رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم جمال الحفني

 


رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والثلاثون بقلم جمال الحفني


أنا كنت فاكر إني بدأت أفهمهم، أو على الأقل اتعودت عليهم، على وجودهم اللي بييجي فجأة ويختفي فجأة، على الأصوات اللي بتظهر في دماغي كأنها مش مني، وعلى الإحساس الدائم إن في عيون بتراقبني حتى وأنا لوحدي في نص الصحرا بعيد عن الموقع والعمّال,  بس الليلة دي كان فيها حاجة مختلفة، حاجة تقيلة، كأن المكان كله متوقف ومستني إشارة تبدأ بيها حاجة مش طبيعية, إشارة شبه اتعودت عليها كل ما يبعتوني في مهمة جديدة!

كنت قاعد جنب العربية، فاتح أجهزة القياس قدامي، الأرقام بتتحرك على الشاشة بشكل منتظم، طبقات الأرض بتتكشف قدامي كأني شايفها بعيني، لكن تركيزي مكنش على الشغل، كان في إحساس غريب جوايا، شدّة في صدري، كأن في حاجة بتقرب، حاجة أنا عارفها كويس، بس عمري ما اتطمنت لها, رفعت راسي وبصيت حواليا، الصحرا كانت ساكنة، مفيش صوت غير صوت نفسي، ولا حتى هوا، سكون كامل يخليك تحس إنك الوحيد في الكون..

وفجأة كل حاجة بردت.. مش مجرد انخفاض في الحرارة، لأ، ده كأن حد سحب الدفء من المكان كله مرة واحدة جسمي قشعر، وأنا مغمض عيني قبل ما أشوفهم، لأني بقيت عارف الإحساس ده كويس. 

في البداية كانت الورقة بتظهر قدامي وهي مقفولة وبتتفتح وبمجرد ما اقراها كانت بتتبخّر وتختفي بس المرة دي زي ما يكون الحاسة بتاعتي كانت أقوى لدرجة إني شوفت طيف الجني اللي بيجيب الورقة دي ويحاول يكون مخفي بقدر الإمكان, لدرجة إني في البداية ظنيت إنها ورقة سحرية بتظهرلي أنا فقط, لكن بشوية تفكير عرفت إن مستحيل يبعتوا ورقة زي دي وحدها بدون ما يبعتوا معاها جن يحميها, والواضح كمان إنه مش جن عادي لدرجة إني في المرات اللي قبل كدا مكنتش بشوفه ولا حتى ألمحه, لكن اشمعنى المرة دي! 

غمضت عيني من هول الموقف وبعدها فتحتها ببطء، والظل قدامي بدأت أشوفه، واشوف الورقة اللي كان ماسكها في إيده وبعدها مدها في الهوا بيني وبينه, مجرد ما خلصت قراءة كانت اختفت وهو اختفى وراها, سرحت للحظات في الكلام اللي كان مكتوب وحاولت افهمه وفي وسط مانا بفكر شوفت زي دخان بيتلم على بعضه لحد ما بقى له شكل، شكل شدام، واقف قصادي، ملامحه مش كاملة، بس حضوره واضح، تقيل، مألوف.

 قبل ما أتكلم، حسيت بحاجة تانية ظهرت، حاجة أقوى، أتقل، خلت نفسي يتسحب مني للحظة وطبعا دا كان مرهوب اللي دايما تاعبني ومش عارف اّخرتها معاه!

مرهوب وجوده مختلف، مش مجرد جن، ده إحساس بسلطة، بقوة خام، كأنك واقف جنب حاجة أكبر منك بكتير, بصلي من غير ما يتحرك، وصوته خرج ببطء تقيل: "فيه ميت مش ميت"

سكت لحظها وأنا برجع بذاكرتي للورقة واللي مكتوب فيها, وسألتهم هما الاتنين وأنا باصص في السما بفكر, يعني إيه؟

شدام اتحرك خطوة لقدام، وقال بنبرة ثابتة, ساحر اتدفن حي من أربعمية سنة ولسه أثره شغال..

 قلبي دق أسرع، مش خوف بس، فضول كمان، الإحساس ده اللي بيشدني دايما ناحية الحاجات اللي المفروض أبعد عنها, سألت وأنا بحاول أبان ثابت: "ودلوقتي؟

مرهوب رد المرة دي، وصوته كان تقيل كأنه بييجي من تحت الأرض, خاتم في صباعه بيستخدمه لحد دلوقتي..

حسيت ببرودة في إيدي من غير سبب، كأن حد مسكها، وكأن الخاتم ده بقى حقيقي قدامي قبل حتى ما أشوفه, شدام كمل  وقال الخاتم مربوط بجن من أتباعه بيأمرهم من جوه قبره بيأذي وبيفسد وبيكسر القوانين..
غمضت عيني لحظة، وبعدين فتحتها وأنا باخد نفس عميق، عارف إن مفيش اختيار، وعارف إنهم مش بيجوا غير لما يكون في حاجة لازم تتعمل قلت بهدوء, المطلوب إيه؟
الرد جه من مرهوب وهو بيقول بنبرة عادية جدا  كأن الأمر عادي, تنزل وتاخد الخاتم..

بلعت ريقي وبصيت في الأرض قدامي، الرمل ساكن، بس فجأة بقيت شايفه بشكل تاني، كأن تحت كل حبة فيه سر، كأن في حاجة مستنية حد يوصلها بصيت على شدام وسألته وفين المكان؟

شدام رفع إيده، ولمس الهوا قدامي، وفجأة المكان اتغير في عيني، شفت مقبرة قديمة، مش شبه مقابر دلوقتي، طوب متاكل، أرض مشققة، وهواء تقيل كأنه مش بيتنفس, شفت راجل مربوط، مدفون وهو صاحي، عينه مفتوحة، فيها رعب وغِل في نفس الوقت، وفي إيده خاتم أسود، باين عليه إنه مش مجرد معدن, زي ما يكون معدن جاي من خارج الكرة الأرضية..

الصورة اختفت فجأة، ورجعت تاني للصحرا، لكن الإحساس فضل، إحساس إن اللي شفته ده مش ماضي ده لسه مستمر...
مرهوب قال ببطء, إياك تفتكر إنه ميت وتتخلى عن حذرك!

وقتها بس فهمت إن دي مش مهمة حفر دي مواجهة وأنا كنت رايح أقابل حاجة اتدفنت من أربعمية سنة ولسه مستنية حد ينزل له!

أنا فضلت واقف مكاني شوية، ببص على الرمل كأنه هيكشفلي لوحده مكان القبر، لكن الحقيقة إن اللي كان جوايا مكنش بس توتر كان إحساس غريب أقرب للنداء، كأن في حاجة تحت الأرض حاسة بيا وبتستنى وصولي! 

 رفعت راسي ناحية شدام ومرهوب وقلت بصوت واطي لسه بيفكر,  امتى؟
شدام من غير توتر قال دلوقتي!

الكلمة وقعت تقيلة، بس مكنش عندي رفاهية التفكير، مسكت الكشاف من العربية، ولبست الجوانتي، رغم إني عارف إن الحفر اللي جاي مش هيبقى زي أي شغل جيولوجي عملته قبل كده, رجعت وقفت وسطهم ومديت إيدي ناحية شدام وبمجرد ما لمستها كنا احنا التلاتة في مكان تاني مختلف, صحرا نفس اللي كنت فيها من لحظات بس كانت صحرا زي ما تكون ميته, والرمل بتاعها محدش داسه من مئات السنين..

مشينا شوية ومرهوب وقف فجأة، وأنا وقفت وراه، من غير ما يقول كلمة، بس أنا فهمت  مفيش أي علامة، لا شاهد قبر، ولا أثر لبني آدم، بس قلبي كان بيدق بسرعة غريبة، كأن جسمي كله بيقولي هنا..

غرزت إيدي في الرمل وبدأت أحفر..

أول شوية رمل كانوا سهلين رمل عادي بيتشال، بس بعد عمق بسيط، بدأت التربة تتماسك، وبقى في ريحة, ريحة قديمة، مكتومة، خليط بين عفن ورطوبة، كأن المكان ده متفتحش من قرون, كل ما كنت بنزل أعمق، صدري كان بيضيق، مش من التعب من الإحساس إن في حاجة قريبة..

وفجأة إيدي خبطت في حاجة صلبة!

وقفت لحظة، ومسحت العرق من على جبيني، وبعدين كملت بحذر، لحد ما ظهر جزء من طوب قديم، متآكل، مرصوص بطريقة بدائية, فتحت فجوة صغيرة، والهواء اللي طلع منها كان تقيل بشكل يخليك تحس إنه عايش، مش مجرد هوا محبوس!
 
شدام قال بهدوء, افتح كمان..

كسرت جزء أكبر، وبدأت أوسع الفتحة لحد ما بقت تكفي إني أنزل. بصيت لجوا، ظلمة كاملة، ظلمة من النوع اللي الكشاف نفسه يخاف يدخلها, بلعت ريقي، وشغلت الكشاف، ونزلت..

(لو كان التفاعل حلو, هخلي المهمات الجاية على هيئة جزء واحد مش جزئين يعني هتقروا المهمة كلها على بعضها, أنا بخليها على جزئين عشان تتفاعلوا والبوست يوصل لأكبر عدد) 

تعليقات