رواية غرام الذئاب الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم ولاء رفعت


 رواية غرام الذئاب الفصل السابع والثلاثون 

وصلت الطائرة للتو وهبطت على الأراضي الإيطالية، انفتح بابها ببطء، فظهر قصي ممسكًا بيد ابنته الصغيرة بكل رقة وحنان، بينما كانت صبا تمسك بيد ابنها، ليجدوا كنان ورجاله في انتظارهم بوقار وترحاب.
"حمدالله علي السلامة يا باشا"

فتح ذراعيه على اتساعهما ليعانق صديقه، وربت كلاهما على ظهر الآخر بروح مليئة بالسعادة والحبور.
"الله يسلمك يا كنان"

وفجأة صدح رنين هاتفه، فرفع يده قائلاً
"هرد علي التليفون، اركبوا العربية عقبال ما اخلص" 

فتقدمت الصغيرة نحوه بخطى خفيفة ومدت يدها الصغيرة.
"أزيك يا أونكل كنان، أنت كنت فين كل ده؟" 

هبط على عقبيه حتى استوى على مستوى عينيها، وأمسك يدها الصغيرة يقبّلها مبتسمًا من خلف نظارته الشمسية.
"حبيبة قلب أونكل، أنا موجود بس كنت مشغول شوية" 

ثم اعتدل واقفًا، فنظر إلى صبا نظرة سريعة دون تحديق مباشر، إنه يعلم تمامًا مدى غيرة صديقه، واكتفى بابتسامة ترحيبية رقيقة.
"حمدالله علي السلامة يا مدام صبا" 

أجابته مبتسمة بدورها ومدت يدها بتلقائية، فشعر بالحرج واضطر أن يصافحها لكن بدون أن يحتوي يدها.
"الله يسلمك، فينك من زمان، حتي مابقتش تجيب الولاد و مامتهم وتيجوا عندنا" 

جذب يده سريعًا ونظر نحو قصي، فوجده وإن كان منشغلاً في المكالمة الهاتفية، يراقب ما يحدث بعينين حادتين. فأومأ كنان لزوجة صديقه باقتضاب وشبه ابتسامة قائلاً
"مشاغل الحياة، والشركة واخده كل وقتي" 

"ربنا معاك ويوفقك" 
وقبل أن يجيب كنان، تدخل قصي بإطلاق زفرة مسموعة للجميع، تحمل ضجرًا يتخلله بعض الغضب، وتعابير وجهه خير دليل على ذلك. 
 حدقت إليه زوجته بنظرة جانبية انتبهت لها، فقال
"يلا علي العربية"

كان السائق في انتظارهم، ففتح باب السيارة ذات الدفع الرباعي السوداء الفخمة، ووقف كنان جوار الباب ينتظر صعودهم أولاً. 
صعد الصغيران أولاً، يليهما السيدة زينات، ثم صبا التي كادت تصعد، وإذا بها في لحظة تتعثر قدمها. 
 وبدون أن تنظر إلى من يقف جوارها، استندت تلقائيًا لتتجنب الوقوع، فاليد التي تشبثت بها ارتجف صاحبها بحرج شديد. 
 وقبل أن تنتبه، أمسكها زوجها من خصرها ليدفعها بلطف إلى داخل السيارة وصعد خلفها.

ابتلع كنان ريقه وحمحم قائلاً
"علي مهلكم"

ثم فتح باب السيارة الأمامي وصعد ليركب جوار السائق، بينما في الخلف، فكانت المقاعد المتقابلة تتسع لعدة أشخاص. 
 انشغل الصغيران بالحديث مع زينات وهما يراقبان الطائرات المحلقة في السماء بإعجاب، بينما رمقت صبا قصي وهمست له من بين أسنانها
"علي فكرة، أنا مكنتش واخدة بالي سندت علي ايده عشان تقوم رفعني من وسطي وتدخلني زي العيلة الصغيرة، و كنت هاتكفي علي وشي" 

رمقها زوجها من خلف نظارته الشمسية بنظرة صاحبها الصمت الثقيل الذي لازمه منذ أن استيقظت قبل هبوط الطائرة.
تجاهل نظرتها تمامًا وأمسك بهاتفه ليجري اتصالاً، وكأنها تتحدث مع ذاتها. 
 زفرت بضجر ونظرت أمامها، فتلاقت عيناها بعيني مربيتها التي رمقتها بإيماءة أدركت منها الأخرى أن تهدأ ولا تتحدث مع زوجها الآن.
فأخرجت هاتفها لتشغل نفسها به، وما إن فتحت شبكة الإنترنت حتى تلقت رسالة من الشركة الأجنبية على البريد الإلكتروني، وفحواها كالآتي
«مرحباً مدام صبا... أننا نذكرك بموعد المقابلة للتعاقد والذي سيكون بعد الغد، نرجو الرد خلال 24 ساعة».
مسحت جبينها عندما تذكرت أمر الشركة والتعاقد، ثم قامت بإرسال رسالة صوتية لمساعدتها الخاصة
«سالي، ابعتيلي Design Files و CAD Patterns ضروري»
انتهت من الإرسال وعادت بظهرها إلى الوراء وهي تنظر إلى شوارع إيطاليا الجميلة، فكان السائق متجهًا إلى ميناء على ضفاف نهر البو، حيث ينتظرهم اليخت، حيث صعدوا جميعًا، والوجهة المنزل الصخري الفخم على جزيرة في نهر البو شمال إيطاليا.
                            ❈-❈-❈
وفي مصر أرض الكنانة، يفتح باب منزله كما يفعل كل يوم بعد انتهاء عمله، فوجد ابنه وابنة زوجته في انتظاره وكأنهما كانا يحسبان دقائق عودته. 
 ألقى التحية أولاً
"السلام عليكم"

ردد الصغار التحية بصوت واحد، وركض كلاهما نحوه فعانقهما بلهفة أبوية دافئة وقال بحنان يفيض بالمحبة
"حبايبي" 

وربت يداه على ظهريهما بحنان غادق  يسكب فيهما الطمأنينة، انحنت ريتاچ على أذنه تخبره بهمس لا يسمعه سواه
"هاقولك علي حاجة يا بابا طه، ماما من الصبح قاعدة في الأوضة لوحدها، وفاتحة الموبايل علي صورتك وعماله تكلمك وتعيط وبعدها تضحك زي المجنونة" 

شرد للحظة في حديث الصغيرة، ثم انتبه إلى ما قالته عن والدتها، فرمقها بعتاب لطيف
"عيب يا ريتاچ نقول كده علي ماما، و عيب برضه نتصنت علي حد حتي لو لوحده، أنا علمتك كده؟" 

هزت رأسها بنفي ونظرت إلى أسفل بأسف وندم واضحين
"أنا آسفة يا بابا مش هاعمل كده تاني" 

ربت عليها بحنان وقبل رأسها وقال
"حبيبتي ربنا يكملك بعقلك" 

وفي الداخل، ما زالت زوجته تمكث في الغرفة حتى غلبها النوم وهاتفها في يدها. دلف بخطوات حذرة وبدون صوت، اقترب منها برفق، ثم سحب الهاتف من يدها بهدوء وقام بفتحه ليجد ما قالته الصغيرة صحيح تمامًا. 
 اعتلت السعادة محياه، واطمأن قلبه حين تأكد أنها ما تزال تحبه، ولكن كرامتها وكبرياؤها هما اللذان يتعاملان معه بحدة ونفور بسبب ما اقترفه في حقها، لذا عزم على محاولة ليست بالأخيرة، وعلى ثقة تامة بأنه سينجح كما يريد.

أعاد إليها الهاتف في يدها برفق، ثم ذهب ليفتح الخزانة وأخذ ثياب له متعمدًا إصدار صوت لينبهها بأنه قد عاد من عمله. وبالفعل قد انتبهت من نومها إلى أنه في الغرفة، فتحت عينيها نصف فتحة ثم أغمضتهما بسرعة عندما سمعت رنين هاتفه، وتصنعت النوم. 
 سمعته وهو يجيب على الاتصال بصوت خافت، لكن حاسة السمع القوية لديها التقطت كل حرف بعناية
"ألو؟ " 
........  
"أيوه أنا طه سالم البحيري" 
..........  
"اه عندي واتس، ممكن حضرتك تبعتيهم وأنا هاجي بكره أخدهم... تمام... سلام" 
أنهى المكالمة وتنهد، ثم نظر نحو تلك النائمة وهو على يقين أنها مستيقظة وتسمعه. 
 ترك هاتفه على طاولة الزينة وذهب ليستحم كعادته، بينما هي نهضت سريعاً وذهبت أولاً لتتأكد أنه يستحم، حتى سمعت صوت المياه الجاري فاطمأنت، عادت مسرعة إلى الغرفة، والشك يأكل قلبها أكلاً، فحدسها يهمس لها بأن ثمة أمراً يخفيه، أمراً لا يبشر بخير على الإطلاق.

فتحت هاتفه بيدين مرتجفتين لتجد رسائل صادرة على برنامج الدردشة من رقم مسجل باسم 
«مركز السلام للأشعة والأورام»!! 

رجفة عنيفة أصابت جميع خلايا جسدها بمجرد قراءة اسم المرسل، ووجدت صورة أشعة للمخ لم تفقه منها شيئاً، وصورة أخيرة مرفقة بتقرير طبي باللغة الإنجليزية.
دقات قلبها خفقت كقرع الطبول، فما كان منها إلا أن أرسلت لنفسها كل الصور والتقرير على الفور، ثم أمسكت بهاتفها وفتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي مساعدها الافتراضي، واستدرجت كل الصور إليه وأعطته أمر الترجمة والشرح التفصيلي. 
 مرت لحظات كمرور الدهر حتى أعطاها الترجمة والشرح المبني على كم هائل من المعلومات الطبية المخزنة لديه
«تقرير أشعة بالرنين المغناطيسي على المخ... أظهر الفحص وجود كتلة ورمية غير منتظمة في الفص الجبهي الأيسر من المخ، يبلغ حجمها التقريبي نحو (5 سم)، مع انتشار وذمة شديدة بالأنسجة المحيطة وتأثير ضاغط واضح على البطين الجانبي وانحراف بسيط في الخط المتوسط للدماغ... الخصائص الإشعاعية للكتلة تشير إلى ورم دماغي خبيث عالي الدرجة وفي مرحلة متقدمة.

الصورة الإشعاعية تتوافق مع ورم خبيث متقدم بالمخ مع تأثير كتلي ملحوظ... 
يوصى بالتقييم العاجل من قبل فريق جراحة المخ والأعصاب لتحديد مدى إمكانية التدخل العلاجي»

قرأت التقرير عدة مرات، ودعت ربها مراراً أن تكون مجرد مزحة أو مقلب، لكن شعار المركز، وبيانات زوجها الشخصية، واسم فني الأشعة المدون أسفل التقرير، كل هذا كان حقيقياً لا جدال فيه.

رعشة أخرى أصابت أوصالها، وشعور بالاختناق داهم صدرها الذي كان يعلو ويهبط بعنف شديد. 
 هل ما قرأته صحيح؟!، كيف ومتى حدث ذلك؟، ولماذا لم يخبرها به؟، تذكرت آخر حديث بينهما، وكم الندم الذي يعيش به، واعتذاراته المتكررة لها لعلها تغفر له وتسامحه.

مشهد سابق... 
انتبهت إلى ما أعده لها من أجواء شاعرية مصطنعة؛ مائدة يتراقص فوقها وهج الشموع الذهبية، وورود متناثرة كأنها محاولة متأخرة لرتق قلب مكسور، وأطباق طعام شهية تفوح بروائحها، وعلبة مغلفة بالمخمل الأحمر، توحي بأنها هدية محملة بالاعتذار.
في عينيه ارتسم ندم ثقيل، جلس على إحدى ركبتيه أمامها، وأمسك يدها قائلًا بصوت خرج من أعماقه
"والله العظيم ندمان ندم عمري، وطالب السماح وفرصة أخيرة، وأوعدك وعد راجل حر عمري ما هكررها تاني، أنا ماليش غيرك، وعمري ما هلاقي واحدة زيك، بنت حلال وبنت أصول، شايلاني وشايلة بيتي وولادي في عينيها، وأنا كنت غبي يوم ما فكرت أبص لغيرك، والشيطان عمال يدورلي على حجج ومبررات كانت حلولها سهلة وبسيطة، لكن أنا زي أي واحد استسهل الحرام وأنا معايا جوهرة" 
انحنى وقبّل يدها، ثم وقف وهو يقول
"أنا آسف يا شيماء، حقك عليّا، كفاية بقى بعاد وخصام، خلينا نفتح صفحة من أول وجديد، أنا بحبك أوي، ومش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده" 

بينما هي تقف أمامه صامتة، لكن عينيها كانتا تصرخان بما عجز اللسان عن قوله؛ تحكيان عن وجع ثقيل عاشته الأيام الماضية، وعن خيانة نزفت قلبها وأحدثت فيه شروخ وجراح لا تلتئم. 

"بحبك أوي يا شيماء"
تفوه بالكلمات من فؤاده واقترب منها، قبّل رأسها، ثم مال نحو شفتيها، بينما عيناها لا ترى إلا المشاهد التي حفرت ذاكرتها في الغردقة، يوم رأته برفقة روميساء.
دفعته قبل أن تمس شفتيه خاصتها، وانفجرت ثورة الوجع والحزن المختزنة بداخلها صراخات في وجهه
"أنت فاكرها بالساهل كده يا ابن الشيخ سالم؟!، أنت عارف عملت فيّا إيه؟!، أنت كسرتني، خيانتك ليا عملت جوايا شرخ كبير عمال ينزف من ساعتها لحد دلوقتي، أنا وجودي معاك هنا مش علشانك، ولا علشان مش قادرة أبعد عنك، أنا سبب وجودي عشان خاطر الولاد، مالهمش ذنب أعيشهم مشتتين ما بينا لو انفصلت عنك، مضطرة أجي على نفسي وأستحمل أشوفك كل يوم في وشي عشانهم، ولو عندك ذرة عشم إني أسامحك وأرجع، يبقى أنت غلطان، أقولك عشان ترتاح، وأنا اللي بقولهالك بنفسي، روح اتجوز يا طه، روح اتجوز أحسنلك، لأنك هتفضل بالنسبة لي أبو عيالي وبس" 

ألقت كلماتها كأنها حجارة، وتركته خلفها، وأسرعت بخطوات متعثرة نحو غرفة صغارها قبل أن يرى دموعها، دوى صوت صفق باب المنزل، فاهتزت جدران الشقة ونوافذها، وارتفع صدرها يعلو ويهبط بعنف، هنا فقط انهارت، وجلست على الأرض وأجهشت في بكاء مرير، بكاء امرأة انكسر قلبها ولم يبقَ لها سوى الصبر.

عودة إلي الوقت الحالي... 
                           ❈-❈-❈
وها هم الآن قد وصلوا جميعًا إلى المنزل الصخري المكون من طابقين، يرتفع شامخًا كحصن منيع يحتضن أسرارًا وذكريات منذ عشر سنوات. 
 ينتشر الحراس في كل الأرجاء، يقفون كالأعمدة الراسخة، يراقبون كل زاوية بيقظةونشاط.
يركض الصغيران بمرح طفولي عفوي، يسبقان والديهما ومربيتهما إلى الداخل، 
استقبلتهم مديرة الخدم و التي تدعى ماتيلدا بسرور غامر وترحاب حار يفيض بالود والإخلاص، قائلة بابتسامة مشرقة
"أهلاً وسهلاً بك سيدي و بالسيدة صبا" 

أومأ لها قصي بابتسامة
"أهلاً بكِ ماتيلدا"

ورددت صبا نفس ما قاله زوجها، لكنها تقدمت الجميع وصعدت إلى الأعلى، وهي تتذكر تفاصيل ذاك المنزل قطعة قطعة، وكيف كان حالها عندما أتى بها إليه أول مرة. 
 حاولت أن تكون غير مبالية للماضي، وأن عليها الاستمتاع بالعطلة، وقبل كل ذلك ترى سبب غضب زوجها الكامن، وعليها أن تتلاشى توابع هذا الغضب حتى لا تفسد عطلتهم التي يعد لها منذ زمن.

جلست على طرف الفراش، تخلع حذاءها بهدوء، وتمدد ساقيها بتأوه خافت، فتتدفق في جسدها موجة من الراحة اللحظية. 
 دلف قصي وهو يخلع سترته ببطء، ثم ذهب إلى غرفة الثياب، نهضت دون أن إصدار صوت، ولحقت به في خطوات خافتة كالنسيم. 
 يخلع قميصه، فشعر بها وهي تعانقه من ظهره وتسأله بدلال رقيق
"حبيب قلبي وروحي ماله زعلان ليه؟" 

أزاح ذراعيها عنه وزفر بضيق شديد، فالتفت إليها وفاجأها بملامح يكسوها التجهم، هيهات وهدر بها قائلًا
"من امتي و انتي بتمدي إيدك بتسلمي علي راجل غريب؟!، و عماله ترغي و تدي و تاخدي معاه في الكلام ليه؟" 

اتسعت عيناها وتفاجأت من حديثه، فقالت بصوت يرتجف من الدهشة
"أنت أكيد بتهزر يا بتهزر صح؟" 

رمقها بغضب وبنبرة أجفلتها، فهدر بها مرة أخرى
"أنا ما بهزرش في المواضيع دي وأنتي عارفة كده كويس، و مش معني إن بحاول أغير من نفسي للأحسن يبقي تخليت عن نخوتي يا هانم!" 

رددت ما قاله بتعجب ودهشة بالغة
"نخوتك!!، لاء بقي دي تلاكيك، أولاً مديت إيدي من غير قصد والسلام كان مجرد ثواني، و كان كلامي معاه مجرد سؤال و بطمن علي مراته وولاده، و خد بالك من كلامك عشان ماتندمش عليه زي قبل كده" 

اقترب منها حتى شعر بأنفاسها الدافئة، ليخبرها بتحذير صارم
"و انتي كمان خدي بالك من تصرفاتك، عشان رحلتنا هنا تعدي علي خير" 

رمقته بضيق وصدمة عميقة، كيف له أن يتحدث معها بذلك الأسلوب الجاف القاسي!، انتفخت أوداجها فأخرجت زفرة بنفاد صبر، وهَمت بتركه مغادرة الغرفة بالكامل. 
 هيهات وجدت يدها تنجذب فجأة بقوة، حيث جذبها من ساعدها ليجعلها تقبع بين ذراعيه، جعل رأسها تتوسد صدره، فسمعت نبضات قلبه الهادرة كالطبول الثائرة، يغمض عينيه ويسند ذقنه أعلى رأسها، وأنفاسه ثائرة مضطربة.
  مرت لحظات ثم هدأ، بينما هي ظلت ساكنة كالتمثال حتي رفعت رأسها ببطء ونظرت إليه في محاولة لقراءة ما يدور في رأسه.
بعد أن هدأت ثورة الغضب قليلاً، عكس نبرتها الثائرة منذ قليل، سألته بهدوء وصوت حاني يعانق القلب بدفء، وذلك بعد أن حاوطت وجهه بين كفيها الناعمتين، كأنها تمسك بأثمن ما في الدنيا
"قول اللي جواك وفضفض لي، مالك يا حبيبي؟" 
رمقها بصمت عميق، حتى مرت دقيقة وربما أكثر، فتنهد تنهدًا طويلًا وأخبرها
"معلش يا صبا، ممكن تسيبيني مع لوحدي شوية" 

رمقته بحزن وبعتاب رقيق
"من غير ما تقولي أنا عارفة إيه اللي مضايقك، مش حوار سلمت علي كنان، أنت متضايق من وقت ما ركبنا الطيارة و دخلنا نريح في الأوضة اللي كانت بتجمعنا فيها ذكري ما بحبش افتكرها، أنت كنت عايز نسيب ذكري حلوة عكس اللي فاتت، وشكلك اتضايقت لما لاقتني رفضت، صح؟" 
مازال يحدق في عينيها بكثير من المشاعر المتضاربة، حتى حان وقت التحدث، فتنهد مرة أخرى وأخبرها
"نفسي الزمن يرجع بينا و مكنتش عملت أي حاجة من اللي حصل و سابت فيكي ندوب لحد دلوقتي، برغم السنين لسه مش قادرة تنسيها" 
تجلت على محياها شبه ابتسامة حزينة، وهي تبتلع غصة علقت في حلقها للتو،  فقالت له
"أنا عقلي اللي مش قادر ينساها، لكن قلبي هو اللي نسي، أنا بحبك يا قصي، بحبك لدرجة إن مقدرش اتصور حياتي من غيرك، طب اقولك علي حاجة رغم إن المفروض احتفظ بالكلام ده لنفسي عشان سيادتك ماتستغلش الحوار لصالحك" 

ابتسم وليته ما ابتسم، فنواجذه سلبت عقلها، بينما هو سألها ويعلم ما ستخبره به
"قولي" 

"كنت كل مرة لما بنتخانق ويحصل بينا مشكلة كبيرة وبقولك ننفصل، طبعا بكدب عليك لأن عارفة وواثقة أنك مش هاتعملها مهما حصل، ما أنكرش ببقي زعلانه منك و مابقاش طايقاك لدرجة ببقي نفسي أخنقك بس في نفس الوقت ما بقدرش أعيش بعيد عنك، أنت روحي وقلبي وعقلي زي ما أنا روحك وقلبك" 

وما إن انتهت من كلماتها حتى وقفت على أطراف قدميها، لتباغته بقبلة قوية حارة، تبث له من خلالها مشاعرها نحوه وصدق حديثها.  
ما لبثت قبلتُها سوى ثوان معدودة، وكأنها أضرمت نيران العشق داخله، فحملها على ذراعيه بقوة وعذوبة، ولم يفصل قبلتهما، حيث رد على كل ما أخبرته به بالفعل وليس بالقول، يغمرها بحنانه ودفء فؤاده الذي يعشقها حتى المنتهى.

                         ❈-❈-❈
انهمرت عيناها بدموع غزيرة، وارتفع صوت بكائها حتى وصل إليه، مما جعله ينهي استحمامه على الفور ويرتدي ثيابه على عجلة من أمره، ثم هرع إليها فوجدها تبكي بحرقة شديدة. 
 انتفض من هيئتها وحالتها هذه، ورأى هاتفها في يدها، فسحبه ليجد السبب، فلعن نفسه إذ لم يتوقع رد فعلها الذي أحرق قلبه. 
 وجد الصغيرين خلفه بعد أن لحقا به، فسألت ريتاچ بخوف وفزع
"في إيه يا ماما، مالك يا حبيبتي؟" 

واقترب سالم يجلس جوارها يربت عليها
"بتعيطي ليه يا ماما؟، إيه اللي حصل؟" 

أخبرهما والدهما وهو يحاول ضبط أعصابه فهو المتسبب لها بحزن ضريع مرة أخرى
"سالم، ريتاچ، معلشي سيبوني أنا و ماما لوحدنا شوية" 
أذعن الصغيران لأمره وذهبا وأعينهما على والدتهما وحالتها التي يرثى لها، أغلق الباب خلفهما، وجلس على عقبيه أمامها، مسح دموعها 
"بتعيطي ليه!، مفيش حاجة تستاهل دموعك، حقك عليا أنا آسف" 
وقام بتقبيل جبهتها ثم عانقها وربت عليها
"اهدي يا حبيبتي، اهدي بالله عليكي، ربنا ياخدني أنا السبب عشان خليتك في الحالة دي لتاني مرة" 

أبعدت رأسها ورمقته من بين دموعها تنهره بعتاب عاشقة لمعشوقها
"ألف بعد الشر عليك، ما تدعيش علي نفسك" 
حاولت أن تكف عن البكاء وتلتقط أنفاسها وأخبرته بعتاب وملامة بنبرة متهدجة
"ليه خبيت عليا؟، ليه مقولتليش إن عندك......
لم تتحمل ذكر ما رأته في التقرير الطبي، فغرقت مجدداً في نوبة بكاء، وتلك المرة هي من عانقته وتتوسل إليه بقلب ملتاع باكية
" قولي اللي شوفته ده كله كدب، قولي ده مقلب عشان تصعب عليا وأسامحك، غير كده مش هقدر استحمل، إحنا، إحنا مالناش حد غيرك"

أخذ يمسد ظهرها بطمأنينة وحنان عميقين، يحاول أن يهدئ من روعها، وقال بصوت هادئ يتخلله الدفء
"كفاية عياط بالله عليكي، ماتخافيش عليا، المفروض نكون مؤمنين بقضاء الله، طب هقولك حاجة، دموعك وخوفك عليا عندي بالدنيا كلها ولو جرالي حاجة، هابقي متطمن لأنك لسه بتحبيني" 

أبعدته مرة أخرى وصرخت به بصوت مكسور
"ما تقولش كده، أنت هاتعيش و هاتخف و هانرجع زي زمان و أحسن، هانكبر ولادنا و نجوزهم و نشوف أحفادهم، و إحنا مع بعض" 

التقطت أنفاسها بصعوبة وأردفت
"أنا عمري ما بطلت أحبك، و زعلي منك كان علي قد حبي ليك لما شوفت خيانتك ليا، لسه الموضوع مأثر فيا و زي الشرخ في قلبي، بس مستعده اسامحك، بس أهم حاجه تكون بخير، و هاتتعالج و تخف، و أنا جنبك، مش هابعد عنك، أنا، أنا بحبك و مش هقدر أعيش من غيرك" 
جذبت رأسه إلى حضنها الدافئ، غمرته بعناق قوي شديد، عناق يبث كمًّا هائلاً من المشاعر التي تخطت حدود العشق، عناق يُعيد فيه القلب المنكسر أنفاسه بعد طول يأس وعذاب واشتياق. 

                          ❈-❈-❈
انتهت فتاة التزيين من وضع لمساتها الأخيرة على وجه تلك الشاردة في أمرها الذي هي مقبلة عليه، وقد غمرتها موجة من الصراع الداخلي العنيف. 
 صوت يهمس لها في أعماقها بالتراجع والانكفاء، وآخر يواجهه بحدة يخبرها إن عليها أن تكمل الطريق حتى تنتقم لنفسها انتقامًا يليق بما عانته مع هذا السايكوباتي المهوس بها. 

وفي خضم هذا الصراع النفسي، انفتح الباب فجأة، فانتفضت في مكانها وألتفتت نحوه بسرعة. 
 وما إن وقع بصره عليها حتى توقف في مكانه مبهورًا، يبتلع ريقه بصعوبة وهو يراها في أوج جمالها، تلك التي طالما حلم بها منذ أن أحبها. 
 لم يصدق عينيه؛ إذا بدت أمامه في قمة جمال يخطف الأنفاس، يفوق كل ما تخيله، كأنها ملكة نزلت من عليائها لتتوج في حضرته.

حمحم في صوته، ثم نظر إلى فتاة التزيين وسألها
"خلصتي شغلك؟" 

أومأت له الأخرى بلطف قائلة
"فاضل التاج والطرحة بس يا باسم بيه" 

ثم أمسكت بالوشاح والتاج، و ثبتت كليهما على رأسها برفق، فاكتملت هيئة عروسته التي أصبحت الآن تشبه الملكات في بهائها وجلالها.

فقال لفتاة التزيين
"لو خلصتي تقدري تتفضلي دلوقتي" 

امتثلت الفتاة لأمره، وما إن غادرت الغرفة حتى أغلق الباب خلفها بهدوء. 
بينما فجر، فقد ولت ظهرها إليه، تشعر بتوتر قوي يسري في أوصالها، وتخشى أن ينظر في عينيها فيكشف ما يدور في أعماقها من عواصف.

رفعت وجهها فرأته عبر المرآة يقترب منها، حتى توقف خلفها مباشرة.
  همس لها من جانب وجهها، وهو يحدق بها عبر انعكاس المرآة
"شكلك حلو أوي، أجمل واحدة شافتها عينيا" 

وكاد يقبل عنقها، فألتفتت سريعًا لتصبح أمامه وجهًا لوجه، وترد بتهدج واضح
"شـ... شكراً" 

ابتسم بمكر وأخبرها بهمس، وأنفاسه الحارة تلمس بشرتها فتجعلها تتوهج من الخجل
"مش عايز أشوفك مكسوفة خالص النهاردة، كلها ساعات الفرح و هانبقي لوحدنا، أنا و انتي وبس، مقفول علينا الباب، وهانعيش أنا وأنتي أجمل لحظات عمرنا" 
جذبها من خصرها بلطف، وأردف بأنفاسه على خدها
"هاتبقي ملكي، و أنا ملكك يا فجر" 

ابتلعت ريقها بصعوبة، ودفعته بخفة في صدره، مبتعده عنه بضع خطوات قائلة
"الظاهر أنت نسيت إتفاقنا" 

ظهرت على وجهه ابتسامة لم تستطع أن تستشف منها هل هو يسخر من حديثها أم ماذا يقصد بالضبط
"مش ناسي إتفاقنا، بس عايزك أنتي اللي ماتنسيش أنك متجوزة مين، تمام يا ڤيجو؟" 

وبالتزامن مع سؤاله، تقدم بخطوتين فأصبح أمامها مباشرة، وكاد يقترب من شفتيها بعنفوان عاشق متملك، لكن طرق مفاجئ على الباب أضاع عليه تلك اللحظة، فأطلق سبة بذيئة جعلت الأخرى تنتفض بفزع من جرأة لسانه.

وشكرت ربها في سرها، لأن من طرق الباب قد أنقذها من تقبل أمر لم تستطع أن تحتمله في تلك اللحظة.
 تحرك نحو الباب بضجر، ففتحه وكاد يوبخ الطارق، ليجد والدة عروسه ويليها والدته التي ما إن وقع بصرها على ابنها حتى شهقت شهقة قوية وقالت باستنكار
"أنت إزاي تدخل تشوف عروستك قبل الزفة؟!" 

حمحم بتعجب ثم أجاب والدته بابتسامة هادئة
"أنا كنت جاي اتطمن عليها" 

وألقى نظرة خاطفة على فجر وغمز لها غمزة ماكرة، ثم أردف قائلاً
"عن أذنكم" 
غادر الغرفة علي الفور، وعندما تأكدت والدته أنه قد ابتعد بالفعل وأغلق الباب خلفه، اقتربت من فجر في حضور والدتها، واخبرتها بصوت جدي ومقلق
"فجر، اسمعيني كويس، دي فرصتك أنك تهربي، ابني واخدك تحدي عشان أنتي قولتيله لاء في الأول، و بمجرد ما هايشبع منك هايرميكي، و باباه بيوافقه علي أي حاجة هو عايزها" 

نظرت الأخرى في حيرة شديدة وارتباك، رمقت والدتها أولاً بتردد، فأومأت لها والدتها برأسها إيماءة خفيفة تدل على أن حديث والدة باسم صحيح تماماً، وعليها أن تذعن للنصيحة حتى لا تصبح شيئاً يمتلكه هذا المدلل المتعجرف.

فأردفت والدة باسم قائلة
"فرصتك الأخيرة دلوقتي، اسمعي كلامي، و أنا هاروح أؤمر الجارد اللي واقفين بره بأي حاجة واشغلهم عشان تعرفي تخرجي من هنا مع والدتك علي باب الطوارئ، هتنزلوا تلاقوا عربية مستنياكم هتوصلكم علي مكان باسم لو لف العالم حتة حتة مش هايعرف يوصل ليكم" 

ابتلعت ريقها بتردد واضح، وتتذكر ما كان سيفعله معها منذ قليل و كيف قرأت في عينيه نواياه نحوها، و يبدو إنه سيضرب باتفاقها معه عرض الحائط، ابتلعت ريقها بتؤدة وسألتها بقلق
"و لو ابنك عرف و قدر يوصل لينا؟" 

اقتربت منها الأخرى أكثر، وأخبرتها بلهجة مطمئنة
"ما تقلقيش أنا عاملة حساب لكل حاجة، يعلم ربنا أنا بعتبرك زي بنتي وعمري ما هرضالك اللي ما أقبلوش عليها" 
ربتت بحنان على كتفها، وانتظرت رد فجر التي أومأت لها برأسها موافقة، وإن كان في عينيها ما يزال يعكس أعاصير الخوف والحيرة.
و بالفعل، خرجت والدة باسم من الغرفة لتعطي الأوامر للحراس، لتُشغل إياهم عن الوقوف في الرواق حتى تمكنت فجر ووالدتها من مغادرة الغرفة بسرعة. 

انطلقتا بخطوات سريعة حذرة، تسللتا إلى الخارج عبر باب الطوارئ، وهبطت كلتيهما درجات السلم المتعددة بقلبين خافقين، حتى وصلتا إلى المخرج المؤدي إلى شارع خلفي ضيق. 
 و أمام المخرج حيث الشارع، وجدتا سيارة سوداء في انتظارهما، محركها علي استعداد للإنطلاق. 
فتحت والدتها الباب الخلفي بسرعة وأمرتها بتوتر
"يلا يا فجر مش وقت تفكير" 

دلفت ابنتها داخل السيارة في صمت، واتبعتها هي حيث جلست جوارها فورًا وأغلقت الباب بقوة، ثم نظرت إلى السائق وأمرته بحزم
"اطلع بسرعة يا سطا" 

انطلق السائق بالسيارة في الشارع الخلفي، متخذًا طرق متفرعة ومظلمة، بينما كانت  فجر تراقب الطريق عبر النافذة الزجاجية المغلقة، وقلبها يخفق بقوة شديدة كأنه ينبهها إلى ما هو آت لا محالة.
شعرت بيد والدتها تربت علي يدها 
"اطمني يا بنتي، اللي عملتيه عين العقل، و الست هانم ربنا يباركلها هي أدري بابنها المجنون اللي كنتي هاترمي نفسك معاه، مش عارفه إيه اللي كان في دماغك لما وافقتي عليه" 
لم تبالِ لحديث والدتها، فعيناها منعكستين عليهما أضواء عواميد الإنارة المتتالية على جانبي الطريق، تتلألأ كالنجوم الهاربة. 
مهلاً... هل ما انتبهت إليه صحيح؟!
تأملت الطريق جيدًا لعل حدسها يكون مخطئ، لكن المفاجأة كانت أكبر مما توقعت، اتسعت عيناها من شدة الصدمة حين أدركت أن السائق قد اتخذ طريق مختصر آخر، عائد بهما مباشرة إلى بوابة الفندق الرئيسية.
وهناك، في انتظارها يقف رجال الحراسة بكامل هيئتهم المخيفة، وفي المقدمة ينتظرهما باسم بابتسامة عريضة ماكرة أوقعت فؤادها من سابع سماء إلى سابع أرض، هابطة به في أعماق الجحيم!
ابتلعت غصة بطعم العلقم وهي تراه يفتح باب السيارة بهدوء قاتل، مد يده إليها مشيرًا لها أن تمسك به قائلًا بصوت هادئ مليء بالانتصار
"يلا يا حبيبتي، المعازيم مستنينا جوه" 

                         ❈-❈-❈
في إضاءة شبه خافتة خلف مكتبه، يمكث أسير ذكرياته وأسير تلك الصور التي كلما اشتاق إلى من سلبت فؤاده تطلع إليها لساعات. 
  لا يهمه الحقيقة، ولا يهمه أنها الآن تستمتع هي وزوجها بقضاء أيام شهر العسل في مكان بعيد، ولا يهمه أي شيء سوى تلك اللحظات المعدودة التي عاشها معها، والتي لا تزال تحيا في قلبه حية نابضة.

قاطع خلوته دخول الممرضة المفاجئ، وقد علت ملامحها الفزع الشديد، تخبره بأنفاس متهدجة باللغة الإنجليزية
"دكتور رحيم... السيدة العجوز... نبضها توقف" 

انتفض من مكانه انتفاضة عنيفة، وأسرع نحو غرفة الرعاية المركزة حيث كانت الجدة المسنة المصابة بالزهايمر، قد أصبحت بشرتها شاحبة كالأموات. 
 كان الطبيب المساعد يحاول إنعاش قلبها بجهاز الصدمة الكهربائية بكل ما أوتي من جهد.

تدخل رحيم على الفور، وأمر بصوت حازم
 "ارفعوا الشحنة أكثر"
 فتوالت المحاولات تلو الأخرى، حتى انقطع الأمل تمامًا، ولم يبقَ سوى صوت الصفير الحاد لجهاز مؤشر النبض يعلن ببرودة قاسية وفاة هذه المسنة.
رفع  رأسه بأسف عميق، وأعلن ساعة الوفاة وتاريخها بصوت يخرج بصعوبة من حلقه، يحبس دموعه بصعوبة بالغة. وإن كان قد مر بهذا الموقف مرات عديدة من قبل، إلا أن تلك اللحظات ظلت عصيبة على فؤاده، ولم تكن بالأمر السهل أبدًا.
في تلك الأثناء، انتبه عبر زجاج نافذة الغرفة المطلة على الرواق إلى حفيدة المتوفاة، كانت قادمة تحمل حقائب مليئة باحتياجات جدتها. 
 وما إن رأت الممرضة تُدثر جسد جدتها بالكامل حتى هرعت إلى الداخل صارخة
"نناه، لاء يا نناه، أوعي تسيبيني" 

وتارة تصيح بالإنجليزية وقد انهمرت دموعها
"لا تتركيني، ارجوكي، لا ترحلي، ليس لي أحد غيرك جدتي" 

تزيح الدثار عن وجه جدتها وتهز جسدها بهياج، فأمسك رحيم يديها بلطف حازم، وقال لها بصوت مليء بالمواساة، مانع دموعه أن تنهمر
"وحدي الله، ربنا رحمها من بهدلة المرض، ادعيلها" 

نظرت إليه بعينين باكيتين تتوسلان إياه بصوت مكسور
"عشان خاطري يا دكتور سيبوني اقعد معاها اودعها" 

أومأ لها برأسه موافقًا، ثم أخبر كل من في الغرفة
"اتفضلوا جميعاً إلي الخارج، واتركوها لتودع جدتها" 

امسكت چومانة يد جدتها، وأخذت تقبلها بلهفة ووداع مؤلم، تبكي بشدة يعتصر لها القلب. 
 تركها رحيم قبل أن يبكي هو أيضًا، وخرج إلى غرفة مكتبه يشعر باختناق يصل إلى الحلقوم. 
فما أقسى الوداع والفراق، لا سيما وداع الأحباب ومَنْ تتعلق بهم قلوبنا، إن كان هذا الحبيب ميتًا أو مازال حيًا!

                        ❈-❈-❈

ولنعود إلى إيطاليا من جديد، داخل مطعم فاخر راق، يجلس برفقة زوجته وصغيريه حول طاولة عامرة بأصناف الطعام الشهية التي يحبونها، وقد أضفت الأنوار الذهبية الخافتة على المكان جوًا من الدفء والفخامة. 
 وعلى طاولة موازية، هناك كنان ورجاله يشاركونهم تناول العشاء بهدوء. 

سأل صغيريه مبتسمًا
"مبسوطين يا ولاد؟" 

فأجاب كلاهما بسعادة طفولية صافية
"مبسوطين يا بابي" 

وأضافت ابنته بصوتها المدلل
"وهابقي مبسوطة أكتر لو جبتيلي نافورة الشوكيلت اللي قولتلك عليها" 

رمقتها والدتها بنظرة تحذيرية حازمة 
"زوزو، ما ينفعش تاكلي شوكليت أو أي حلويات بالليل، و لا ناسية اللي حصل لضرسك قبل كده؟" 

زمت ابنتها شفتيها الصغيرتين بحزن، فضحك والدها وربت على رأسها بحنان عميق، ثم دنا من أذنها وقال لها بهمس 
"أنا وصيتهم يجبولك أحلي وأغلي نافورة شوكليت يا قلب بابي، بس عايز أشوف أحلي ضحكة علي شفايفك وأوعي تكشري تاني" 

ابتسمت صغيرته على الفور ابتسامة مشرقة، وعانقته بقوة وهي تقول
"ربنا يخليك ليا يا قيصو يا حبيبي" 

"بقي كده؟!" 
صاحت بها صبا بسخرية ودهشة، ثم أردفت
"خليك وافقها علي الغلط و لما ضروسها توجعها و تقعد تصرخ ابقي اتصرف أنت معاها" 

رد عليها بهدوء زادها حنقًا
"زوزو لما تخلص أكل الشوكليت هاتروح علي طول تغسل سنانها" 

لم تعلق حتي لا تخوض معه في جدال وهي تعلم إنه سيلبي طلب ابنته في النهاية، وبعد قليل انتهت من تناول عشائها، فمسحت يديها وفمها بالمحرمة الورقية قائلة
"أنا قايمه هاروح التويليت قبل ما مرارتي تتفقع" 

نهضت ابنتها، ونهض ابنها أيضًا في اللحظة ذاتها وقالا
"و إحنا كمان عايزين نروح التويليت" 

أمسكت بهما كل واحد في يد وذهبوا، 
بينما قصي انتبه إلي رنين تنبيه رسالة واردة علي هاتفه، ففتحها ليجد رسالة من أدهم عبر تطبيق الدردشة
«حمدالله علي سلامتكم يا كينج نورتوا إيطاليا»

ابتسم  و رد بالكتابة 
«أنت عرفت منين؟»

فتلقي الإجابة علي الفور من أدهم
«حبايبي في المطار قالولي، ولا أنت فاكر أنك الوحيد اللي ليك حبايب في كل مكان»

«ماشي يا عم أدهم، الله يسلمك»

«أنا كمان في إيطاليا أنا ومراتي»

«مراتك؟!، عملتها من ورايا من غير ما حتي تعزمني علي فرحك، أخص عليك»

«بقولك إيه إحنا مش هانقضيها رسايل، إحنا لازم نتقابل، تجيب المدام والولاد و تنورونا أنا و منار»

كاد يرد على الرسالة، إذ أجفله صوت أنثوي رقيق يتميز بالدلال الطبيعي، رحبت به بالإيطالية بأسلوب أنيق
"مرحباً بك مجدداً في إيطاليا أيها الفرعون الوسيم" 
رفع عينيه إلى الأمام، فإذا أمامه سيدة شابة ذات جمال روماني فاتن، يخطف الأبصار، حدق في ملامحها مليًّا حتى تذكرها، سألها للتأكد وقد امتلأ صوته بدهشة خفية
"بولينا؟" 

جلست على المقعد المقابل له بهدوء أنيق، وابتسامة عذبة تتراقص على شفتيها، ونظرات اشتياق تنضح من عينيها ذواتِ اللون البندقي، كلون شعرها المنسدل كالحرير على كتفيها. 
 أجابت بصوت رقيق يحمل دفء الذكريات
"لم أصدق نفسي، برغم مرور أكثر من عشر سنوات، ما زلت تتذكرني" 

اتسعت ابتسامته واخبرها
"ومَن الذي يعرفك ويستطيع بعدها أن ينساكِ!" 

أسندت مرفقيها على الطاولة، وأسندت ذقنها على يديها المتشابكتين، ثم نظرت إليه بنظرة ماكرة مرحة، فسألته بدهاء
"أهذا غزل أم إطراء؟" 

وقبل أن يجيبها، سبقته زوجته التي عادت للتو دون أن يلاحظ قدومها، فسألته بسخرية واضحة
"مين دي يا قصي؟" 

حدق زوجته بنظرة تحذيرية حازمة، ثم نظر إلى بولينا واخبرها بالإنجليزية حتى تفهم صبا
"إنها صبا زوجتي" 
واقتربت الصغيرة التي لا تقل غيرة عن والدتها، ولا تقل عنها حب لوالدها، فتعلقت بذراعه بقوة، وأخبرت بولينا بزهو وفخر طفولي واضح
"وأنا أكون ابنته" 

كتم قصي ضحكته، وربت بلطف على رأس صغيرته المشاكسة، بينما رمقته زوجته باستفهام شديد، فحمحم بصوته الأجش وقال لها
"حبيبتي، أعرفك ببولينا ألبريتو، صديقة قديمة" 

مدت بولينا يدها الناعمة لمصافحة صبا، قائلة بابتسامة مهذبة
"مرحباً سنيورة صبا" 
بادلتها الأخرى المصافحة على مضض، وعيناها تنضحان بشرر لا يخفى، رمقت الأولى قصي وأخبرته بالإيطالية
"يبدو زوجتك لا تطيق وجودي، فلديها حق، من لديها زوج مثلك ورأت أخرى تقترب منه، فعليها تحرق الأخضر واليابس" 

حك ذقنه بتوتر، ودعا الله في سره ألا تفهم صبا ما تتفوه به بولينا، وفي هذه اللحظة أخرجت بولينا من حقيبتها بطاقة ورقية أنيقة تحمل أرقام هواتفها وروابط حساباتها، ثم مدت يدها بها إليه قائلة
"اتصل بي ضروري، فأريد أن أخبرك بأمر هام للغاية، لا تنسَ" 

ونهضت تومئ لصبا بابتسامة رقيقة قائلة بالإنجليزية
"تشرفت بمعرفتك، سينيورة البحيري" 

قابلتها الأخرى بابتسامة صفراء باردة، وردت بتهكم واضح
"وأنا أيضاً، بامبولينا... أقصد بولينا" 

قالت بولينا وهي تتجه نحو الباب، مخاطبة قصي بلغتها الإيطالية، وتلوح له بأناملها 
"أنتظرك قصي، إلى اللقاء" 

ثم ذهبت، بينما جلست زوجته على المقعد، تزفر بغضب واضح، يتصاعد من صدرها كالدخان، قال لها بعتاب ممزوج بميل إلى الضحك، وهو يكتم ابتسامته أمام غيرتها التي جعلت تعابير وجهها تبدو طريفة ومضحكة في آنٍ واحد
"مش ظريف اللي عملتيه معاها علي فكرة" 

"ياسلام!" 
ارتفع صوتها بصياح حاد جعل من حولهم يلتفتون إليهم بدهشة، فأجفلها بنظرة تحذيرية حازمة، فخفضت صوتها على مضض وتابعت بسخط مكتوم
"وهي كانت قاعدة بتهبب إيه معاك، و عايزه إيه منك؟!" 

"أنا وهي نعرف بعض من زمان، أيام شغلي مع عيلتها، باباها زعيم عائلة دي ستيفانو من ضمن أكبر عائلات المافيا في إيطاليا، لما كان بيحصل اتفاقات سرية من ورايا خصوصاً لما بدأت أصفي أعمالي معاهم، هي كانت بتبلغني بكل حاجة، وليها أخ رخم رخامة اسمه لوكاس، يطيق العمى ولا يطيقني" 

"أنت عمرك ما حكيتلي عن أي حاجة من اللي قولتها، تخيل متجوزين بقالنا عشر سنين وأكتر وعمرك ما جيبتيلي سيرة عنهم ولا عنها" 

وكأنها تذكرت شيئاً يعكر صفوها، فأردفت بحدة
"أول مرة أسمع عنها، يعني ياربي أخلص من سيلينا تطلعلي بولينا" 

لم يقدر أن يتماسك أكثر، فأطلق عنان ضحكاته الجهورية، فألقت عليه محرمة ورقية في وجهه بغيظ وحنق 
"اضحك، اضحك، شاطر بس تنكد عليا الصبح" 

انتبه إلى صغيرته التي أغمضت عينيها وغفت على ذراعه بهدوء، وكذلك إلى ابنه الذي قال بصوت ناعس
"بابي ممكن نروح، عايز أنام" 

فقالت والدتهما بضجر واضح
"وأنا كمان اتخانقت من المكان وعايزة أمشي" 

أشار قصي إلى كنان ورجاله ليستعدوا للذهاب.
                          ❈-❈-❈
وفي المرآب استعدت السيارات للانطلاق، فقالت صبا بصوت حازم لا يقبل الجدال
"قول لكنان ياخد الولاد ويروحهم هو ورجالته، ونروح أنا وأنت لوحدنا" 

رمقها باستفهام فسألها
"ليه فيه حاجة؟" 

حدقت في عينيه بنظرة ذكية قد أدركها تمامًا، فكبت ابتسامته لأنه يعلم جيدًا الحالة التي تكون عليها!
أذعن لها، فذهب كنان ورجاله وأخذوا الصغيرين في سيارة أخرى وانطلقوا.

جلس قصي في مقعد القيادة، فالتفت إلى زوجته الجالسة جواره وسألها بمكر وخبث متقن
"أديني عملتلك اللي أنتي عايزاه، ممكن أعرف إيه سبب طلبك؟" 

رفعت حاجبها ورمقته بهدوء ماكر، اقتربت منه وضغطت على زر إغلاق جميع نوافذ السيارة ذات الزجاج المعتم، حيث يصعب رؤيتهما من خارجها تمامًا. وإذا بها تقفز من مقعدها فجأة وتجلس على فخذيه، وجهها مقابل وجهه مباشرة، صدرها يلتصق بصدره، وفخذاها يحيطان بخصره بقوة تملكت بها. 
 علت الدهشة ملامحه لحظة، ثم فرمقها بمكر وبراءة زائفة يسألها
"هاتعملي إيه يا مجنونة؟"

ضغطت على زر مجاور لمقعده، فبدأ الكرسي يتراجع للوراء بزاوية مائلة إلى الخلف حتى صار شبه مستلق. 
 قبضت على تلابيب سترته بأناملها الحارة وخلعتها عنه بسرعة نهمة، ثم بدأت تفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر، كاشفة عن صدره العريض المشدود. 
 قائلة بنبرة تحمل تحدي مثير وصوتها ينضخ بالرغبة
"يعني تفتكر يا حبيبي أنا ممكن هاعمل فيك إيه؟" 

ثم دنت بشفتيها نحو أذنه حتى شعر بأنفاسها الحارة الرطبة تدغدغ جلده، وهمست بنبرة أنثوية ناعمة أوقدت نيران العشق الجامح في جسده كله
"ولا أنت كنت فاكر هعدي حوار بولينا ولا نظراتها ليك، ولا كلامها معاك بالإيطالي وهي فاكراني مش عارفة إيطالي!" 
ابتلع ريقه بصعوبة، وابتسامة عذبة مليئة بالشهوة تزين محياه، فقال لها بصوت مبحوح
"فأنتي بقي عايزة تنتقمي مني بس بطريقتك" 
وغمز بعينه لها غمزة نارية، فابتسمت بزهو امرأة واثقة من سلاحها، وأخبرته وهي تعض شفتها السفلى
"تلميذتك يا كينج" 

انتهت من فك أزرار قميصه الأخيرة بأصابع لمساتها تشعل به النيران، ثم أخذت يداها تنزلقان على صدره العاري، تخدشان بشرته بأظافرها بلطف مؤلم يبعث الرعشة في جسده. 
 أمسك يديها بقوة وأخبرها بأنفاسه الحارة المتسارعة التي تلامس شفتيها
"طيب تعالي نروح وهناك في أوضتنا انتقمي مني براحتك" 

حاوطت وجهه بكفيها الناعمتين، ورمقته لثوان طويلة بعينين مليئتين بالرغبة المتأججة، ثم أخبرته بإغواء صريح و دلال ذو جرأة لم يعهدها سوى معها هي فقط
"وأنا طلبت معايا هنا في العربية يا قيصو" 
لم تمهله أن يرد، فانقضت على شفتيه بقبلة عنفوانية حارة، وأناملها تنغرز في خصلات شعره لتعزز من قوة قبلتها. 
 تركها تفعل ما يحلو لها، وكم راق له ذلك! بادلها كل ما تفعله بعنفوان عاشق متيم، ولم يبالِ كلاهما لاهتزاز السيارة بهما! 
                          ❈-❈-❈

خرجت من الحمام بخطوات هادئة، يحيط جسدها منشفة كبيرة بيضاء وقد التفت حولها. 
 خصلات شعرها المبتلة تنساب على كتفيها في خطوط لامعة، بينما تتساقط من أطرافها قطرات الماء كحبات لؤلؤ صغيرة ترتطم بجلدها. 
 وما إن همت بالتوغل داخل الجناح حتى بلغ سمعها صوت مألوف يأتي من الخارج، 
توقفت فجأة إنه صوت لوكاس، يتحدث إلى أحد رجاله بنبرة منخفضة، لكنها حادة كحد السيف، وبحذر شديد تسحبت إلى جوار الحائط، متوارية خلف زاوية لا يمكن أن تُرى منها، ثم حبست أنفاسها وأرهفت السمع.

كان الرجل الواقف أمام لوكاس ضخم الجسد، عريض الكتفين، وقد قال لرئيسه بلهجة جادة
"لقد رأيناه مع عائلته في المطعم الذي تملكه السنيورة بولينا شقيقتك" 

جز الأخر على أسنانه في ضيق وغضب، ثم ارتسمت على ملامحه قسوة قاتمة، قائلاً ببرود مشوب بالغضب
"إذن، لا بد أن شقيقتي قد تحدثت معه، وربما حذرته أيضًا، تلك الحمقاء ستفسد كل ما أخطط له.

تردد الرجل قليلًا قبل أن يقول
" لا أعلم سيدي، غير أنها رأته بالفعل وجلست معه لدقائق معدودة، ثم غادرت عندما عادت زوجته وأولادهما من الحمام"

صمت لحظة، فأمره بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال
"واصل مراقبته، إياك أنت والرجال أن تغفلوا عنه لحظة واحدة، وإن حدث تقصير منكم، فسألقي بكم جميعًا في الجحيم، هل فهمت؟" 

أومأ الرجل برأسه سريعًا
"أمرك سيدي" 

بينما كانت الشقراء ما تزال خلف الجدار، تسترق السمع، غير أن ذهنها كان قد شرد بعيدًا في متاهة من الأفكار. 
 سؤال واحد ظل يطرق رأسها بإلحاح موجع، ماذا ينوي هذا الأحمق أن يفعل بالرجل الذي يهواه قلبها حد الهوس؟

وفجأة جاءها صوته من خلفها كالصاعقة
"لما تقفين هنا سيلينا؟" 

ارتجفت والتفتت نحوه حيث أفزعها حضوره المفاجئ، شعرت بقشعريرة خوف تسري في جسدها. 
 ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بثبات حاولت اصطناعه
"كنت... كنت أبحث عنك، فأنا انتهيت من الاستحمام، وحين خرجت لم أجدك" 

وقبل أن يتحرك أو يبتعد، بادرت بسؤاله سريعًا
"عمَّ كنتما تتحدثان؟" 

 اتجه إلى الأريكة الجلدية الضخمة وجلس عليها في ثقل واضح، ثم أطلق زفرة ضجر طويلة وأجاب ببرود جاف
"هذا ليس من شأنك" 

مد يده إلى لفافة التبغ التي كان قد أعدها مسبقًا، لكن يدها سبقته إلى القداحة. أشعلتها برفق وقدمت له اللهب، فاشتعلت اللفافة بين شفتيه. 
و جلست على حافة الطاولة أمامه، تحدق في عينيه مباشرة، سألته بنبرة تنضح بالقلق الذي تخفيه عنه حتي لا تكشف أمامه عن نواياها الحقيقية. 

"ما الذي تنوي فعله بقصي البحيري؟" 

أخرج سحابة كثيفة من دخان سيجاره المشتعل، وأجاب بلا تردد
"سأقتله" 

اتسعت عيناها فجأة، وبدت الصدمة واضحة على ملامحها، حاولت أن تبتلع دهشتها، لكنها لم تستطع إخفاء اضطرابها وهي تسأله بصوت مرتجف
"ماذا قُلت؟" 

رمقها بنظرة باردة مخبرًا إياها
"أليس هذا هو السبب الذي جعلكِ تأتين إلى هنا؟، ثم إنني أرغب في الانتقام منه منذ سنوات، فهو السبب في القبض على كثير من أفراد عائلتنا، وعلى رأسهم والدي... الذي لم يتحمل السجن، ومات مقهورًا" 

فجأة اندفعت الكلمات من فمها دون تفكير
"تبًا لك يا أحمق" 
وقفت في مواجهته مباشرة، فرفع رأسه إليها بنظرة غاضبة كأن شرارة توشك أن تشتعل وتحرقها حية. 
 أدركت ذلك على الفور، فخفضت حدة صوتها قليلًا بنبرة أكثر هدوء 
"القتل أو الموت راحة له... وهذا ليس انتقامًا، الإنتقام الحقيقي أن تحرمه من أعز الناس إليه وأقربهم إلى قلبه" 

أطلق زفرة أخرى من دخان سيجاره،  و نهض فاقترب منها حتى صار أمامها مباشرة، حدق إليها عن كثب بعينين متفحصتين وسألها
"أتقصدين قتل عائلته؟" 

لمعت ابتسامة شيطانية على شفتيها بتؤده وثقة، فاخبرته بزهو ودهاء
"ليس بالضبط" 

 رفعت يديها لتحيط وجهه بين كفيها، و أردفت 
"نتخلص من زوجته العاهرة التي يعشقها كالأحمق" 


تعليقات