رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثامن والخمسون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
مقدمة الفصل
"الثامن والخمسون"
"رحل، وترك خلفه حكايةً غامضة.
ترك قلبها تائهًا بين الشكّ والمرارة.
تراه خائنًا… باع العمر في لحظة،
وهو يفر من عينيها كي لا ينهار أمامها.
أراد المواجهة… لكن خوفه كان أقسى،
فاختار الغياب كي لا يرى انكسارها.
أما هي، فأوقدت النار… لا كرهًا، بل لتسدل ستارًا على ذكراه المشتعلة في قلبها.
كل ذكرى كانت تهمس باسمه… صارت رمادًا، وهي واقفة وسط الرماد، تبحث عن نفسها.
تصاعد الرماد شاهدًا على حب أضاعه الوهم.
لا هو خان… ولا هي غفرت…
وكلاهما انهار في صمتٍ موجع، صمتٍ يصرخ بكل ما لم يُقال، وكل ما بقي من حبٍ تاه بين الرماد."
عند رولا وقفت أمام غرفته
ترددت لثواني، ثم طرقت الباب.
_ادخل.
دخلت تبحث عنه بعينيها، فخرج من غرفة الملابس
توقف كلاهما للحظة… صمت مشحون ونظرت بكل ما لم يُقال
اقتربت خطوة، وصوتها خرج مترددًا:
_فيه موضوع عايزة أتكلم معاك فيه.
رد بهدوء جاف:
_سامعك.
تاهت عيناها في أرجاء الغرفة، تهرب من نظرته… وثقلت الكلمات على شفتيها.
_مش بتقولي عايزة تتكلمي؟
تنفست بعمق، ثم نظرت إليه أخيرًا:
_تيجي معايا مشوار مهم؟
قطب جبينه:
_مشوار إيه؟
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت منخفض:
_نروح للدكتورة، عايزة تتأكد إني منزلتش البيبي.. اقتربت منه تنظر إليه برجاء فاض من عينيها
_بلال..!
ابتعد عنها فجأة، وجلس يمسح وجهه بعنف، يزفر وكأن أنفاسه تضيق به.. شعر بفقدان السيطرة على مشاعره، وخاصة نظرة الألم بعينيها، هنا لم يتمنى البقاء معها…ولا يملك القدرة على الابتعاد.
اشتياقه كان أقسى من أي مواجهة.
اقتربت منه ببطء اكثر… جلست أمامه، ووضعت كفيها على ساقيه، كأنها ترجوه دون كلمات:
_بلال…
رفع عينيه لها أخيرًا، فهمست، بنبرة تحمل رجاء واعتذار معًا:
_ابعد عن طليق كارما… إحنا مالناش دعوة بالناس دي.
طالعها بصمت للحظة، ثم قال بنبرة حادة وهو يثبت عينيه عليها:
_طليق كارما؟ إيه اللي عرفك بيه؟
ارتبكت رولا، ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن ترد:
_حد كلمني، قال عايز يقابلني في حاجة تخصك
سكتت لحظة، ثم أكملت بصوت أوطى:
_وقابلني، وكان عايز يتفق معايا ننتقم منك… ونضغط عليك بقضايا علشان تطلق كارما.
اتسعت عينا بلال بصدمة، لتتحول نظراته لغضب عارم:
_قابلتي راجل غريب يا رولا؟!
هزت رأسها بسرعة، محاولة تبرير موقفها:
_مكنتش أعرف… أنا بس كنت عايزة أفهم مين ده، وإيه اللي معاه يخصك.
هبّ من مكانه كأن شيئًا لسعه، يدور حول نفسه بعصبية، أنفاسه تتسارع كوحش محبوس:
_هتفضلي لحد إمتى بتمشي ورا دماغك؟! هتفضلي متهورة كده؟! إنتي مبتتعلميش؟!
توقف فجأة، ونظر لها، لكن هذه المرة لم يكن الغضب وحده في عينيه…كان هناك خوف.
اقترب خطوة، واردف بصوت منخفض لكنه صار أخطر:
_افرض عمل فيكي حاجة، إنتي متخيلة كان ممكن يعمل فيكي إيه؟!
اشتعلت نيرانه فجأة، ليقبض على ذراعها بعنف، وكأن الفكرة نفسها تقتله:
_إنتي إزاي مش خايفة على نفسك؟!
اختنق صوته وهو يكمل:
_طيب مخفتيش لو جرالك حاجة أنا ممكن أموت فيها؟!
لم تحتمل كلماته، انفجرت باكية، وبدون تفكير ألقت نفسها في حضنه، تتشبث به كأنها تغرق:
_بعد الشر عليك… متقولش كده
شهقت بين دموعها:
_بلال؛ أنا كمان هموت لو حصلك حاجة
أغمض عينيه بقوة، كان يقاوم… يقاوم بشراسة.. لكنه خسر.
التفت ذراعاه حولها ببطء، ثم شدها إليه، يضمها لصدره و اغمض عينيه بانتشاء، كأنه يحاول أن يثبت لنفسه أنها بين يده، فلقد كان اشتياقه أقوى من عقله، أقوى من كبريائه.
ولا يختلف الأمر لديها، وخاصة وهي تشعر بدقات قلبه العنيفة تحت رأسها، ليثور القلب لديهما تهمس اسمه بهمس قاتل، ليقضي على تماسكه، وتتحرك انامله بعبث على جسدها، لكن اللحظة لم تكتمل
دلفت غرام إلى الغرفة وهي تحمل فنجان القهوة، توقفت مكانها، والمشهد أمامها كفيل بإشعال كل شيء.
حمحم بلال سريعًا، مبتعدًا عنها، كأنه أُمسك متلبسًا بشيء
رمقت غرام رولا بنظرة حادة، ثم قالت بتهكم لاذع:
_كان ليه من الأول وجع القلب يا بنت يزن؟ كان لازم نقل أدبنا على الكل؟
رفعت رولا رأسها، رغم ارتباكها:
_أنا قليلة أدب يا طنط غرام؟
ضحكت غرام بسخرية:
_وأكتر يا حبيبتي… وبعدين نسيتوا إنكم مطلقين؟ إيه اللي بتعمليه هنا؟
تنفست رولا بعمق، تحاول التماسك:
_متفهميش غلط… أنا جاية لبلال في موضوع… واللي شوفتيه ده بسبب حالة ضي.
رفعت غرام حاجبها بسخرية لاذعة:
_حالة ضي؟ آه طبعًا.
اشتعلت رولا قليلًا:
_حضرتك بتتريقي، هو حضرتك دخلتي لقيتينا في حضن بعض!
صفقت غرام بكفيها بتهكم:
_لا يا حبيبتي… لقيتكوا بتسمعوا لبعض سورة البقرة!
ثم نظرت لبلال بحدة:
_اشرب القهوة يا ابن غرام قبل ما تبرد، واسمع كويس، واقفل الباب كويس كمان علشان صدى الصوت ما يطلعش الشيطان لباقي الأوض.
ثم عادت تنظر لرولا:
_أجيب لك بيجامة؟ لو حبيتي تريحي شوية؟
كتم بلال ضحكة كادت تفلت منه
فالتفتت له رولا بنظرة حادة
_عجبك تريقة مامتك؟ أنا غلطانة إني جيت أساسًا.
قالتها واندفعت للخارج، خطواتها سريعة كأنها تهرب من نفسها قبل أي شيء.
اقتربت غرام من بلال فور خروجها، وتسائلت بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالشك:
_إنت رجعت رولا لعصمتك؟
نظر لها بلال بصدمة:
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ هو أنا هرجعها من غير ما أقولك؟
ضيّقت عينيها:
_وإنت من إمتى بتقول حاجة يا ابن أرسلان؟
سكتت لحظة، ثم أردفت بحدة:
_أمال كانت في حضنك ليه؟
ابتعد عنها، يحاول إنهاء الحديث:
_ماما أنا تعبان، وعايز أنام.
أمسكت ذراعه بقوة:
_إنت ناوي ترجعها بعد اللي عملته؟! بعد ما مسحت بكرامتك الأرض؟!
انفجر فيها:
_ماما لو سمحتي! إحنا في إيه ولا إيه؟!
نظرت له بثبات:
_يبقى ناوي ترجعها.
زفر بعصبية:
_مش مرجعها! ارتحتي؟ممكن تسبيني أنام؟
لكنها لم تتراجع، لتقول بقسوة:
_البنت اللي تكسر جوزها دي، ما تنفعش تبقى أم.
نظرت له مباشرة:
_دي قتلت ابنها، ومتباهية بكده!
انا عارفة انك بتحبها، لكن قبل الحب دا شوف هي عملت ايه، غير خلت العيلة كلها تشيل من بعضها
اشتعل بلال فجأة:
_ماما كفاية بقى!
_أنا ورولا خلاص، ما بقاش بينا غير قرابة!
حدقت فيه:
_يعني مش هترجعها؟
صرخ بحدة، وكأنه يصرخ في نفسه قبلها:
_لا!!!
ثم أكمل بانفعال:
_ممكن تسبيني أنام، ولا أروح أدور على مكان تاني؟
تراجعت غرام، وهدأ صوتها:
_خلاص يا حبيبي… آسفة متزعلش مني.
_أنا مبكرهاش وربنا اعلم كنت سعيدة لما قولت هتتجوزها، رغم اعتراضي على بعض افعالها، بس كفاية يابني، كفاية وجع اختك، انا تعبت ومبقتش قادرة على وجعكم، والتانية طلقها، انا مش عايزاك تكون معاها لمجرد واجب، يكفي انها خربت بيتك
في الخارج… توقفت قبل أن تغادر، حين
شدّها سؤال غرام، فبقيت مكانها رغمًا عنها
استمعت إلى حوارهما لتغرست
كل كلمة في صدرها كطعنة…حتى اختنق نفسها، فخرجت منها شهقة مكتومة وضعت يدها على فمها، تحاول منع صوتها، ثم تراجعت خطوة ثم أخرى، قبل أن يلمحها أحد… واستدارت ثم ركضت
داخل منزل والدها…
كانت آسيا تجلس في حديقة منزلها ترسم…رفعت عينيها على صوت الخطوات المرتبكة، فرأت رولا تمر كالإعصار، نهضت بسرعة، واتجهت خلفها، دلفت للداخل، لتجدها جالسة على الفراش
تضم ساقيها إلى صدرها، وتبكي بصمت موجع، تنهار في صمت حتى لا يسمعها أحد، اقتربت منها بهدوء
_رولا…؟
رفعت رولا عينيها، التي كانت غارقة بالدموع، ومكسورة بالألم
جلست آسيا بجوارها، ورفعت كفيها تمسد على خصلاتها بحنان،
هنا انفجرت رولا قائلة
_بحبه أوي يا آسيا، بحبه أوي
قالتها بصوت مهزوم… كأنها تعترف بذنب لا بحب
شدّتها آسيا إلى أحضانها، تربت على ظهرها برفق
_طب اهدي، قوليلي إيه اللي حصل
لكن…قطع صوتها صراخٌ بالخارج، صراخ مفزع… يمزق سكون الليل ركضتا معًا إلى الخارج…وتوقفت أقدامهما فجأة
النيران كانت تلتهم منزل يوسف بلا رحمة…ألسنة اللهب ترتفع كأنها تصرخ،
وصوت ميرال، كان يعلو بانهيار يشق القلوب، خرج الجميع على الصوت
تحركت رولا ببطء كأنها مسلوبة الإرادة…
حتى توقفت أمام ضي التي كانت تقف تنظر إلى النيران تبتسم، ورغم ابتسامتها إلا أن دموعها كانت تنهمر في صمت موجع أقسى من أي صراخ
اقتربت منها رولا، وقالت بصوت مرتجف:
_ضي… مين عمل كده؟
التفتت ضي ببطء
نظرت نحو ميرال التي يحاول إلياس السيطرة عليها، ثم قالت بصوت مرتفع ثابت بشكل مرعب:
_أنا اللي حرقته.
سقطت الكلمات كالصاعقة
خطت خطوة للأمام باتجاه ميرال وإلياس
_حرقت ذكريات ابنك، زي ما حرقني
الخاين، الغدار.
قالتها ببرود، ثم استدارت، وغادرت،
وكأن ما حدث، لا يعنيها
انهارت ميرال على الأرض
_حرقتي ذكريات ابني يا بنت أرسلان…!
قالتها بصرخة خرجت ممزقة،
كأن قلبها هو من يحترق لا المنزل
ساد الصمت خانق على الجميع
حتى انفجرت شمس بالبكاء تتراجع للخلف:
_أخويا مش خاين!
مش غدار!
مستحيل يعمل كده، مستحيل!
قالتها بانهياار مع كل كلمة كانت تنطقها، ليترنح جسدها بقوة
ركض حمزة إليها بسرعة، والتقطها قبل أن تسقط…حملها بين ذراعيه وهو يهرول بها إلى الداخل…مع وصول بلال وغرام وأرسلان
توقف الياس يشير الى ارسلان
_شوف شمس، لكن ركض بلال خلف حمزة، حين وجد تيبس جسد ارسلان
بينما شهقت غرام وهي ترى مشهد النيران تلتهم كل شيئا
ركضت نحو ميرال الجاثية على الأرض
لكن إلياس أوقفها بيده لتهدأ
اقتربت ببطء وعينيها ممتلئتان بالصدمة
ميرال…
همست بها غرام بصوت مرتجف، رفعت ميرال عينيها ببطء
كانت عيناها غارقة في الدموع… دموع ممزوجة بالحزن والألم حد القسوة
نظرت إليها نظرة طويلة، ثم قالت بصوت مبحوح، مكسور:
_إنتي دعيتي، وبنتك هي اللي حرقته يا غرام
سقطت الكلمات ثقيلة، كأنها حكم لا عتاب، حتى ارتجفت غرام، واقتربت خطوة:
_ميرال اسمعيني، مكنش قصدي، والله ما كان قصدي
يوسف ابني… قبل ما يكون ابنك، بس قلبي كان بيتحرق على بنتي، وكنت بقول أي كلام من حرقة قلبي
والله ما أتمناله أذى دا ابن روحي يا ميرال…
قالتها غرام بانكسار، علها تحاول إطفاء النيران التي اشتعلت بقلب ميرال
لكن ميرال لم تسمع، أو ربما لم تعد قادرة أن تسمع…اوقفها إلياس
_ياله حبيبتي بنتك اغمى عليها، ولكنها نهضت من مكانها تنظر الى غرام بدموع اخفت وجنتيها من كثرتها، ثم
تحركت بخطوات مترنحة، كأنها تسير فوق رماد قلبها متجهة نحو منزل أرسلان، لا ترى أمامها، ولا تشعر بمن حولها
أما إلياس
فقد وقف مكانه، لم يتحرك، لم يتكلم
فقط عيناه كانتا معلقتين بالنيران ورجال الإطفاء يهرولون، الماء يُسكب،
اللهب يخفت تدريجيًا، لكن، لا أحد
كان يرى تلك النيران، التي اشتعلت في صدره…نيران لا تُطفأ، ولا تنطفئ
اقترب ارسلان يربت على كتفه
_انا آسف
التفت برأسه ينظر اليه بصمت، وقعت عيناه على تحرك ميرال الى منزل ارسلان وليس منزلهما
_ميرال راحت لضي... الحقها ياارسلان
استدار ينظر الى تحرك غرام خلف ميرال، كأنها تعلم بما سيصير.
تحرك ارسلان ملتحقًا بها، بينما توقف الياس للحظات ثم ذهب خلفه، يعلم أن زوجته لم تصمت على مافعلته ضي
دفعت الباب دون استئذان، اندفعت إلى الداخل كالإعصار
وجدتها تجلس في شرفة غرفتها، تنظر للفراغ بشرود قاتل، كأن روحها لم تعد هنا، لقد حرقت اجمل ماعاشت، تريد أن تصرخ بكل مالديها، ولكنها تشعر انها داخل قبر، او أنها لم تقو على الصراخ
اقتربت منها ميرال بخطوات سريعة
ومعها دخلت غرام خلفها بلهفة:
_ميرال… استني، لكنها لم تتوقف
عيناها كانت مشتعلة مليئة باتهام واضح…
وقفت أمام ضي مباشرة، وقالت بصوت مرتجف من شدة الغضب:
_أنا متأكدة إنك السبب في كل اللي حصل
ارتجف قلب ضي، نهضت ببطء وعينيها تصرخ بالوجع
_لو قصدك على حريق البيت، دا علشان ارتاح، ذكرياته بتموتني
لكزتها ميرال بقوة، وعيناها مشتعلة بالألم
_ليه يوسف سافر، اه قولي ليه سافر بالطريقة دي
_أنا معملتش حاجة
توقفت لحظة…
ثم خرجت الكلمات منها كجرح مفتوح:
ابنك هو اللي خان…وغدر بيا
صفعة قوية دوّى صوتها في المكان
بدلوف ارسلان وخلفه إلياس
اقتربت غرام تبعدها عن ابنتها
_ميرال انتي اتجننتي
صرخت ميرال بجنون، وهي ترتجف:
_اقطع لسان أي حد يقول على ابني خاين!
اشتعلت غرام، اندفعت نحوها، والغضب يملأ ملامحها:
_ميرال كفاية بقى، مش شايفة حالتها عاملة إزاي؟!
طالعتها ضي بذهول ومازالت يدها على خدها…لكن ألم روحها هنا كان أقوى من مئات الصفعات...
لتستدير ميرال، وتخطو حتى توقفت أمام إلياس
نظرت له بقلب ام يتفتت من غياب فلذة كبدها:
_ابني مش خاين… سامعني؟!
اقتربت خطوة وصوتها ارتفع، لكنه كان مكسور:
_اللي أسمعه يقول كده، هولّع فيه، ابني عمره ما غدر، ولا خان
ثم أشارت نحو ضي دون أن تنظر لها:
ولو عايز تعرف سبب سفر ابنك، اسألها هي
ساد صمت مختنق من الجميع، وكل الأنظار اتجهت نحو ضي
رفعت عينيها ببطء…ونظرت إلى إلياس، تنظر له و في عينيها ألم، خذلان، وانكسار أكبر من أي كلام يقال
ابتلعت دموعها، ثم قالت بصوت خرج بالكاد:
_يسألني أنا ليه؟
قالتها بضياع وجسد مرتجف، كأن روحها تُنتزع منها ببطء، لم تكن تبكي فقط
كانت تذوب، تنكسر، تتهاوى من الداخل دون صوت
عيناها علقتا بـ ميرال، نظرة طويلة، موجعة، كأنها تحاكمها، وتستغيث بها في نفس اللحظة، ثم خرج صوتها
واهن متقطع، لكنه صادق حد الألم
_أنا معملتش حاجة غير إني حبيته
كلمة حبيته تحديدًا، خرجت وكأنها جرح مفتوح لا اعتراف، ارتجفت شفتاها،
وتجمعت الدموع بعينيها قبل أن تهبط ببطء قاتل، وتابعت بانهبار
_لو الحب جريمة، يبقى أنا مجرمة
انحنى كتفاها قليلًا، كأن الكلمات أثقلت روحها. وتاهت نظراتها بشرود، ثم رفعت عينيها من جديد بانكسارٌ حد الانهيار
_ابنك خان قلبي
صمتت تبتلع ذكرياتها معه، صمتًا ثقيـل، خانق، يفتت قلبها تريده الان حتى تعاقبه بأشد العقاب، آلان اصبحت متهمة في نظرهم، بجريمة الحب
ارتفعت أنفاسها حتى أصبحت مسموعة، وشعرت بانسحاب روحها، لترتفع
يدها إلى صدرها، تضغط عليه بقوة، كأنها تحاول منع قلبها من التفتت بين ضلوعها، ارتجف جسدها أكثر، وبرودة غريبة تسللت إلى أطرافها، كانت على وشك السقوط،
لكنها تماسكت، بصعوبة وتابعت حديثها
_كنت مستعدة أدي له عمري كله
انكسر صوتها واكملت
_لكن هو خد مني كل حاجة، ومشي
انهمرت دموعها بغزارة، لم تعد تحاول إخفاءها، واصبح وجهها شاحب، تنظر اليهم
بعينين فارغتين كأنهما استُنزفتا حياتها
_حرقني، دمرني
كلمات رغم انها كلمات سهلة النطق ولكن،
كأن كل حرف يُسحب من قلبها مباشرة
_عمل كدا ليه، علشان كنت عايزة طفل منه
ارتعشت شفتاها، وتكسرت ملامحها، تقول بجهل نطقته عيناها قبل شفتاها
_كان المفروض يفرح بس، كسرني
تاهت نظراتها في الفراغ، لم تعد ترى أحدًا…كانت غارقة داخل ذكرياتها معه التي اصبحت اكثر وجع
_وفي الاخر مكنتش حبيبته، كنت مجرد وقت بيعديه، او مسكن لوجعه
ابتسامة باهتة مرت على شفتيها، سريعة، ومؤلمة، تسخر من نفسها، ثم تصلب جسدها قليلًا، وعادت نظراتها أكثر حدة… أكثر وعيًا، لتبصق كلمات حارقة
_كان في حضني، وبيخطط يمشي
اتسعت عيناها تدور حول نفسها، وكأنها تعيش اللحظة من جديد
_من شهرين، وهو بيجهز لكل ده
صمتت لحظة…صدرها يعلو ويهبط بعنف
ولما خيرته، اختار يسيبني، كأني ولا حاجة
في تلك اللحظة، كانت ميرال تقف أمامها
لكنها لم تعد ترى فقط فتاة مكسورة. بعد كلماتها بل كانت ترى بقايا ابنها، في صوتها
في دموعها، في هذا الحب الذي لم يمت، لانها الان ايقنت لماذا هاجر وترك كل شيئ خلفه، اذ كانت حالة ضي هكذا، فكيف ستكون حالته، وهي تعلم انه يعشقها حد الجنون، رغم كل شيء، تقدمت خطوة، وقلبها يصرخ يتمزق بين أمومتها، وبين الحقيقة التي تُسحق أمامها، يدها ارتفعت قليلًا، تريد احتضانها، تريد أن تربت على قلب ابنها الذي ينهار، رأت في ضي ضياعه، بكاؤه، انهياره، الان هو يصرخ وينكسر بصمت.. دموع ضي كانت تحرق قلبها، خطت خطوة خلف الاخرى، ومدت يدها تزيل دموعها، لكنها توقفت وتجمدت، لتتسع عيناها فجأة، كأن صورة يوسف ظهرت أمامها، ينظر لها، يذكرها الوعد
ارتعش جسدها، وسحبت يدها ببطء
تراجعت خطوة للخلف، ثم أخرى، تهرب، لا من ضي، بل من نفسها، من الوعد الذي قطعته مع ابنها.
فأطبقت على عينيها، دموعها انزلقت بصمت، لكن هذه المرة، كان الصمت أعلى من أي صراخ…كانت تريد أن تقول كل شيء، أن تفضح الحقيقة،
أن تصرخ ابني مظلوم، ابني ماهو إلا ضحية، لكن الوعد كان كقيدٍ حول عنقها
يخنق صوتها، ويمنعها حتى من الانهيار الكامل أمام احد
في الخلف وقف إلياس ثابتًا، صامتًا،
لكن داخله، كان ينهار بصوتٍ لا يسمعه أحد
بعد سماع كلمات ضي التي اشتعلت بصدره... بعدما تيقن أن ابنه هرب من شيئا، لكن لا يعلمه، ثم غادر بهدوء على عكس انهياره
هوت "ضي" أرضًا ببكاءٍ مفزع، وصرخة تمزق روحها:
_مش أنا السبب يا بابا!، قالتها بصوتًا مرتجفًا، وتابعت بانهيار، كاد يقضي عليها
_مش أنا اللي خليته يسافر… والله ما عملت له حاجة…
ارتعش جسدها، ووضعت يدها على صدرها، تحاول إيقاف ذلك الألم الذي يمزقها من الداخل
ثم صرخت بانهيارٍ كامل:
_هو اللي غدر! هو اللي خان! هو اللي كسرني يا بابا… يوسف هو اللي موتني!
تقطعت أنفاسها، واهتز جسدها مع كل كلمة
_ليه بيتهموني؟! ليه؟!أنا معملتش حاجة، والله ما عملت حاجة!!
بدأ صوتها يضعف، يتكسر، يذوب في البكاء،حتى صارت كلماتها أشبه بأنينٍ موجوع.
وقف "أرسلان" أمامها، وعيناه ممتلئتان بوجعٍ لا يقل عنها، قلبه يصرخ، يتمزق، يرى ابنته تنهار أمامه، ولا يملك إلا أن يمد يده
اقترب منها وجثا أمامها، احتضن وجهها بين كفيه، وقال بصوت خرج مبحوحًا:
_حبيبتي اهدي، أنا مصدقك، والله مصدقك…
لكنها لم تعد تسمع، تشبثت به كالغريق الذي وجد آخر طوق نجاة،
دفنت وجهها في صدره، تبكي بشهقاتٍ عنيفة تهز جسدها بالكامل
_بابا… أنا تعبانة، تعبانة أوي، قالتها لتتراخى قوتها بين ذراعيه تدريجيًا، و
شهقاتها بدأت تختنق، وأنفاسها تتقطع
حتى سكن جسدها.. وارتخت يداها
وسقطت بين ذراعيه بلا حراك.
_ضي!…
اهتز صوت "أرسلان" بفزع، ضمها إليه بقوة
_ضي… ردي عليا حبيبتي!
لكنها لم تُجب…فقد خانها قلبها المنهك
ورفض عقلها اتهامٍ لم ترتكبه فسقطت
هاربة من الألم…
وصل بلال على صراخ ارسلان باسم ابنته
حملها ووضعها على فراشها
_اغمى عليها، مفيش حاجة تخوف، هتفوق
انحنت غرام تملس على شعرها ببكاء
_البنت هضيع مننا ياارسلان، ليه ميرال عملت كدا، مش كفاية اللي يوسف عمله
_ماما مش وقته، كل واحد قلبه محروق، رجاء بلاش كلام يضايق
هوت بجوار ابنتها تنظر إليها بحزن:
_اختك بضيع يابلال، اختك بضيع ومحدش رحمها
_هتبقى كويسة حبيبتي، اهدي لو سمحتي، هي كمان غلطت ياماما، ليه ولعت في البيت، انا عارف انها مضغوطة، لكن اللي عملته مايصحش
مسحت غرام دموعها ورفعت عيناها اليه بقسوة
_ويصح اللي يوسف عمله، اه ماترد، لو مش عارف ترد، بص لاختك وشوف وصلها لفين
اتجهت بنظرها الى ارسلان الذي هوى بجسده على المقعد
_قولتها لك زمان، يوسف مش بتاع جواز، دا عنده عقدة من هروب امه زمان، لكن انت عملت ايه، روحت سلمت له بنتك بكل برود، واهو فضل يرسم خطط له، وادي اخرة نتيجة قرارتك ياباشا
هو فكر في ابنه، وانت رميت بنتك لابنه اللي في الاخر باعها
_ماما.. ايه اللي بتقوليه دا، يوسف مش بياع
دفعته بقوة واخرجته من الغرفة
_اطلع برة، روح دافع عنه بعيد عن هنا، خليك كدا لحد مااختك في يوم تموت نفسها بسببه، وقتها عايزة اشوفك هتقول ايه
صمتت ترمقه بنظرات حادة
_انا بقول لمين اصلا، واحد اتجوز من ورانا، وحب واحدة قلت بيه وفي الاخر هيموت عليها
_انتي شيفاني كدا ياماما
استدارت تواليه ظهرها
_امشي يابلال، روح للبنت اللي انا معرفش عنها حتى اسمها، روح كمل لعبتك معاها
استدارت مرة اخرى
_ولا روح لبنت يزن اللي قلة منك قدامنا كلنا.
مضت أيام اخرى والوضع كما هو
ذات يومٍ… كانت تجلس في حديقة منزل والدها، رأسها مائل للخلف، تحدّق في السماء
مرّ طيفه أمام عينيها فجأة، ابتسمت دون وعي، ابتسامة خجولة مرتعشة، وهمست باسمه بصوتٍ بالكاد يُسمع
لكن انكسرت لحظتها على وقع خطوات والدتها.
_حبيبتي عملت لك العصير اللي بتحبيه.
انتفضت قليلًا، اعتدلت ببطء، ونظرت إلى الكوب بين يدي والدتها، نظرة طويلة، عميقة، مؤلمة
ثم همست بصوتٍ خافت، مخنوق:
_يوسف كان بيحبه أوي يا ماما، هنا فاقت لتتجمد الكلمات على شفتيها، وظلت عيناها معلّقتين بالكوب، كأنها ترى فيه بقايا ذكرياته
ارتجفت أنفاسها، وابتلعت غصّة حادة، ثم قالت فجأة، بحدةٍ هشة:
_مش عايزة أشربه… خلاص كرهته.
جلست "غرام" بجوارها بهدوء، وضعت الكوب على الطاولة دون أن تجبرها، ثم التفتت إليها بنظرة مليئة بالعجز قبل الحنان.
_حبيبتي… وبعدين معاكي؟ مش قولنا هنقوى، وننسى؟
رفعت "ضي" عينيها إليها التي تجمعت فيهما الدموع حتى صارتا كبحرٍ على وشك الانفجار
وقالت بصوت خرج مكسورًا، وكأن كل حرف يُنتزع من قلبها:
_قلبي بيوجعني أوي يا ماما، وجع مش بيسكن
رغم كل اللي عمله أنا… أنا هموت وأسمع صوته، أشوفه، حتى أشم ريحته
يوسف مكنش مجرد حد في حياتي
يوسف كان حياتي، كان أنا...
تقطعت أنفاسها، وانهمرت دموعها دون رحمة، تكمل بانهيارٍ كامل:
_هو ليه عمل فيا كدا؟ ليه قرّبني منه للدرجة دي، وبعدين سيبني؟ ليه رجّعني لنفسي مكسورة بالشكل دا؟!
لم تحتمل "غرام" رؤيتها هكذا،
سحبتها إلى أحضانها بسرعة، تحاول جمع شتاتها بين ذراعيها
لكنها صمتت…لأول مرة لا تملك إجابة.
مرّت لحظات، لا يُسمع فيها سوى شهقات ابنتها، نعم عزيزي القارئ ولو كانت ضربات القلب تسمع، لكنا سمعنا صوت قلب أمٍ يتمزق بصمت
همست "غرام" بصوتٍ متماسك بصعوبة:
_حبيبتي كل حاجة في الدنيا نصيب،
واللي كان بينكم، يمكن كان جميل… بس نصيبه خلص عند كدا
لازم تفوقي يا ضي، مش هينفع تعيشي طول عمرك جوه الوجع دا
ابتعدت قليلًا، أومسكت بوجهها بين يديها، تمسح دموعها بإبهامٍ مرتعش:
_جربي ترجعي شغلك، تخرجي، تشوفي حياتك… يمكن قلبك يهدى شوية
نظرت لها "ضي" بضعفٍ صادق، كأنها طفلة ضائعة:
_تفتكري هقدر أنساه؟
_هو فيه حد بينسى روحه يا ماما؟
تكسرت ملامح "غرام" للحظة، لكنها تماسكت، واحتضنت وجهها بحنانٍ أقوى:
_يمكن مش هتنسيه بسهولة، بس لازم تتعلمي تعيشي من غيره، علشان انتي مش ضعيفة
انتي ضي الشافعي… والبنت دي عمرها ما كانت هشة بالشكل دا
توقفت لحظة:
_وبعدين… أنا قلبي مش مطمن،
يوسف مش سهل يسيبك كدا، أنا شفت بعيني كان بيحبك إزاي
بس… برضه اللي مؤمنة بيه، إن كل حاجة ربنا بيكتبها، بتبقى لسبب
تنهدت بعمق، وكأنها تُسلم أمرها:
_يمكن الأيام الجاية، تكون دوا لجرح إحنا مش فاهمينه دلوقتي
سادت لحظة صمت ثقيلة، ثم أضافت بهدوءٍ حازم:
_بس يا حبيبتي… بلاش توصفيه بخاين أو غدار، الكلام دا تقيل، وبيوجع أكتر، ومهما حصل، هو ابن عمك
وأهله مكسورين زيك… ويمكن أكتر
أومأت "ضي" ببطء رغم أن دموعها لم تتوقف، لكنها همست باستسلامٍ موجع:
_حاضر يا ماما، مش هقول عليه حاجة
ولا حتى هجيب سيرته تاني
بمنزل ادم
على طاولة العشاء، كان الجميع يتناولون طعامهم بصمت، الى أن رفع ادم عيناه لابنته
_الجميل عمل ايه النهاردة في أول يوم جامعي
رفعت رأسها وقالت باابتسامة
_حلو يابابا، يعني مقبول، بس الدنيا زحمة اوي
ابتسم إليها بحنان
_زحمة لكن ناسها طيبين، قولي لي اتعرفتي على حد، وايه اخبار الاساتذة
تركت الشوكة والسكين واعتدلت:
_فيه بنت اسمها رحمة شكلها كيوتي، وليها بنت عم معاها، ساكنين قريب مننا على فكرة..
دا بالنسبة اللي عرفتهم النهاردة، بالنسبة للاساتذة.. فيه دكتور صحافة على مااتذكر، شكله كيوتي يابابا، انما فيه دكتور تاني شايف نفسه علينا اوي وكل شوية انا عمران مش فاكرة اسمه ايه، من كتر ماقاله حفظته.. ونسيته اهو
ضحك رائد يداعب خصلاتها
_الصغنن نسي من أول يوم
قاطعتهم إيلين
_حبيبتي أي حاجة تحصل معاكي لازم تيجي وتقوليها، ومتخافيش بابا عارف دكاترة في الجامعة، ومامتك كمان مش قليلة
زفرت بضيق وقالت:
_والله يامامي انا محبتش الكلية اصلا، معرفش ليه مصرين، انا كان نفسي ادخل الكلية اللي حلمت بيها
_احنا اتكلمنا في الموضوع دا حبيبتي
_ماانا مفهمتش يابابا
_فرح حبيبتي، جدو ليه قرايب محسوبين على الدولة انهم ارهابين يعني صعب تتقبلي في الكلية
مسدت ايلين على شعرها
_فروحة حبيبت مامي، الكلية عمرها ماكانت مقياس اننا نوصل لحلمنا، يمكن لو دخلتي الكلية دي متعمليش حاجة، ويمكن الكلية اللي دخلتيها تحقق نجاح لسة في علم الغييب، المهم نؤمن ان عند ربنا الافضل، تمام حبيبتي
_حاضر يامامي
صمت دام للحظات الى أن قال ادم
_رائد جهز نفسك علشان هنزور عمك إلياس بالليل
_حاضر يابابا..
مضت عدة شهور الى أن توصل اسحاق الى الدولة والمدينة التي بها يوسف، وقرر السفر اليه بعدما علم بمكانه دون ان يرجع إلياس
عند يوسف
أنهى عمله بصمتٍ مُرهق، ككل يوم يسُحب من روحه لا من وقته،
اتجه إلى مسكنه، دلف إلى الداخل، فاستقبله الظلام.. لم يكن ظلامًا عاديًا
بل ظلام وحدةٍ ثقيلة، وبرودةٍ تسكن القلب قبل الجدران.
ألقى مفاتيحه بإهمال، يتردد صوتها في المكان الخالي، كأنها تذكره أنه وحده،
هوى بجسده على الأريكة، ممددًا كجسدٍ أنهكه القتال.
أغمض عينيه.. ليشعر بأناملها بشعره، ثم انحنت تقبل وجنتيه، ابتسم وهو مازال على وضعه، لكن لم يمنحه عقله لحظته معها، ليفتح عينيه فجأة، واعتدل يمسح على وجهه، دارت عيناه بالمكان، ثم عاد بجسده، وامسك هاتفه، وتوقف للحظة حين وقعت عيناه على التاريخ، فاليوم عيد ميلاد والدته، قام بالاتصال بها،
فلقد هاتفها من قبل، مرة واحدة فقط ليطمئنها أنه استقر براحة، ولا يريد العودة الٓان
لكن… هل يطمئن قلب أمٍ وابنها بعيد عن عينيها؟
ضغط على الاتصال وانتظر الرد
عند ميرال
كانت تجلس بمقابلة شمس، التي تنشغل بدروسها على مسافة لم تكن بعيدة عنها
بينما عينا ميرال تائهتان، تنظر ولا ترى… تسمع ولا تدرك.
قطع شرودها رنين الهاتف،
تجاهلته في البداية، كأنها فقدت الرغبة حتى في الرد…لكن شيئًا بداخلها دفعها لالتقاطه.. نظرت للشاشة رقمٌ غير موجود... يبدو انه عن طريق الانترنت، شكت انه يكون ابنها، ترددت… ثم فتحت الخط.
_السلام عليكم…
جاءها صوته
_عاملة إيه يا أمي؟
شهقة خرجت منها دون إرادة، وكأن قلبها سبق صوتها
_يوسف! حبيبي إنت عامل إيه؟
ابتسم رغم ألمه
_أنا كويس… إنتي عاملة إيه؟ وشمس؟ طمنيني عليها وبابا؟
أسرعت ترد، تخشى أن يختفي صوته من الهاتف
_كلنا كويسين يا حبيبي، طمني عليك إنت
صمت لحظة، ثم خرج صوته مكسورًا رغم محاولته الثبات
_كويس… بس وحشتوني أوي.
لم تتحمل…انفجر بكاؤها
_ارجع علشان خاطري يا حبيبي،
أغمض عينيه بقوة، يضغط على نفسه
_ماما… لو سمحتي متخلنيش أندم إني كلمتك، طمنيني عليكي.
بكت أكثر، وكأنها تُجلد بكلماته
_أنا مش كويسة من غيرك، وباباك زعلان أوي يا يوسف،
سحب نفسًا عميقًا، يحاول ألا ينهار
_ماتخليهوش يزعل مني يا ست الكل، هو بيحبك، وهيسمع كلامك.
وضعت كفها على فمها تكتم نحيبها،
_هو مابيحبش قدك، أبوك تعبان، بس ساكت.
شعر وكأن الكلمات سكين تُغرس في صدره.
لكنه هرب، غيّر الحديث بسرعة قبل أن ينكسر
_كل سنة وإنتي طيبة يا حبيبتي، النهارده عيد ميلادك.
أغمضت عينيها، وكأن الجملة أوجعتها أكثر
_من غيرك هيبقى في عيد يا يوسف؟
همس برجاء موجع
_ ماما… ماتصعبيهاش عليا.
ردت بصوت متهدج
_طيب إنت فين؟ قولي وأنا أجيلك.
أغمض عينيه، يبتلع غصته
_مينفعش، والله لو ينفع مكنتش هتأخر خدي بالك من نفسك.
_ارجع وريح قلبي
صمتت لحظة، لتسمع سؤاله
_ضي عاملة إيه؟
تجمدت ملامحها، وسُحب بصرها نحو منزل أرسلان
_كويسة، بدأت تفوق
قالتها بنبرة متقطعة، ثم لم تستطع كتمان الألم الذي مرت به ضي
_كسرتها أوي يا يوسف، ليه تعمل فيها كده؟
أغمض عينيه، والألم يشتعل داخله
_أحسن لها، صدقيني يا ماما لازم تعيش مش تفضل معايا وتتعذب.
_غلطان يا ابن الياس اللي بيحب مابيتعذبش مع حبيبه.
البنت ماتت من بعدك، مبقتش ضي.
كأن شيئًا انكسر داخله بصوتٍ مسموع،
لكنه ابتلع وجعه
_بكرة لما تحب هتنسى ياام يوسف.
ضحكت بمرارة
_بتضحك على نفسك؟ هتستحمل تشوفها لغيرك؟
رد عليها بصدقٍ موجع
_هموت وقتها ياامي، عشان كده بعدت ياامي، مينفعش احرمها من حقها
_غبي يايوسف، لانها كانت هترضى،حبيبي البنت بتموت فيك
_وأنا كمان ياماما، بس مش علشان بحبها احرمها، عارف انها كانت هتوافق، وبعد كدا ياام يوسف، ضي تستاهل تعيش، وأنا مستحيل احرمها من أقل حقوقها، وهي مكنتش هتعمل كدا وأنا موجود
سحب نفسًا وطرده
_ماما متزعليش، كل واحد بياخد نصيبه، ونصيب ضي من حقها تعيش
همست بانكسار
_وإنت يا حبيبي؟
ابتسم بحزن… لا تراه
_أنا؟ أنا كويس طول ما هي كويسة، صدقيني ياماما لما بسمع منك انها كويسة أنا برتاح، انا ظلمتها كتير، جوازنا من الأول غلط، ربنا يوفقها ويسعدها، ولو بتحبيني ياامي ماتزعليش منها مهما عملت، انا قدري اتحرم منها خلاص، اللوم مش عليها، دا نصبينا ... المهم تكوني على وعدك ياامي... مش عايز حد يعرف حتى بابا
انهارت ميرال أكثر
_ماتعملش في نفسك كده، بلاش تموت وإنت عايش
أغمض عينيه، وصوته أصبح أضعف
_ماما… بلاش توجعي قلبي، أنا كده مبسوط.
صمت لحظة، ثم قال بصوتٍ حنون
_بوسيلي شمس، وبابا بوسيه بوسة كبيرة لحد ما أقدر أكلمه.. وبراحة ياميرال على إلياس... قالها وأنهى المكالمة
وقبل أن يُبعد الهاتف، كانت دموعه قد سقطت بصمتٍ قاسٍ، يمسحها سريعًا، يخشى أن يضعف من قلبه الذي يصرخ بداخله
مسح على وجهه بضعفٍ مرتعش، فتح هاتفه ببطء، وقلب بين صورهما، صورة تلو الأخرى، وكل صورة كانت طعنة مؤلمة في صدره
توقفت أنفاسه عند إحداها… ابتسامتها فيها كانت كفيلة بإسقاط كل ما تبقى من صموده.
ثبت عينيه عليها، وكأن الزمن تجمد عند تلك اللحظة
همس بصوتٍ مكسور، يكاد لا يُسمع:
_وحشتيني أوي، وحشني ضحكك، صوتك، حتى زعلك مني وحشني
ابتلع غصته بصعوبة، وتابع بصوتٍ مرتجف:
_أنا مش عارف أعيش من غيرك، كل حاجة بعدك بقت باهتة… حتى أنا بقيت نسخة مشوهة مني
سقطت دمعة حارة على الشاشة، فمرر إصبعه فوقها كأنه يمسح على وجهها هي:
_سامحيني لو الرجوع ينفع، كنت رجعت ألف مرة، بس الوجع اللي جوايا أكبر من أي كلام، أنا بموت بالبُعد عنك، بموت في اليوم ألف مرة
ألقى الهاتف بجواره فجأة، وكأنه لم يعد يحتمل رؤية فقدانها
أسند رأسه للخلف، وأغمض عينيه بقوة، يحاول الهروب من ذاكرته معها لكنه فشل
صورتها كانت تسكن خلف جفنيه، في أنفاسه، في نبضه
قبض على صدره بقوة، يشعر بأن قلبه يصرخ بها:
_ليه مش بتنسي؟ ليه مش بتموت جوايا زي ما كل حاجة ماتت؟
انقطع صوته، وتحول إلى همسٍ موجوع:
_أنا تعبت، تعبت أحارب نفسي علشان أنساكي، تعبت أعيش بنص قلب، بنص روح
رفع يده المرتعشة، وضغط بها على عينيه يريد اقتلاع ذكرياته منها، سحب دفتره
وبدأ يدون لها كعادته منذ أن تركها
لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ عابِرةٍ استوطَنَتْ بضعَ سنينَ من عُمري، بل كانتْ هي العُمرَ ذاته.
فكيفَ للمرءِ أن ينسى نَفَسَه؟ أو ينسى كيفَ كانَ يَنبِضُ؟
رَحَلَتْ أنا… وبقيتُ روحي عالقة في مَنتصفِ حكايةٍ لم يُكتَب لها القدَرُ نهايةً في قلبي.
أُناجي الصمتَ حين يشتدُّ بي الوجع، وأهمسُ للليلِ الطويل:
"وكأنَّها ليَ الحياةُ… ولا حياةَ لي بَعْدها."
وحقيقةً واحدةً أواجهُ بها العالم: أنّي، رُغم الغياب، ما زِلتُ أحيا على أطلالِ تلكَ الروح، أتنفس ذكراها، وأحيا بظلّها، كأنّني لم أفارقها يومًا
اغلق الدفتر وتعلقت عيناه بصورتها
_هعمل ايه فعلا لو ارتبطي، حتى صورتك مبقتش من حقي
مرر انامله على وجهها وابتسامة حزينة
_
_إنتي مكنتيش بس حبي، إنتي الحياة كلها
سقطت يده ببطء بالهاتف، واستسلم جسده للإنهاك، صامت، مكسور، اغمض عيناه و ما زال ينبض باسمها، حتى غفى دون ارادة
بعد أسبوع…
ترجّل بلال من سيارته، لمح رولا، وهي تتجه لسيارتها دون أن تلتفت.
اقترب منها بهدوء، يضع يديه في جيب بنطاله، وعيناه لا تفارقها
_حمد الله على السلامة.
توقفت لحظة، دون أن تنظر إليه
_الله يسلمك.
فتحت باب سيارتها، لكنه سبقها واستند على السيارة، يحاصرها بنظراته
_سافرتي من غير ما تقولي؟
رفعت عينيها ببرود من خلف نظارتها
_وأقولك ليه؟ كنت مسافرة مع أخويا وبنات عمتي.
_قطّب جبينه، فقد احرجته نبرتها، فتسائل بخفوت
_رولا مالك؟
سحبت نظرها من نظراته
_مفيش… وسّع كده، متأخرة وعندي شغل.
نظر لها طويلًا، ثم قال بهدوء مؤلم
_زعلانة علشان ما سألتش عنك؟
ابتسمت بسخرية خفيفة
وتسأل عني ليه؟ أنا إيه بالنسبة لك أصلاً؟
صمت، ولم يجد رد، هز رأسه بخفوت
_آسف.
ابتعد ببطء واتجه نحو منزل إلياس…
وقفت تتابعه، وعيناها امتلأت بحزن خافت، ثم همست لنفسها بنبرة مختنقة متقطعة
_خلاص… انسيه وكَمّلي.. قالتها ثم استقلت سيارتها وغادرت.
بداخل منزل إلياس
جلس حمزة إلى جوار شمس، بينما جلس إلياس قبالتهما، ملامحه جامدة كعادته،
دلف بلال إلى الداخل، ألقى السلام بصوت خافت، ثم جلس في هدوء
تبادل حمزة نظرة سريعة مع شمس، ثم قال بعد تردد
_يا عمو… شمس عايزة تقول لحضرتك حاجة.
رفع إلياس بصره إليها، ولانت نبرته قليلًا
_قولي يا حبيبتي… سامعك.
أخذت شمس نفسًا عميقًا، وتشابكت أصابعها في توتر، ثم قالت:
_أنا وحمزة قررنا نعمل الفرح… وهكمل تعليمي هناك… خلاص فاضل سنة واحدة بس غير السنة دي، اكمل امتحانات الترم الاول، وبعد الجواز اكمل الترم التاني، والسنة الجاية أكون مع حمزة
لم يمر سوى لحظة، حتى تبدلت ملامح إلياس، كأن كلماتها أصابت وترًا حساسًا داخله
_لا.
قالها بحزم قاطع، ثم وجّه نظره إلى حمزة
_مش وقته خالص يا حمزة.
مال حمزة قليلًا إلى الأمام، وقال بصوتا هادئ لكنه يحمل إصرارًا
_اسمعني بس يا عمو… يوسف رافض يرجع، وشمس نقطة ضعفه… يمكن لما نقرب الفرح، يلين ويرجع علشانها.
ضرب إلياس بيده على ذراع الكرسي
_قولت لا!
نهض واقفًا، وصار صوته أقسى
_هو لو عايز يرجع… هيرجع من غير ما حد يضغط عليه.
_انتفضت شمس واقفة، واردفت بصوت مرتجف، بينما لمعت الدموع في عينيها
_بابا… أنا يوسف وحشني، أنا عايزاه يرجع، حضرتك وعدتني، ليه بتكسر وعدك؟
عدى شهور اهو ومحدش يعرف عنه حاجة
ولا حضرتك مبسوط، انا بتقطع وأخويا بعيد عني
تجمد إلياس للحظة، وكأن كلماتها أصابته في مقتل، لكنه تماسك سريعًا، وقال بصوت منخفض يحمل حدة مكبوتة
_شمس…
اقترب منها خطوة، ونظر في عينيها بعمق
_أخوكي لو عايز يرجع… مش هيستنى فرحك علشان يعمل كده، سيبيه ياخد وقته.
ظلت تنظر إليه برجاء طويل، نظرة مستنجدة، كأنها تتشبث بأي أمل…
لكنه انحنى وأخذ مفاتيحه، متجنبًا عينيها.
وقال وهو يتجه نحو الباب
_أنا رايح المطار أجيب عمتك وجدتك، ومش عايز حد يبين قدامهم أي حاجة، يوسف سافر شغل وبس.
ثم التفت إلى حمزة، بنبرة لا تقبل نقاشًا
_خلي بالك منها… بدل ما تحاول تقنعني، وانت عارف إني مش هغير رأيي.
وقالها وغادر…
بمديرية أمن القاهرة
دلف اليه احد العساكر
_جاسر باشا، صاحب الكارت دا عايز يقابل حضرتك
قرأ الأسم فنهض متوقفًا يشير إليه
_دخله فورًا
دلف ارسلان وابتسامة ممتنة على وجهه
_جاسر باشا الألفي.
ابتعد عن مقعده يرحب به بشكل يليق بمكانته
_ازيك ياجاسر، عامل ايه
_الحمدلله ياباشا، وحضرتك عامل ايه
_حضرتي كبرت ياسيدي، يارب تكون كويس والعائلة الكريمة
_اه الحمدلله كلنا كويسين، نورت المكتب والله
_مبروك الترقية الجديدة ياعم
_الله يبارك في حضرتك
هدخل في الموضوع علشان معطلكش
اخرج مظروف صغير ووضعه أمامه
_عايز ظابط يكون أمين، يعرف يتعامل مع الراجل دا
امسك المظروف الذي يحتوي على بعض الصور، والاوراق
_اوووه، مين المتعدد الجنسيات دا
_دا اللي عايزين نعرفه
_ليه هو عمل حاجة ولا إيه
تراجع ارسلان بجسده
_دا بيحوم حول اسر ابن يزن، داخل كعميل، حاولت اجيب عنه معلومات، لكن مالقتش غير الاوراق اللي قدامك دي، شكيت، قولت لازم ادخلك في الموضوع
_تمام... اديني يومين واجب لك كل مايخصه
_خلي بالك لانه محصن نفسه أوي، لازم حد ثقة نعرف نتعامل معاه
_اممم.. طيب هشوف وارد عليك، بس ليه شكيت يكون وراه حاجة
_لما تشوف السديهات هتعرق، وكمان باقي صوره
_لما شوفت الوشم شكيت أنا كمان
_بالظبط، يبقى دا مش مجرد رجل اعمال، وليه اسر إلا اذا
صمت ليقاطعه جاسر
_تصفية حسابات
اقترب ارسلان بجسده
_أنا ممكن اقتله بدم بارد، لكن فيه علامات استفهام، انتوا أولى بيها، ومحبتش ادخل شغلي فيه... أكيد فاهم
_اكيد... تمام خلال يومين اكون عرفت كل حاجة
نهض ارسلان يغلق حلته.
_دا أنا واثق فيه، بس لازم من الجهات المختصة، أكيد فاهم قصدي
مضت شهورا اخرى..
بمنزل يزن
كانت تعمل على جهازها، دلفت اليها سدن
_مشغولة
_لا حبيبتي.. مش قوي تعالي
تحركت وجلست أمامها
_بقولك عايزة انزل اشتغل معاكي، اهو اتعود، عجبني شغل اسيا
_اممم... طيب ياستي كدا كدا اسيا هتسيب مكتب اسر، وهتنزل تدرب في الشركة، استلمي مكانها
_هشتغل ايه
_ماهي هندسة واشتغلت عادي، لحد ماتخلصي بقى الكلية، وبعد كدا نشوف
_تمام هكلم بابا يقول لاسر
_ربنا يوفقك حبيبتي
كانت ايمان تقف بخارج الغرفة تستمع اليهم، وصلت إليها رحيل
_واقفة كدا ليه
استدارت مبتسمة
_فرحانة اوي، الحمدلله البنات خلاص بدأو يرجعوا لطبيعتهم، ونسيوا السفر، وبقوا يتعاملوا على اساس انهم مسلمين، وفهموا الحلال والحرام، اه مش قوي لكن احسن
ربتت رحيل على ظهرها بحنان
_قولت لك هتعايشوا، كويس انكم رجعتوا
وضعت كفيها على صدرها
_قلبي كان هيوقف، مهما اتكلمنا معاهم كان من غير نتيجة
سحبت كفيها واتجهت الى الطاولة
_تعالي ارتاحي، والحمدلله، البنات كويسة
دمعت أعين ايمان
_الحمدلله، عايزة اقولك لما اسيا جت وقالت عايزة تعيش مع صاحبها عادي وانها كبرت،وخلعت حجابها وقالت تخلف، كنت هموت فيها
_المهم انهم اتقبلوا، وشوية شوية هيغيروا من لبسهم
_يارب يارحيل، انا كنت فقدت الامل
بالداخل بعد خروج سدن
استمعت الى رنين هاتفها، رفعته
_ايوة
_ازيك يابنت خالي وحشتيني
هبت من مكانها
_يوسف... انت فين، وحشتنا أوي
_أنا كويس، خالو عامل ايه واسر
_كلنا كويسين، ليه عملت كدا، ضي تعبانة اوي
_رولا علشان معنديش وقت، عايزك تقولي لبلال ياخد باله من شمس، مش عايزها تحس بغيابي، مش عارف اتواصل معاه
_بلال عمره ماهيكون مكانك
_بس قولي له كدا، وهو هيتصرف
أنا لازم اقفل... عندي شغل
_يوسف استنى
صمت يستمع اليها
_يوسف انت فين، والله ضي هتموت من غيرك
_شايفك ماموتيش من غير بلال يابنت خالي
_احنا غير...
_رولا لازم اقفل
قالها واغلق الخط، مستديرا الى داخل المشفى... دلف بخطواته الواثقة من يراه، يزعم انه كان مستقرًا منذ سنوات بتلك المدينة..
_يوسف
استدار على الصوت... توقف
تحركت سريعا اليه وابتسامة تشق ثغرها
_صباح الخير على ابن بلدي
_ابن بلدك
_ايوة... المصريين والسوريين اشقاء
اومأ لها ثم خطى بجوارها
_لكن حضرتك مش سورية
_ايه.. البابا اصله سوري، انا اه معشتش فيها، لكن البابا بياخدنا زيارات
_اممم
توقفت أمامه:
_ايه رأيك نتغدى مع بعض النهاردة
_اسف مش فاضي، بعد اذنك يادكتورة
_يوه مش قولنا نشيل التكليف، انا اسمي لارين.. موصعبة
_هو انتي لارين ولا نارين،
ضحكت قائلة:
_التنتين، وممكن تسمع اسم تاني هنا بقى بيقولوا علي هنا ايفا
_طيب بعد اذنك اتأخرت
_اوكيه، هنتظرك على الغدا
لم يرد عليها وتحرك للداخل
دلف وجد الطاقم الذي يعمل لديه بالغرفة، وهناك وجوه جديدة
خطا الى مكتبه، ومنه إلى جهازه
غمز احدهم الى الاخر
_لماذا هذا يفعل هكذا
لوح برأسه:
_اتركه وشأنه، انه طبيب قلب مصري، وليس له بأعمالنا..
_اوووه صدقًا مصري
_موسى، انه ليس كمثل الاخرين، وانه ينتمي لتلك المجموعة
نهض بعد ماالقى سيجاره
_اود التعرف عليه
امسك كفيه وتوقف الاخر بمقابلته
_انه مصري يارجل
_لهذا اعجبني كثيرًا
قالها واتجه الى يوسف المنشغل بعمله
_مرحبًا، لا أعتقد أننا التقينا من قبل. أنا الدكتور موسى، تخصص نساء وتوليد.
_تشرفت بمعرفتك يا دكتور موسى. أنا الدكتور يوسف، تخصص قلب.
طالعه موسى متسائلا
_تشرفت. هل أنت جديد هنا أم أنني فقط لم ألاحظك من قبل؟
انضممت منذ ثلاث اشهر.
_آه،. كيف تجد المكان حتى الآن؟
اجابه يوسف
الأمر جيد… الفريق متعاون، وهذا يجعل الأمور أسهل
هز الاخر رأسه
_هذا مريح دائمًا. الفريق الداعم يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا في المستشفى.
_بالضبط، خاصة عندما تتراكم الحالات.
قالها يوسف.. بينما اردف موسى:
_أتخيل ذلك. تخصص القلب عادة يكون مرهقًا جدًا.
أومأ له:
_نعم… لكن أعتقد أن كل تخصص له صعوباته. والنساء والتوليد أيضًا يبدو مرهقًا.
_بالفعل. هو مزيج من الفرح والضغط—أحيانًا في نفس الساعة.
_أستطيع أن أرى ذلك. إدخال حياة جديدة إلى العالم… هذا شيء مميز.
_بالفعل هو كذلك. لكنه يأتي أيضًا مع نصيبه من التحديات.
ضحك يوسف قليلا:
_الأمر مشابه عندنا، إنقاذ الأرواح من جهة، والقلق الدائم من الطوارئ القادمة من جهة أخرى.
تراجع موسى
_حسنًا، يبدو أننا في المكان المناسب إذن.
يبدو ذلك.
_سعدت بلقائك يا دكتور يوسف. أنا متأكد أننا سنتقابل كثيرًا.
_وأنا أيضًا ي دكتور موسى. أراك لاحقًا.
تحرك موسى وهو يغمز لاخر
_لا يوجد صعب عند موسى
_بالفعل، لكن لا تسعد كثيرا.. انك قولت له موسى وليس موشيه
عند رولا
دلفت الى منزل ارسلان
_ازي حضرتك ياطنط غرام
_ازيك يابنتي عاملة ايه
_كويسة، ممكن تنادي بلال، عايزاه في موضوع مهم
طالعتها غرام بتردد ثم اشارت للداخل
_ادخلي له هو جوا في مكتبه
_لا هستناه هنا
اقتربت غرام تحدقها
_انتي زعلتي من اخر كلام بينا، رولا أنا بعتبرك زي ضي
_شكرا لحضرتك، فيه موضوع يخص شمس، ممكن تناديه
_مالها شمس، حصلها حاجة؟!
قالتها غرام بلهفة، تكورت الدموع بأعين رولا، من لهفة غرام بسؤالها عن شمس، تمنت انها تصبح مكانها... ابتعدت بنظراتها قبل خطواتها وهي تقول:
_كويسة متخفيش...
جلست على المقعد بالخارج تنظر أمامها بشرود
بداخل المكتب، كان منشغلا بعمله، دلفت والدته
_رولا برة وبتقول عايزاك علشان موضوع يخص شمس
_برة... ليه مدخلتش، حضرتك زعلتيها
_لا يابن ارسلان، هي اللي رفضت
نهض واتجه اليها:
_قاعدة كدا ليه
رفعت نظرها اليه، ثم نهضت
_يوسف كلمني، بيقولك خلي بالك من شمس
_تمام.. فيه حاجة تانية
رمقته بشك:
_كأنك مش متفاجئ يعني
_لاني عرفت مكانه، وهسافرله بعد يومين
_عرفت مكانه.. طيب ماقولتش ليه
_هقول ايه، هو انا بشوفك اصلًا، حضرتك مشغولة مع زباينك
_مابقولش ليا، كان الاولى ابوه يعرف
_عمو إلياس عارف من زمان، هو اللي مش عايز يقول
_قصدك ايه؟!
_مقصديش حاجة.. ليه مادخلتيش، انا مش قولت لك اقطعي مع الراجل اللي كل شوية ينط لك في المكتب دا
رفعت حاجبها ساخرة
_لا متقولش انك غيران منه، هو أنا بدخل في شغلك، ماهو انت لسة بتروح لست كارما
_غيرة ايه يامجنونة الراجل دا مش مريح، وبعدين دي غير دي
_انا ميهمنيش اصلًا، تروح ولا ماتروحش
_رولا هضربك على وشك، مش عايز غباء، هنرجع نعيده تاني
غيرت مجرى الحديث
_ضي فين؟!
_في مكتبها..
_تمام قالتها وتحركت متجهة الى ضي، دلفت اليها
عند ضي
كانت تدندن بخفوت، غارقة في شغلها
ترسم، تعدّل، وتبتسم لنفسها برضا بسيط.
دلفت رولا بهدوء، توقفت خلفها لحظات، تراقبها، ترى انها اصبحت افضل من السابق
سحبت نفسًا ببطء، ثم تقدمت وجلست أمامها
رفعت ضي عينيها بسرعة، ثم رفعت الورقة بابتسامة خفيفة
_إيه رأيك في الموديل ده؟… هسميه "البرنسس".
مظت رولا شفتها وهي تتأمل التصميم
حلو... رفيق زيك.
سكنت لحظة، ثم نطقت يتردد
يقولك... عندي فكرة بس مش عارفة طنط إيمان هتوافق ولا لا
إيه رأيك آسيا تقدم الموديل ده في حفلة الافتتاح ؟ بصراحة مش شايفة حد هيبقى أحسن منها
لم ترد عليها رولا كانت مازالت غارقة بحديث بلال
قطبت جبينها
مالك يا بنتي ؟ ساكنة ليه ؟
اردفت رولا بهدوء قاتل:
بلال ميسافر ليوسف عرف مكانه
سقط القلم من بدها، ورجفة قوية سيطرت على جسدها بالكامل... ابتلعت غصتها
بتقولي لي مبقاش يهمني
ضي ايه اللي حصل بينك وبين يوسف
رولا عندي شغل الشخص اللي بتقولي عليه دا انا خلاص حر فنه واصبح رماد.... قالتها
بغضب
طيب اهدي أنا يدردش معاكي أصلي مجربة وجع الحبيب، ويوسف كان بيحبك
القت الورق بعصبية على الارض
مش عايزة اسمع اسمه ثاني، سمعتيني كانه مشر موجود في الدنيا
خلاص انا اسفة انا بس بقولك علشان اللي عرفته عمو اسحاق عنده دلوقتي، واكيد عمو
الياس هو كمان هيروح، ومستحيل يسببه
صرحت بقوة كأنها ليست تلك التي كانت تدندن منذ قليل
مش عايزة اعرف عنه حاجة سمعتيني الشخص دا محدش يجيب سيرته قدامي، يحي ولا
عنه ماجه، ولا بقى فارقلي حتى
نهضت من مكانها بعصبية مفرطة.. تجمع الورق الذي سقط على الأرض، لاحظت رولا ارتجاف
جسدها.. اقتربت منها ولكنها أوقفتها وهي تشير بيدها.
ما تقربيش مني، أنا كويسة
قالتها وتحركت للخارج، مع وصول والدها... اقتربت منه كالتي فقدت عقلها، ثم اردفت بكلمات
ما جعله يتوقف عاجلا
انا مستحيل اكون في مكان واحد مع الشخص اللي قتلني سمعتني لو رجع تاني أنا همشي من هنا
قالتها ودافت المداخل
كانت رولا تراقبها:
ياترى بعد قصة الحب العظيمة دي يابن خالي ليه ضحيت بدا كله
قاطعها رنين هاتفها
ابوة يا مستر معتز
اهلا استاذة رولا، اتأخرتي عن موعدنا
أويس اسفة، هجيب التصميم لحضرتك حالا.. اسفة رجاء النفس لي العمر
قهقه وهو يرد عليها
جميع الأعذار لك سيدتي
خلال نص ساعة هكون عندك
عند بلال بعد فترة
كان يقلب بأدراجه، وقعت عيناه على احدى السديهات ضيق عيناه
بتاعة ايه دي... حاول التذكر ولكن خانته ذاكرته، اخرجها ووضعها بالجهاز، وانتظر أن تفتح
دلفت اليه في تتطلع إليه بحزن
هنروح له يا بلال
لهم ما تعنيه توقف واقترب يحاوط كتفيها .
ضي.. عارف انك زعلانة منه بس دا مش مجرد ابن عم وبس دا اخويا وتوأم روحي لازم
اقنعه يرجع
انتفضت بعيدا عن أحضانه، رغم اشتياقها القاتل له
تمام یا بلال، روح له، واطمن عليه، لكن افتكر الشخص دا لو رجع يبقى بتقتلني
قالتها وركضت للخارج، تخطو بخطوات مترنحة، خرج خلفها يبحث عنها التقطتها عبداه وهي
بصمت، تريد أن يعود، ولكن عقلها يصرخ بعودته
تتجه إلى الحديقة الخاصة للكمبوند، تحرك خلفها، وجدها تجلس على احدى الارائك تيكي
جلس بجوارها، وسحبها لأحضانه
حبيبتي التي مرتاحة كدا.
اغمضت عيناها، ولم تجب
رفع نقتها ينظر إليها:
التي فعلا مش عايزه يرجع
اشار الى قلبها وتابع حديثه
دا مرتاح وهو بعيد
هو اللي باع
هز رأسه بالرفض
يوسف مستحيل يبيع، أنا متأكد انه محبي حاجة
خليك مخدوع فيه.... قطع حديثهم رنين هاتفه
دكتور مدام رولا خرجت مع الشخص اللي قولت تراقبه
خرجت فين
رد الرجل قائلا:
العربية متجهة ناحية المهندسين
هب من مكانه وقال:
خليك وراهم وانا جاي
انحنى يقبل جبين اخته
ارجعي الكمبوند، ولما ارجع هنتكلم
انت مترجع ولا هتروح لكارما
کار ما مين
ابتسمت وتوقفت أمامه
نسبت مراتك يادكتور
ارتدى نظارته
مراتي مجننة ابويا، ولازم الحقها دلوقتي
سلام
راقبت تحركه تهمس
ربنا يريح قلبك يا بلال
عند رولا ترجلت من السيارة، تشير إلى المبنى
البرج دا تبع حضرتك
اشار إليها بالصعود
اه تبع حضرتي، ماهو دا اللي عايزك تعينيه، لاني كنت مسافر، وخايف بعد التشطيب يجي عليه
مخالفات
تمام.. بس لحظة اتصل بالمساعد بتاعي
لا لا ... مساعد ايه فيه حد أمين معايا فوق.. هيساعدك
توقفت لحظة
اسفة، لازم المساعد الخاص بيا
التهمتها نظراته وذكريات تلك الليلة تضرب عقله، وهي امامه ابتلع ريقه بصعوبة، لا يريد أن
نظرت إليه:
يربكها، ويتركها بتلك السهولة، ابتعد عنها ورفع هاتفه .. تحدث مع احدهم وهي منشغلة بهاتفها.
مسافة السكة وهيكون هنا، بعت له اللوكيشين
طيب هنفضل مستنينه في الشارع، فيه عمال فوق يعني متخافيش
لا اسفة
قاطعهم صراخ أحد الأشخاص
اسعاف الراحل وقع من فوق السقالة هيموت، اسعاف باناس
ركض للداخل وهو يقول:
تعالي تشوف الراجل دا بيصرخ ليه
توقفت مترددة، وعيناها على تحركه السريع... استمعت إلى ولين هاتفها، رفعته وجدته بلال
نظرت للهاتف، ثم اغلقته وتحركت خلفه بتردد إلى أن دلفت للداخل.
