رواية نداهة السيالة الفصل الثالث بقلم أندرو شريف
قفلت مع خليفة وريحت ضهري على الكرسي، بصيت للسقف وانا بقول لنفسي(ماهو ده اللي كان ناقص، العفاريت كمان بقت بتخش في شغلنا، بس لأ، حمتو ورا كل اللي بيحصل، واكيد فيه دليل، والدليل ده هيظهر لما نكثف المراقبة عليه، ووقتها بس هيقع في أي غلطة تكشفه)
وفعلا، أمرت بتكثيف الرقابة على حمتو، وعلى ما الأمر صدر كانت سميرة وصلت القسم ودخلت مكتبي وهي بتترعش وبتتلفت يمين وشمال، حتى عينيها ماكنتش ثابتة وعمالة تتحرك.
-مالك يا سميرة؟.. انتي كويسة؟
ردت بتوتر باين في كلامها وطريقتها:
-انا؟.. انا يا باشا؟.. انا كويسة طبعا، مش كويسة ليه يعني؟
-اومال ايه الكلام اللي انتي دايرة تقوليه وسط الناس ده، انتي مش عارفة اننا بنشوف شغلنا عشان نلاقي جوزك؟
-تلاقوا مين بس؟.. انا جوزي النداهة ندهته، وزمان السمك ماسابش في جتته حتة.
لسه كنت هتعصب عليها لقيت ملامحها اتغيرت، وشها بقى نحيف وملامحها مرعبة، ومع التغيير اللي حصلها، كملت كلامها بصوت مبحوح.
-مش قولتلك يا ايهاب ان انا اللي عملت كل حاجة ومالوش لزوم اللي انت بتعمله دلوقتي ده؟
-انتي مين؟
-انا هناء، كابوس كل واحد مؤذي، بس اللي اتعمل فيا زمان، هيترد لكل واحد يستحق.
-وانتي ايه اللي حصلك يا هناء؟
-مش لازم كل حاجة تعرفها، بس اللي لازم تعرفه، ان انا ماخلصتش وسيبتك تخلص تحقيقك عشان اوريك انك ضعيف.. ضعيف ومش هتقدر تعمل حاجة، لكن انا.. انا اقدر اعمل اي حاجة وفي أي وقت.
-ان ان ان.. انتي هتعملي ايه؟
-مانا قولتلك، مش لازم كل حاجة تعرفها، انت تعرف اللي انا عايزة اقولهولك وبس.
في اللحظة دي رجعت ملامح سميرة طبيعية مرة تانية، حتى الخوف رجع مسيطر عليها، وفضلت تبص يمين وشمال وهي متوترة، بلعت ريقي بقلق وبخوف وحاولت اطمنها، لكن ماقدرتش، كإن في حاجة مسيطرة عليها ومخليها بتعمل حركات لا ارادية، وعشان كده، ماكنش قدامي غير اني افرج عنها، خاصة انها ماعملتش حاجة وانا اكتر واحد عارف وشايف اللي بيحصل، ماعرفش بقى اذا كنت مجنون ولا بحلم، لكن الموضوع ده لازم ينتهي في أسرع وقت، والنهاردة.. وعشان يحصل كده، كلمت خليفة وقولتله اني عايز انزل السيالة دلوقتي، بالتحديد للمكان اللي اتلقى فيه الموبايل، ومن غير أسئلة كتير نزلنا، وأول ما خليفة شافني قالي:
-انا طاوعتك ونزلت من غير ما اسأل عن السبب؟.. بس انا مش فاهم ومحتاج افهم، على الاقل اعرف هتعمل ايه هنا عشان اقدر اساعد.
-هتفهم كل حاجة دلوقتي.. ماتستعجلش.
هز دماغة وهو مش فاهم حاجة، اما انا، فوقفت ناس وسألتهم عن النداهة، وكلهم بلا استثناء كانوا بيخافوا ويمشوا، وطبعا كل ده وسط نظرات تعجب من خليفة اللي ماكنش فاهم حاجة، لحد ما لقيت راجل طيب قاعد بيصطاد، قربته منه وقعدت جنبه وقولتله:
-الدنيا ماشية النهاردة ولا البحر زعلان؟
رد عليا وهو بيضحك:
-البحر مايزَعلش غير على اللي بيتكبر عليه، وانا جاي اقضي يومي وانا باصص للبحر وجماله، ولو ربنا كرم بسمك، يبقى خير.
-واضح انك ساكن هنا.
-من حوالي تلاتين سنة وانا واخد بيت يمة البحر، وكل يوم سبت بقعد نفس القعدة دي، بس قليل لما ناس وشهم بشوش زيك كده، يقعدوا معايا.
-مش يمكن تغير رأيك لما تعرف انا جاي ليه؟
-ومش يمكن انت وقعت في طريقي عشان تعرف حاجة تهمك.
-وانا مش هطول عليك، انا جاي عشان اعرف عن هناء، او اللي بيسموها النداهة.
-انت كمان تعرف اسمها؟.. غريبة، اومال عايزني ليه بقى؟
-عشان انا ماعرفش اي حاجة عنها غير اسمها.
-وانا هريحك واقولك.. الموضوع ابتدي من حوالي 15 سنة، لما لقينا واحد اسمه عبد الجليل ماشي على البحر وبيصرخ، بيقول انه رمى مراته في البحر، ومراته دي بقى تبقى هناء، بت مقطوعة من شجرة، كانت جميلة وملامحها هادية، اهلها ماتوا وهي صغيرة ومافيش حد بيسأل عليها، وعبد الجليل ده بقى كان كل حياتها، روحها فيه، وكان هو بالنسبالها كل حاجة.
-وررماها في البحر ليه؟
-مانا جايلك في الكلام، أصل القصة ماخلصتش هنا، دول أهل المنطقة لما شافوه بالحال ده، اتصلوا بالحكومة، ولما جم وقبضوا عليه، قال انها قفشته وهو بيخونها في نص الليل، ووقتها هددته انها هتفضحه وسط المنطقة، وكمان قالتله انه عيل ومالوش قيمة، مايستاهلش الحب اللي هي قدمتهوله، وبسبب كلامها، الدم جري في عروقه وضربها على دماغها وساحت في دمها، اغمى عليها وبعد كده قطعت النفس، وبكده، ماكانش قدامه غير انه يرميها في البحر لأنه لو عمل كده ماحدش هيمسك عليه حاجة، بالذات بقى انها ماعندهاش اللي يسأل عليها، يعني جريمته كاملة، وفعلا، رماها في البحر وخلص منها، لكن الغريب ان من ساعتها وحاله اتبدل، كان بيقول انها بتظهرله وبتهدده انها هتموته، لدرجة انه اتجنن ومشي يكلم نفسه، واخرتها الحكومة قبضت عليه وكانت هتحوله لمستشفى الأمراض العقلية، بس قبل ما يتحول، قتل نفسه في الزنزانة، ومن ساعتها وهي بتظهر هنا بعد نص الليل، في اللي بيشوفها من بعيد وبيجري، وفي اللي بتبقى جاياله مخصوص ومابيقدرش يهرب منها، وشكلها كده ظهرت تاني، والمرادي هي عارفة جاية لمين وليه.. وبس يا بني، هي دي القصة واللي كان.
-اومال ليه الناس هنا خايفين يحكوا الحدوتة، وكل ما اسأل حد عنها بيبعدوا عني، كإن في حاجز بيني وبينهم.
-عشان خايفين، وماحدش عالم هي ممكن تعمل ايه تاني، اما انا، ف راجل كبير في السن، يعني مش باقي على الدنيا، وانت شكلك عايز تساعد، يمكن الشفا يبقى على ايديك.
-الف شكر يا راجل يا طيب، تعبتك معايا.
-لا تعب ولا حاجة، احنا كلنا اسباب في حياة بعض.
خدت نفس عميق وقومت من مكاني، مشيت مع خليفة، وقبل ما نتحرك ونبعد أكتر، بص لي وقالي:
-انت مصدق اللي بيتقال عن النداهة يا باشا؟؟
-انا مابقتش فاهم حاجة يا خليفة، لكن في حاجة بتقولي اني لازم افضل هنا لبليل، اهو، جايز اعرف نهاية الموضوع ده ايه.
-انت لسه هتفضل هنا لبليل يا باشا؟
-اه يا خليفة، بس امشي انت، شكلك مُجهد، ثم انت تعبت معايا النهاردة.
-لا يا باشا، انا مش هسيبك، خلينا نشوف اخرة الموضوع ده ايه، انت بس سيبني أروح اجيب كرسيين نقعد عليهم، وبعد كده نستغل الوقت في قعدة حلوة على البحر.
-ماشي يا عم، وانا مستنيك.
راح خليفة وجابلنا كرسيين وقعدنا نرغي لحد ما الوقت سرقنا والساعة جت 12، وقتها كنا متلجين من برد الليل، وعشان ادفي صدري قولت اطلع سيجارة من جيبي، بس للأسف، لقيت العلبة خلصانة وانا ماكنتش هقدر اكمل بقيت الليلة من غير سجاير، فـ قومت اجيب واحدة غيرها، لكن قبل ما اقوم، قام خليفة سبقني وراح هو، قالي ان علبته هي كمان خلصت وهيجيب غيرها، وفي اللحظة اللي راح فيها خليفة، شوفت حمتو جاي من بعيد، كان باين عليه انه بيترعش وخايف، قرب من البحر وهو ومجذوبله، بعدها اتكلم بصوته التخين:
-انا مش هعمل كده تاني، اللي بيحصل ده كان غلطة ومش هتكرر، والمعلم حمتو مايغلطش مرتين.
لما بصيت عشان اشوف هو بيكلم مين، شوفتها، هناء، كانت واقفة بعيد وفي عينيها الشر، وفجأة صرخت في وش حمتو وقالتله:
-كلكوا شبه بعض وعمركوا ما هتتغيروا، عشان كده انا هخلص جنسنا منكوا، انتوا تستاهلوا الموت بدل المرة ألف.
وقتها حمتو كان بيقرب من البحر أكتر وهو مسلوب الإرادة، برقت وندهت عليه بعلو صوتي لكن ماردش عليا، كإنه مُغيب ومش شايف حد غيرها، ومع منظره وقربه اكتر للبحر، قومت وانا بوجه كلامي لهناء.
-سيبيه يا هناء واحنا هنقدر نقبض عليه، اللي انتي بتعمليه ده غلط، انا اه مش عارف اذا كنت بكلم عفريته ولا بني ادمه، بس لازم تفهمي ان القانون هيعمل معاه اللي المفروض يتعمل.
ضحكت ضحكة هزت البحر وعلت موجه:
-كنتوا قبضتوا عليه في المرة الأولى، هو وهشام وعبد الجليل واللي زيهم يستحقوا الموت، وزي ما بيخونوا اعز ما ليهم، زي ما يستحقوا الموت، وحمتو ده مش بيخون اعز ما له وبس، ده كمان بيتاجر فيهم وفاكرهم سلعة، يقدر يبيع ويشتري فيهم، وانا عندي القدرة.. القدرة اللي تخليني اقضي على أمثاله واللي زيه، اما انت، كويس، بس في الاخر انسان، ضعيف ومش هتقدر تمسك حاجة عليهم.
في اللحظة دي جريت على حمتو ومسكته قبل ما يرمي نفسه في البحر، بعدها بصيت لهناء اللي لقيت علامات الغضب باينة على وشها:
-لو فاكرة انك باللي بتعمليه ده هتاخدي حقك، احب اقولك انك بتغلطي نفس الغلطة اللي حصلت فيكي زمان، وماتفرقيش حاجة عن عبد الجليل وغيره، ولو عايزة تساعدي بجد، يبقى تبعدي عن كل ده وسيبيني انا انفذ القصاص واساعد في تحقيق العدل.
واختفت هناء، اما المعلم، ف فاق وهو بيهلفط بالكلام.
-ايوة، انا اللي قتلته، والشوال ده كان فيه راجل من رجالتي، بس والله.. والله انا ما قتلت هشام ولا شوفته، انا كنت بكلمه عشان اعمله كمين، بس هو ماردش، ولما اطقست عليه وعلى مكانه، مالقتهوش، لكن والله ما قتلته، انا بريء من دمه، وهعمل اي حاجة انتوا عايزنها، لكن ابعدوا الست دي عني، دي عايزة تخلص مني وترميني في المايه، ربنا ينتقم منها، غوتني في حبها وكانت عملالي كمين.
-اهدى يا معلم، اهدى.. احنا هنروح القسم ونشوف الموضوع ده هناك.
قاطعني خليفة وهو بينهج:
-ايه اللي حصل يا باشا، انا شوفتك قاعد على الأرض ومعاك واحد، هو في ايه؟
-مافيش حاجة يا خليفة، النداهة اسطورة، والمجرم الحقيقي هم البشر.
-ايه الألغاز دي يا باشا، هو حصل ايه قبل ما أجي؟
-هفهمك كل حاجة في القسم يا خليفة.
قومت من على الأرض ومعايا المعلم، المعلم اللي اعترف في محضر رسمي بكل حاجة، وبعد كده سلمته للنيابة اللي حبسته ودلوقتي هو مستنيه حكم المحكمة، وبكده تبقى انتهت قصة النداهة، ولأول مرة الجريمة يبقى طرف فيها، شخص من ما وراء الطبيعة، ومن ساعتها، وهناء أو النداهة، بقت بتظهرلي وبتساعدني في قواضي كتيرة، ومع ذلك، اسطورتها وسيرتها لسه مخوفة أهل منطقتها، في السيالة.. أو زي ما بيسموها هناك، نداهة السيالة.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
