![]() |
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الرابع بقلم رشا رومية
لا تسير الدنيا وفق ما نحب، فبعض الأحيان نتعثر .. نتخبط، نجبر على التنازل عن أحلامنا، تلك معركة يجب أن نخوضها بأنفسنا، فلا أحد سيخوضها عوضًا عنا، قاوم ما تكره لتصل لما تحب، فطريق تحقيق الأحلام ممتلئ بالأشواك، لكن حين أستثنيك عن الدنيا وأحاربها من أجلك، فلا تحاربني بما أحببت، لا تتركني أحارب وحدي، قاوم، حارب، لا تخذلني ... عارض ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
إنه الملتقى بين الأصدقاء، بالموعد المحدد تلاقى "نور" و "سامح" بمقهى (عزو) كما إتفقا اليوم، لقاء أسعد كلاهما فدوامة العمل والحياة قد تسبب البُعد لكنها لا تُنسينا من نُحب ....
إنسجام وتوافق خارج إطار الزمن، فما أجمل حديث الأصدقاء، والأجمل تلك الذكريات التي يتذكرونها تجمعهم سويًا، بعد مرور بعض الوقت تذكر "نور" أمرًا هامًا أراد أن يخبر "سامح" به ...
- صحيح، نسيت أقولك، مش أنا كلمت "كريم" النهاردة ...
سماع إسمه فقط جعل الحنين لتَجَمُّعهِم معًا يطرق باب قلب "سامح" اللين، ليهتف بإشتياق حقيقي لصداقة ربطت بينهم لسنوات حتى فرقهم عملهم والغُربة ...
- "كريم" ... والله واحشني أوي الجدع ده، شكله مشغول، لا بيتكلم ولا بيعبرنا بقاله فترة ...
بإيمائة إيجاب عقب "نور" الذي إشتاق لجمعتهم بالفعل ...
- عندك حق، هو فعلًا واحشني أوي، عشان كدة كلمته النهاردة ....
- وهو عامل إيه في ألمانيا ....؟؟؟
سؤال سأله "سامح" بفضول لمعرفة أخبار صديقه الغائب بتلك البلد الغريبة ..
إعتدل "نور" ليخبر "سامح" بما أخبره به "كريم" اليوم ...
- شكل الدنيا متظبطه معاه، ده حتى بيقولي إنه ممكن يرتب لنا مع البعثة ونقدر نسافر إحنا كمان، إيه رأيك يا "سامح"، نسافر ونتجمع تاني سوا ؟!
رشا روميه قوت القلوب
وحيد، يجتاز يومه بشكل روتيني، لم يعتاد على الفرحة بعد غياب محبيه، يحاول ملئ فراغ حياته بالعمل، فمنذ تخرجه يدور بدوامة لا يخرج منها، فلم لا، لم لا يقبل فرصة ليتجمع مع أصدقائه مرة أخرى، يعود للقاء من يحب، لهذا وجدها "سامح" فرصة عظيمة لأن يسعد مرة أخرى، ليردف بحماس ..
- تصدق فكرة كويسة، ليه لأ، ما إحنا هنا مطحونين على الفاضي، ده أنا حتى دلوقتي مقسم وقتي بين المستشفى المركزي، والمستشفى التانية، وبرضه مش قد كدة ...
سهم "نور" لبعض الوقت قبل أن يعقب مؤكدًا حديث رفيقه ...
- أنا كمان بقول كدة، وبدأت فعلًا أفكر في موضوع السفر ده ...
عقص "سامح" ملامحه بإندهاش متسائلًا بتعجب ...
- سفر ..؟!!!! طب وجوازك يا "نور" ..؟؟! مش كنت المفروض تحضر لجوازك اليومين دول ..؟!!
مال "نور" فمه بضحكة ساخرة متذكرًا حديث والدته اليوم عن زواجه، وها هو "سامح" أيضًا مهتمًا بذات الأمر ...
- مالكم ومال جوازي النهاردة، كلكم بتسألوني ليه ..؟!!
لوح "سامح" بكفه بإستغراب من حالة "نور" الغير سعيدة و الواضحة من عينيه التعيسة رغم ما يُظهرَهُ من مزاح ...
- عجيبة، ما هو المفروض إنك خلاص على وشك تحدد معاد فرحك، ما إنت خاطب "نسرين" بقالك فترة طويلة، خصوصًا إن إللي كان معطلك وفاة والدك، وده عدى عليه وقت طويل يا "نور" ...
تملل "نور" من مجرد الفكرة، كما لو أن أمر زواجه قابض لنفسه بشكل مزعج، ثِقل يحمله فوق قلبه دون السعي نحوه، كواجب بغيض عليه تأديته دون تَقبُله أو سعادته به، زاغت عيناه لوهلة قبل أن يجيب صديقه ...
- مش عارف يا "سامح"، حاسس إني مش عايز أستعجل في الموضوع ده، خصوصًا إن كل شوية تحصل بينا مشاكل، التفاهم بيننا يكاد يكون معدوم نهائي ..
رغم مهارته كطبيب عيون لا يضاهي من هم بعمره، إلا أن شغفه بالتحليل النفسي وفهم أغوار القلوب جعله يتخذ وضعية المحلل النفسي، بدأ "سامح" يتحدث بطبعه الهادئ المحلل بتركيز شديد لتيسير الأمور على صديقه المُثقل حتى النخاع ...
- بقى معقول يا "نور" كل الفترة دي ومقدرتش تتفاهم مع خطيبتك ؟!!
تملكه شعور بعدم القدرة على التحمل لكنه مجبر على ذلك، مجبر على البقاء وإن رغب الرحيل، له طباع التمسك حتى آخر رمق، وإن كان لا يحب، ليس هو من يخذل من تمسك به أو على الأقل حاول لذلك ...
جفل "نور" بعينيه قليلًا قبل أن يستطرد مجيبًا تساؤل "سامح" ...
- ما إنت عارف إني خطبت "نسرين" بس عشان خاطر باباها، وأنه صاحب بابا، وبعد ما إتوفى بقت هي وأهلها مسؤولين مني، حتى مع كل المشاكل إللي بيننا دي، مقدرش أسيبها، بس مش معنى كدة إني مرتاح معاها ...
رفع "سامح" حاجباه بإندهاش، هو يدرك أصالة صديقه، وأنه إنسان ذو معدن ذهبي ندر وجوده بهذا الزمن، لكن إيثاره لوفائه دون مراعاة نفسه ورغباته جعله يستنكر ذلك ..
- معقول يا "نور" !!!! بقى عشان الواجب الإنساني تقوم تضيع مستقبلك إللي جاي مع واحدة لا متفاهم معاها ولا بتحبها، إزاي ده بس ..؟!!
هنا تراجع "نور" بجزعه للخلف وقد أثار إنتقاد صاحبه له أمر يظهر معتقداته التي لن تتغير، هو على يقين من ذلك بالفعل، ضحك "نور" متهكمًا معقبًا بثقة ...
- حب إيه وكلام فارغ إيه إللي بتتكلم عنه !!! الحب ده وهم، خرافة كدة الناس بتوهم بيه نفسها، إنت عايز تفهمني إن ممكن شوية مشاعر تسيطر عليك وتخليك تفكر في تغيير قراراتك، ده أمر صعب يا دكتور، إختيار حياتك نابع من تفكيرك وبس، يعني المهم إنها تكون بنت مناسبة ومن عيلة كويسة، أخلاقها محترمة، يبقى هو ده الإختيار الصح، مش بنعلق فشل إختياراتنا وتفكيرنا على وهم خلقوه في دماغهم إسمه الحب عشان يهربوا من المسؤولية، المشكلة إن الخلافات بيني وبين "نسرين" كل مدى وبتوسع أكتر مش عارفين نتفاهم ...
قليل الخبرة، قليل الحيلة بما يتعلق بالحب، لم يخوض يومًا تلك التجربة، ولن يناقش صديقة بعكس ما يقول فربما هو صائب، ليجد "سامح" نفسه ملقيًا بإقتراح يمكن أن يصيب ...
- طيب ليه بتأجل الجواز، مش يمكن لما تتجوزوا تقللوا الفجوة إللي بينكم وتقربوا من بعض أكتر ...
رفع "نور" جانب أنفه بمعارضة خفيفة قبل أن يدير الدفة تجاه "سامح"، فيكفيه نقاش بحياته التي لا يدري طريقها الممهد الذي يتخبط به مع "نسرين" ...
- أشك، وبعدين سيبك بقى مني أنا، إنت إيه، مش ناوي تتجوز إنت كمان ولا إيه ...؟؟!
سؤال مباغت أشعل وجه "سامح" حُمرة، حتى أذنيه توهجت بخجل، ليسيطر إحساس يبغضه على نفسه، (الخجل) الزائد، كما لو أنه وصم بهذا الشعور الذي أصبح يتيقن أنه أزمة نفسية لا يمكنه التخلص منه، طأطأ "سامح" رأسه قليلًا متلعثمًا بكلماته التي كانت تتسم بالطلاقة والموضوعية منذ قليل قائلًا ...
- ااا، قصدك ..إيه ..؟!!
- إيه ملقتش بنت الحلال لسه لحد دلوقتِ ...؟؟
رشا روميه قوت القلوب
سؤال ودود مباشر لم يقصد به "نور" شيئًا آخر سوى الإطمئنان على أحوال صديقه، ليكمل "سامح" بذات التلعثم ...
- لأ ...، لسه ...
لكن رؤيته لـ"سامح" الخجول وتلعثمه الواضح أثار المكر بنفسه لتعود له طباعه الشقية متذكرًا أيام الجامعة، باغته بسؤال ماكر ليزيد من خجل "سامح" متلاعبًا بنقطة ضعفه بمزاحه الثقيل ...
- ولو لقيت بنت الحلال، حتعمل إيه ..؟!!
سؤال مُربك أنهاه "نور" بغمزة شقية فهمها "سامح" على الفور، ليزداد وجهه الأحمر إحتقانًا مدركًا تلاعب "نور" به، ومزاحه الثقيل من خجله الزائد عندما يأتي أحدهم بحديث يخص الفتيات ...
- "نـــــــــــور" !!!!! أنا فاهمك كويس، بلاش الموضوع ده وإتكلم في أي حاجة تانية ...
إتسعت ضحكة "نور" بلطافة معقبًا كمن أمسك بنقطة ضعف صديقه ..
- ماشي يا إللي بتتكسف إنت ....
ليمر الوقت بين حديث وآخر ونسيان للمشاكل والهموم بتلك الصحبة التي لا تتكرر، فربما لا تفوز بحياة كما خططت لها، لكنك تحظى بصديق وفيّ نادر يغنيك عن تلك المكاسب الزائفة وتتكئ عليه حين يميل بك غصن شجرتك عند هبوب الرياح ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
يأتي الصباح كما يأتي الليل، كل يدور بفلك متوالي وما علينا سوى أن تدور حياتنا معه ...
السويس (فيلا نبيل الخماري) ....
تجمُع معتاد بهذا الصباح مثله كمثل كل صباح قبل مغادرة "نبيل" لبداية يوم عمل بشركته ذائعة الصيت، وبمقعد وثير بمجلس الإستقبال خاصته جلس برفقة زوجته "رقية الخشاب" وهي تمتعض حديثها الذي أصبح يوترها بشكل ملحوظ بل ويسبب لها الضيق بشكل كبير ...
- إيه يا "نبيل"، سكتت يعني، ما ترد عليا وتقولي شايف إيه في الحكاية دي ...؟!!
دفع "نبيل" دخان سيجارته باهظة الثمن بالهواء قبل أن يجيبها بوجه مقتضب غير متقبل لحديثها الذي أخبرته به منذ قليل ...
- وتطلع مين دي، وبنت مين في البلد عشان بسلامته "هاني" إبنك يرفض بنت "علي كارم" عشان يتجوزها ...؟!!
رشا روميه قوت القلوب
كزت "رقية" على أسنانها قائلة بصوت خافت حتى لا يستمع "هاني" لحديثها ...
- أنا عارفة، إبنك إللي متمسك بيها أوي، ومصمم قال إيه نروح للست "فرح" وأمها البيت عشان نطلب إيدها، والله ما عارفة هي عملت فيه إيه عشان يصر بالشكل ده ..!!!
أمر لابد من إنهائه فهذا ولدهم الوحيد ولا يمكنهم أن يتغاضوا عن هذا الأمر بسهولة، ليهتف "نبيل" بنبرة قوية يشوبها إنفعال واضح ...
- الموضوع ده لازم يتحط له حد، مينفعش يتساب كدة ...
أقبل "هاني" تجاه والديه وهو يقلب نظراته بين كلاهما، ليثير تجهمهما تساؤله وهو يضيق عينيه بقوة ...
- صباح الخير، مالكم، صوتكم عالي أوي كدة ليه، فيه حاجة حصلت ؟!!
مالت "رقية" بفمها بإمتعاض قبل أن تجيب تساؤله بإستهزاء ...
- بنتكلم على "فرح" هانم وطلبك إنك تتجوزها ...
كطفل صغير تشبث بلعبة دون التهاون بالتنازل عنها، بل أكمل "هاني" كما تعود على الحصول على كل ما يجول بخاطره دون الرفض لطلبه، شاب ترضخ له كل الأمور وتلبى جميع مطالبه، مدللهم الوحيد الذي لا يُرفض له طلب، وقف "هاني" بوجه مقتضب مستنكرًا نقاش والديه بالأمر، فقد أراد ذلك وعليهم تلبية طلبه كما تعود دائمًا ...
- إنتوا لسه بتفكروا، أنا عاوز أتجوز "فرح"، إنتوا مش فاهمين ليه إن أنا عاوزها ...!!
إمتعض "نبيل" بإشمئزاز وقد بدا على ملامحه الإعتراض رافضًا لطلبه لأول مرة ...
- لأ يا "هاني"، كله إلا الناس البيئة دي، إنت إبن "نبيل الخماري" أكبر مستثمر في السويس كلها، يقوم إبنه الوحيد يناسب ناس بالشكل ده، مش معقول طبعًا ...
لم يكترث "هاني" بوضع "فرح" المادي، أو بنظرة والديه الدونية لها، بل زاده رفضهما تمسكه بها، ليعود بطلبه بإلحاح لتنفيذه كما يرغب ...
- بس "فرح" عجباني، أنا عاوز أتجوزها ...
إصرار "نبيل" على ألا ينحط ولده بإختيار كهذا جعله يحتد بصرامة لهذا الإختيار الخاطئ، الذي سوف يسئ لعائلته المرموقة ...
- "هاني" !!!! تقضية وقت في الكلية حاجة، ولما تيجي ناحية النسب والجواز دي حاجة تانية، يوم ما تفكر تتجوز لازم تتجوز إللي ترفعك معاها مش تنزلك تحت ...
لوى "هاني"فمه بتملل وهو يرفع مقلتيه للأعلى بضجر قبل أن يستنكر حديث والده ...
- بس إحنا مش محتاجين على فكرة ...
رفع "نبيل" ساقه فوق الأخرى بعنجهية مردفًا بثقة وتعالي ...
- مش محتاجين أه، بس البحر بيحب الزيادة، شايف يوم ما أنا إخترت، إخترت والدتك، حاجة كدة تشرف، حسب ونسب وغنى ...
حديث لم يستهوي إعجاب "هاني"؛ بل زاده نفورًا فقد رفض والده طلبه، وهذا أمر لا يقبله ...
- بس أنا بحبها وعاوزها ...
رفع "نبيل" حاجبه ببعض من التحدي، فإن توجب عليه إجبار ولده للإنصياع له لن يتوانى عن ذلك، فلن يتركه لأهوائه ويوافقه على قراراته الخاطئة، لهذا قرر "نبيل" أن يلجأ لطريقة جديدة بتعامله مع ولده، الطريقة المثلى لإنهاء أمر زواجه من "فرح" بشكل نهائي - التهديد - ...
- الحب بيهرب من الفقر، أنا بصراحة مش حقبل أبدًا جوازتك من البنت دي، لو عاوز تتجوزها، يبقى تتصرف لوحدك ...
شعر "هاني" بأن والده يقصد أمرًا لا يدركه تمامًا لكن نبرته التي مُلئت بالتهديد جعلته يتسائل بعدم فهم ...
- قصدك إيه يا بابا ...؟!!
أجابه "نبيل" بشكل واضح وبصورة قاطعة فلا داعي للتلميحات، فعليه إبداء الأمر لـ"هاني" ليجبره على التراجع ...
- يا تتجوز جوازة عليها القيمة، يا إنت حُر في إختيارك، بس يكون في عِلمك، ساعتها أنا حشيل إيدي من أي مصاريف، ولا حديك فلوس، يا تمشي تبع إختياراتي، يا تتحمل الأمر كله لوحدك من غير أي فلوس مني في جوازتك دي ...
زاغت عينا "هاني" بتشتت، فقد وضعه والده بين كفي الرحى ووجب عليه الإختيار، إما بين قلبه أو مال أبيه، فإن إختار من يحبها قلبه سيخسر ثراءه الذي إعتاد عليه، وإن إختار المال فسوف يخسر "فرح" نهائيًا، فإما أن يقاتل من أجل من يحب، أو أنه لن يعارض ليتمتع بثراء عائلته ورخاء معيشته ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
وإن كان للبهاء منازل، فللمحبة قصور، وإن إختلفت سُبل العيش، فبتلك المدينة أيضًا وبشقة "فرح الصعيدي" ووالدتها، سُمع هتاف يملؤه الحيوية والبهجة حين دلفت "فرح" المطبخ بخطواتها الرشيقة تتمايل بخفة وهي تتغني بإسم والدتها ...
- "ديحه"، يا "ديحه"، يا صباح الفل والبنفسج البنفسجي ...
إعتدلت "مديحة" بوقفتها وهي تزم شفتيها بطريقة مازحة كاشفة لسبب توهج إبنتها الوحيدة وحيويتها بهذا الصباح ...
- أهلًا أهلًا، دخلتك دي بتقول إنك عايزة حاجة ..؟
أوسعت "فرح" من عينيها الواسعتين بإندهاش مصطنع وهي تضع كلا كفيها فوق صدرها بحركة تمثيلية تدعي التأثر والحزن ...
- أنا ..!!! أنا يا "ديحة" أنا، ليه كدة !!! ليه تظني فيا كدة ؟!!!! يعني مثلًا حكون عايزة إيه ؟ فلوس مثلًا أشتري فستان جديد، ولا إني عايزة أروح لـ"ريهام" صاحبتي، أكيد لأ طبعًا، اه يا ظالمــــــاني، يا مظلومة ياني ...
عقدت "مديحة" ذراعيها أمام صدرها بمزاح وهي تتمالك ضحكتها من طريقة "فرح" الشقية، بينما أردفت بمحبة ...
- حاضر يا مغلباني، بس بقولك إيه، الفستان وبس، مفيش مرواح في حتة تانية ...
قالتها "مديحة" وهي ترفع بسبابتها تلوح به بوجه "فرح" محذرة إياها، لترفع "فرح" كفيها بوعد ..
- الفستان وبس ...
- طيب، خدي إللي إنتِ عاوزاه من شنطتي ...
قفزت بخفة تقبل والدتها بإبتهاج لتركض نحو الغرفة لتأتي بالنقود وهي تهتف بشقاوة ...
- أحبيبتي يا "ديحة" ....
رشا روميه قوت القلوب
أمل يُفتح أمامه الأبواب، وثقة تصل لحد الأمان، وقلب مطمئن بالعهد، لكن تُرى هل كل القلوب على العهود باقية ...؟!!
أسرعت "فرح" لشراء فستانها الجديد فبالتأكيد قد إقترب موعد زيارة "هاني" ووالديه لهما لطلب زواجه منها، ثقة قلب برئ محب في من أحب أمر تتوهج له الروح قبل الوجوه ...
تابعتها والدتها حتى غابت عن نظرها وهي تتمتم بحزن ...
- ياما كان نفسي يبقى لك إخوات يا "فرح" ياخدوا بالهم منك، إنتِ طيبة وعلى نياتك وفاكرة نفسك شاطرة وفهلوية، حتى أهل أبوكِ بعد ما مات ولا كأنهم يعرفونا ....
الرضا بالقضاء وبالوحدة أمر أُجبرت عليه تلك الأم التي عاشت لإبنتها الوحيدة، وعاشت بها أيضًا، هي لم تكن إبنتها فحسب، بل هي أختها وصديقتها وحبيبتها التي تملأ كل حياتها ولا تتمنى سوى سعادتها فقط ..
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت عائلة زاهر مكاوي ...
بيت عريق تمامًا كأصحابه الذين توارثوا هذا البيت عن آبائهم وأجدادهم، عائلة مترابطة تتميز بطيب الأصل والإيثار على النفس، عائلة لم تهتم بالمظاهر عوضًا عن الطيبة والأصالة ....
الجميع بهذا البيت تحت كنف رب العائلة صاحب تجارة الأعلاف الشهيرة بأسواق مكاوي للأعلاف والحبوب ...
بيت يضم ثلاث طوابق وثلاث شقق واسعة لكل طابق ساكنيه، وتحديدًا بالطابق الثالث والأخير حيث تقع شقة "أنور مكاوي" الإبن الأصغر لعائلة مكاوي، بهدوء تام لهذا الصباح بساعاته المبكرة وقفت تتأمل إنعكاس صورتها بالمرآة ....
كزهرة يانعة يعم رحيقها بهالة من حولها، تطلعت "زهرة" لنفسها وقد إرتدت عباءة فضفاضة من اللون الأحمر القاني مزركشة ببعض الخيوط الذهبية، ليست عباءة غالية الثمن مثل التي يرتدونها نساء هذا البيت، فوالدها وزوجته إختاروا لها أبخس الأشياء لأجل زواجها كنوع من التوفير، لكنها مع ذلك ظهرت برونق آخاذ فهي من تضيف حُسنها لقطعة القماش وليس العكس ...
لملمت شعرها الأسود اللامع للخلف وهي تضع مشبك به قبل أن تسحب حجابها وتلفه حول وجهها ليبرز ملامحها وخاصة أهدابها السوداء وعيونها القاتمة، تطلعت نحو زوجها النائم بإستغراق قبل أن تسحب شهيقًا طويلًا يساعدها على هدوء نفسها وهي تعود ببصرها تجاه المرآة، وبنظرة رضا ألقتها على هيئتها بالنهاية خرجت من غرفة نومها متجهة نحو الدور السفلي بشقة والدا زوجها لتبدأ أعمال يومها التي تتراكم عليها ببيت العائلة ...
حال هذا البيت كحال الكثير من البيوت التي تضم أُسر الأبناء ببيت ذويهم، فالعمل واحد والإنفاق واحد تحت رعاية الحاج "زاهر مكاوي"، فعلى الجميع العمل ببيت العائلة بنفس راضية ...
وليس هذا وضع "زهرة" فحسب، فـ"جميلة" زوجة إبنهم الأكبر "محمود" تشاطرها العمل بترتيب البيت وتنظيفه إلى جانب إعداد الطعام ...
دلفت لداخل شقة والدا زوجها فالباب كالعادة مفتوح لإستقبال الجميع، تمامًا كقلوبهم، إبتسمت "زهرة" بخفة تزيد من حُسن نفسها الهادئة وبشاشة وجهها أيضًا ..
تقدمت نحو "فردوس مكاوي" والدة زوجها، سيدة طيبة الملامح أصيلة الطباع، إبتسامتها الودودة لا تفارق وجهها، أم حنونة لهم جميعًا، وربما وجود "فردوس" بتلك العائلة كان له طيب الأثر بنفس "زهرة" وتقبُلها لوجودها بينهم، فقد إستعاضت بهم حرمانها من حنان العائلة ودفئها الذي لم تجدهم بوالدها وزوجته ...
بلطافة شديدة ألقت "زهرة" تحية الصباح على "فردوس" ...
- صباح الخير يا ماما "فردوس"، إزاي صحتك النهاردة ...؟
تعمقت "فردوس" بوجه "زهرة" للحظات قبل أن تجيبها بإندهاش ..
- صباح الخير يا "زهرة"، مالك جاية بدري ليه كدة النهاردة ..؟!!!
رفعت "زهرة" كتفها وأهدلته سريعًا موضحة ..
- أبدًا، صحيت بدري ولقيت "أنور" مش عايز يصحى، قولت أنزل أحضر معاكم الفطار لحد ما ينزل ...
عادت "فردوس" بجذعها للخلف بأريحية ثم أكملت بإبتسامة ...
- كتر خيرك يا بنتي، عمومًا "جميلة" جوه في المطبخ، إدخلي ساعديها ...
رغم ظنها بأنها أول من إستيقظ إلا أنها فوجئت بإستيقاظ "جميلة" زوجة "محمود" قبلها لتردف أثناء توجهها نحو المطبخ ..
- بجد، طيب أنا داخلة لها ...
وقفت "زهرة" بباب المطبخ تُحدث "جميلة" ببعض المزاح الهادئ كطبعها ...
- ده طلع إن مش أنا لوحدي إللي صاحية بدري .. !!!!
إلتفت "جميلة مكاوي" تجاه "زهرة" لتظهر ملامحها بشكل أوضح تجاه الضوء، لم تكن بتلك الصورة المعتادة لزوجة الأخ التي تتحمل كل الأعباء بإنهاك، بل كانت بهية بعبائتها الفاخرة وحُليها الذي لا تخلعه، حتى الفارق العمري بينها وبين "زهرة" ما كانت سوي سنوات قليلة فقط، فهي شابة جميلة كإسمها، ذات وجه بيضاوي وعينين خضراوتين تميل للون العسلي، زادهم صبغة شعرها الأشقر بُهتان، تتمتع بشخصية قوية حادة بتعبيراتها بشكل مغاير تمامًا عن "زهرة" الهادئة، فـ"جميلة" لها سُلطة كأصحاب البيت جميعًا ولا تشعر بالضعف مطلقًا ...
تطلعت "جميلة" بـ"زهرة" بتعجب لتجيبها بنبرة مازحة مغلفة بجفاء كلماتها التحذيرية ...
- جرى إيه يا عروسة !!!! يا بت إفرحي لك يومين، الشغل جاي جاي، مستعجلة ليه، غاوية تتعبي نفسك من أولها ...!!!
تقدمت "زهرة" لتساعدها بالتحضير بينما أجابتها ...
- ولا تعب ولا حاجة، وهو يعني ينفع أسيبك تشتغلي شغل البيت كله لوحدك، ما إنتِ بتشتغلي فوق وتحت ...
رفعت "جميلة" حاجبيها وهي تميل برأسها تناظر "زهرة" بإستنكار لإصرارها قبل أن تضم شفتيها بطريقة مازحة ...
- أنا مشتكتش يا ستي، إفرحي يا بنتي ده إنتِ لسه عروسة، متستعجليش ...
- أنا مبسوطة بجد وأنا بساعدكم ...
ضحكت "جميلة" لتعود لإستكمال ما كانت تحضره وهي تدفع بكتفها بخفة ...
- براحتك بقى، مترجعيش تزعلي وتقولي لي إني منصحكتيش ..
إتسعت إبتسامة "زهرة" مؤكدة على ذلك ...
- لأ متخافيش يا أم "إسراء" ...
بلهجة آمرة رغم أنها لا تتعمد ذلك فهذا طبعها الحاد الذي إعتاد عليه الجميع ...
- خدي بقى الأطباق إللي حضرتها حطيها على السفرة، وأنا طالعة أنادي "محمود" والبنات من فوق عشان نفطر ...
قوتها جعلت "زهرة" تنصاع لها بلين فقد وضعتها بمكانة أختها الكبرى منذ أن خطت قدمها هذا البيت، لتومئ "زهرة" بتقبل ولطف ..
- حاضر، روحي إنتِ متشيليش هم ...
رشا روميه قوت القلوب
وضعت "زهرة" الأطباق جميعا فوق المنضدة لتنهض "فردوس" من جلستها ببطء وهي تربت بحنو على ظهر "زهرة" بإمتنان ..
- تسلم إيديكم ...
لم تشأ "زهرة" أن تنسب الفضل لها خاصة وأن "جميلة" هي من قامت بتحضير الطعام ...
- دي "جميلة" إللي عملت كل حاجة، أنا يا دوب جبت الأطباق ...
قابلتها "فردوس" بإبتسامة حانية فيم تقدم زوجها "زاهر مكاوي" منهم قائلًا بصوته الرخيم الهادئ ...
- صباح الخير يا "أم محمود"، صباح الخير يا "زهرة" ...
رفعتا بصرهما يرددان التحية تجاه "زاهر" هذا الرجل الستيني الممتلئ صاحب الوجه المستدير والشعر الأبيض، له هيئة حنونة وحازمة بذات الوقت، هو أب ينصب كل إهتمامه بعمله وعائلته فقط لا غير ...
دقائق قليلة وكان الجميع يلتف حول المائدة بعد حضور "جميلة" وبناتها في إنتظار أن يلحق بهم زوجها "محمود" الذي لا يتأخر أبدًا عن ميعاده ...
ما أن جلس الجميع حتى أهل "محمود" ملقيًا تحية الصباح ...
- صباح الخير ...
مجرد وجوده يشعرهم بالأمان والسند، هذا الشاب الثلاثيني القمحي بجاذبية، له وجه طويل وذقن مدببة تحمل عيناه العسليتان حديث لم يتفوه به لسانه مطلقًا، فهو قليل الكلام والتوضيح كمن يخفى نفسه بداخل نفسه ...
أشار "زاهر" نحو ولده بالجلوس لتناول الطعام إلى جواره ...
- صباح الخير، تعالى أقعد يا "محمود" ...
تقدم "محمود" نحو المقعد المجاور له وأيضًا إلى جانب مقعد زوجته "جميلة"، ليبدأ الجميع بتناول الطعام ...
هدوء تام يعم تلك العائلة وهم يتناولون طعامهم حتى سُمع صوت أقدام تقترب ليرفع الجميع بصره تجاه باب الشقة يناظرون هذا المشعث الذي أتى للتو يتثائب بتكاسل وغير واعيًا بالكامل ...
تنهد "زاهر" وهو يناظر ولده الأصغر "أنور" بحزن على حاله ليهتف به فربما ينتبه لهم ...
- تعالى يا "أنور" إفطر معانا ...
دعوة تَقَدَم لتلبيتها زائغ العينين متملل بشفتيه لما يشعر بالجفاف بهما أولًا، أسرعت "فردوس" بنبرتها الحانية وبحتها المميزة ...
- أقعد يا حبيبي جنب مراتك هنا ...
أشارت "فردوس" على المقعد الشاغر بينها وبين "زهرة" كما لو كانت تُنبهُهُ إلى أين يذهب، فهو غائب بتيهة يضل الطريق ...
متاهة تتخبط بها النفوس، تصل طريقها وتنتظر بوصلة أمان، لكن الأعمى لن يراها وإن جاهدت بإشعال النيران ...
قلب "أنور" عينيه بين والدته التى تحاول توجيهه خوفًا من غضب زوجها على ولدها الصغير الغير واعي، وبين زوجته التى تناظره بأعين قلقة ليتجه بخطواته الغير ثابتة بجسده النحيل تجاه "زهرة" قائلًا بإشمئزاز وهو يشير بيده لتتنحى جانبًا بعيدًا عنه ...
- وسعي كدة ...
أومأت "زهرة" بخفة وهي تنهض لتفسح الطريق لـ"أنور" ...
- حاضر ...
سحبت "فردوس" رغيف من الخبز ووضعته أمام "أنور" متعجبة بداخلها من نحافته التي تزداد يومًا بعد يوم، أهذا من كان يشبه تمامًا أخيه "محمود" !!! لقد تبدلت ملامحه بشخص آخر، كما لو كان غريب تجهله وليس ولدها الذي أنجبته ...
رفقاء السوء كبئر مظلم لا نجاة منه إلا بيد عون وصلابة نفس، فرفيق السوء يزيد شره عن عَشَرة أعداء، فهو يمدحك في ضجة ويخونك في صمت ...
هؤلاء من أبدلوا حاله لينجرف تحت وطأة الإدمان، حتى مع محاولة أهله لمساعدته إلا أنه كان يصر على التعاطي ليقرر والديه بالنهاية أن يصلحا حاله بفكرة الزواج ...
لملم "زاهر" ملامحه الممتعضة من تصرفات إبنه الراعنة التي فاض لها الكيل ليوجه له حديثه يحمل بعض التأنيب ...
- مش كفاية كدة يا "أنور" وتروح تساعد أخوك في الشغل، وتحط إيدك في إيده بدل إللي إنت فيه ده ..؟!!!!
لوى "أنور" فمه ممتعضًا ثم أردف بنصف وعي وعدم إكتراث ...
- ما هو "محمود" قايم بالواجب، قدها وقدود (ثم نظر تجاه أخيه وبالكاد يستطيع فتح جفنيه)، ولا إيه يا "أبو إسراء" ...؟؟
تبع حديثه بضحكة سخيفة سمجة للغاية أثارت بنفس "محمود" الضيق من أخيه وحديثه الراعن ...
تغافل "محمود" عن تلميحات أخيه التي يعلم مقصدها جيدًا ليزفر بهدوء متمالكًا أعصابه دون إظهار غضبه الذي يثار بداخله من هذا المتغطرس سيء النوايا، تحول "محمود" بعسليتيه تجاه والديه يحمل بعض من نظرات اللوم على ما يفعلونه مع "أنور" الغير مسؤول ...
فـ"محمود" كان معارضًا بشدة لفكرة زواجه لإصلاحه وأن عليهم البحث عن طريق لعلاج "أنور" من الإدمان أولًا، لكنهم ظنوا أن بزواجه سوف ينصلح حاله ويتحمل بعض المسئولية ...
تمالك "محمود" شعوره بالإنفعال ورفض كل ما يحدث حوله فهو خاطئ تمامًا، ليزفر بقوة مغمضًا عيناه لوهلة يسيطر بها على أعصابه حتى لا تنفلت فهو لن يترك نفسه للإنجراف بطريق الإنفعال الذي لا فائدة منه، إبتلع كلمات أخيه بهدوء دون إظهار ضيقة لينهض من جلسته قائلًا بصوته الهادئ الرخيم القريب لنبرة والده ...
- الحمد لله، شبعت، نازل معايا يا حاج، ولا حتريح إنت النهاردة ..؟؟
ألقى "زاهر" نظرة مستاءة نحو "أنور" الذي لم يبالي بحديثه وأخذ يتناول طعامه بطريقته المنفرة ليجيب ولده الأكبر ...
- خدني معاك، حقعد مع الحريم أعمل إيه ..!!
قالها "زاهر" يقصد بها "أنور" المتواكل عليه يهينه بطريقة مُلتفة، لكن من أين يأتي الإحساس لمن تبلد قلبه، فحتى وإن قالها مباشرة لن يهتم ولن يبالي ...
لماح سريع البديهة ذو شخصية غامضة صامتة، يفضل الإحتفاظ بمشاعره وحديثه لنفسه دون مشاركة أحد بها، بلمحة خاطفة أدرك "محمود" مقصد والده ليلتف دون تعقيب للمغادرة ليلحق به والده ..
زاغت عينا "جميلة" بين "فردوس" و "أنور" المنهمك بتناول الطعام على غير عادته فهو بالآونة الأخيرة يرفض تناول الطعام طيلة الوقت حتى أصبح هزيلًا للغاية، لوت فمها بطريقتها المعتادة متهكمة من "أنور" وهي تدفع بمقلتيها نحو الأعلى قبل أن تطلب من إبنتيها الذهاب لغرفة المعيشة للعب هناك ...
- يلا يا "إسراء"، خدي أختك وروحوا إلعبوا جوه ...
نظرت الصغيرة ذات الثلاث سنوات لبقة الحديث الذي يفوق عمرها ...
- حاضر، بس متتأخريش ...
قالتها الصغيرة وهي تحذر والدتها بسبابتها بظرافة لم تكترث لها "جميلة" التي بقيت لترى ماذا ستفعل "فردوس" مع "أنور" إبن عمها ...
ما أن لاحظت "فردوس" إنصراف "محمود" ووالده وقد إلتفت بحدة لا تناسب طبعها وصوتها الحنون لتنهر ولدها الأصغر بضيق ...
- هو إيه إللي "محمود" قدها وقدود دي !!!!! ما تنزل الشغل مع أخوك، يعني تبقوا أصحاب أكبر أسواق علافة في البلد وقاعد لي في البيت يا "أنور" وسايب الحِمل كله على كتاف أخوك ؟؟!!!!!!!
ثار "أنور" بعصبية وهو ينهض ضاربًا رأسه بكفه عدة مرات بإستياء وإنفعال غاضب ...
- ما تريحي دماغك مني بقى، هو أنا قاعد على قلبك ...
إتسعت عينا "فردوس" بصدمة لتبجح ولدها بها الذي إستكمل بثورة غير مبررة ...
- دي عيشة تجيب الفقر، أنا خارج، حاجة تقرف ...
ركل المنضدة بقوة لتهتز الأطباق وتسقط أكواب المياه الموضوعة فوقها مسببة إرتجاف لهن جميعًا فحياتهن غير معتادة على تلك التصرفات الغاضبة المتهورة، تحرك "أنور" بخطوات متعجلة غير متوازنة نحو الخارج لتترقرق الدموع بعيني تلك الأم المصدومة من حال ولدها الذي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم ...
رشا روميه قوت القلوب
رغم تخوفها الشديد منه ومن ردة فعله إلا أن "زهرة" إستجمعت شتاتها لتدنو من "فردوس" تربت فوق ظهرها بخفة تطيب خاطرها بسبب إنفعال "أنور" الغير مبرر ..
- معلش يا "ماما فردوس"، ربنا يهديه متزعليش نفسك ...
زادت "فردوس" ببكائها فقد أنهكها صبرها على ولدها وما يفعله بهم وبنفسه، عقبت بنبرة بها بعض الندم على تسرعهم ...
- ربنا يهديه، أنا قولت لما يتجوز ويحس بالمسؤولية حيتصلح حاله، بس مفيش فايدة ...
بإيمائة خفيفة حاولت "زهرة" بعث بعض الأمل بنفس تلك السيدة الطيبة ...
- إن شاء الله يا ماما، ربنا يهديه ..
زادت أنفاس "فردوس" بالإرتفاع قائلة ببعض التمني ...
- يا رب، ولو ربنا رزقك بعيل كدة يلهيه عن القرف إللي بيتعاطاه ده، يبقى ربنا كرمه واسع ...
- بإذن الله يا ماما ...
بعد فترة من الصمت خرجت "جميلة" عن كونها مجرد متفرجة، فهي ليست رقيقة المشاعر كـ"زهرة" لتهون الأمور كما تفعل، لكنها تفكر بعملية أكثر من كونها عاطفية لتردف بتأكيد ...
- أيوة صح كدة يا مرات عمي، شدي حيلك إنتِ بس يا "زهرة"، وإن شاء الله "أنور" ده مش حتلاقوا أحسن منه في الدنيا ...
بعض الأحلام أماني يصعب تحقيقها، لكن ليس الأمر ببعيد عن قدرة الله، لتنتهي جلستهم ببعض التمني والدعاء فليس باليد حيلة ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
تروي الملامح ما لم تستطع الكلمات وصفه، بالسعادة والإبتهاج لرؤيتك لا يمكنني اصطناعه، فلي طريقة تختلف عن الجميع، فلا يمكن لأحد أن يراك كما أراك ...
السويس ...
دارت "فرح" بعينيها وهي تتشدق برأسها تحاول البحث عنه هو فقط، هو من تتمكن عيناها رؤياه، كما لو كان حجب الجميع عنها سواه ...
تحركت صديقتها "ريهام" عدة خطوات مبتعدة عنها قائلة ...
- أنا حروح هناك لحد ما تخلصي ...
تمسكت "فرح" فجأة بذراع صديقتها حتى لفتت أنظار من بالمركز التجاري من حولها لطريقتها الحيوية بالحركة والحديث لتهتف بها بترجي ...
- إستني بس ...!!!
دفعت "ريهام" بحاجبيها للأعلى بإستنكار وهي ترفع كتفيها بقوة ...
- وأنا مالي أنا، لما تخلصي كلامك معاه أبقى آجي لك ونروَّح سوا ...
رغم رفضها لتركها إلا أنها محقة تمامًا، فعليها الحديث مع "هاني" بمفردهما، لتردف بتقبل مرغم ...
- طيب متبعديش ...
- حقعد على الكافيه إللي هناك ده أشرب حاجة لحد ما تخلصِ ...
أخذت "فرح" تطالع ساعة يدها بتملل فقد تأخر "هاني" كثيرًا عن موعده، فقد طلبت منه بالصباح أن يقابلها هنا حينما أرسلت له تلك الرسالة ...
رفعت عينيها الواسعتين تبحث عن "هاني" الذي أخبرها بإقترابه من المركز دون أن تلاحظ هذا الشاب الذي إقترب منها وقد أثار حُسنها عقله ليبدأ بمضايقتها ومعاكستها ...
أمر همجي مرفوض تمامًا منها جعلها تتأفف بقوة ...
- أووف، وبعدين بقى، ما تسيبني في حالي ..
بإصرار وثقل إستمر الشاب بمضايقتها محاولًا التقرب بشكل أكبر ...
- حد يشوف الجمال ده ويبعد عنه ..!!
للحظة شعرت "فرح" بالضعف، ليترائى لها بحاجتها للسند والحماية، ومن يمكنه فعله ذلك سوى "هاني"، فهو القادر على ذلك دون غيره، لتهتف بالشاب بتهديد نابع من يقينها بأن "هاني" لن يقبل بتجاوزاته وسيلقنه درسًا لن ينساه ...
- بقولك إيه، أنا خطيبي جاي دلوقتِ وممكن يقطعك ...
غمز لها الشاب بمكر معقبًا على تهديدها له بإستهزاء ...
- خطيبك برضه ..؟!!!!!
طعنة بأخلاقها لم تتقبلها منه حتى وإن كان ليس أهل للشرف، إحتدت ملامحها البسيطة محاولة التحلي ببعض الشراسة والغضب اللذان لا يليقان بها لتردف بإنفعال ..
- إنت إنسان مش محترم ...
ضحك الشاب وهو يناظر رفاقه من بعيد مستهزءًا بها للمرة الثانية ...
- مش محترم ..!!! حلوة دي ...
منقذها وبطلها المغوار، الذي سببت رؤيته بشعورها بالقوة بحضوره حين وقعت عيناها على "هاني" الذي ظهر أمامها أخيرًا، هتفت بصوت عالٍ لينتبه لوجودها ...
- "هاني" ... "هـــــــاني" ...
مجرد ذكر إسمه جعل الشاب يرتبك بالفعل فيبدو أن خطيبها حضر حقًا، لينسحب الشاب فورًا بتهرب قبل أن يلاقي عقاب لا يحمد عقباه ...
تقدم "هاني" نحو "فرح" دون ملاحظة الشاب الذي إنسحب مسرعًا قبل مجيئه، قلب "هاني" نظراته من حولها مستنكرًا وقوفها بمنتصف المركز التجاري ...
- صباح الخير، واقفة كدة ليه في نص المول ..؟!!
قلبت "فرح" شفتيها بضيق يميل للدلال الناعم خاصتها ...
-كان فيه واحد سخيف كان بيعاكسني ويضايقني من الصبح ...
زم "هاني" شفتيه وهو يقلب عينيه بضجر مردفًا بتأفف من شكواها ..
- وده بقى إللي قالب وشك بالشكل ده ...!!!
رفعت هامتها بإندهاش يقرب للصدمة من رد فعله البارد الغير متوقع بالنسبة إليها، لتعيد توضيح الأمر له بضيق ...
- يا "هاني" بقولك كان فيه واحد بيعاكسني وبيضايقني، ده مشي أول ما ناديت عليك، (بحثت بعينيها عن الشاب لتراه قريب منهما لتنبه "هاني" قائلة)، أهو إللي واقف هناك أهو ...
أشارت "فرح" بسبابتها نحو الشاب، الذي تصنع اللا مبالاة متهربًا وكأن إشارتها لا تعنيه ولا تقصده، لكن رد فعل "هاني" الباردة كانت مستفزة لها بشكل أثار حنقها حين أردف بعدم إكتراث ...
- أه، طيب ..
حملقت به لبعض الوقت وقد عقدت ملامحها بقوة وإستنكار لرد فعله البارد بعكس ما تخيلته بأنها سيثار حميته لأجلها ويلقن هذا الشاب درسًا لتطاوله عليها، لتعقب بإستنكار ...
- هو إيه إللي طيب !!!! مش حتعمل حاجة ...؟!!
يراها دومًا مثيرة للمتاعب والمشاكل، ليست تتعامل مع الأمور بسهولة بل تعقدها بكل السبل رغم أنها لا تستحق، ليناظرها "هاني" بحنق ...
- عاوزاني أعمل إيه ؟؟!! ما هو بِعد لوحده، ولا إنتِ عايزة تبهدليني معاكِ وخلاص، على طول بتدوري على المشاكل بشكل فظيع ...
تهدلت ملامحها بصدمة حتى شفتيها اللاتي إنفرجتا بإندهاش ..
- إنت بتتكلم جد ؟!!!!!!! إنت مش بتغير عليا، مش فارق معاك لو حد ضايقني ولا عاكسني !!!!!
ثم أتى لذهنها سؤالها الأكثر أهمية والذي شغل فكرها بعد ردة فعله ...
- إنت مش فارق معاك لو حد تاني أخدني منك مثلًا ...؟؟!!!
دفعت ضحكته الساخرة القصيرة بشفتيه جانبًا متعجبًا مما تتفوه به "فرح" قائلًا ...
- أغير، أغير ليه ؟؟ لأ طبعًا، وبعدين إنتِ مين حياخدك مني، ده إنتِ تحمدي ربنا إن واحد زيي وفي مكانتي، ومن عيلة كبيرة زينا إختارك وعايز يرتبط بيكِ ...
كما لو كان صوت والدته هو من تقمص حنجرته متفوهًا بما تقوله له دومًا، ما تبثه بنفسه من غرور وإعتداد بالنفس وأنه شاب لا يُرفض، بل ويتنازل بإرتباطه بفتاة فقيرة كـ"فرح" ...
هل تأتي الصفعات من مجرد كلمات !!!، توجع وتؤلم وتجرح، فهل لتلك الجروح التى لا ترى قصاص !!
تهدج صدر "فرح" بإحساس برودة إجتاح جسدها، هل لهذه الدرجة يشعر بأنها لا قيمة لها، إهانة ودونية لم تتوقعها منه، بل ظنت أن لها بقلبه وفِكره مكانة تضاهي مكانته بقلبها، ألا تستحق أن يخشى فقدانها أو على الأقل يشعر بالغيرة والمنافسة من آخر ؟!!!
أين إبتسامتها الدائمة التي تنير وجهها ؟، تلاشت إبتسامتها مع كلماتها التي تحشرجت بحنجرتها تأبى الخروج، لم تعد هناك كلمات تصلح للحديث الآن ...
تشتت وضياع وغُربة بقُربه، هو من ظنت أنه ملاذها الآمن، وبسمة حياتها، قطع تشتتها بقية كلماته اللاذعة التي تقضي على بقية تماسكها من ألا تظهر ما تبقى من ضيقها وحزنها الذي إحتلها بالكامل حين قال ...
- كنتِ عايزة إيه يا "فرح" ضروري وبعتيلي آجي هنا عشانه ..؟!
إبتعلت ريقها الجاف محاولة تجديد فرصته بقلبها، لقد مرت سنوات كان بها محبًا ودودًا ليس به عيبًا واحدًا، فربما الآن هي تحكم بصورة خاطئة عليه، وأنها ربما زادت الأمر بإنفعالها وأنه بالفعل لا يستحق وعليها ألا تعارض وتفتعل المشاكل كما يقول ...
تفوهت بالنهاية بسؤالها الذي بالكاد خرج من بين شفتيها ...
- كنت عايزة أعرف باباك ومامتك قالولك حتيجي البيت عندنا إمتى ..
تحركت مقلتيه بشكل متردد دون النظر مباشرة داخل عينيها المحملقتان به ليجيبها بإيمائة ضعيفة ...
- بكرة، إستنيني بكرة ....
