رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة والثاني والعشرون
لم تعد **سيرين** إلى الملحق الخاص بظافر إلا بعد أن أوصلت **جاسر** إلى جناحه كمن تُودِع معه شيئًا من ثقلها أو تُخلّف وراءها وجعًا لم يحتمل البقاء… وما إن وطئت قدماها غرفة المعيشة حتى لفحها بردٌ مفاجئ تسلّل إلى عظامها كضيفٍ ثقيل فأدهشها أن تكون المدفأة صامتة في يومٍ كهذا… يومٍ يعضّ فيه الصقيع أطراف الروح قبل الجسد.
شدّت معطفها حولها تتمسّك بدفءٍ شحيح ثم تقدّمت بخطى مترددة… حتى أبصرته.
كان **ظافر** جالسًا على الأريكة وحيدًا كجزيرةٍ منسية وقد ارتسمت على ملامحه الوسيمة عزلةٌ حادّة كأنها قناعٌ لا يُنزع.
لم تره **سيرين** على هذه الحال منذ أن فقد ذاكرته… يوم صار الحنين غريبًا والوجوه بلا أسماء.
تقدّمت نحوه وقالت بنبرةٍ يغلفها القلق:
“لماذا لم تُشغّل المدفأة؟ ألا تشعر بالبرد؟”
تبع **ظافر** صوتها وأدار رأسه نحوها ببطء ثم قال بصوتٍ منخفضٍ مشحون:
“وكيف أشعر بالبرد… وأنا أحترق من الغضب؟”
ارتبكت أكثر وكلماته ألقت بها في متاهةٍ لا مخرج لها فسألته بحيرةٍ صادقة:
“ماذا تقصد؟ ولماذا أنت غاضب إلى هذا الحد؟”
لم يكن يتوقع منها أن تُتقن البراءة بهذا القدر من الوقاحة… لا في هذا التوقيت… ولا في هذا الموقف… شعر وكأنها تُعامله حقًا كرجلٍ لا يُبصر… رجلٍ لا يرى، ولا يدرك، ولا يفهم.
ومن دون أن يُطيل معها جدالًا مدّ يده وأخرج كومةً من الصور ثم ألقاها نحوها دفعةً واحدة كأنها اتهامٌ يتناثر أو حقيقةٌ تُصفع.
تبعثرت الصور على الأرض وارتسمت فيها لقطاتٌ لا تقبل التأويل… **سيرين** و**جاسر** في عناقٍ وثيق… قربٌ يُثير الشك… وحميميةٌ تُشعل الظنون.
ورغم أن **ظافر** لم يكن يرى إلا أنه كان يسمع—يسمع كل تفصيلٍ وصفه له **ماهر** عن تلك اللحظات الملتقطة خلسة، كل زاوية، كل اقتراب، كل ما يكفي ليُشعل في صدره نارًا لا تُطفأ… أما الصور فقد أحضرها لا ليراها هو بل لتراها هي—ولتواجه ما ظنّته خفيًا فإذا به مكشوفٌ كجُرحٍ تحت الضوء.
ما إن وقعت عينا **سيرين** على تلك الصور حتى تجمّدت ملامحها لوهلة كأن الصدمة قيّدت حواسها ثم ما لبثت أن اشتعلت في صدرها نار الغضب فاندفعت نحوه بخطواتٍ سريعة يرنّ كعبها العالي كنبضٍ غاضبٍ على أرض الصمت وقالت بحدّةٍ لا تخلو من رجفة:
“هل أوعزتَ لأحدٍ أن يلتقط لي صورًا في الخفاء؟”
كانت تظن—بسذاجةٍ مؤلمة—أنه تغيّر… أنه ترك خلفه ظلال الشك والسيطرة… لكن الحقيقة وقفت أمامها الآن صارخةً لا تقبل التجميل.
تجمّد **ظافر** في مكانه وقد باغتته كلماتها كما لو كانت صفعةً معنوية وقال بدهشةٍ مشوبة بالاستنكار:
“أهذا ما يشغلكِ الآن؟”
لم تكن عيناه تستقران عليها وكأنهما تهيمان في فراغٍ لا يُرى ولولا ذلك لظنّت—للحظة—أن بصره لم يُسلب منه.
ثم أردف وصوته يحمل غصّةً دفينة:
“جاسر أخي… وهذا يجعله صهركِ… لماذا هو تحديدًا؟ من بين الجميع… لماذا اخترتِه لتقيمي علاقة معه؟”
وما إن خرجت الكلمات من فمه حتى أدرك أن ما يعتمل في داخله ليس شكًّا فحسب بل غيرةٌ جارفة ورفضٌ لأن تميل لغيره فقلبه يأبى أن يقتسمها مع أحد.
وفجأة—ودون سابق إنذار—هوى كفّ **سيرين** على وجهه بصفعةٍ مدوّية شقّت الصمت وتركت أثرها حارقًا على وجنته… شعر بألمٍ حادٍ يتفجّر في لحظة دليلًا على شدّتها بينما كانت تصرخ وصوتها يختنق بين الغضب والوجع:
“لقد انتكس… وكنتُ فقط أُسنده! ماذا تعني بـ’علاقة’؟! ألهذا الحدّ تظنّ أنني رخيصة؟! هل تعجبك فكرة أن أخونك ولكن ليس مع جاسر تحديداً؟!”
كان صوتها أجشّ مثقلًا ومشحونًا بمرارة الظلم كمن تُحاكمه وتُدافع عن نفسها في آنٍ واحد… كأن قلبها في تلك اللحظة انكسر مرتين:
مرةً من اتهامه ومرةً من خيبته.
لكن ما إن انسكب تفسير **سيرين** على مسامع **ظافر** حتى انفرط عقد ثقته بنفسه فجأة وتهاوت في داخله حصونٌ كان يظنها منيعة فإذا بها أوهن من ظنونه.
شدّت **سيرين** قبضتيها بقوة تحاول أن تحبس غضبها بين أصابعها وقالت بنبرةٍ صارمةٍ تقطع الشك باليقين:
“لو كان بيننا شيء… لحدث منذ زمنٍ بعيد… أكنتَ تظن أننا سنختار بوابة قصر نصران مسرحًا له؟! وإن كان ثمة سرّ، فهل أننا سنتركك لتعرفه هكذا؟”
أدرك **ظافر** في تلك اللحظة أنه أخطأ… خطأً لا يحتمل الجدل ولا التبرير، فسكت وقد انعقد لسانه ولم يجرؤ على إضافة كلمةٍ تُثقل الموقف أكثر.
كانت يدَا **سيرين** لا تزالان ترتجفان من شدّة ما يغلي في صدرها وقالت بمرارةٍ جارحة:
“أمَا زلتَ تذكر ما قلته لك؟ أنا هنا لأعتني بك مؤقتًا… فقط مؤقتًا، ونحن على أعتاب الطلاق… فمن أين أتيتَ بحقّ التجسّس عليّ؟!”
عندها خمدت نار غضبه كما تخمد جمرةٌ صُبّ عليها ماء الوعي وتراجع خطوةً إلى الخلف وقد تسلّل إليه حرجٌ ثقيل… فقد تسرّع حين ألقى الصور عليها بتلك الطريقة المهينة دون أن يتحقّق.. دون أن يمنحها حقّ التفسير… رغم أنه في الآونة الأخيرة بدأ يلمح في عينيها شيئًا من التسامح عمّا مضى.
تنفّس ببطء وأسقط عن كبريائه عباءةً طالما احتمى بها وقال بصوتٍ هادئٍ يحاول أن يلين:
“لم أطلب من أحدٍ أن يتجسّس عليكِ… أنا فقط أخبرتكِ بما وصلني… هناك من يراقبكِ ليحميكِ في الخفاء… قال **ماهر** إنكِ تعرّضتِ لمواقف خطِرة من قبل… وكنت قلقًا عليكِ.”
لكن **سيرين** لم تكن ممّن يُخدَعون بسهولة ولا ممّن يُطفئ غضبهم بكلماتٍ لينة فقالت بسخريةٍ لاذعة:
“ألحمايتي؟ وهل الحماية تستدعي التقاط الصور؟! حسنًا… سأطلب من أحدهم أن يفعل الأمر ذاته معك، أترضى بذلك؟”
بُهِت **ظافر** مرةً أخرى كأن الأرض انسحبت من تحت يقينه ففي الماضي كان يُحسن توجيهها، يعرف مفاتيحها، يلتفّ حولها كما يشاء… أما الآن فقد غدت لغزًا يعجز عن حله وقلبًا لا يعرف كيف يبلغه.
ثم جاءت كلماتها الأخيرة كحكمٍ قاطعٍ لا يقبل الاستئناف:
“نم الليلة في الطابق السفلي… بمفردك.”
لم تنتظر ردّه ولم تمنحه فرصةً للاعتذار بل أدارت ظهرها ومضت ثم أغلقت باب غرفتها بقوة كأنها تُغلق فصلًا كاملًا من الألم.
كانت تلك المرة الأولى التي يُطرَد فيها **ظافر** من غرفته… لكنه هذه المرة لم يجد في نفسه اعتراضًا، فقد كان يعلم—بمرارةٍ صامتة—أنه المخطئ وأن بعض الأخطاء لا يُصلحها إلا الصمت.
