رواية ظل بعد ظل الفصل الثالث 3 بقلم ياسمين النعيمي

 

رواية ظل بعد ظل الفصل الثالث بقلم ياسمين النعيمي


رجعت ريّا للمستشفى بعد يومين.
الممرات نفسها ...
رائحة المعقم نفسها ...
لكن شعورها كان مختلف.
مو لأن العمل صعب ...
بل لأن عقلها صار مقسوم بين بيتهم ... و بين شغلها.
دخلت لقسم الباطنية تبحث عن ملف فحوصات أركان.
الممرضة كانت ترتب الملفات.
- صباح الخير دكتورة ريّا.
- صباح النور.
مدت إيدها للملف.
- فحوصات المريض ... أركان.
الممرضة سحبت الملف بسرعة من الرف و ناولته إلها،
- سووا تحاليل جديدة البارحة.
رفعت ريّا رأسها فوراً.
- البارحة ؟
- اي ...
فتحت الملف بسرعة.
صفحات التحاليل...
تصوير...
تحاليل دم.
قلبت الصفحة التالية.
ثم توقفت.
اسم آخر في الملف.
Qais Salman Al-...
عقدت حواجبها.
قلبت الصفحة.
تحاليل دم كاملة.
تقييم متبرع.
تحاليل توافق.
لحظة.
قلبها هبط بصدرها فجأة.
رفعت رأسها ببطء.
الصمت ساد أفكارها،
نظرت للملف مرة ثانية.
خط الطبيب واضح:
Liver donor evaluation.
كأن الكلمات ضربت رأسها.
- يمتى ... صار هذا؟
- البارحة الصبح تقريباً.
سكتت.
الممرضة كملت:
- إجى وية الوالد ... و طلبوا بدء تقييم التبرع.
أغلقت ريّا الملف ببطء.
داخلها شيء انفجر.
مو دهشة فقط.
غضب.
خوف.
و إحساس ... ما كانت مستعدة له.
سحبت الملف بقوة.
- وين دكتور سامر؟
- بمكتبه.
ما ردت.
مشت بسرعة بالممر.
باب عيادته كان نصف مفتوح.
طرقت بخفة و دخلت.
دكتور سامر رفع رأسه.
- أهلاً دكتورة ريّا، تفضلي
لكنها لم تجلس.
رفعت الملف أمامه.
- هذا صحيح؟
نظر للملف.
- نعم.
- دكتور قيس بدأ تقييم تبرع؟
- صحيح.
نظرت له كأنها ما استوعبت.
- ليش محد بلغني؟
ابتسم الطبيب بهدوء.
- لأنه مو قرارج دكتورة.
سكتت.
لكن عيونها اشتعلت، 
- هو مو بس مريض ... هو عائلتي.
الطبيب تنهد.
- و اني أفهم هذا ... لكن المريض و المتبرع قرارهم شخصي.
خفضت صوتها قليلاً.
- النتائج؟
- متوافقة
قلبها خفق بعنف، و تمتمت،
- و ... حجم الكبد؟
- نشوفه بعد التصوير.
أغلقت الملف
- شكراً.
خرجت من الغرفة بسرعة.
الممرات صارت أطول من قبل.
شيء في صدرها يكتم على نفسها.
وصلت المصعد.
ضغطت الزر بعصبية.
الانتظار بدا طويلاً.
دخلت المصعد أخيراً.
و الباب انغلق.
وقفت وحدها.
رفعت إيدها لجبهتها.
- مخبل ...
همستها بصوت خافت.
ثم فجأة ضربت الملف بيدها.
- مستحيل ! ليش يسوي هيچ؟ ليش يقرر شيء بهذا الحجم ... بدون ما يقول؟
صورة أبوها مرت بعقلها.
و صورة قيس و هو يقول بهدوء:
"نعدّيها بحيل الله."
تنفست ببطء.
لكن قلبها ما هدأ.
لأن السؤال الحقيقي ما كان طبي.
السؤال كان أعمق.
ليش رجل عايش بعيد عنهم مستعد يخاطر بحياته علمودهم ؟!
المصعد انفتح.
خطت خطوتين فقط ...
ثم توقفت فجأة. بنهاية الممر ...
كان قيس واقف يم شباك المختبر.
يتحدث وية الممرضة.
ظهره مستقيم.
هدوءه المعتاد.
كأن ما سوى شي استثنائي !!
تجمدت لحظة.
الملف بإيدها صار أثقل.
قلبها يخفق.
غضب.
و خوف.
و شيء آخر ...
ما كانت مستعدة تعترف بيه.

رفعت صوتها:
- قيس.
التفت ببطء.
نظرته وقعت عليها فوراً.
شاف الملف بيدها .. و فهم.
ابتسم ابتسامة صغيرة ... هادئة.
- صباح الخير دكتورة.
عيونها اشتعلت.
- نحتاج نحچي.
نقّل نظراته بين عيونها و رد ببساطة،
- واضح.
ثم التفت للممرضة.
- دقيقة.
رجع نظره إلها.
- تفضلي.
لكنها ما تحركت. وقفت مكانها.
ثم قالت بنبرة حاولت تهديها ... لكنها فشلت:
- أنت... شنو سويت؟
قيس مشى نحوها بهدوء.
وقف أمامها.
نظر للملف ... ثم لعيونها.
- سويت الي لازم يصير.
ردت بغضب،
- بدون ما تحچي وياي؟!
رفع حاجبه قليلاً.
- وليش لازم أحچي وياج؟
صمت ثقيل سقط بينهم.
لأن الجواب ...
لم يكن بسيطاً.
الممر كان مزدحم...
أطباء يمشون بسرعة ... ممرضات ... صوت أجهزة بعيد.
لكن المسافة بين ريّا وقيس كانت معزولة عن كل هذا.
ريّا كانت واقفة أمامه، الملف بيدها، أنفاسها متسارعة.
- سويت الفحوصات؟
قيس رد بهدوء:
- اي.
رفعت عيونها عليه فوراً.
- بدون ما تحچي ويانا؟
بادلها النظرة و ببساطة رد،
- عمي يدري.
سكتت و أردف،
- بعدنا بالبداية.
ضحكت بسخرية قصيرة
- البداية؟!
تقدمت خطوة.
- هذا زرع كبد مو مشروع صغير.
قيس بقى هادئ.
- أعرف.
- إذاً ليش ؟!
صمت لحظة ... ثم رد ببساطة:
- لأن ماكو وكت نضيعه.
ضغطت على الملف بإيدها،
- أكو وقت! قوائم انتظار ... أكو متبرعين، و حلول ثانية.
هز رأسه ببطء.
- انتي طبيبة و تعرفين الوكت و الانتظار مو بصالحه.
سكتت.
وتعرف إنه محق.
لكن فجأة قالت باندفاع:
- زين.
رفع حاجبه قليلاً.
- زين شنو؟
نظرت له مباشرة.
- أسوي الفحوصات اني.
الصمت وقع بينهم فجأة.
قيس ما تحرك.
لكن نظرته تغيرت قليلاً.
- شنو؟
- اني أتبرع.
قالتها بثبات.
- اني بنته، اني أولى.
قيس ظل يتأملها بنظره ... كأنه يقيس الكلام.
ثم رد بهدوء:
- لا.
الجواب كان سريعاً، قاطعاً.
ريّا رصّت على أسنانها،
- مو بس انت تقرر.
- صح.
- هذا جسمي.
- اي صح.
ثم أضاف بهدوء:
- بس هم مو فكرة زينة.
ارتفع صوتها شوية.
- ليش؟
قيس تنفس ببطء، و كأنه يحاول يهدي نفسه، بس نبرة صوته تغيرت.
صارت نبرة طبيب ...
هادئة ... واضحة و عملية.
- لأن زرع الكبد من متبرع حي مو عملية بسيطة. و النتائج تعتمد على عوامل جثير. أولها صحة المتبرع.
رفعت حاجبها بتحدي.
- و اني صحتي ممتازة.
- أعرف.
- لعد شنو المشكلة ؟!
قيس حرك رأسه شوية،
- الموضوع مو بس صحة.
تقدم خطوة صغيرة.
نصى صوته.
- جسم المرة يختلف.
- حجم الكبد غالباً أصغر. و مخزون الدم أقل.
سكتت.
و كمل بهدوء:
- و هذا يزيد نسبة المضاعفات بعد الجراحة.
بلعت ريّا ريقها. لكنها ردت بعناد:
- المضاعفات موجودة للكل مو بس للنساء.
- صحيح، بس نسبتها أعلى.
نظر مباشرة بعيونها،
- خصوصاً بعمليات جبيرة مثل هاي.

قلبها خفق بقوة، لكنها ما تراجعت،
- ما يهم. هو أبوية.
رد بهدوء:
- أعرف.
- و لهذا أكَول لا.
غضبها اشتعل.
- شلون يعني؟! تريد أنت تتبرع و اني أتفرج؟!
قيس ظل هادئ ..
- مو تتفرجين، تبقين واكَفة سند إله و لخواتج.
ضحكت بمرارة.
- واكَفة؟ وانت تدخل عملية ممكن تموت بيها؟!
هز رأسه شوية،
- احتمال الوفاة أقل من واحد بالمية. و احتمال المضاعفات الجدية أقل من عشرة. و هاي أرقام حقيقية.
مو تهوين.
تجمدت لحظة.
واضح أنه يتكلم كطبيب.
مو كرجل مندفع.
لكنها قالت:
- وانت ليش؟ ليش انت بالذات؟!
قيس سكت لحظة.
ثم رد بهدوء:
- لأن جسمي مناسب.
رفعت حاجبها.
- منو كَال؟
- الفحوصات تكَول.
قلبها ضاق.
- و اني ممكن تكون مناسبة همينة.
نظر لها طويلاً.
ثم رد بهدوء عميق:
- ممكن. بس ما راح أخليج.
انفجر صبرها.
- مو من حقك!
- صح، بس راح أمنعج.
وسّعت عيونها،
- شلون تمنعني؟!
قيس رد ببساطة واقعية،
- أحچي وية ابوج. و هو أصلاً ما راح يرضى، انتي تحجين بكيفج، و اني وذّنت لمن ما قنعته و سكت، و انتي لو تذبحين روحج جدّامو ما يرضى.
صمتت لحظة.
لأنها تعرف ... إنه كلامه صحيح ..
لكنها ردت بعناد أخير:
- يمكن أكَدر اقنعه.
قيس نظر لها بعمق.
ثم رد بهدوء:
- لا تحاولين. ما تستفادين شي، ما تعرفين اركان كثري.
نظرت له بغضب.
- و انت شلون وافق عليك ؟!
ابتسم ابتسامة خفيفة.
- الفرق بيني و بينج ...
صمت لحظة،
ثم أردف،
- انتي بنته. و اني زلمة قراري بايدي. جسمي أقوى يتحمل العملية. و التعافي عندي أسرع.
ثم أضاف بهدوء:
- و اني ما عندي التزامات حياة مستقبلية مثل الحمل.
تجمدت .. هذه النقطة أصابتها مباشرة.
قيس كمل بهدوء الطبيب،
- عمليات زرع الكبد غالباً آمنة. بس تأثيرها على جسم المرأة ممكن يكون أكبر. خصوصاً لو صار نزيف أو مضاعفات.
توارى بعيونه عنها و كمل بنفس لغة الطبيب،
- التبرع بالكبد و مضاعفات العملية، تخربط هرمون الإستروجين بالجسم و هالشي يأثر على توازن كل الهرمونات و لفترة طويلة بعد تعافي الكبد التام يلا ترد تتوازن هرمونات الجسم.
- اسألي أي دكتورة نسائية و تأكدي من كلامي ...
ثم قال بصوت أهدأ نبرة،
- و ابوج آخر شخص بالعالم يرضى بهالشي.
سكتت.
قوتها بدت تتلاشى من نبرتها.
- بس اني ...
و سكتت كأن الكلمات تتلعثم بلسانها،
قيس نظر لها بهدوء.
ثم قال،
- انتي خايفة.
ما أنكرت، ثم ردت بصوت منخفض،
- أكيد خايفة. لأنه انتو الاثنين تتصرفون كأنه حياتكم رخيصة.
قيس تقرب خطوة.
لكن صوته بقى هادئ،
- حياتنا مو رخيصة، و لهذا نتصرف بعقل.
صمتت.
ثم همست:
- وإذا صار لك شي؟! أهلك و عائلتك ؟!
هذه المرة ...
صوته صار أهدأ.
- ما راح يصير.
هزت رأسها.
- ماكو ضمان.
قيس قال ببساطة:
- صح.
ثم أضاف:
- بس أكو قرار.
نظر مباشرة بعيونها.
- و اني اتخذته. الله خير حافظاً و هو أرحم الراحمين.

قلبها خفق بقوة.
لكنها قالت بعناد أخير:
- إذا بابا وافق ...
سكت.
ينتظر.
- اني بعدني ما موافقة.
قيس ابتسم ابتسامة صغيرة.
مو سخرية.
مو تحدي.
بس ثقة.
و قال:
- أعرف.
ثم أضاف بهدوء:
- و لهذا لازم نقنعه أول.
تجمدت.
- نقنعه؟
- اي، صيري وياي عليه، لأنه أصعب واحد بهالموضوع.
ثم نظر لها نظرة طويلة،
- مو انتي.
هذه الكلمة...
أربكتها أكثر مما أغضبتها.
لأنها فهمت.
هو ما يستخف بيها.
لكنه ... يحميها من تهورها ...
ريّا بقت واقفة تنظر له لحظة.
كأنها تحاول تقرر ...
هل تصرخ مرة ثانية ...
أو تصمت.
ثم قالت ببطء:
- يعني خلص ... قررت ؟
قيس رد بهدوء:
- اي.
- حتى لو رفض بابا؟
- راح يقتنع.
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة.
- انت ما تعرفه مثل ما تتصور.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
- أعَرفه أكثر مما تتوقعين.
سكتت لحظة.
ثم سألت فجأة:
- و أهلك، و زوجتك، و بنتك؟
نظرة قيس تغيرت قليلاً.
لكن صوته بقى هادئ.
- شبيهم؟
- إذا صار شي الك ... شراح يصير بيهم؟
صمت لحظة.
ثم قال ببساطة:
- ما يصير شي.
هزت رأسها بعصبية.
- كلكم تكولون هالجملة كأنها حقيقة مطلقة.
ثم أضافت بنبرة أهدأ شوية،
- بس الحياة مو هيچ.
قيس نظر لها لحظة ...
كأنه يفكر.
ثم قال بهدوء:
- ريّا ... انتي طبيبة.
- أعرف.
- تعرفين شيصير إذا انتظرنا.
سكتت.
لأنها تعرف.
نزلت عيونها للحظة، ثم قالت بصوت أخف:
- بس هذا مو قرار سهل.
- محد كَال سهل.
سكتوا.
الممر حولهم ما زال مليان حركة ...
لكن كأن الصوت صار أبعد.
ثم قال قيس بهدوء:
- شوي انّوب و اسوي آخر فحص، صورة الكبد. بس تخلص بخير اليوم نحاجيه.
رفعت رأسها.
- اليوم؟
- إي.
- ليش مستعجل؟
- لأنه كل ما نتأخر ... راح يصعب الموضوع أكثر.
نظرت له لحظة طويلة.
كأنها تزن القرار.
ثم تنهدت.
- إذا تعصب عليك ... لا تكَول ما كَالت.
ابتسم قيس.
- يمون.
دارت عيونها نحوه بسرعة،
- متعود؟!
هز كتفيه بخفة.
- أبوج مو عمي .. 
سكتت لحظة ...
ثم فجأة ضحكت.
ضحكة قصيرة ... خرجت رغماً عنها.
أول مرة من بداية المواجهة.
قيس رفع حاجبه.
- شكو ؟!
هزت رأسها.
- أتخيلك تطلع عمي توأم ابوية مو ابن اخوه هههه.
ثم قالت:
- تعال.
ضحك بزاوية فمه و تبعها.
استداروا يمشون بالممر.
خطوتين... ثلاثة...
ثم توقفت فجأة.
التفتت له.
- قيس.
- هممم؟
ترددت لحظة.
ثم قالت بصوت أخف:
- إذا الفحوصات طلعت مو مناسبة ...
نظر بعمق بوسط عيونها ينطق بقرار قاطع،
- راح نكَف، و ننتظر متبرع..
قطع عليها الجملة بهدوء.
نظرت له لحظة، مصدومة، كأنها تريد تقول كلام بس بلعته و همست،
- تمام ..
نظر مباشرة بعيونها.
- وعد.
سكتت لحظة.
ثم هزت رأسها.
- تمام ..
ومشوا باتجاه المكان المخصص لتصوير الكبد ...
بأول خطوة يخطوها معاً بعد ما بكل هيمنة منعها من أن تخلي نفسها احتمال للتبرع.

بعد ساعة خرج الطبيب من غرفة التصوير، الملف بإيده.
وقف أمامهم، يراجع الأوراق بسرعة.
ريّا كانت واقفة، يديها متشابكة أقدامها، عيونها على الملف.
قيس واقف بهدوء، ظهره مستند خفيف على الجدار.
رفع الطبيب نظره.
- تفضلوا للمكتب نحجي.

تبعوه لمكتبه القريب، جلس خلف الكرسي، فتح أورق التقرير ينظر لها من خلال نظارته الطبية، و رفع نظره لقيس يكَول،
- النتائج الأولية ... جيدة.
ريّا رفعت رأسها فوراً.
- شنو يعني جيدة؟
قلب الطبيب الورقة.
- فص الكبد مناسب من ناحية الحجم... و الأوعية واضحة. مبدئياً التوافق موجود.
سكتت.
كأنها كانت تنتظر كلمة ثانية.
- يعني يگدر يتبرع؟
سألته بصوت أنصى.
هز الطبيب رأسه.
- نعم ... من الناحية الطبية ماكو مانع.
الصمت نزل بينهم فجأة.
ريّا نظرت لقيس.
قيس كان ينظر للأرض لحظة ... ثم رفع عينه للطبيب.
- نكمل الإجراءات؟
- شنو الخطوات الجاية حتى نبدأ ؟!
هز رأسه الطبيب ابتسم ابتسامة خفيفة،
- لازم نحچي ويا المريض أول.
نظرة ريّا تحركت فوراً.
- بابا.
هز الطبيب رأسه.
- لازم يكون موافق.
سكت لحظة و أردف،
- و صراحة ... أغلب حالات تبرع الأقارب، يرفضون بالبداية. ما تكَدرون تلوموه، تكَدرون تقنعوه لأنه العامل النفسي بنجاح النقل جداً مهم.
قالها بنبرة طبيب تعوّد على هذا المشهد.
طلعوا من عند الطبيب و بقوا الاثنين واقفين.
ريّا تنفست ببطء،
- قيس.
- همم.
- طلعت النتائج هسة
- اي.
- و انت بعدك مصر ؟!
نظر لها.
- اي.
سكتت لحظة.
ثم قالت بهدوء مختلف:
- تعرف انه راح يرفض.
- أعرف.
- و راح يتعصب علينا.
- أعرف.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
- مو أول مرة يصير عصبي.
نظرت له.
- انت شلون هلگد هادئ؟
فكر لحظة.
ثم قال ببساطة:
- لأن القرار خلص.
سكتت.
نظرت له لحظة طويلة.
ثم اتجهوا للبيت
عادوا من المستشفى بصمتٍ ثقيل.
النتيجة كانت واضحة ...
والكلمات الي تحملها أثقل من أن تُقال بسهولة.
فتح قيس الباب أولاً.
دخل بخطوات هادئة، وريّا خلفه مباشرة. كانت تمشي ببطء، كأنها تخاف أن يسبقها الخبر إلى أبيها.
في الصالة ...
كان أركان جالس على القنفة، ظهره مستقيم أكثر مما يجب، كأن الإرهاق يحاول أن يحنيه و هو يقاومه بالعناد فقط.
رفع رأسه لما سمع الباب.
عيونه انتقلت بين الاثنين بسرعة ... ثم استقرت على قيس.
ما سأل.
كان يعرف.
قيس وقف أمامه.
كما هو دائماً ... هادئ ..
- عمي ....
ما خلاه يكمل.
- لا.
قالها أركان فوراً، بصوت أقل حدّة من قبل ... لكنه قاطع.
- الموضوع انتهى.
ريّا نقّلت نظراتها بينهم بتوتر.
إيديها متشابكات أمامها، و كأنها تمسك نفسها حتى ما تتكلم.
قيس ما تحرك.
وقف مكانه لحظة ... ثم قال بهدوء شديد:
- ابوي يعرف.
رفع أركان راسه بسرعة.
- شنو ؟!
- حجيتلو كل شي.

الصمت سقط في الغرفة فجأة.
أركان ضيّق عيونه.
- شنو يعني حجيتلو، بشنو حجيت ؟!
- عرف بكل شي.
ارتفع صوت أركان هذه المرة:
- قيس!
وقف من مكانه.
- شلون تدخل أخوي بالموضوع بدون ما تحچي وياي؟!
قيس بقي هادئاً ... بشكل أزعج أركان أكثر.
- لأنو الموضوع ما يخصك بس انت.
- جسمي أنا.
- بس حياتك مو إلك لوحّدك.
الهوا بالغرفة صار أثقل.
ريّا شعرت أن قلبها يدق بصوت مسموع.
قيس أكمل بنفس الهدوء:
- ابوي جاي لهين.
رفعت ريّا رأسها فوراً.
- جاي؟
نظر إلها قيس لحظة ... ثم عاد بعينه إلى أركان.
- اي.
أركان قال ببطء:
- يمتى جاي ؟!
- عكَب باجر طيارتهم.
سكت قيس لحظة قصيرة.
- هو و زياد.
تنفس أركان بعمق ... كأنه يحاول أن يتحكم بأعصابه.
مرر يده على وجهه بتعب واضح.
- شاحجي، شاكَول عليك يول !!
جلس من جديد ببطء.
- عليش تتصرف من راسك ؟!
قيس ما رد فوراً.
فقط قال بهدوء:
- حكَهم يعَرفون.
رفع أركان عينه له.
- حكَي اني أقرر منو يعَرف و منو لا.
قيس نظر له مباشرة.
- و حكَهم يكَفون وياك.
الصمت الذي تلا كلماته كان طويلاً.
ريّا كانت ما تزال واقفة قرب الباب ... تشعر أن البيت نفسه تغير فجأة.
لم يعد بيت أبيها الذي يدير كل شيء فيه وحده.
كان واضحاً الآن ...
أن شيئاً أكبر قادم.
بعد يومين ...
في المطبخ، كانت ريّا واقفة قرب الطاولة تجهز الفطور.
دخل قيس.
نظر للمفاتيح معلقة بمكانها على الجدار ... ثم قال بهدوء:
- ريّا اذا ما تحتاجين السيارة اخذها اجيب ابوي.
رفعت عيونها إله.
- لالا ما أحتاجها، تريد اجي وياك؟
- لا ارتاحي، اعَرف درب المطار.
بقت تنظر له لحظة ...
ثم مدّت يدها بالمفاتيح.
- يوصلون بالسلامة
أخذها منها.
توقف لحظة قبل أن يدير ظهره.
ريّا نادته بهدوء:
- قيس ...
- همم .
- أحس بابا مو مستعد.
هز رأسه بخفة.
- أعَرف.
سكتت لحظة أخرى.
- و انت؟
التفت لها قليلاً.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه.
- مستعد من زمان.
ثم خرج.
و ترك ريّا واقفة بالمطبخ ...
تشعر أن اليوم لن يشبه أي يوم مرّ على هذا البيت.
لم يكن البيت هادئاً ذلك الصباح ...
لكنه كان ساكناً بطريقة تجعل الصوت الصغير يبدو كبيراً.
ريّا كانت واقفة بالمطبخ، تقلب القدر ببطء.
رائحة المرق كانت تعبّي المكان؛ فاصوليا خضراء مع البزاليا والجزر، واللحم المشوي في صينية الفرن. و على الموقد كان جدر التمن الأبيض جاهز.
كانت تطبخ لأنها ما تعرف شتسوي بإيديها، و بداخلها تحس أكو وميض فرح.
اليوم يوصل عمها سلمان ... الرجل الي سمعت عنه هواية، و ما شافته أبد.
سمعت خطوات أبوها خلفها.
دخل أركان المطبخ ببطء،
وقف عند الباب لحظة، ثم اقترب قليلاً ينظر إلى الطباخ.
- شمسوية؟
سألها بصوت خافت.
رفعت الغطاء قليلاً.
- مرق فاصوليا ... و بزاليا وجزر ... و اللحم بالفرن.
هز رأسه ببطء.
لم يكن ينظر للطعام فعلاً.
كانت عيونه شاردة بمكان آخر.

منذ الصباح و هي تلاحظ الشيء نفسه ...
عينيه محمرتان قليلاً، كأن الدموع تحاول أن تظهر و هو يرفضها.
لكنه بقى واقف بثباته المعتاد.
كأن شيئاً لم يتغير.
ثم قال بهدوء:
- تعبتي ؟!
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
- ويكند ... أني و رغد ما عدنا شي.
ما رد.
ظل واقف لحظة، ثم خرج من المطبخ ببطء.
ريّا بقت تنظر إلى الباب بعده.
كانت تعرف هذا الوجه.
هذا الصمت ليس هدوءاً.
هذا خوف.
و خلفه ... شوق يلمع بعيونه ...
بعد ساعة...
صوت السيارة توقفت أمام البيت.
قلب ريّا انقبض فجأة.
رغد تقربت بسرعة،
- وصلوا ؟!
ما جاوبتها ريّا.
كانت واقفة عند مدخل الصالة.
تسمع صوت الباب الخارجي يُفتح.
خطوات.
أكثر من شخص.
ثم دخل قيس أولاً.
يتبعه رجل طويل ... أكتافه عريضة رغم السنين، شعره يختلط فيه الشيب، لكن حضوره ملأ المكان بطريقة لا تحتاج إلى جهد.
هذا ... عمها سلمان.
و خلفه شاب يشبه قيس شوية، لكن عيونه أكثر حيوية.
زياد ...
تجمدت ريّا لحظة.
كان أول انطباع يضربها فجأة:
يشبه أبوها.
مو نسخة ...
لكن أكو شيء واضح ... في الوقفة، في عرض الكتفين، في نظرة العين ... و لونها ...
رجال هذه العائلة عيونهم مميزة ...
قبل أن تقول شيئ ...
خرج أركان من الداخل.
توقفت اللحظة كلها.
الأخوان وقفوا ينظرون لبعضهم.
سنوات طويلة مرت بين هالنظرتين.
ما تكلم أحد فوراً.
فقط نظر.
ريّا شعرت أن الهواء نفسه توقف.
ثم تحرك سلمان خطوة للأمام.
ينظر لأركان بنظرة حنونة و صوته خرج أنصى مما توقعت:
- شلونك يول ؟!
ابتسم أركان ابتسامة صغيرة ... لكنها كسرت شيئاً في وجهه. و نطق،
- مشتاكَلك ..

خطوة ثانية.
ثم فجأة...
اختفت المسافة.
اقتربا... و تعانقا.
حضنة قوية ... طويلة ...
حضنة رجال كبار ما يعرفون كيف يبكون بصوت، لكن أجسادهم تقول كل شيء.
أركان دفن وجهه بكتف أخوه لدقايق بضعف أول مرة تشوفه بيه.

و سلمان ضمّه أكثر و كأنه يضم روحه لصدره،
- بعدك نفس العناد، و الراس اليابس ..
قالها بصوت مبحوح قليلاً.
أركان ضحك بخفة ... و وياها دمعة انفلتت رغم عنه.
- و انت بعدك ما تغيرت.
خلفهم ...
زياد كان واقف صامت، ينظر إلى عمه لأول مرة و هو رجل، يذكره بلمحات قصيرة أثناء طفولته.
و شافه فقط بالصور طوال عمره.
لكن الشعور كان غريب ...
كأنه يعرفه فعلاً.
لأن حب هذا الرجل كان يعيش في بيتهم دائماً.

ريّا ما حست بالدموع إلا لما لمحت رغد بجانبها تبكي بصمت.
لم تكونا تقصدا أن يسمعهما أحد.
لكن سلمان رفع راسه فجأة.
انتبه لهن.
نظر لهن نظرة طويلة.
عيونه انتقلت بينهن ببطء.
ثم ابتسم ابتسامة دافئة ... و فتح ذراعيه.
- تعالن جاي ..
ما تحركت رغد.
أما ريّا ... فما قدرت توقف.

تقدمت خطوة ... و ثانية.
كانت تبكي الآن بلا محاولة لإخفاء ذلك.
وقفت أمامه.
- هلو عمو ...
الكلمة خرجت مكسورة.
سلمان ابتسم أكثر.
- تعالي ريّا، تعالي يابا.
و فتح حضنه أكثر.
ريّا دخلت إليه فوراً.
احتضنها بقوة ... كأنه يضم شيئ ضاع منه سنين طويلة.
يده الكبيرة استقرت على رأسها، نفس طريقة أبوها باحتضانهم، إيد على الكتف و الثانية يمسد بيها على شعرها يتمتم،
- بس ... بس يابا ... لا تبجين.
صوته كان حنون بشكل مؤلم.
ثم رفع عينه إلى رغد.
مد ذراعه الثانية.
- تعالي ... رغودة.
تجمدت رغد لحظة.
- تعالي يابا.
اقتربت ببطء.
و ما إن وصلت ... حتى ضمها مع أختها إلى صدره يوزع قبلات على راسهم و يردد،
- فدوة و نذر غديت للبنوات.
قالها و هو ينظر بعيونهن،
- شايفجن ألف مرة بالصور ... بس غير غيرر لمن ضميتجن لصدري.

ابتسمت ريّا رغم دموعها.
سلمان نظر إلى أركان فجأة.
- دحج شسويت.
قالها بنبرة فيها عتب واضح.
- حرمتنا من البنوات ... و حرمتهن منّا.
أركان ما رد.
توارى بنظراته بعيداً،
لكن في عينيه كان شيء يشبه الاعتراف بالذنب.
و التقت عيونه بعيون زياد مد إيده استقبله يقول،
- زياد عمي اعذرنا ابوك فايت علينا بالرزايل. جثير الهلا حبيبي.
اقترب زياد ماسك بإيد عمه، و حضنه يقول،
- بيك اكثر عمي.
و أركان حضنه بكل قوته المتبقية يردد،
- كبران يول، شكثر كبراان !! الله يحفظكم ولد سلمان، يشهد الله شكثر احبكم و اعزكم.
زياد رد عليه و هو يبوس راسه،
- الله يحفظك و يعافيك عمي، عزيز و غالي انت.
طبطب أركان على ظهره، 
- الله يعز غاليك حبيبي.
و التفت يوزع نظراته للجميع،
- حيّاكم حيّاكم، استريحوا.
و التفت لريّا الي تحجي وية عمها سلمان، سحبها لحضنه يكَول،
- هاا رافجتييه ؟! 
لمها لصدره و رفع نظراته لسلمان يقول،
- اعرفت عنك و اكلت راسي، عليش ما تعرفنا على عمي سلمان و انت تحجي وياه ؟! و اذبحت روحها تا تعرف سلمان،
و دنكَ براسه ينظر بعيونها يكَول،
- هاا شلونو عمج سلمان ؟! 
قاطعه سلمان يكَول،
- اي حكَها البنية تريد تعَرف اهلها. هاي طلع من خلفتك احد مو كَطعي و يعوف اهلو.
ابتسمت ريّا و أركان طبطب على كتفها يكَول،
- هاي حصلنا اول حجاية من ورا راسج.
فك إيده عنها يكَول بصوت أنصى،
- مي حبيبتي مي ...
بعد دقائق ...
كَاعدين بالصالة.
ريّا دخلت المطبخ بسرعة.
إيديها بعدها ترجف شوية.
رتبت أكواب المي بالصينية و رجعت قدمته إلهم.
- تفضل عمو.
أخذ سلمان من إيدها،
- تعيشين حبيبتي.
شرب شوية ... و خلى الكأس على الطاولة.
بينما تقدم لهم المي،
نظر لأركان مباشرة.
الصمت عاد.
ثم قال بهدوء ... لكن بثقل واضح:
- عليش هيج تسوي بروحك ؟!
أركان رفع عينه.
- هذا قدر رب العالمين.
- آمنت بالله، كل شي قضاء و قد، بس عليش ما كَلت ؟!
الصمت صار أثقل.
- كَاطعكم كل هالسنين، مو من اكَع اجي اشكي.
تنفس ببطء.
- ما جان لازم تعرفون،
و اتجه بنظرة لقيس و رجع لأخوه، 
- بس هذا هو و بنتي تكالبوا عليّ، هي حجت له ادري، و هو كتّرني و صار وصي عليّ.
ابتسم سلمان بسخرية خفيفة،
- اي زين سوا، لو ما مسوي هيج جان ما كَلت ابني و ارفع راسي بيه. و عليش ما جان لازم اعَرف ؟!

سكت لحظة.
ثم قال بصوت أعمق:
- كَلتلك، مو مال بعد كل هالسنين اجيلك من اكَع.
ريّا جلست بهدوء قرب رغد.
كانت تشعر أن الحوار الآن ليس مجرد عتاب.
كان شيئاً أكبر.
سلمان كمل:
- تمرضت ... و تريد تموت و ساكت لاجل مكابرك ؟! اخوك اني اخووك، المن تنراد الخوة ؟!
أركان قال ببطء:
- ما ردت اثكَل عليك.
سلمان ضحك ضحكة قصيرة.
- تثكَل عليّ ؟!
ثم مال للأمام شوية،
- انت تحسب نفسك شنو؟
الصمت عاد مرة أخرى.
و أردف سلمان و هو يأشر لقيس،
- يول مو ربّيتك انت و هالزلمة ؟! منهو الربّاكم انتو ؟! تنكر هالشي ؟!
هز أركان راسه بالنفي، يرد بنظرة مكسورة،
- انت ابوي ...
- عجل لمن ابوك يصير تكَع بهيج مصيبة و ما تجيلي ؟! هذول زلم طول بعرض، تزوجوا و الهم عوائل و لمن يكَعون بشدّة مردهم الي، انت عليمن تكابر ؟!
سكت أركان، ريّا حست أبوها خجلان و بموقف صعب، و بردّة فعل سريعة، مسكت إيد رغد و أشرت بعينها للمطبخ، حبت تخلي لهم الجو يمكن يطلعون بنتيجة لما يحس أبوها انه الأصغر هنا و ما عليه ضغط أمام بناته.
دخلت للمطبخ، رغد تسألها، 
- ليش اجينا هنا ؟!
سحبت إيدها تكَول،
- أحسن .. حتى بابا ما يكون خجلان كَدامنا، احنا يهمنا يقتنع و عمو يأثر على قراره مو مهم نشوف هيجي مواجهة.
بقوا بالمطبخ بس يسمعون المواجهة عن بعد.
صمت أركان لوقت و قالّه،
- سلمان، اني الله ابتلاني، ولا اعتراض على حكمه، ما يصير احد غيري يتأذى تاعيش، هو شكثر باقي بالعمر ؟!
- و مو كَالولك التبرع ما بيه خطر جثير ؟! انت دكتور عود ؟!
سكت أركان و رد بنظرة موجهة على قيس،
- هذا اخوي و ابني و روحي، ما أكَدر، انت لو جنت بمكاني كَلبك ما يصخي بيه.
رد سلمان،
- الحمد لله اني مو بمكانك تاشوف بعين العكَل مو بكَلبي، شاكَول لربي لو صار لك شي و اني عندي زلم كل واحد هالعرض افّادو ؟!
هز أركان راسه ب'لا' ينفي الفكرة و التفكير بيها حتى و رد بضعف،
- كَلبي ما ينطيني .. ما أكَدر ...
و قاطعه زياد،
- عمي اني اعرف شكثر انت و قيس خوّان، اذا كَلبك ما يصخي خليني اني اسوي الفحوصات.
و قاطعه أركان،
- لا حبيبي لاا، ما أصخي بيه و اصخي بيك ؟! شيلوا الفكرة من راسكم.
نزل قيس من القنفة ثنى رجليه جالس يم رجلين أركان يقول،
- أركان، كَول يا ألله و خلينا نتوكل، الوكت و العناد مو بصالحك.
ضغط أركان أصابعه على ركبته ... كأنه يحاول أن يمسك قراره بيده،
- ما أكَدر يول، ما اكَدرر ...
سكت قيس شوية كأنه يقيم ما سيقول براسه، قبل النطق بيه و قال بصوت ناصي لئلا يسمع الي بالمطبخ،
- السالفة ما تخصك بس انت، البناات، أركان البنات حالهن مو حال.
صفن و أردف بنفس النبرة،
- ريّا من يومين كَوة كَضبتها تا ما تحط روحها بهيج سالفة، هذا الحجي بينّا اني مااا وصلته الك بعدين مو تكَول و اطلع الي يفضح الاسرار. انت ما واعي شجاي تسوي، البنية تريد تتبرع هي، و اني سديت السالفة و دوبك قنعت تشيلها من راسها، لا اني ارضى ولا انت ترضى و هاي بنية لا تزوجت ولا خلفت، وراها حياة طول بعرض.

وسّع أركان عيونه لكل كلمة انقالت، و أردف قيس،
- أمانة حلّفتك جدّام ابوي و زياد، هاي السالفة لا توصّلها الها، بس دحج وين حطيت البنوات، خلي السالفة بينّا احنا زلم و نشيلها، ما بيها خطورة عليّ والله، الخطورة عليك انت، و ما عندك شي تخسرو غير صحتك و روحك. و لا سامح الله تيتم البنيّات وراك.
سكت أركان كأنه بدأ يفكر من زاوية ما كانت تخطر له. صفن بالفراغ وقت و سأله بخفوت،
- شسويت فحوصات انت ؟!
- كل شي، حتى تصوير ثلاثي أبعاد للكبد و فصّ التبرع سويت، كلّو نسخة طبق الأصل. صحتي تمام الحمد لله و جاهز من كل شي، بإذن الله المضاعفات عليّ قليلة، بس انت الي بوضع مو زين، و التبرع ممكن ينقذك حتى لو لفترة، ماكو نسبة نجاح 100% مثل ما تعَرف، بس هي محاولة.
نظر له بنص عيونه و سأل،
- و لو فشلت ؟!
رد قيس بسرعة،
- يفديك، اهم شي سعينا و حاولنا،
و أردف مداعباً،
- تاظل اكَولّك بعد جبدي.
ضحكوا كلهم و لان أركان شوية، طبطب سلمان على ظهره يكَول،
- هاي دحج ما ضاع بيه الرباا، كَول يا ألله و توكل و خلي عينك بعين ربك حبيبي.
هز راسه و التفت لسلمان،
- خايف على البنات ...
- اني هين لا تخاف، البنيّات بنيّاتي. 
و رد بنبرة تردد،
- سلمان البنات بنفسهن يعرفنكم من زمان، و فرصة و اجت بس اني مو بحيلي. هن عاشن حياة غير حياتكم، لو بدر منهن شي مو من طبعكم اعذرهن و احتويهن، ربّيتهن احسن تربية، لا اخلاقهن ولا تصرفاتهن مال هين، بس يظلن ما عاشن بعوايدكم.
رد سلمان بحكمة،
- اعَرف اعَرف، لا تخاف اني ابوهن لا جاي اقيّم تربية، ولا أعدل اطباع، اني أب و انت أب و نعَرف خلفتنا شنو.
سكتوا و سأله قيس،
- هاا بشّر ؟! نتوكل ؟!
بعد صمت لدقيقة هز راسه بالموافقة،
- على الله ...
رد سلمان،
- و نعم بالله، معنوياتك شلون ؟!
- جنت جثير خايف، بس لمتكم حواليّا قوتني.
مد سلمان إيده لكتفه و سحبه يضمه و يكَول،
- تعال المّك و اشبع بيك طول ما بنيّاتك مو هين.
ابتسم أركان بخجل، و سلمان ضمه لصدره يطبطب على ظهره و يكَول،
- فيّن الله حظك لمن خليت روحي تلوب عليك كل هالسنين، ولو هو فان حظك شظل بيه !!
ضحكوا و ظلوا يتبادلون أطراف الحديث إلى أن دخلت عليهم ريّا، كل الأنظار توجهت عليها و قالت،
- عمو تفضلوا الغدا جاهز.
التفت له أركان يقول،
- دحج صارت تعزم عمو أول، بعد بابا الله ربه.
ردت بخجل،
- باباا، مو عمي الجبير.
رد سلمان،
- انتي ام الذوق و الأصول، هذا ابوج غار حبيبتي.
و ردت تعاتب ابوها،
- مو عيب تغار من عمي ؟!
نهض و كلهم وقفوا وياه يقول،
- اي والله بابا عيب ... حكَج عليّ.
و علّى صوته،
- تفضّلوا يابا تفضّلوا. 
و همس لسلمان،
- هاي امي مو بنتي.

تجمعوا حوالين طاولة الطعام،
سلمان على راسها.
إلى اليمين أركان بعد أن سكت اعتراضات اخوه الأكبر لترأس الطاولة قائلاً،
- انت جبيرنا و هذا بيتك ... 
و بقى جالس ساكت، أكتافه ثقيلة و كأنهما يحملان شيئاً أكبر من الجسد.
قيس بجانبه.
زياد مقابلهم، ينظر حوله و كأنه يحاول يحفظ تفاصيل بيت عمه الي سمع عنه سنوات.
رغد جلست قرب ريّا، تحاول أن تبدو طبيعية ... لكن عيونها حمراء.
لحظة صمت مرّت قبل أن يقول سلمان وهو يمد يده للخبز:
- بسم الله.
صوت الملاعق بدأ خفيفاً.
لا أحد تكلم أول دقيقة.
ريّا تقربت واقفة بجانب كتف عمها اليمين تخليله بصحنه و تسأله،
- عمو شتحب ؟!
و أبوها بحركة تلقائية سحب من فخذ الغنم موزة الساق وضعها أمام سلمان، الي رفع له عيونه بنظرة عميقة، كلها حب و حنين و شيء من الاستغراب إنه بعده يذكر هذه التفاصيل !!
رفع عمها عينه لها بابتسامة دافئة،
- تسلمين يابا، اكَعدي اكلي الاكل جدامنا حبيبتي.
هزت رأسها بخجل خفيف.
و قربت الأكل لأبوها، 
أركان رفع نظره لها لحظة...
نظرة طويلة صامتة.
كأنه يقول لها شيئاً لم يستطع قوله بالكلام.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة ... و جلست أخيراً.
بدأوا أكل بهدوء كسره عمها و هو يكَول،
- ريّا هذا شغل ايدج يابا ؟!
و هي ابتسمت، 
- اي عمو شنو تقييمك ؟!
- والله أصلي، منهو علمج؟!
تركت الملعقة من ايدها و ردت بابتسامة و انتباه تدل على استمتاعها بالحديث معه،
- والله عمو شوية بابا، و هواية يوتيوب و قنوات طبخ.
ضحكوا كلهم و سأل سلمان، 
- يول البنية الزغيرة وينها ؟! 
قلص عيونه يفكر و أردف،
- رهف .. رهف وين ؟!
رفع أركان اللقمة لفمه يقول،
- نايمة هاي تنبل لو تعوفها يوم كامل هي نايمة.
رد قيس معقّباً،
- والله حسها اله وحشة بالبيت.
و سأله ابوه،
- رافجتها ؟!
و التفت على أركان يقول،
- قيس دبكَة مال بنوات، هالتشوفه رافجها و فكَدها.
رد له أركان بثقة،
- فرخ البط عوام.
ضحك سلمان يكَول،
- يول هن يلعبن بالكَلب.
كملوا أكلهم و اجاهم صوت خفيف من الممر.
رهف.
شعرها منفوش من النوم، و عيونها نصف مغلقة.
وقفت يم باب المطبخ و هي تنظر للطاولة.
- منو هنا؟
قيس تأملها و ضحك،
مشت ببطء و جلست قرب ريّا.
تهمس لها بصوت مسموع لهم كلهم،
- هاي منو هنا ؟!
حاوطت ريّا كتفها تكَول و هي تأشر عليهم،
- هذا عمو سلمان، و هذا عمو زياد، 
و أشارت لقيس،
- تعرفين شيصيرون من عمو قيس ؟!
هزت راسها ب'لا' 
و فهمتها ريّا،
- عمو سلمان يصير ابو عمو قيس، و عمو زياد اخوه.
و رهف صفنت لدقيقة تبعتها بسؤال،
- كلهم عمو ؟!
ضحكوا و سلمان نزل الملعقة فاتح إيده،
- تعالي رهوفة.
و شجعتها ريّا بلمسة على ظهرها،
- روحي لعمو سلمان، هو يحبنا، و سأل عليج قبل شوية،
و سألت،
- هو يعرفني ؟!

رفعت ريّا حاجبها تقول،
- مادري، روحي يمه و اسأليه.
وقفت لدقيقة تتأمله عن بعد مترددة، و هو مبتسم يقول،
- تعالي جاي خل احبّج.
مشت له خطواتها ببطء و هو مال لمستواها و عينه بعينها يقول،
- سألت عليج و كَالوا نايمة، نوم العافية حبيبتي.
ابتسمت تسأله،
- انت تعرفني ؟!
رفع حواجبه ينظر لها بنظرة حنونة و رد،
- اكو واحد ما يعَرف رهوفة ؟!
- منين تعرفني ؟! اني ما شايفتك ...
- اني بعييد و ابوج يدز لي صورج انتي و اخواتج.
- يعني انت اجيت من بعيد حتى تشوفنا ؟!
هز راسه،
- ايي، اجيت تاشوفجن،
و فتح ايده،
- ما تجين عليّ ؟!
تقربت منه و ضمها لصدره يمسد على ظهرها و يبوس براسها و يتمتم،
- شهالشعرات الحلوات ؟!
ابتسمت خجلانة تقول،
- ما قالولي تجي حتى اخلي ريّا تمشط شعري، جنت نايمة ...
و هو حملها و جلسها على فخذه يقول،
- نوم العافية بنيتي.
استسلمت بالجلوس بحضنه و تأملته تقول،
- عمو انت تشبه بابا.
و سلمان يمشط شعرها بأصابعه يقول،
- لانو اني اخوه، شلون انتي و ريّا و رغد ؟! .. اني و ابوج نفس الشي.
اندارت على اليمين،
- و عمو قيس هم اخوكم ؟! و عمووو.... 
و سكتت ناسية اسم زياد، الي رد عليها،
- زيااد.
ميّلت راسها مقلصة عيونها بدلع تقوله،
- هلو عمو ...
ابتسم للطافتها يقول،
- هلا عمو، فدوة لوجهج.
و صحح لها سلمان يقول،
- لا هذول اثنينهم ولدي.
و التفتت له متفاجئة تقول،
- يعني انت كبير عموو.
و هو رد لها يغمز،
- يعني شوي ...
و قاطعهم أركان،
- يول يابا هاي صارت جلسة تعارف مو غدا، اكلي بنيتي و تسولفين وياه للصبح.
و سألت عمها،
- عمو يعني انت تظل يمنا ؟!
- انتي تريدين اظل ؟!
هزت راسها تقول،
- اي اي، هسة ناكل و بعدين احجي وياك هوااية.
ضحكوا و نزلت لعند ريّا نظرت للأطباق ثم قالت بجدية:
- ليش ما صحتيني اتغدى ؟!
ريّا خلت لها صحن تمن.
- جنتي نايمة مثل الميتة.
رهف أخذت الملعقة و قالت:
- ايي نمت هواية اليوم، اني و لولو.
الجميع ابتسم.
حتى أركان ...
كانت ابتسامة خفيفة جداً.
لكن ريّا لاحظتها.
و صمتوا مكملين أكلهم، لكن هذه المرة...
لم يكن صمت غربة.
كان صمت عائلة بدأت تعود لبعضها من جديد.
بعد يوم
المساء كان هادئ أكثر من اللازم.
الصالة شبه مظلمة، ضوء الأباجورة الصفر خفيف، و صوت المكيف ثابت كأنه يغطي على كل شي.
أركان جالس على القنفة، مائل شوي للخلف، إيده على بطنه، عيونه مغمضة نص إغماضة ... مو نايم، بس تعبان.
سلمان مقابلَه، استكان الشاي بإيده، يتأمله بهدوء، عيونه عليه طول الوقت.
زياد جالس على طرف القنفة، ماسك موبايله، بس واضح مو مركز.
قيس واقف يم الشباك، يتكلم وية أحد بالمستشفى، صوته ناصي:
- إي... لا، خليها لباجر... إي، تمام.
غلق و التفت.
بهاللحظة ... دخلت ريّا من المطبخ.
شايلة صينية شاي، الاستكانات تلمع باللون الأحمر الداكن بصينيتها.
- عمو جايك برد، جبتلك هذا.
قيس تحرك فوراً، قبل ما توصل نص الطريق.
- عنج.
مد إيده و أخذ الصينية منها بسهولة.
وقفت لحظة، كأنها كانت ناوية تقول "عادي"... بس سكتت.
مشى يوزع الاستكانات عليهم بدون ما يسأل.
ريّا وقفت مكانها، تراقبه لحظة ... ثم راحت جلست يم رغد.
سلمان تابع المشهد بصمت ... و ابتسامة خفيفة مرّت على وجهه.
أركان فتح عينه نص فتحة ... شاف الحركة ... و رجع غمّضها.
لكن ملامحه انغلقت شوية.
قيس قرّب الاستكان لأبوه، ثم لأركان.
أركان أخذ الاستكان منه بدون ما ينظر له.
- همم.
ريّا مدت يدها للاستكان، بس قبل ما تاخذه، قيس قال:
- لا، هذا بيه شكر.
رفعت عيونها له.
- ها؟
- دحكَي هذا بيه شكر انتي مو ما تشربيه ؟!
سكتت لحظة ...
ثم قالت بهدوء:
- اي ... صح.
أخذت الاستكان الثاني.
سلمان هنا رفع حاجبه بخفة ... و شرب شايه و هو ساكت.
زياد ينقّل نظراته بدون تعليق.
الصمت رجع للحظة.
بس مو نفس الصمت السابق.
هذا صمت بيه شيء يتحرك تحت السطح.
بعد دقائق ...
أركان حاول يغيّر وضعه.
تأوه خفيف طلع منه غصب.
ريّا انتفضت فوراً.
- بابا !!
قامت بسرعة ...
لكن بنفس اللحظة، قيس سبقها خطوة.
- إهدي.
وقف امامها بنصف خطوة، مو يمنعها ... بس ياخذ زمام الموضوع.
قرب من أركان، إيده على كتفه.
- شبيك ؟!
- ما بية شي ...
صوت أركان كان أضعف من قبل.
قيس مال عليه شوي:
- وجع لو ضغط؟
أركان سكت لحظة ...
ثم قال:
- شوي وجع.
ريّا كانت واقفة ورا قيس، عيونها عليه، أنفاسها سريعة.
قيس ساعد أركان يعدل جلسته، حط وراه مخدة.
- هيچ أحسن؟
- همم.
جلس قيس قريب منه، يراقبه لحظة.
ثم قال:
- اليوم ما أكلت زين.
ريّا رفعت عيونها إله فوراً.
- هو ما يشتهي.
- مو مسألة يشتهي لولا.
ردها قيس بهدوء.
ثم التفت لها:
- من الصبح بس لكَمتين.
سكتت.
تفاجأت ... لأنه صحيح.
سلمان هنا ابتسم بصمت ...
رجع الصمت مرة ثانية.
سلمان شرب آخر رشفة من استكانته، و خلاه.
ثم قال بنبرة عادية ... لكن محسوبة:
- ريّا.
- نعم عمو؟
- إذا نريد نراجع الطبيب باجر ... شرايج؟
ريّا سكتت لحظة.
الجميع نظر لها.
لكنها ...
نظرت لقيس أولاً.
ثانية وحدة بس.
ثم رجعت لسلمان:
- إذا الفحوصات جاهزة ... نروح.
قيس هز رأسه خفيف.
- جاهزة.
سلمان لاحظ.
أركان لاحظ.
هنا ... التفت أركان ببطء.
عيونه على قيس.
مو نفس النظرة قبل.
هاي نظرة يسأل بيها بدون كلام.
"من يمتى؟"
قيس ما التفت.
بقى مركز على استكانه ... كأنه ما شاف شي.
بعد لحظة...
ريّا حاولت تغيّر الجو.
- عمو اصبلك بعد ؟!
- لا يابا، كافي.
ابتسم لها.
- بس انتي ... اكَعدي.
جلست.
قيس رجع وقف يم الشباك.
ريّا نظرت له بدون ما تنتبه.
و بنفس اللحظة...
قيس التفت.
عيونهم التقت.
ثانية.
يمكن أقل.
هو سحب نظره أول.
هي نزلت عيونها.
سلمان شاف.
ابتسم لنفسه... ابتسامة خفيفة جداً.
أما أركان...
ظل ينظر.
طويل.
هادئ.
لكن داخله ...
شي بدأ يتوضح.
مو فجأة.
مو بصدمة.
بس بإحساس ثقيل يقول:
"هذا الرجال ... ما جاي بس عليّ"
"جاي على شي ثاني"
و يمكن ...
صار لازم يعرفه ...
ظِلٌّ بَعدَ ظِلّ 
بقلم ياسمين النعيمي
شوفوني تفاعلكم و تحليلاتكم و توقعاتكم ... القادم راح يكون أحلى بهوااية ...
تحياتي 🌹

تعليقات