المشعّة حبًّا وحنانًا...

"قلبي دليلي يا سي سلامة... وعارفة إنك بتحبها...."

أومأ برأسه معترفًا وهو يتحرك نحو الحمّام الصغير....

"وكان نفسي فيها كمان... تسلم إيدِك يا وِزّة."

سحب الستارة عليه بينما تنهدت هي بحسرةٍ ناعمة وهي تقول...

"يا بخت البامية..."

ثم ضربت على خدها بخفةٍ قائلة بسخطٍ لطيف....

"بقيتي بتحسدي البامية يا عزة...يا خيبتك!"

بعد لحظات كانت تبتسم بسعادة وهي تتأمله بحب جالس بجوارها يأكل من طبق البامية بنهمٍ مستمتعًا بمذاقها.....

سألته عزة وهي تأكل القليل منشغلة بالنظر إليه....

"مش هتاكل معاها رز؟"

غمس اللقمة في البامية وهو يقول بتلذّذ...

"بحب آكلها مع العيش واللمون."

نهضت عزة بخفة وأخذت طبقًا آخر وسكبت فيه من البامية ثم اقتربت منه وبدلت الطبق من أمامه وهي تقول بمحبة...

"بالف هنا...."

عصر نصف الليمون في الطبق وهو يشرع بالأكل منه قائلًا....

"تسلم إيدِك يا وِزة... أنا أول مرة أدوق بامية بالحلاوة دي...."

قالت بعفوية...

"اللحمة مدياها طعم."

قال مبتسمًا...

"وعشان إنت عملاها برضو."

قالت بصوتٍ دافئٍ حانٍ...

"كُل بالف هنا... انت بتتعب وبتشقى طول النهار والليل... "

بعد لحظة نهض سلامة وهو يربّت على بطنه شاعرًا بالتُخمة بعد تلك الوجبة الدسمة التي نسي نفسه أمامها....

"الحمد لله..."

قالت عزة بسرعة...

"كمل طبقك يا سي سلامة."

ضحك سلامة قائلًا بدهشة...

"يا مفترية دا تالت طبق تمليه قدّامي... كمّلي إنتي أكلك.... إنتي ما كلتيش من ساعة ما قعدتي."

أجابته بعذوبةٍ ونظرةٍ تفيض عشقًا...

"طالما أنا شايفاك بتاكل ومبسوط... كأني كلت وبزيادة كمان... هقوم أعملك الشاي."

أشار لها سلامة بالجلوس وهو يتحرك نحو الموقد....
"خليكي.... أنا هعمله... كمّلي إنتي أكلك."

ابتسمت عزة وهي تراقبه بحب ثم نظرت إلى الطعام وأمسكت الملعقة لتأكل الأرز لكنها غيرت رأيها وأخذت قطعة من الخبز تأكل بها البامية من نفس الطبق الذي تركه مستمتعة بالطعام من بعده.....

تنهدت عزة تنهيدةً مسموعة وهي مستلقية على الفراش بظهرها عينيها معلّقتان بسقف الغرفة المظلمة يتسلل الضوء من فتحات الشباك ليضيء جزءًا صغيرًا من الفراش النائمين عليه...

"سي سلامة....."

همست باسمه بنبرة مترددة....

كان ينام مثلها وبينهما مسافة...أبعد ذراعه عن عينيه ونظر إلى وجهها.....

"في حاجة يا عزة؟"

قالت بارتجاف...

"أنا سَـقعانة..."

اقترح سلامة برفق...

"أجبلك غطا زيادة؟"

لعقت شفتيها والارتباك يتجلى بين حروفها وهي تطلب بصعوبة.....

"لا.....بس ينفع تاخدني في حضنك؟"

طال الصمت من ناحيته حتى شعرت بالضيق والحرج من نفسها كيف سمعت لشيطانها وأقدمت على طلب كهذا؟ منه... من زوجها...

أليس حقها؟!

لكن في وضعها أصبح حقها مسلوبًا...

أخذته أخرى كما أخذت قلب زوجها قبل أن تمسّه هي.....

قالت والدموع تخنقها....

"خلاص... كأنك ما سمعتش حاجة."

وقبل أن تميل لتنام على جانبها وتولّيه ظهرها مكسورة الخاطر وجدت نفسها تستلقي على صدره بفعل يديه الحانيتين...

لم تصدق نفسها وهي في حضنه يحتويها بذراعيه الصلبتين تسمع خفقات قلبه العالية المضطربة بقربها...

هل لمستها فعلًا أحدثت كل هذا التغيّر؟

مرغت وجنتها بخفة على صدره ولم تقاوم كثيرًا معترفةً بقلبٍ ولهان...

"حضنك حلو أوي يا سي سلامة..."

بلع سلامة ريقه وهو على حافة الانهيار معها.
الرغبة في قربها تزداد يومًا بعد يوم.. والعِشرة الحلوة معها أصبحت إدمانًا...

ملأت حياته بوجودها فأصبح يشعر معها بقيمته في هذه الدنيا...

أصبح رجلًا له عائلة... عائلة تنتظره كل يوم وتسهر لراحته...عائلة يشعر تجاهها بالمسؤولية لكنها لم تكن عبئًا كما ظن يومًا بل كانت شعورًا جميلًا بالانتماء... وبالحياة......

نادت باسمه مجددًا لكن تلك المرة وهي تنعم في أحضانه....

"سي سلامة..."

سألها بصوتٍ خافتٍ متحشرج...

"عايزة حاجة تانية؟..."

رفعت رأسها قليلًا وطبعت قبلة رقيقة على خدّه وهي تقول برقة....

"أيوه... تصبح على خير.... "

ثقلت أنفاسه وتسارعت خفقات قلبه أكثر 
شعر بسخونةٍ تجتاح جسده فأغمض عينيه بقوة محاولًا النوم وردّ عليها بعد لحظتين..

"وإنتي من أهله..."

القلوب متقلّبة والنصيب هو من يضع الكلمة الأخيرة..فمنهم من يتقبّل نهاية القصة ويسير مع التيار ومنهم من يظل كما هو..يعيش على الأطلال.....
.................................................................
هبطت على السلالم برشاقة مرتدية طقمًا بيتيًا بسيطًا لا يخلو من أناقتها المعتادة....

كانت تنادي على والدها وهي تبحث عنه بعينيها الرماديتين فقد اتفقا على قضاء يوم العطلة معًا بعيدًا عن العمل وضغوطات الأسبوع....

توجهت نحو غرفة الجلوس فسمعت ضحكات والدها وهو يتحدث مع شخصٍ ما بألفة نادرة.

"بابا..."

وصل صوتها إلى كمال فتوقف عن الضحك مناديًا عليها....

"تعالي يا نـغـم..."

دخلت إليه فاصطدمت نظراتها بعيني أيوب القاتمتين اللتين يلمعان بالعبث الفطري لكنهما الآن يحملان غضبًا وعتابًا يذبحانها....

ابتلعت ريقها وتسارعت خفقات قلبها وهي تبعد عينيها عنه بصعوبة لتنظر إلى والدها.

"صباح الخير يا بابا..."

مالت عليه تطبع قبلة على خده أمام عيني أيوب الذي كان يجلس مع كمال بحكم العمل بينهما.....

رأت أيضًا بعض التصاميم التي يعملان عليها معًا لصالح الشركة....

"هو إحنا مش اتفقنا إننا هنقضي اليوم سوا؟"

أومأ كمال مبتسمًا...

"طبعًا اتفقنا..."

قالت ببدلال وهي تمط شفتيها...

"بس أنا شايفة شغل وتصاميم..."

رد كمال وهو ينظر نحو أيوب...

"ده شغل بسيط... نص ساعة وهيخلص... 
وكتر خيره أيوب إنه جه لحد هنا...أنا بقيت مش عارف أقعد معاه بسبب ضغط الشغل
اللي عنده..."

ثم أضاف مازحًا...

"قريب أوي هتنسانا..... "

هز أيوب رأسه مبتسمًا...

"مقدرش أستغنى عنكم يا كمال بيه."

أوغر صدر نغم بالغيرة وهي تقول بنظرة نارية..

"وليه مضغوط؟.... مش ليان شغالة معاك
أكيد بتساعدك..."

نظر إليها أيوب بملامح هادئة ورد بجدية...

"الشهادة لله ليان مش مقصرة في حاجة 
بس أنا احب أتابع كل حاجة بنفسي...."

أعرب كمال عن إعجابه...

"ده الصح.... حتى لو تحت إيدك أكتر من مصمم...لازم كل حاجة تكون تحت إشرافك لأنك أنت اللي في الصورة...."

أومأ أيوب موافقًا....

"هو ده اللي بعمله... مش عارف من غير نصايحك كنت عملت إيه."

ابتسم كمال وهو يقول بنظرة يملؤها 
الفخر.....

"كنت هتوصل برضو يا أيوب إحنا مجرد أسباب لبعض.....اللي انت فيه ده كله مكتوب عند ربنا.. ربنا يقدملك كل اللي فيه الخير.."

قال أيوب بنظرة ممتنّة...

"إن شاء الله طول ما حضرتك معايا أنا مطمن.... "

غامت عينا نغم بالحزن وهي تنظر إليهما
فقطع كمال صمتها قائلاً بلطف...

"ها يا نغم.... مش ناوية تحضّري الفطار؟"

اتسعت عيناها بصدمة...

"أنا أحضر الفطار؟!....أنا حتى مبعرفش أقلي بيض... "

انفلتت ضحكة من أيوب رغمًا عنه فالتفتت إليه نغم بغيظ....

"إيه اللي بيضحك؟!"

رد باستفزاز....

"حظه وحش أوي اللي هتكوني من نصيبه."

رفعت رأسها بغرور...

"ده حظه من السما لو بقيت من نصيبه"

تأفف ساخرًا...

"مدعي عليه.. "

تابعَت بتحدٍ....

"بالهنا والسعادة... هو يطول أصلاً.. "

ابتسم كمال وهو يتابع المشهد بينهما مستمتعًا بينما قالت نغم باحتجاج....

"فين الشغالة يابابا...... مجتش ليه؟"

رد كمال متنهّدًا....

"ابنها تعبان.... فاعتذرت."

قالت عابسة....

"يعني إيه؟"

أجابها بوجوم...

"يعني أنا محتاج أفطر عشان آخد العلاج... وأيوب كمان."

لكن أيوب رفض بلطف....

"لا يا باشا... متتعبش نفسك.. أنا أمي مفطراني قبل ما أنزل...."

ثم نظر إلى نغم قائلًا بلؤم...

"ربنا يكرمني بواحدة زي أمي... عليها فطار يوم الجمعة بيخليك شبعان لتاني يوم...."

سأله كمال بفضول...

"وعبارة عن إيه بقا الفطار ده؟"

ابتسم أيوب وهو يسرد بشغف...

"فلافل بتقليها بايديها في البيت بطاطس محمرة... بتنجان مقلي.. فول بالطماطم... 
عجة بالبيض كده يعني.....فطار ملوكي....
يقفل الشرايين ميفتحهاش....."

ضحكت نغم على آخر جملة فرفع حاجبه بضيق مصطنع...

"بتضحكي على إيه؟...مش عجبِك فطارنا؟"

قوست شفتيها متعجبة وهي تقول...

"الإنسان بياخد واحدة توست على حتة جبنة ونفسه بتتقفل... بتجيبوا منين معدة الصبح لكل الزيوت دي؟!"

قال بفخر خشن...

"معدتنا حديد... تطحن الزلط... "

ضحك كمال متأثرًا...

"ده كان فطاري من تلاتين سنة... كلامك رجعني لأيام زمان يا أيوب.... "

نهض أيوب قائلًا...

"تعيش وتفتكر يا باشا... أستأذن أنا بقى."

سأله كمال بود....

"مش ناوي تفطر معايا؟...."

أعتذر أيوب بكياسة....

"فاطر والله... ربنا يجعله عامر."

لم يضغط عليه كمال أومأ  برأسه متفهمًا
وهو يقول.. 

"على راحتك..... بس زي ما اتفقنا في التصاميم...." 

رد أيوب بهدوء...

"كل اللي قلت عليه هيحصل أطمن...." 

أشار كمال نحو ابنته....

"وصليه يا نغم."

سارا معًا نحو الحديقة فقال أيوب ببرود
ونظراته تخترقها كرصاصة عدو....

"مفيش داعي توصليني لحد برا.. "

ردت مقتضبة...

"بابا اللي قالي."

قال بصرامة...

"كأنك وصلّتيني... ارجعي."

تشبثت بذراعيها خلف ظهرها مدعية اللامبالاة وهي تتمشى بين الخُضرة....

"اديني بمشي رجلي."

"ليه مشيتوا الحرس؟"

سألها أيوب وهما يقتربان من البوابة الكبيرة التي بادر الجنايني بفتحها لهما وهو يحييهما باحترامٍ....

اجابته وهي تتابع السير...

"وجودهم ملوش لازمة كل حاجة رجعت 
زي الأول....."

سألها بنبرة قلقة...

"يعني مفيش أخبار عن شكري العزبي؟"

هزت رأسها نفيًا مؤكدة أن القصة انتهت بعد الحكم على جيداء بالإعدام....

ارتاح قلبه بعد ردّها وتوقف أمام البوابة وعلى الجهة الأخرى صف سيارته الصغيرة التي يستعملها في تلك الفترة.....

هبطت عيناه على أصابع يديها فلم يرَ خاتم الخطبة فعقّب ساخرًا...

"شكلك لسه ناسية تلبسي الخاتم..."

صرّت على أسنانها عاقدةً ذراعيها أمام صدرها كمن يحتمي من صقيع البرد...

"أكيد بابا قالك...إني سبته من يوم الحفلة..."

لم يُنكر أنه علم من والدها سابقًا لا اليوم 
وقال بنظرة قاتمة حانقة...

"وكان إيه لزمتها من الأول... يا بنت الذوات... بتعنديني ولا بتعندي نفسك؟"

هربت من النظر إلى عينيه وهي تبتلع الغصّة في حلقها قائلة بندم....

"الاتنين...حاولت أشوف نفسي مع غيرك... معرفتش..."

ثم تابعت بغضب مكتوم...

"بس انت عرفت تعمل كده... مع ليان..."

دس يده في جيب بنطاله وهو يؤكد بزهو
مستفز....

"أنا مفيش حاجة تصعب عليا بالذات لو عايز أنسى واحدة بياعة زيك... سبتني وراحت اتخطبت لغيري..."

اتسعت حدقتاها بشدة وهي تنظر إليه بشراسة قائلة بتحذير....

"ممكن بلاش تجريح..."

لمعت عيناه كالسفاح يوشك على سفك دمائها وهو يقول بهجوم مفاجئ...

"تجريح؟.... أنا نفسي أكلك قلمين ولاد حرام يرجعوا عقلك مكانه... "

أخذت خطوة إلى الخلف مندهشة من أسلوبه الهمجي معها...

"احترم نفسك... والزم حدودك... خلصنا..."

أومأ أيوب برأسه قائلًا بخشونة...

"ما إحنا خلصنا... وزي ما عزمتيني على خطوبتك...بعون الله هعزمك على فرحي..."

ثم غمز لها قائلًا ببرود...

"أصل أنا بحب أجيب من الآخر مليش في اللعب والهري بتاعك ده..."

امتقع وجه نغم بقرف وهي تقول قبل أن تغادر....

"والله طب مبروك..."

لكنه لم يسمح لها بالمغادرة إذ أمسك بذراعها ليعيدها أمامه...

"ومالك بتقوليها من ورا قلبك كده ليه؟"

قالت من بين أسنانها بعصبية...

"لا من قلبي... من جوا... جوا قلبي.. "

التوى فكّ أيوب في ابتسامة مزدرية...

"طب وبتجزي على سنانك ليه؟... إنتي
جالك صرع... "

ضربته في صدره صارخة بعنف...

"صرع لما يصرعك... ممكن تبطل تستفزني؟!"

أمسكها أيوب من ذراعيها مقربًا إياها منه 
وهو يقول بهسيس مهيب...

"أستفزك؟...ده أنا لو أطول أدفنك في مكانك هعملها... "

انتابها الخوف منه قليلًا وازدردت ريقها قائلة بشجاعة زائفة....

"انت اتجننت.... ميغركش الكلمتين اللي أنا قولتهم في الأول...معرفتش أشوف نفسي مع غيرك... لا أنا ممكن أعملها تاني وأشوف نفسي عادي.... "

اتكأ على ذراعيها بقوة أَلَمَتها وهو يقول ببرودٍ يتناقض مع مَسكَته المتملّكة العنيفة لها...

"شوفيها... أنا منعتك في المرة الأولى عشان أمنعك في التانية..."

لمعت عيناها بالدموع وهي تقول بحنق...

"انت بجد مستفز... ومش بتعمل حاجة غير إنك تحرق دمي... سبني لو سمحت..."

قرّبها منه أكثر وهو يميل برأسه عليها حتى التحمت أنفاسهما بشوقٍ مكبوت....

قالت نغم بصوت مرتعش وهي تحاول نزع نفسها من بين يديه القويتين...

"أيوب... إحنا في الشارع... "

سألها بصوتٍ عميق متأجّج بالمشاعر...

"إيه اللي حصل بينكم في الشهر ده؟"

نظرت إلى عينيه لترى الغيرة تشتعل فيهما كجذوة من لهب فازدردت ريقها وهي تقول 
بنبرة خافته مرتبكة....

"ولا أي حاجة...مكناش بنتقابل أصلًا غير 
في أماكن عامة... انت مخّك راح فين؟"

لفحها بأنفاسه الساخنة هامسًا بغيظ محموم...

"انتي خليتي فيا مخ.... انتي طيّرتيه بعمايلك السودة.... "

علت وتيرة أنفاسها بالغضب والغيرة متذكرة ليان وهي تُلقي نفسها بين ذراعيه....

"مش هتكون زي عمايلك السودة... وأنا شايفاها في حضنك..."

رد عليها أيوب بصوتٍ عميق وعينيه لا 
تحيد عنها.....

"الغريبة إني محستش بيها... قد ما حسيت بحضنك وإحنا مع بعض..."

سألته نغم بعذاب....

"انت عايز إيه مني بالظبط؟"

رد بحيرة عاشق محطم.....

"مش عارف...مش عارف أنا عايز إيه... وكله بسببك..."

سمعا معًا وهما على ذلك التقارب العاطفي صوتَ سيارةٍ تقترب منهما فالتفتا نحوها في آنٍ واحد....

ترجّل سائقها غاضبًا تتعالى أنفاسه وتحمر ملامحه وقد بدا عليه الأسى والتحسر حين رآهما معًا على هذا النحو...

"الله دا انا لميت الشمل بقا......"

ظهرت الصدمة على ملامح نغم وهي تقول بتجهم....

"جاسر... إنت إيه اللي جابك هنا؟"

هتف جاسر بأسلوب درامي....

"ربنا بعتني عشان أشوف خيانتك ليا... "

امتقع وجهها من كلامه الغريب وقالت بعصبية...

"خيانة إيه؟!... إنت اتجننت... إحنا سبنا بعض... "

أشار جاسر إلى أيوب بضغينة...

"سبتيني عشان ده؟!"

نظرت نغم إلى أيوب الذي يقف في مكانه هادئًا صامتًا يتابع حديثهما المتبادل على غير العادة وهذا ما يدعو للقلق لا للطمأنينة....

سحبت نغم نفسًا عميقًا وقالت بقلة صبر...

"إنت ليه مكبّر الموضوع؟!... وإيه الأوفر ده
أنا صرّحتك بكل حاجة من قبل حتى ما نرتبط... "

مط أيوب شفتيه متدخلًا في الحديث
بتسلية...

"صرّحتي بإيه؟!.... قولتيله إنك بتحبيني؟!"

رمقته نغم بغيظ بينما صاح جاسر بتهكم..

"يا بجاحتك.. وبتقولها في وشي كده عادي؟!"

أومأ أيوب ببرود مستنكرًا...

"هو إنت أبويا؟.. ما أقولها في وشك عادي!"

أطلق جاسر نظراته نحوها كشررٍ متطاير وهو يقول بكبت...

"أنا عايز أتكلم معاكي يا نغم... اللي بينا مش هينتهي كده... "

تدخل أيوب بنظرة محتدة وصوتٍ جهوري غلب عليه الغضب...

"مافيش حاجة بينكم عشان تنتهي... الموضوع خلص. اركب عربيتك وارجع مكان ما جيت."

اقترب منه جاسر ينوي افتعال مشاجرة..

"وإنت إيه دخلك؟!... كلامي مع خطيبتي!"

وقفت نغم حائلة بينهما تواجه جاسر بصراخٍ حادّ....

"بس أنا مش خطيبتك!"

توقف جاسر في مكانه كابحًا غيظه وغضبه بعد ردها....

أبعدها أيوب من أمامه ليجعلها خلفه وهو يواجه جاسر قائلًا بأسلوبٍ سافر...

"ليه مصمم تحرج نفسك... اهي صاحبة الشأن ردت عليك... خلّصنا واتكل على الله."

هتف جاسر بغليان...

"إنت مالك؟!.... كنت ولي أمرها؟!"

رد أيوب بثبات...

"لأ... حبيبها.... وقريب أوي هكون جوزها."

جحظت عينا نغم بصدمة ناظرةً إليه ببلاهة فسألها جاسر بحسرة...

"الكلام اللي بيقوله ده صح؟!"

أكد أيوب ببرود...

"هتصدق أكتر لما أبعتلك دعوة فرحنا."

صاح جاسر كمن يملك الحق في سؤالها...

"ردي عليا يا نغم.. "

كانت تقف في مكانها شاحبة الوجه والعينان متسعتان قليلًا تحاول استيعاب ما يدور حولها من حديثٍ يبدو خارج نطاق المنطق...

فـأيوب من المستحيل أن يطلبها للزواج بعد أن ارتبطت بغيره...

عندما رآها أيوب على حالها هذا مالَ عليها قليلًا هامسًا بشراسة ووعيد من بين أسنانه المطبقة بقوة...

"ردي عليه عشان ما ارتكبش جناية قدامك... واكتب عليكي في سجن القناطر... "

فاقت من صدمتها على هذا الرد اللاذع، فأكدت على الحديث وهي تنظر نحو جاسر..

"أيوب كلامه صح... إحنا هنتجوز قريب."

سألها جاسر بأسلوب درامي..

"يعني سبتيني عشانه؟!"

تولّى أيوب الرد عليه بملل:

"بالظبط كده."

صاح جاسر وهو يرمقه بنظراتٍ تتقد غضبًا وانتقامًا...

"وإنت فاكر إني هسيبك تتهنى بيها؟!"

أكد أيوب بنظرة باردة خلت من أي تعبير...

"آه إن شاء الله."

صرخ جاسر وهو يكاد ينفجر كالبالون من شدّة الغضب...

"تبقى بتحلم... إنت جاي تاخد كل حاجة مني على الجاهز!"

رد أيوب بصوتٍ هادئ...

"مافيش حاجة خدتها تخصك... كله كان مكتوب لي... الرزق والنجاح... حتى هي من نصيبي.... بس كانت بتقاوح معايا."

تبادلا النظرات بعتاب فعنادها الأهوج أوصلهما إلى هنا....

زمجر جاسر بنظرةٍ نارية تطاير منها الغضب والانتقام...

"أنا مش هسيبك تتهنّى بحاجة... سامع؟! هنتقم منك.... هنتقم يا ابن عبد العظيم!"

استقل سيارته أمام أعينهما وغادر المكان فجأة كما أتى عليهما فجأة دون سابق إنذار.

صاحت نغم فيه وهي تقف أمامه..

"ليه عملت كده؟!... خليته زي المجنون
ممكن يأذيك"

زمّ أيوب فمه باستهانة وهو يقول بمقت...

"ساعتها هتكوني إنتي السبب... وهتعيشي بالذنب ده طول عمرك."

الرد أحرق قلبها فلمعت عيناها بالدموع قائلةً بوجع...

"إنت بتعمل معايا كده ليه يا أيوب؟! أنا عملت إيه؟!"

صرخ في وجهها فجأة وقد تناثر كل الغضب على وجهه كشررٍ مشتعل...

"ولسه بتسألي؟!....مشوفتش واحدة بجاحة قدّك... "

سالَت دموعها وهي تقول بارتجاف..

"أنا مش بجحة... أنا ارتبطت بيه عشان أنساك..لما شوفتك معاها رايح وجاي معاها!"

اشتدت نظراته نحوها وهو يقول...

"وكلامي معاكي؟!... كلامي قبل ما تتخطبي كان إيه؟!..... كنت بكلم نفسي؟!"

قالت بتهدّج معترفةً والندم يلتهمها من الداخل....

"كنت عايزة أوجعك..كنت عايزة أحرق
دمك... "

اغتاظ أيوب من ردها فقال بوعيدٍ أسود...

"تحرقي دمي؟!...طب اصبري عليا... دا أنا ناوي أشربِك المُر في شيلمون... حضّري نفسك يا عروسة... "

قالت بصدمة وهي تحدجه...

"أحضّر نفسي؟!..... أحضّر نفسي لإيه؟!"

انفجر صوته غاضبًا وملامحه تلونت بشراسةٍ مخيفة...

"ناوي أتجوزك... وأربيكي... أصبح عليكي بعلقة وامسيكي باختها... "

رفضت نغم هذا الأسلوب وقالت بكبرياء...

"ومين قالك إني هوافق أتجوز إنسان همجي زيك؟!.... "

هتف بنبرةٍ خطرة...

"هتوافقي غصب عنك... هو إنتي لسه شوفتي الهمجي اللي على حق... "

"ولا عايزة أشوفه اسمع..إحنا اللي بينا انتهى"

قالتها بحدّة وهي تتحرك من أمامه لكنه اعترض طريقها مانعًا إياها من المغادرة
وهو يقول بصوتٍ حادٍّ كالنصل...

"ولا عمره هينتهي... حضري نفسك للمرار اللي هتشوفيه على إيدي...فاضل أسبوعين على آخر الشهر.... ويوم واحد في الشهر الجديد هيكون يوم فرحنا..حضري نفسك يا عروسة"

رمقته بدهشة وهي لا تصدق ما يهذي به...

"إيـه؟!"

صاح أيوب بقسوةٍ أرعبتها...

"جتك أوه... أنا لسه قاري مع أبوكي الفاتحة جوا... هو موافق ومستني ردك... "

انتفضت نغم بعصبية وهي تقول باعتراض..

"قريتوا الفاتحة من غير ما حد ياخد رأيي؟!"

خفّف أيوب من حدته قليلًا لكن لم تلِن ملامحه المتصلبة وهو يقول بخفوتٍ فيه 
نغمة انتصارٍ خفي...

"مش محتاج آخد رأيك... أنا عارف إنتي 
عايزة إيه... ومش محتاج أفكّرك إنتي
قولتي إيه في حضني.... "

احمرّ وجهها بالحرج والغيظ فذلك الحديث كفيلٌ بأن يكسر شوكة كبريائها العظيم أمامه...

كيف لا وهي التي انهارت بين ذراعيه يومًا تستعطفه أن يبقى معها معتذرةً عمّا بدر منها في حقه...

تستحق أن يذكّرها بفعلتها كلما سنحت له الفرصة لإذلالها.

لكمته في صدره عدة مرات وهي تصرخ فيه ببغض....

"بكرهك يا أيوب.... بكرهك.. "

أمسك قبضتيها معًا، يمنعها من توجيه لكمة أخرى إليه وهو يقول بتحدٍّ واضح...

"هتجوزك..وهطلّع عليكي القديم والجديد... اصبري عليا... "

صاحت بشراسة أنثى...

"مش هتقدر تعمل معايا حاجة... دا أنا أودّيك في ستين داهية... "

ابتسم أيوب باستمتاعٍ ساديٍّ بغضبها فثورتها تلك لا تساوي شيئًا أمام العاصفة السوداوية التي اجتاحته بسببها....

"جوازي منك هو الدواهي بعينها... ادخلي جوا...."

صرخت رافضةً الرضوخ له...

"أيـوب... "

فأعاد أمره بصوتٍ أكثر خطورة...

"بقولك ادخلي جوا... "

ألقت عليه نظرةً حانقة ثم تحركت إلى الداخل تاركةً إياه خلفها فهتف من ورائها بنبرةٍ جافة تخلو من المرح....

"وياريت تتعلمي تقلي البيض... عشان أنا بحبه على الفطار... "

ضمّت قبضتيها إلى جانبيها والحنق يمتزج بالغضب على ملامحها وكم تمنت في تلك اللحظة لو تعود إليه فقط لتلكم أنفه بقوةٍ تُشفي غليلها.....


تعليقات