رواية قرية المنسيين الفصل الخامس 5 بقلم السيد عبدالكريم


   رواية قرية المنسيين الفصل الخامس 

حينما وجدتُ ورقة جديدة مكتوب فيها ( قلتلك بلاش يا دكتور ) بدأتُ أراجع أفكاري ، كده معايا 3 وريقات ، الأولي التى وجدتها في الحقل ، الثانية التى وجدتها بين فكّي الجمجمة لحظة وصولي القرية ، والآن ورقة جديدة ، يمكن لطفل ذي ثلاث سنوات أنْ يعرف إني مقبل على مصيبة ، ولابدّ من أخذ الاحتياط ، وعلشان أنا احمق ديما فلم أحتاط ، المهم ألقيتُ في ملل تلك الأوراق والجمجمة وألقيتُ بجسدي على السرير ، ورحتُ أفكر في حياتي الجديدة ، حياة مغلقة مملة ليس فيها ما ينعشها سوي نورا ، تلك الفتاة التى تحرص كل الحرص على راحتي ، النظافة والطعام والدردشة ، حياة تشبه نهر راكد ، وأنا في حاجة لإلقاء حجر يحرك هذه المياه الراكدة .

 

في الصباح التالي استيقظتُ وارتديتُ ملابسي وشرعتُ أعمل فنجانا من القهوة استعدادا لنزولي حجرة الكشف ، لكنني فوجئتُ بقدوم نورا تحمل إفطارا شهيا ، وقالت :

ـ جبتلك الفطار بدري يا دكتور علشان لسه مشغولين في الفرح .

 

شكرتها على كل حال وطلبتُ منها ألاّ تتحمل أعباء طعامي وتتفرغ هي لعملها وابنة خالتها ، غادرتْ نورا ، وتناولتُ إفطاري ونزلتُ حجرة الكشف ، لم تمر خمس دقائق حتى رأيتُ عم متولي جاء يتدحرج من بعيد قائلا :

ـ كده تسيبني وتدخل تاكل في المندرة مع الذوات .

قلتُ ساخرا:

ـ هو أنتَ أكلت غير الأكل بتاعنا ولا إيه ؟

أجاب :

ـ لا ... بس برضه القعدة من سيادة النائب حاجة تفرح .

قلتُ :

ـ مممم ... طيب .

قال :

ـ هو كان بيقولك ايه ؟

أجبتُ :

ـ حتى دي كمان شفتها ؟

قال :

ـ ما هو أنا حاولت ادخل بس مكنش فيه مكان .

 

وهنا دقّ جرس هاتفي ، منذ متي لم يدق ؟

 منذ شهور ، أنا أصلا معنديش أصدقاء ولا حد يسأل عنّي ؛ بسبب العزلة والانطوائية اللى أنا فيها ، تنفسيتُ نفسا عميقا ، وقلتُ :

ـ الو .

جاء الرد :

ـ الحقني يا دكتور .

كان الصوت صوت أنثي ، قلت :

ـ مين معايا ؟

أجابتْ :

ـ جيسكا .

قلت :

ـ النمرة غلط .

قالتْ في نفاذ صبر ، أحسستُ ذلك من نبرتها :

ـ جيسكا يا دكتور ... اللى كنت عندك في القرية ... الحادثة و.....

 

هنا تذكرتُ كل شيء ، اسمها جيسكا إذن ، تخيلوا أول مرة أعرف اسمها ، قلتُ :

ـ ايوه يا انسة جيسكا خير ..انتي كويسة .

قالتْ :

ـ مصيبة .

ثم دونتُ عنوانها وتركتُ عم متولي الذي كان يحاول أن يفهم منّي أين سأذهب ، وتوجهتُ من فوري إلى بندر سوهاج ، وفي إحدي شقق مبني قديم طرقتُ الباب ، كانتْ والدتها ملقاة على السرير فاقدة الوعي ، قالتْ جيسكا بسرعة :

ـ خير يا دكتور .

 

ماشاء الله ! هو أنا لسه فحصتها ، لكن التمستُ لها العذر ؛ لأنّ والدتها كانتْ شبه ميتة ، قمتُ بفحصها وطلبتُ منها أن نأخذها إلى المستشفي ،.

 

وفي المستشفي عرفنا أنها غيبوبة سكر ، وظللنا في المستشفي طوال النهار ، كنت أود أن أقابل الدكتور بهجت لكنه لم يكن موجودا ، المهم في آخر اليوم عدنا إلى شقتها ، كانتْ والدتها بخير ، وهدأ روع جيسكا وقالتْ بينما نحن في صالة الشقة :

ـ تعباك يا دكتور ..بس أنت عارف أنا معرفش حد هنا .

 

فى الحقيقة كنت عاوز أسألها جابت رقمي ازاي ، بس بدا لي السؤال سخيفا ، وعلي العموم خمنتُ أن الدكتور بهجت هو اللى اداها الرقم ، قلتُ :

ـ لا مفيش تعب .

استأذنتْ منّي وذهبتْ إلى المطبخ ، وبدأتُ أتفحص الصالة ، كانتْ تنم عن شقة متواضعة ، البناية نفسها كانتْ قديمة في حارة صغيرة ، حينما حضرت جيسكا قلتُ :

ـ انتوا عايشين هنا من زمان ؟

قالتْ :

ـ من ساعة ما والدتي أصرّتْ نيجي ندور على ميراث بابا .

إجابة بليغة طبعا لو لاحظتوا ذلك ، بعدها شفتها بتقدّم لي كوب عصير وقالتْ بصوت رقيق :

ـ تفضل يا دكتور .

رفعت الكون علي فمي لكن الكوب كاد أن يسقط من يدي لمّا شفت على الحائط صورة صغيرة لرجل يرتدي بدلة أنيقة ، الراجل كان فيه شبه كبير من الراجل بتاع القصب ، باختصار لو الراجل بتاع القصب ارتدي بدلة هيكون نفس الراجل اللى في الصورة ، جيسكا قالتْ لمّا لاحظتْ ارتباكي :

ـ فيه حاجة يا دكتور ؟

كنتُ متردد أقولها ولا أسكت ، بس أنا متأكد إنه نفس الشخص أو ربما أخوه التوأم ، لكنّي قلتُ :

ـ لا مفيش ...أنا تأخرت ...هستأذن .

 

كانت الساعة جاوزت السابعة مساء ، وحينما خرجت من شقتها استنشقتُ نسيم الشتاء البارد وتوجهتُ إلى القرية .

 

في المستشفي وجدت نورا في انتظاري ، كانتْ قلقانة ومتوترة ، كنت أول مرة أشوفها في التوتر ده ، قالتْ لمّا شافتني :

ـ حصل إيه يادكتور ... حضرتك كنت فين كل ده ؟!!!

قلت :

ـ كنت في مشوار ... ليه حصل إيه ؟

أجابتْ :

ـ عم متولي قال إنه جالك اتصال ومشيت مفزوع ومن ساعة ما عرفت وأنا هنا في انتظارك .

قلتُ مبتسما :

ـ متقلقيش يا نورا ... دى حالة كده وكان لازم أشوفها بنفسي .

ثم سألتها :

ـ قلتي إيه في موضوع الشغل ؟

قالتْ :

ـ موافقة طبعا يا دكتور طالما هكون جمبك

 

تركتني نورا وخلاص كنت محتاج أنام بأي طريقة ، ويدوبك بدأتُ أغيّر هدومي وسمعتُ صوت بينادي ، مكنش حد في المستشفي غيري ، نزلت بسرعة وشفت شخص واقف وفى ايده طفلة عندها يدوبك 12 سنة ، طبعا دا أبوها أكيد ، الأب كان ملهوف أوي وطلب منّي أكشف على بنته ، فتحت غرفة الكشف وطلبتُ منهم الدخول ، الأب قال :

ـ بعتذر لو كنت صحيتك من النوم يا دكتور ... بس بانسيه بتشتكي من ألم فظيع ومفيش فرصة أروح مستشفي مركزي دلوقتي .

 

الأب كان واضح من كلامه إنه مثقف ، الثقافة واللباقة كانتْ واضحة في كلامه وأسلوبه لحد ما قالي جملة غريبة أوي ، جملة ميقولهاش إلاّ شخص مجنون ، المهم كشفت على البنت وفضلت اهزر معاها بكلمات وجمل على غرار :

ـ اسمك جميل يا بانسيه ...

ـ متقلقيش هتخفي .. يدوبك شوية برد .

ـ كده تقلقي باباكي عليكي ...

وهنا الأب قال :

ـ في الحقيقة أنا مش أبوها .

 

قلتُ :

ـ مش مشكلة يا سيدي ...أخوها أو عمها ...المهم تيجي بكره الصبح تاخد تذكرة بتاريخ اليوم .

 

بس وأنا بكتب اسم البنت لقيت اسم الرجل اللى معاها لا يمت لها بصلة ، قلتُ :

ـ خالها ؟!!

قالت البنت في ضعف :

ـ خطيبي يا دكتور .

 

يانهار أبوكم أبيض ، قلتها في نفسي ، البنت صغيرة يدوبك في أولي إعدادي ، والشاب تقريبا فوق الأربعين أو قرب على الأربعين ، مكنتش عارف أقول إيه ، بس الموضوع غريب ، وبصراحة مكنتش قادر اسكت علشان كده أخدت الشاب على جمب وقلتله من غير ما تسمعنا الطفلة :

ـ أنتَ إيه ؟ شكلك متعلم وكلامك يدل إنك مثقف ، ازاى بنت في عمر ولادك وخطيبتك .

قال في لا مبالاة :

ـ هي مش صغيرة يا دكتور .

قلتُ :

ـ البنت عندها 13 سنة .

قال في برود :

ـ 11 سنة .

قلتُ في غيظ :

ـ ماشاء الله !... ومش مكسوف من نفسك ... بس العيب على أهلها اللى وافقوا على الخطوبة دي ...وازاى أصلا سمحولك تجيبها المستشفي لوحدكم بالليل كده .

قال :

ـ يا دكتور الموضوع طويل ... بس عامه هي عمرها الحقيقي 24 سنة .

 

بصراحة شكيت إنه شارب حاجة ؛ فقلت :

ـ ممكن بطاقتك .

ولمّا مسكت بطاقته قرأت :

ـ رأفت حسين إسماعيل ، موظف بوزارة الثقافة .

بصيت نحوه فقال :

ـ بانسيه مش من هنا ...من أشلول ...بس الثغرة هي السبب ... حضرتك عارف ألاعيب الزمن والسفر ..دي حاجات مفهومة .

قلتُ فى نفسي ( وأنا مالي ... دا شكله مجنون ) ،

المهم قلتله  :

ـ مفهومة اه ... طيب ... تعالى هات البنت وتعالى ورايا .

صرفت ليهم العلاج وغادروا .

 

القرية دي هتجنني ، وقررت إني مش هركز مع كل حاجة تحصل ؛ لأني شكلي كده هشوف العجب هنا ، المهم طلعت لغرفة المبيت ونمت ، بس صحيت على صوت وقع أقدام أمام غرفة المبيت ، ولعت النور ومسكت سكينة وفتحت الباب ببطء ، مشفتش حاجة ، معقولة تكون تهيؤات ، وقبل ما أرجع للغرفة لمحت بطرف عيني خيال تحرك بسرعة البرق ،

 بسم الله الرحمن الرحيم ،

فضلت أقرأ قران وأمشي ناحية الغرف المهجورة في أخر الممر ، وشفت شخص بينزل درجات السلم وبيحاول الهروب ، قلتُ بصوت عالي :

ـ اقف مكانك .

طبعا موقفش ، بس أتأكدتُ إنه مش عفريت ؛ لأنه حاول يتسلق سور المستشفي الخلفي ، والعفريت مش هيهرب بالطريقة دي ، إلا لو كان عفريت أهبل ،  يبقى أكيد حرامي ، هنا نسيت الخوف وجريت وراه علشان ألحقه قبل ما يهرب ، ولمّا قربت منّه وهو حس إنه هيتمسك ، لقيته قرب منّي وكان وشه متغطي بغطاء زى القناع ، وهوي عليا بقبضة يده اللى كان فيها قطعة من حديد وغبت عن الوعي .

 

صحيت بعد نصف ساعة لأن الظلام كان لسه في كل مكان ، لقيت نفسي ممدد على الأرض بجوار سور المستشفي من الداخل طبعا ، ولمّا استجمعت قوتي ونهضت لاحظت إن فيه الناحية اليمني من حذاء الحرامي بجواري ، اخدت الحذاء وطلعت اوضتي ، ولمّا بصيت للمرآة  شفت خصلة من شعري تم قصها وجزء من ياقة قميصي تم قصها ، والأغرب إن الحذاء كان حذاء أنثي .

تعليقات