رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والحادي عشر
عندما سمعت **سيرين** نبرة الخجل في صوت **نوح** تلك النبرة نفسها التي كان يتحدث بها صغيرًا كلما أخطأ أو خشي عتابها رقّ قلبها على الفور فسارعت تشرح له بصوت حذر وسريع:
— **”كنتُ مشغولة جدًا اليوم وانشغلت عن الاتصال بك… أنا آسفة يا نوح… أعدك أنني سأزورك غدًا، حسنًا؟”**
وما إن سمع كلماتها حتى أطلق نوح زفرةً طويلة كأن صخرةً كانت جاثمة فوق صدره وانزاحت أخيرًا ثم قال بصوتٍ هادئٍ يغلّفه تعقّلٌ يفوق سنّه:
— **”لا بأس يا أمي تابعي عملكِ من فضلكِ… أنا بخير هنا في المستشفى فلا داعي لأن تتعبي نفسكِ بالمجيء.”**
كان ذلك غريبًا بعض الشيء؛ ففي العادة كان يبذل كل ما يستطيع ليجعلها تأتي إليه في الحال متشبثًا بوجودها لكنه في تلك اللحظة بدا عاقلًا هادئًا يشبه **زكريّا** في حكمته المبكرة وحين سمعت **سيرين** كلماته انقبض قلبها بأسى عميق وشعرت بوخزة تأنيبٍ خفية كأن قلبها يلومها بصمت لذلك عقدت العزم في سرّها أن تذهب إليه في اليوم التالي مهما كانت مشاغلها.
استمر حديثهما طويلًا؛ تبادلا فيه الكلمات الصغيرة التي تخفف وحشة المسافات ولم تُنهِ المكالمة إلا بعد أن اطمأنت عليه تمامًا وعندما أغلقت الهاتف أخيرًا ألقت بجسدها المتعب على الأريكة، تستريح قليلًا وقد أثقلها إرهاق اليوم الطويل.
وفجأة…
شعرت بظلٍّ كثيفٍ ينسدل أمامها يحجب الضوء ويغمر المكان بسكونٍ غريب ففتحت عينيها ببطء وعقدت حاجبيها في شيءٍ من الضيق لتجد **ظافر** واقفًا أمامها، طويل القامة، ساكن الملامح كأنه خرج من صمت الليل نفسه فرفعت رأسها نحوه وسألته في حيرة:
— **”هل يمكنني مساعدتك؟”**
أجابها ظافر بنبرةٍ هادئة لا تخلو من التساؤل:
— **”هل خرجتِ حقًا في نزهة قبل العشاء؟”**
ترددت **سيرين** لبرهة غير راغبة في إخباره بما حدث ولا في فتح بابٍ لأسئلةٍ أخرى لذلك اكتفت بإجابةٍ مقتضبة:
— **”نعم… ما الأمر؟”**
ساد صمتٌ قصير بينهما ثم قال **ظافر** ببساطة:
— **”لا شيء.”**
فحين سمع ردّها توقف عن السؤال تاركًا وراء كلماته القليلة صمتًا أثقل من الكلام لكن ما إن غادر **ظافر** المكان حتى بادر على الفور بالاتصال بحارسه الشخصي وأمره بنبرةٍ حازمة أن يراجع تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالمنطقة غير أنّ النتيجة جاءت كما توقّع؛ إذ تبيّن أن جميع التسجيلات الخاصة بذلك اليوم قد أصابها التلف وكأن يدًا خفية قد امتدت لتطمس أثر الحقيقة وذلك ما إن قال الحارس بعد لحظة من التحقق:
— “جميع التسجيلات تالفة يا سيدي.”
لم تتغير تعابير وجه **ظافر** بل ردّ ببرودٍ محسوب:
— “إذن وسّع نطاق البحث… فتّش في المناطق الأبعد.”
— “أمرك سيدي.”
ولم تمضِ سوى فترةٍ قصيرة حتى عاود الحارس الاتصال به حاملاً تقريرٍ مفصل عن السيارات التي ظهرت في محيط المكان… كانت جميعها سياراتٍ تابعة لسكان المنطقة وقد أرفق مع التقرير بيانات مالكيها بدقةٍ كاملة غير أنّ سيارةً واحدة لفتت الانتباه؛ إذ كانت مسجلة باسم إحدى شركات **مجموعة نصران** عندها أمر **ظافر** رجله أن يحقق في أمر تلك السيارة تحديدًا.
ولم يطل الانتظار فبعد وقتٍ وجيز وصلت لقطات واضحة للسيارة فطلب **ظافر** من **ماهر** أن يشاهد التسجيل فظهر في المقطع بوضوح رجلٌ جالس خلف المقود… وذلك الرجل لم يكن سوى **جاسر**.
وبما أن **ماهر** لم يكن على درايةٍ بما يدور في الخفاء لذلك أخبر **ظافر** بما رآه ببساطة أما **ظافر** فظل صامتًا للحظة بينما أفكاره تتكاثف في داخله كغيومٍ سوداء ثم أنهى المكالمة دون أن يضيف كلمةً أخرى.
في تلك الأثناء كانت **سيرين** قد أنهت استحمامها واستعدت للنوم بعد يومٍ أثقل كاهلها بالتعب والاضطراب لكنها ما إن فتحت باب غرفتها حتى توقفت في مكانها فجأة عندما وقع بصرها على **ظافر** وهو يجلس في الداخل.
عقدت سيرين حاجبيها بدهشةٍ واضحة وقالت:
— “ماذا تفعل في غرفتي؟”
بهدوءٍ غامض أجاب ظافر ببساطة:
— “جئت لأنام… أليس هذا واضحًا؟”
ثم نهض من مكانه بهدوء وبدأ في خلع ملابسه كأن وجوده هناك أمرٌ بديهي لا يستدعي أي تفسير.
احمرّ وجه **سيرين** على الفور والنار قد اشتعلت بوجنتيها ومن ثم قالت بصرامة لكن كلماتها لا تخلو من الخجل:
— **”ارتدِ ملابسك واخرج من هنا فورًا!”**
لكن **ظافر** لم يكن في مزاج الطاعة تلك الليلة فبعد أن أنهى خلع ملابسه استلقى على السرير برشاقةٍ مدهشة وابتسامة طفولية تتراقص على شفتيه:
— **”أتمنى ألا تمانعي… أما أنا فلا أمانع إطلاقًا في مشاركتك لي نفس الفراش وهذا كرم أخلاق مني”**
دهشت **سيرين** من وقاحته المفاجئة فاندفعت نحوه بسرعة وسحبت الغطاء عنه بعصبية مختلطة بالخجل:
— **”اخرج فورًا!”**
لكن **ظافر** وبسرعة خاطفة مدّ يده وجذبها إلى حضنه بلا رحمة واستدار بحركة مفاجئة يحملها بين ذراعيه يعتليها قائلاً بنبرة ذات مغزى:
— **”من الآن فصاعدًا… سننام معًا.”**
ارتجف قلب **سيرين**، وحاولت مقاومته:
— **”مستحيل… دعني أذهب الآن وإلا سأفعل…”** توقفت لحظة لتلتقط أنفاسها ثم أضافت بحدة طفولية:
— **”سأعضك!”**
سمع **ظافر** تلك الكلمات فخفق قلبه بشدة ولاحت على ثغره ابتسامة عريضة بينما ارتجت حنجرته بصوتٍ أجش:
— **”بالتأكيد… جربي.”**
لم تعرف **سيرين** أبدًا رجلاً بهذه الوقاحة المرحة والجرأة المغرية لكن قبل أن ينتبه فتحت فمها وعضّت كتفه… صحيح أنها لم تستخدم قوةً كبيرة لكنها شعرت برغبة لا تُقاوم في أن تترك أثرًا صغيرًا على جسده لتعلمه أنه لن يفلت منها بهذه السهولة.
من وجهة نظره كانت تلك اللحظة بداية لعبةٍ ساخنة بين قلبين… بين جرأةٍ تستفزه وبراءةٍ تخدع الحذر فامتزج فيها الخجل بالمشاغبة، والرومانسية بعداء ظاهري.
أصدر **ظافر** تأوّهًا خافتًا حين انغرست أسنانها في كتفه غير أنّه لم يكتفِ بعدم إبعادها بل شدّها إلى صدره أكثر كمن يخشى أن تتسرّب من بين ذراعيه ثم قال بنبرةٍ هادئة تخفي اضطرابًا عميقًا:
— **”ألهذه الدرجة تكرهينني يا سيرين؟”**
تجمّدت **سيرين** لحظة وقد باغتها سؤاله ومن ثم قالت بحدّةٍ متعثّرة:
— **”ألم نتفق أن الأمور واضحة بيننا؟ أنا أعتني بك فقط لأنني مضطرة لا لأنني أريد حياة زوجية معك وبعدها سننفصل.”**
ساد صمتٌ قصير ومن ثم قال **ظافر** بصوتٍ منخفض لكنه حاسم كأنه يوقّع قَسَمًا لا رجعة فيه:
— **”لن أوافق على ذلك… أبدًا.”**
اتسعت عينا **سيرين** وشعرت بقلقٍ يتسلّل إلى صدرها فارتفع صوتها دون أن تشعر:
— **”لماذا تتراجع عن كلمتك؟!”**
في تلك اللحظة جاء صوت **فاطمة** من خلف الباب مشوبًا بالقلق:
— **”سيرين، هل أنتِ بخير؟”**
كادت **سيرين** تجيب فورًا لكن **ظافر** سبقها بصوتٍ هادئ مطمئن:
— **”نحن بخير… فقط اذهبي لترتاحي قليلًا عزيزتي فاطمة.”**
بدت الدهشة واضحة في صوت **فاطمة** حين سمعته هناك لكنها قالت بعد لحظة:
— **”حسنًا… خذا قسطًا من الراحة.”**
بعد أن قالتها تلاشى صوت خطواتها في الممر فحاولت **سيرين** استغلال الفرصة لتنهض لكن **ظافر** كان أسرع مما توقعت؛ إذ شدّها إليه من جديد إذ توقّع محاولتها للهرب منذ البداية ومن ثم اقترب من أذنها قليلًا وهمس بنبرةٍ يختلط فيها العناد بالمشاغبة:
— **”كم أنتِ قاسية… إن كنتِ غاضبة لهذه الدرجة فاستمري في العض لكنك أبداً لن تفارقي حضني مهما حاولتي… سيرين عليكِ أن تتأقلمي.”**
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وكأن تلك العضّة الصغيرة كانت في نظره أقرب إلى مشاكسة خجولة لا إلى عقاب.
