رواية فوق جبال الهوان الفصل السابع والستون
وفق مصالح قديمة مشتركة ولا تزال ممتدة بين شقيقه الراحل وبين هذه القبيلة النائية، استطاع أن يحظى بالرعاية اللازمة بل وينال كل ما يحتاج إليه لتجاوز هذه الأزمة الخطــيرة التي عصفت به، وأطاحت بكل مملكته وجعلتها تذهب أدراج الرياح.
تطلع "زهير" إلى "سلمان" باهتمامٍ عندما عاود مخاطبته ليوضح له:
-متقلقش من حاجة، الناس تبعي هتخلصلك الورق المطلوب، يعني بالمختصر المفيد كلها كام يوم وكل حاجة هتبقى رسمي، وتقدر تتحرك براحتك ومحدش هيقدر يتعرضلك.
لم يبتسم، ولم ترتخِ قسمات وجهه وهو يعقب عليه:
-تعيش يا حاج "سلمان"، ده العَشم برضوه.
أضاف الأخير في امتنانٍ:
-خير أخوك "الهجام" سابق علينا، وياما استرزقنا معاه، وسلكلنا أمور مكانش حد غيره يقدر عليها.
ليرد عليه "زهير" بما يشبه الوعد غير المشروط:
-اعتبر الود موصول، بس أقف على رجلي من تاني.
استحسن "سلمان" نواياه نحوه، وتابع على نفس الوتيرة:
-أؤمر إنت بس يا ريس "زهير"، رقبتي ورجالتي معاك يا كبيرنا.
ليقول شاكرًا في الختام قبل أن تتحسس يده موضع الجبس:
-تعيش يا غالي.
......................................
تردد كثيرًا في مهاتفتها، خاصة بعد انقطاعه المريب لفترة من الزمن، فتعذر عليه التواصل معها فما ظنها به الآن عندما يعيد روابط الوصال؟ خشى أن ترفض الإجابة عليه، وتنبذ اقترابه، ومعها كل الحق لتفعل ذلك.
بأعجوبةٍ تمكن "عادل" من مغالبة مخاوفه، واستجمع جأشه لمخابرتها من رقم الهاتف الآخر الذي يملكه، وضع الهاتف على أذنه، وانتظر ردها بصبرٍ مشوبٍ بالخوف، ناهيك عن تلاحق دقات قلبه، وكأنه يعدو في سباقٍ مصيري. خفقة لذيذة أصابت ثناياه حينما سمع صوتها الرقيق تجيب:
-السلام عليكم.
هتف من فوره متسائلًا في لهفةٍ لا يمكن إخفاؤها:
-وعليكم السلام، إزيك يا مدام "إيمان"؟
اندهشت من معرفته لاسمها، رغم كون نبرته مألوفة، فسألته في حذرٍ:
-مين معايا؟
ليجيبها معرفًا بهويته:
-أنا الأستاذ "عادل رجائي".
بدت نبرتها ودودة وهي ترحب به مبررة سبب حيطتها في البداية:
-أهلًا بحضرتك يا أستاذ "عادل"، معلش أنا أسفة، معرفتش رقمك، أصل اللي ظاهر قصادي رقم غريب غير اللي كان معايا.
أبدى لها أسباب لجوئه لاستخدام بديلٍ:
-موبايلي كان ضاع، وجبت جديد، وحطيت فيه خطين، وأنا بكلمك من الرقم التاني.
بعد تنهيدة سريعة أكملت هي الأخرى:
-تمام، أنا كنت من فترة جربت أتصل عليك بس لاقيته مقفول.
حمحم معقبًا بقليلٍ من التردد:
-كان في ظروف حصلت عندي، والدنيا كانت ملخبطة حبتين معايا.
لتخبره في تفهمٍ، ودون أن تتبدل نبرتها التي عادت لرقتها:
-ربنا معاك ويعينك...
-يا رب
انتقلت بشكلٍ عفوي لسؤالها التالي:
-أخبار طنط "سميحة" إيه وعمو "رجائي"؟ إن شاء الله يكونوا بخير.
سكت لهنيهةٍ قبل أن يخبرها بغصةٍ عالقة في حلقه:
-بابا مات من فترة، وماما بتحاول تتماسك وتعدي أزمة فراقه.
استطاع أن يسمع شهقة صدمتها من الخبر المفجع قبل أن تبدي اعتذارها الحرج:
-أنا أسفة جدًا، آ.. مكونتش أعرف...
بدا متفهمًا لردة فعلها لكونها تجهل كليًا بما حدث معه:
-أنا عارف ده.
ردت عليه داعية بصدقٍ:
-ربنا يرحمه، ويغفر له ويسكنه فسيح جناته.
شاركها الدعاء مناجيًا:
-أمين يا رب، ولجميع موتانا.
أضافت في تحرجٍ بائن في نبرتها:
-أرجوك بلغ تعازيا لطنط "سميحة"، وربنا يصبر قلبها يا رب.
قال بإيجازٍ:
-حاضر...
ليسود الصمت بينهما للحظاتٍ شملت أنفاسهما المتوترة قبل أن يقطعه متسائلًا في اهتمامٍ:
-المهم إنتو عاملين إيه؟
بدت وكأنها مترددة في إخباره، لم ترغب في شغل باله بهمومها، وهو لديه ما يكفيه، فانتقت كلماتها بحذرٍ:
-يعني.. حصل معانا حاجات كتير، بس ربنا بيسترها معانا.
ليخبرها دون مقدماتٍ:
-وأنا عندي ليكي أخبار حلوة.
استشعر الحماس في نبرتها عندما سألته:
-بجد؟
أكد لها موضحًا:
-أيوه، بخصوص القضايا بتاعتك، الحمدلله كسبتي قضية تبديد العفش، والمحامي أنا كلمته ياخد الإجراء التالي، ولسه باقي القضايا محجوزة للحكم.
تنهدت مرددة في راحةٍ:
-الحمدلله...
لينعكس القلق في صوتها وهي تكمل بحرجٍ:
-بس طبعًا أي إجراء المحامي هياخده محتاج ليه رسوم وأتعاب.
علق عليها بجديةٍ:
-ماتشليش هم حاجة، أنا متكفل بكل شيء لحد ما تكسبي.
بدا صوتها مهتزًا وهي تخبره:
-إن شاء الله هردلك كل ده.
قال بتلقائيةٍ:
-احنا واحد...
ليشعر بصمتها، فاستدرك زلة لسانه التي ربما أربكتها، فأردف مصححًا:
-قصدي إنتو تعتبروا من العيلة.
خاطبته مجاملة:
-شكرًا على ذوقك.
سألها مستعلمًا:
-و"فارس" عامل معاكو إيه؟
رددت بصوت بدا مريبًا:
-"فارس"...
أحس بالتغيير الذي طرأ على نبرتها، فسألها:
-في حاجة؟
خبت نبرتها وهي تجاوبه بأسى:
-"فارس" الله يرحمه اتقــتل!
صاح مدهوشًا على الأخير:
-إيه؟ إزاي ده حصل؟
لتقول بمزيدٍ من الغموض الذي أثار فضوله بشدة:
-مش بقولك حصل معانا حوارات كتير.
هتف في تلهفٍ قلق:
-أنا لازم أشوفكم وأطمن عليكم بنفسي، قوليلي إنتو فين دلوقتي؟
أجابته في توترٍ:
-أعدين عند ناس معرفة.
في التو حسم أمره وأخبرها دون أن يضع وقته في التفكير:
-من فضلك يا مدام "إيمان" ابعتيلي العنوان، وأنا هظبط حالي وهجيلكم في أقرب فرصة.
لم تجد بدًا من الرفض والاعتراض، فانصاعت لمطلبه صاغرة:
-حاضر.
....................................................
غلفت السعادة كامل تعابير وجهها عندما جاء ابنها الغالي لزيارتها، استقبلته "نجاح" بحفاوةٍ، وانهالت عليه بالقبلات الأمومية، لترافقه إلى غرفة المعيشة ليجلسا معًا، مسحت على ظهره بترفقٍ، وأردفت تخاطبه في تعجبٍ:
-حبيب قلبي وحشتني، ده أنا قولت هتغيبلك يجي شهر ولا اتنين عقبال ما تيجي تزورني!!!
نظر إليها نظرة جانبية غريبة، جعلت قرون الاستشعار لديها تستنفر دفعة واحدة، فسألته بأسلوبها الاستدراجي في الحديث:
-مالك وشك خاسس كده ليه؟ مابتكلش كويس ولا إيه؟
لتعطي من تلقاء نفسها المبررات لعله يفصح عما يخفيه عنها:
-تلاقيك يا حبة عيني تعبان من كتر اللف والتنطيط ورا العروسة...
ثم أطلق ضحكة زائفة قبل أن تكمل:
-ما هي برضوه واخدة على الدلع والروقان، مالهاش في الشقى.
ضجر من طريقتها المكشوفة للضغط عليه واستفزازه لتحصل على مرادها بإخبارها بما تريد معرفته، فصاح في غير صبرٍ:
-بالله عليكي تسكتي يا ماما لأحسن أنا مصدع.
تجهمت ملامحها، وسألته في قلبٍ وجل، وقد تقوس حاجباها:
-في إيه يا "راغب"؟ هو حصل حاجة بينكم؟ قولي يا ابني وما تخبيش عليا، ده أنا سترك وغطاك.
ليدمدم مع نفسه في غلٍ مكتوم، مستعيدًا ومضات خاطفة من لقائه الحميمي مع زوجته في ليلة زفافهما، والتي أزيح الستار فيها عن عِفتها الزائفة، واكتشافه لحقيقة خيانتها السابقة:
-هو اللي حصل ينفع يتقال أصلًا؟!!
سألته في شيءٍ من الإلحاح:
-أبوها قالك حاجة ضايقتك، معلش استحمل، الناس الهاي لايف دول ليهم دماغ.
لم ينظر نحوها، وأرجع رأسه للخلف ليسندها على الأريكة، مجبرًا نفسه على عدم التعليق على ما وصفه بلغوها المستفز، فيما استمرت "نجاح" تردد بالقرب من أذنيه، وكأنها تحفزه بطريقتها:
-مسيرك تتعلم وتبقى واحد منهم، لأ أحسن منهم كمان، ده إنت مخك يوزن بلد.
أغمض جفنيه لثانيةٍ، وهمهم:
-أها..
ثم اعتدل في جلسته مخاطبًا إياها، وهو يلصق بثغره تلك البسمة السمجة المتكلفة:
-بقولك يا ماما، اعمليلي أكل، واحشني أكل من إيدك أوي، أصلي ماليش في جو المطاعم والكافيهات.
مدت يدها لتمسح برفقٍ على جانب وجهه وهي تقول في حبورٍ:
-عينيا يا حبيبي.
لتنهض بعدها من جواره متجهة إلى المطبخ، فعاود الاسترخاء على الأريكة شاردًا في الكوارث الجمة التي حلت فوق رأسه، وما زال في انتظاره المزيد!
..........................................
أربكها اتصاله، وجعلها متخبطة ما بين الشعور بالأسف على خسارة والده، وشعورها بالحرج من توريطه في شئونها، خاصة تلك المادية التي تجعلها مقيدة وعاجزة، وتبدو أكثر عوزًا منه. خرجت "إيمان" من الغرفة لتنضم إلى شقيقتها ووالدتها المتواجدتين بالمطبخ لإعداد الطعام. وقفت بجوار "دليلة" تخاطبها في غموضٍ:
-الظاهر كان عندك حق لما قولتي ندور على شغل، محدش هيمد إيده في جيبه ويدينا طول العمر.
تساءلت في اندهاشٍ وهي تشملها بنظرة جادة:
-فيه إيه؟
تنهدت ببطءٍ قبل أن تقول:
-الأستاذ "عادل" كلمني.
لتعلق في نوعٍ من التهكم:
-أخيرًا رضا عننا وقرر يتصل.
عضت على شفتها السفلى قليلًا، لتوضح في تعاطفٍ:
-باباه توفى وحصله ظروف.
هتفت "عيشة" في حزنٍ:
-يا ساتر يا رب، ربنا يرحمه كان راجل طيب.
أضافت في ترددٍ وهي توزع نظرتها المتوجسة ما بين والدتها وشقيقتها:
-وهو طلب إنه يجي يشوفنا ويحكيلنا على كل حاجة بالتفصيل.
أومأت "عيشة" برأسها هاتفة بغير ممانعة:
-يا أهلًا وسهلًا بيه.
فيما استطردت "دليلة" بجديةٍ:
-أنا هنزل للمعلم "وهبة" في التكية بتاعته أشوف عملي إيه في حوار الشغل، لازم نحط النقط على الحروف معاه.
سألتها "دليلة" مستفهمة، وكأنها تحاول استنباط خطوتها التالية بمكرٍ:
-طب افرضي ملاقاش؟
بوضوحٍ أخبرتها:
-يبقى عداني العيب، هدور بنفسي على أي حاجة.
لتعاود "عيشة" الحديث إليهما وهي تنقل صحن الخضراوات المقطعة إلى السطح الرخامي تمهيدًا لغسل ما به:
-صحيح عايزين نكلم عمتكم نطمن عليها...
ثم التفتت إليهما مكملة:
-ولو جت فرصة نروح نزورها طالما الدنيا بقت أمان.
ردت عليها "إيمان" مؤيدة الأمر:
-بإذن الله.
لتردف "عيشة" مستفيضة:
-ما نبقى نقترح على الأستاذ "عادل" لما يجيلنا يشوفلنا الوضع القانوني للشقة اللي جبهالنا "فارس" الله يرحمه، بحيث لو ينفع نتصرف فيها، ونستفيد منها بدل قفلتها.
كان تفكيرها منطقيًا وذي جدوى، فعقبت:
-ماشي يا ماما، هقوله عليها.
ليأتي تعليق "دليلة" كالعادة متهكمًا وساخطًا:
-مش لما نبقى نشوفها الأول، شكله محظور علينا نقرب منها!!
نظرت كلتاهما إليها بنظرات تفاوتت في الحيرة، فيما بدت "دليلة" جادة للغاية وهي تخبرهما بعزمٍ:
-أنا هكلم المعلم "وهبة" في حوارها، دي تعتبر حقنا، مش واخدينها منه شحاتة مثلًا.
عندئذ حذرتها "عيشة" بتوجسٍ:
-يا بنتي مش عايزين مشاكل مع حد، خليها ماشية معانا بالستر.
ابتسمت "دليلة" ابتسامة باهتة، لتخاطب أمها بعدها:
-متقلقيش يا ماما، أنا هتصرف بطريقتي، ومن غير مشاكل.
.............................................
لم يتوقع أن تكون ابنته ماكثة في الفيلا، حيث تفاجأ بظهورها الغريب أثناء إعداد الخادمة لمائدة الطعام، وكانت ترتدي ثياب النوم، إذًا لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل على ما يبدو أنها أمضت الليلة هنا، فقد ظن على حسب الترتيبات المسبقة أنها في طريقها لإحدى الجزر الأسيوية لتمضية شهر عسلها. تقدمت "فادية" ناحيته في دلالٍ لتنحني عليه لتقبل وجنته قائلة في لطافةٍ:
-"دادي"!
بادلها القبلة الأبوية بأخرى متسائلًا في تعجبٍ
-معقولة! إنتي أعدة هنا؟ أنا فكرتك سافرتي برا البلد.
سحبت المقعد وجلست جواره قائلة بعبوس طفولي:
-"راغب" قفلي مودي خالص، وخلاني مش عايزة أروح في حتة.
صاح "مدحت" يوبخه في حنقٍ:
-هو لحق الكلب ده يضايقك؟!
لتضيف عليه بتأففٍ:
-رجعي ومتخلف!
نظر لها باستغرابٍ، فأكملت في وجومٍ:
-لسه بيفكر بطريقة زمان، غبي!
قال بعد زفرة سريعة:
-قولتلك من الأول إن البني آدم ده مش من مستوانا، ولا ينفعنا، وإنتي صممتي تتجوزيه.
مطت شفتيها للأمام قليلًا، وأردفت وهي تستند بيدها على طرف ذقنها:
-كان عاجبني...
لتتصنع المزيد من العبوس وهي تطلب منه في تدللٍ:
-بليز دادي، شد عليه شوية.
سألها بوجهٍ مال للجدية تمامًا:
-قوليلي لو حابة أطلقك منه هعمل كده فورًا.
خفضت يدها، وأراحتها على سطح المائدة مستطردة:
-مش قادرة أقرر بصراحة، يعني بريستجي قصاد صحاباتي، بس أنا مش هكمل معاه.
ليبتسم لها وهو يمد كفه ليربت على يدها برفقٍ قبل أن يقول:
-هانت يا حبيبتي، أنا خلاص قربت أخلص إجراءات تصفية أملاكي اللي هنا، والتأشيرات طلعت، وهنسافر نعيش برا على طول...
لتلمع عيناه بهذا الوميض الشيطاني الخبيث وهو ينهي كلامه:
-وخليه يلبس الليلة كلها.
شاركته الابتسام قائلة في استمتاعٍ:
-يا ريت .. علشان يتربى.
رفع يده ليداعب بإصبعه طرف أنفها مؤكدًا لها:
-ماتقلقيش يا "دودي"، أنا هوديه ورا الشمس!
.......................................
أعطى أوامره لعماله بنقل البضائع المتراصة إلى الداخل، وتعبئة السيارات المنتظرة بالخارج بما تم الاتفاق عليه، ليلمح من على بعدٍ "دليلة" وهي مقبلة عليه، فابتعد عن رجاله ليدنو منها، فبادرت بالترحيب المهذب به:
-صباح الخير يا معلم "وهبة".
في نبرة مماثلة علق:
-صباحك نادي يا ست البنات...
ليدير رأسه للجانب متابعًا عماله وهم يؤدون عملهم متسائلًا:
-في حاجة نجصاكي نجيبوهالك؟
لاحظت ما يظهر عليه من انشغالٍ، فقالت دون مطٍ أو إطالة:
-لأ، كله تمام، أنا كنت جيالك أسألك عن موضوع الشغل، فات كذا يوم ومافيش لسه جديد.
بدت على قسماته وجهه أمارات التردد، وإن لم يقل ذلك فعليًا، فمد يده وداعب طرف ذقنه هاتفًا:
-إيوه، أني بشوفلك إكده حاجة مناسبة.
لكنها كانت أكثر وضوحًا منه عندما عقبت:
-مافيهاش حرج يا معلم لو مش لاقي، هدور أنا بمعرفتي.
هتف نافيًا بجديةٍ:
-ما تجوليش إكده.. إديني يامين بالكتير وهرد عليكي.
هزت رأسها مرددة:
-تمام يا معلم، كتر خيرك، تعباك معايا.
قال محاولًا الابتسام:
-تعبك راحة يا ست البنات.
لينتظر ذهابها بعيدًا قبل أن يخرج هاتفه المحمول ويتواصل مع رفيقه، بعد تحيةٍ سريعة، دخل إلى صلب الموضوع مسترسلًا:
-إيوه يا كبير، الجماعة مصممين ينزلوا يشتغلوا، أتصرف أنا كيف دلوجيت؟
أخبره "غيث" بصوته الهادئ:
-جولها أي حجة تخليها تصرف نظر عنه الحديت ده.
حذره في غير مزاحٍ:
-دماغها ناشفة، يا إما أشوفلها حاجة بمعرفتي، يا تدور إبعيد عني.
ليصير صوته أكثر غلظة وهو يشدد عليه:
-إياك ده يُحصل، ما تخليهاش تفارج عينيك واصل!!!
اقترح عليه "وهبة" ببساطةٍ:
-طب إيه رأيك أخليها تكون إمعاي إهنه في التكية؟
لتأتيه نبرته المستنكرة جلية:
-وسط الرجالة؟ وده حديت يا "وهبة"؟ من ميتى الحريم عيشتغلوا مع الرجالة؟!!
أوضح له سبب تفكير في هذا الاقتراح:
-مجصدش يا واد عمي، أنا بجول تمسك أوراق الحسابات، تراجعها وتشوف الفواتير، اللي داخل واللي خارج، وأني هخليها تجعد في مكتب إكده لواحدها.
بدا كلامه منطقيًا ومناسبًا؛ لكنه لم يرغب في إبداء موافقته الفورية، لذا أرجأها قائلًا:
-سيبني أفكر فيه الحديت ده جبل ما أديك كلمة.
فيما استمر "وهبة" في تحذيره:
-أوام الله يرضى عليك، لأحسن نبص نلاجيها اشتغلت عند ناس غُرب.
ليعود "غيث" إلى غضبه المندلع هادرًا:
-طب تعمل إكده بس!!!!
تعجب "وهبة" مما يصير مع رفيقه من انحياز وعصبية نحو ما يخصها حتى الآن، فتساءل بدافع الفضول:
-ما تأخذنيش في الحديت يا كبيرنا، بس لما إنت خايف عليها إكده فارجتها ليه؟
صاح "غيث" بصوته الأجش مانعًا النقاش في شئونه:
-ملكش صالح يا "وهبة"!
حاول الأخير امتصاص غضبته التي بدت بائنة في صوته، وتوقع أن تكون أكثر من ذلك في ملامحه، فقال متعللًا:
-بالراحة علي يا كبير، أني بس بستفهم.
لكنه لم يسمع منه أي رد، فهتف في استغرابٍ:
-ألو...
ليسمع بعد ذلك صوت صافرة إنهاء المكالمة دون مقدماتٍ، فتساءل مع نفسه في دهشةٍ:
-الخط انجطع ولا إيه؟
.......................................
مع انقضاء المكالمة، كانت ملامحه منقلبة على إثرها، فلم يتمكن من إخفاء ما يعتريه حاليًا من مشاعرٍ مشحونة. رأت "فاطمة" ما ظهر على ابنها من تعابيرٍ مستاءة، خاصة وقد كان يتحدث إلى جوارها، فسألته في هدوءٍ وهي تصب له الشاي في كوبه:
-إيه اللي مضايجك يا ولدي؟
لم يقل شيئًا، وأطبق على شفتيه، فوجهت إليه سؤالها مباشرة:
-عرفت حاجة عن "دليلة"؟
نفخ عاليًا قبل أن يجيبها:
-عايزة تشتغل يامه.
ليدهشه ردها المرحب بالأمر:
-وماله، طالما بالحلال.
ارتفع حاجباه للأعلى في استنكارٍ، فسألها في استغرابٍ:
-إنتي اللي بتجولي إكده يامه؟
ردت في تحيزٍ صريح متخذة صفها:
-أومال عايزها تجفل على حالها؟ وتدبل كمان عاد؟
كز على أسنانه في غيظٍ، فأكملت على نفس المنوال لتثير أعصابه، لعله يتوقف عن عناده، ويهرع إليها قاضيًا على ذلك الهجر والبعاد بينهما:
-وبعدين مش إنت فارجتها؟ خليها تشوف نفسها شوي، هي بردك زعلت كتير، ومحتاجة تفرحوا هبابة!
قام من مجلسه صائحًا في حنقٍ:
-ماشي يا حاجة.
سألته في برودٍ وهي ترجع ظهرها للخلف:
-رايح فين يا ولدي؟
أجابها وهو ينفض طرف جلبابه في عصبيةٍ:
-ورايا شغل هخلصه بدل ما أطج!
راقبته وهو يغادر بهو القصر لتردد بعدها في دعاءٍ ورجاء:
-ربنا يهديك لحالك وينور بصيرتك، وترجع لمَرَتك.
.........................................
امتازت ببراعتها وذكائها في تطبيق ما تعلمته خلال فترة دراستها على أرض الواقع، حيث استخدمت التطبيقات التكنولوجية الحديثة في إعادة تسجيل البيانات الهامة وتصنيفها بدقة، مما يسهل على الجميع سهولة الرجوع إليها ومراجعتها دون عناءٍ.
أنجزت "دليلة" الكثير في وقتٍ وجيز، شعرت بالزهو من حالها، لأنها كانت قادرة فعليًا على إثبات جدراتها في أول وظيفة لها. طلبت بتهذيب حضور "وهبة" لتشرح لها بأبسط العبارات وأيسرها ما يجعله قادرًا على فهم التغيير الجذري في طريقة العمل.
بدا منبهرًا من مهاراتها، وهلل مادحًا، وعيناه لا تبرحان شاشة الحاسوب:
-الله ينور عليكي يا ست البنات، صحيح العَلَام بيفرج مع الواحد.
ابتسمت في سرورٍ على ثنائه، وأشارت بيدها مواصلة شرحها إليه:
-دي حاجة بسيطة يا معلم "وهبة"، وأنا برضوه هشوفلك برنامج تاني يسهلك تسترجع البيانات اللي إنت عايزها بطريقة سهلة من غير ما تاخد وقت.
تسأل في تعجبٍ وهو يرفع يده ليفرك جانب جبينه:
-وأني مخي هيستوعب ده كله؟!
أكدت لها بهدوءٍ دون أن تخبت بسمتها الرقيقة:
-متقلقش أنا هعلمك، دي الطريقة سهلة جدًا...
توقفت ثانية عن الحديث لتتمكن من استخدام الفأرة للإشارة إلى موضع بعينه على شاشة الحاسوب قبل أن تستأنف كلامها:
-أهم حاجة تفتكر إنك لما تحب ترجع لأي فاتورة تضغط على الأيقونة دي، موجودة هنا، شايفها؟
كانت "دليلة" في أوج تركيزها للدرجة التي جعلتها لا تشعر بقدوم "غيث"، فتابع منذ البداية ما يجري بين الاثنين من تفاهم عزز لديه شعور الغيرة والغيظ، فتقدم ناحيتهما ليقوم بجذب "وهبة" بعيدًا دون أن ينبس بكلمة؛ لكن النظرة النارية المشتعلة في عينيه نطقت بالكثير، لتتفاجأ به واقفًا بجوارها، وبمسافة لا تتخطى الشبر وهو يخاطبها في رنة صوتٍ تشي بحنقه:
-وأني كمان عاوز أتعلم!
انتفضت قائمة من ظهوره المباغت، وحدقت فيه بعينين متسعتين هامسة باسمه في صدمةٍ:
-"غيث"!
رأت كيف تجسدت علامات الغضب على ملامحه، وإن جاهد ليبدو هادئًا؛ لكن نظرات عينيه تفضحانه بالتأكيد، ابتلعت ريقها وسألته بتوترٍ:
-إنت.. إنت إيه اللي جابك هنا؟
رد عليها بنبرة لم تسترح لها:
-ناسية إن "وهبة" جريبي!!!
سرعان ما استعادت برودها، وضبطت من انفعالاتها لتبدو غير متأثرة بحضوره. اكتفت بالتعليق عليه باقتضابٍ جاف:
-أها، تمام.
ليندهش من رؤيتها تجمع أشيائها استعدادًا لذهابها، فاستوقفها متسائلًا في جديةٍ لا تزال مشوبة بلمحاتٍ من غضبه:
-رايحة فين؟
أجابته بقدرٍ من الاستعلاء، وكأنها تأنف وجوده:
-ماشية، أصل وقتي خلص هنا، وماحبش أعطلك عن زيارتك لقريبك.
وتحركت بخفةٍ لتتجاوزه، بل إنها سارعت في خطاها لتخرج من بوابة التكية، فما كان منه إلا أن لحق بها، ليعترض طريقها هاتفًا بشيءٍ من العصبية:
-استني يا "دليلة"، أني مخلصتش حديت.
توقفت مضطرة، وكتفت ساعديها أمام صدرها، لتُحادثه في جفاءٍ صريح:
-اللي بينا انتهى يا عمدة، ولا إنت نسيت؟
سألها في نبرة استعتابٍ ظاهرة:
-للدرجادي مش طيجاني؟
لينصدم من جوابها المحمل بالألم في طياته:
-محبش أضيع وقت حد أنا أصلًا ماليش قيمة عنده.
أوجعته صراحتها، وحزت في قلبه بقوةٍ، أيعترف لها أنه تركها رغمًا عنه ليتيح لها فرصة اختياره بدلًا من أن تكون مجبرة عليه؟ أيبوح لها بأنه لم يغمض له جفن منذ أن هجرت فراشه وبات باردًا قاسيًا بدونها؟
كان على وشك النطق بشيءٍ، إلا أن أحد العمــال صدح بصوته الجهوري فجأة ليعطي تحذيرًا مُربكًا للجميع، كما لو كانت كارثة ما على وشك الوقوع:
-حاسبوا يا جدعـــان.
استغرقهما الأمر ثوانٍ تعد على أصابع اليد الواحدة لاستيعاب ما يدور من حولهما، فعلى ما يبدو فقد أحدهم الوعي وهو يقود سيارته، فظل يتحرك بها بلا إدراك ليطيح بأي شيء يعترض طريقه، ولسوء الحظ كان متجهًا بها إلى حيث يقف كليهما، وقد أوشك على الاصطدام بهما، فاندفع "غيث" على وجه السرعة جاذبًا "دليلة" من ذراعها بقوةٍ بعيدًا عن السيارة وهو يصيح في خوفٍ عظيم:
-باعِدي يا "دليلة"!
لتجد نفسها مُلاقاة في أحضانه وهو يحتويها بذراعيه، وكأنه يحميها من أي ضرر قد يصيبها بقصدٍ أو بدونه، نظر إليها ملء عينيه متسائلًا في خوفٍ ممزوج بالحب العميق:
-إنتي بخير؟ جرالك حاجة؟
حملقت فيه ساهمة، وكأنها تستكشف شخصيته للمرة الأولى، لا يمكنها أبدًا إنكار تلك النظرات الصادقة التي تعلن وبصراحةٍ مباشرة عن مكنون قلبه وإن ادعى العكس، أيعقل أنه لا يزال غارقًا حتى النخاع في حبها؟
استفاقت من شرودها اللحظي على صوت الارتطام القوي لمقدمة السيارة بالجدار الخارجي للتكية مما تسبب في تصدعه الفوري، وسقوط أجزاء من الطوب، لتنال رأس "غيث" واحدة من تلك الأحجار الجامدة، فجعلت فروته تتفـــجر بالــدمــاء الغزيرة، حينئذ صرخت "دليلة" من المشهد المفـــزع منادية في وجلٍ وارتعاب شديدين:
-"غــــيث" .................................!!!
