رواية قرية المنسيين الفصل السابع 7 بقلم السيد عبدالكريم


   رواية قرية المنسيين الفصل السابع 

المخضرمون منكم يعرفونني ، أنا صاحب مغامرة أشلول ، بس لو مقرأتوش الكتيب السابق عن مغامرة أشلول ممكن تعتبروني شخصية جديدة ، المهم في يوم تفاجأتُ بقدوم طبيب القرية الجديد ، رحبت بيه وبعد ما شربنا الشاي طلب منّي أغرب طلب ، طلب منّي أروح معاه بيت الغمرواي ، طبعا الطبيب كان عنده إصرار رهيب إني أقدر أدخل معاه بيت الغمرواي ، مش عارف مين ضحك عليه واداه الفكرة دي عنّي ، كنت حريص أشد الحرص إن محدش يعرف حكاية أشلول دي غير شاكر وبهاء بيه ، بس انتو عارفين جو القري ، كل حاجة هنا سريعة الانتشار ،  المهم حاولت كذا مرة أقنع الطبيب إني أخر واحد يصلح للمهمة دي ، بس كان ديما يردد ويقول :

ـ أنتَ خبير في عالم ما وراء الطبيعة .

وطبعا علشان معرفش أطلع من المواقف اللى زي دي ، ويمكن توريطي بسهولة ؛ فقلتُ له :

ـ أنتَ أصلا عايز تدخل بيت الغمرواي ليه ؟

أجاب :

ـ أنا استأجرته من الحكومة .

 

ولمّا طلبت منه تفسير بدأ يحكي لى حكايته من ساعة من جه القرية ، حكاية غريبة كلها غموض ، والأغرب إنه لو كان صادق فعلا فهو مغفل ، ازاي بكل سهولة بيتجاهل الجمجمة ، والحرامي اللى أخد خصلة من رأسه وقطعة قماش من ياقة قميصة ؟!

 اى طفل عندنا في القرية هيعرف إن ده سحر ، حد معين عايز يعمل للطبيب سحر ، وبدأتُ أفهم الأمور لمّا عرفت إن حبه لجيسكا حصل فجأة بدون مقدمات ، ازاي يعني من يوم وليلة لقي نفسه مغرم بالبنت دي ؟!

 

الطبيب كان بيتوسل لي إني أساعده ، وكان بيعاملني على إني خبير فعلا ، وأنا لمّا يئستُ إني أقنعه إني شخص عادي ، وإن موضوع أشلول ده حصل معايا بالصدفة لما يئست إني أقنعه بكده بدأتُ أرسم عليه دور الخبير ؛ لأنه هو عايز كده ، فيه ناس بتكون عارفه الحقيقة بس تحب تسمع غير الحقيقية ، كلام يكون على هواهم ، وهنا أخبرته إن جيسكا دي ساحرة وهدفها إنها تتجوزه ، لكنه كان مسحور ولم يصدقني ، وأكد لي إنه بيحبها وميقدرش يعيش من غيرها ولازم يتجوزها والكلام الاهبل ده ، بصراحة الطبيب كان صعبان عليا أوي ؛ لأني حسيت إنه على مقربة من دخول مغامرة تشبه المغامرة العجيبة اللى دخلتها أنا ، وبدأتُ ألتمس له العذر ، أنا سافرت أشلول علشان بانسيه ، على الأقل هو مش هيسافر أشلول ، هو فقط عايز يسكن بيت الغمرواي .

 

بعد يومين كنت أنا وعم متولي تمرجي القرية والطبيب متجهين إلى الجهة القبلية من القرية ، وبالتحديد إلى بيت الغمرواي ، جهزت مجموعة من الحبال وبعض كشافات الإضاءة ، ولميت كل سكاكين المطبخ وانطلقنا .

 

القرية كانت في سابع نومة ، ومشينا في طريق زراعي بعيد عن البيوت حتي لا يرانا أحد المتسكعين ليلا ، ولمّا قرّبنا من بيت الغمرواي كان الطبيب بيترعش كورقة شجر ، حطيت ايدي على كتفه وشجعته وخليته بيني وبين عم متولي ، طبعا كنت أنا في المقدمة ، البيت كان متسع ومحاط بسور قديم باهت اللون ارتفاعه حوالي مترين ، بس كنا شايفين الأشجار العملاقة اللى داخل السور ، الأشجار كانت كئيبة ساكنة كأنها شواهد قبور ، وفضلنا نلف وندور حول البيت علشان نتأكد إننا لوحدنا ، ولمّا وصلنا باب البيت ، وهو الباب الخارجي للسور لقيناه مفتوح وحوله تنمو نباتات ، الباب مليان صدي وكان واقف عليه غراب أسود ، يا سلام غراب اسود فى نص الليل !!!

 الموضوع كده باين من أوله ، طبعا مينفعش أقولهم إن ده مش غراب ؛ لان قلبهم ضعيف ولو حسيت إنهم خايفين أنا كمان هخاف ، بصينا لبعض واحنا واقفين قدّام الباب وبدأت أنا أتقدم للأمام ، وفجأة لقيت نفسي وقعت في حفرة صغيرة خلف الباب مباشرة من داخل السور ، كان عمق الحفرة تقريبا نصف متر ، عم متولي جرى نحو هو والطبيب وسمعت عم متولي بيقول :

ـ دي حفرة .

قلت في غيظ :

ـ ما شاء الله ... ملاحظاتك دقيقة يا عم متولي .

ابتسم الطبيب رغم الموقف اللى احنا فيه وسمعته بيقول :

ـ ساعد الأستاذ رأفت معايا وبطل غباء .

بعد ما طلعوني من الحفرة أكتشفتُ إننا لم نضيء الكشافات أصلا ، مش عارف كنا ناسيين ولا الرهبة والظلام والسكون هم السبب ، المهم قلت :

ـ الشنطة اللى معاك دي يا عم متولي فيها 3 كشافات نسيت أقولكم عليهم ...يلا طلعهم علشان ندخل .

عم متولي قال :

ـ يعني الشنطة فيها كشافات يا أستاذ رأفت وأنتَ لسه فاكر تقولنا .

قلت :

ـ بص احنا باين علينا التوتر والخوف ... بلاش حد ينكر ...بس محتاجين نركز شوية لأننا دخلنا في الجد .

هنا عم متولي فتح الشنطة وطلّع الكشافات وقام بتوزيعها علينا وهو بيقول :

ـ جايبه بكام ده يا أستاذ رأفت .

طبعا السؤال في محله أوي ، المفروض أقوله جبته بكام وأفضل أعدد ميزات الكشاف وجودة التصنيع وأعمل دعاية للشركة المصنعة ، بس الطبيب فهم اللى بيدور في عقلي وقال :

ـ عم متولي ... لو سمحت متتكلمش تاني إلا إذا طلبنا منك الكلام .

 

ولعنا الكشافات ودخلنا في حديقة البيت ، كانت الحشائش اللى في الأرض مرتفعة لدرجة إن أقدامنا كانت بتغوص داخل الحشائش التى لم تجد من يزيلها من سنين ، وصلنا درجات السلم المؤدي لمدخل الطابق الأرضي ، والطبيب طلّع من جيبه مجموعة مفاتيح وطلب منّي أجرب واحد منهم ، أخدت المفاتيح وفضلت أجرب بس مفيش ولا مفتاح عايز يفتح ، لحد ما سمعت عم متولي بيقول :

ـ يا جماعة الباب قديم ... مش هنحتاج مفاتيح .

وفعلا لمّا دفعنا الباب بدأ يتفتح ، مشينا ورا بعض وكانت ظلالنا بتتراقص في صالة كبيرة كأنها أشباح ، الصالة متسعة وأخرها سلم موصل للطابق الثاني ، ولاحظنا وجود 4 أبواب موصدة خلف كل باب حجرة أكيد تحمل أسرار وحكايات ، بصراحة مش عارف الطبيب هيعيش هنا ازاي ، بس أنا مالي ، المهم سمعت الطبيب بيقول :

ـ هنعمل إيه دلوقتي ؟

قلت :

ـ بص يا دكتور ... البيت اهو لا فيه عفاريت ولا نيله ... مجرد بيت مهجور قديم ... من بكرة الصبح تجيب العمال وترمم فيه طالما حددت ميعاد الفرح .

عم متولي قال :

ـ ألف مبروك يا دكتور ...عقبالك يا أستاذ رأفت .

اقتربتُ من عم متولي وصافحته وقبّلته  في انبهار قائلا :

ـ ربنا يخليك وعقبال أولادك يا عم متولي .

لم يفهم الرجل سخريتي وقال :

ـ مش ناوي تتجوز بقا يا أستاذ رأفت ؟

وهنا سمعنا صوت حركة على السلم ، نظرنا ناحية السلم مع بعض وشفنا الغراب اللى كان على الباب الحديدي اللى عند السور ، الغراب كان منظره مخيف مرعب ، وشفنا الغراب بيطلع درجات السلم ، وفهمت إن دي إشارة إننا لازم نطلع الطابق الثاني ، أشرتُ ليهم علشان يتبعوني واتجهتُ ناحية السلم المؤدي للطابق الثاني ، بس أول ما حطيت قدمي على أول درجة من السلم سمعنا صوت صراخ جاي من الطابق الثاني ، كانت صرخة عالية مرعبة كأن شخص بيتعذب ويستغيث ، بصيت ورايا لقيت الطبيب بدأ يتراجع للوراء ، والكشاف عمال يتهز في ايد عم متولي ، أمام أنا فلاحظت ان الكشاف بتاعي مش معايا ، الكشاف كان وقع مني بسبب المفاجأة ، وهنا عم متولي قال :

ـ ما كفاية كده يا جماعة ويلا بينا نروح .

وهنا سمعت الطبيب بيقول :

ـ اها يعني أنتَ خايف بقا وعمال تقولي إن قلبك ميت وعامل فيها سوبر مان .

عم متولي وهو بيحاول يخفي توتره :

ـ أنا مش خايف ...أنا خايف عليكم .

الطبيب قال :

ـ أستاذ رأفت ... رأيك إيه ... نعمل إيه ؟

قلت :

ـ هنطلع فوق نستكشف المكان علشان اثبت لكم إن البيت مش مسكون .

الطبيب قال في خوف واضح :

ـ بس أنتَ سمعت صوت الصراخ .

قلت :

ـ ايوه سمعت ... بس جايز هلوسة جماعية ... جايز خوفنا هو اللى صور لنا كده .

 

المهم أنا بصراحة كنت مرعوب ، وكان نفسي نروح فعلا بس ميصحش أرجع في كلامي بعد ما مثلت دور الخبير فى الماورائيات ، وكان نفسي عم متولي الغبي يصر على رأيه ويخلينا نمشي من البيت الملعون ده .

 

صعدنا سلم الطابق الثاني ، وكنت كلّما صعدت درجة كنت بحس بطاقة سلبية غريبة ، كنت بحس بإن حاجة كده بتحرك قلبي وتقبضه كأنه تحذير ، بس لمّا وصلنا الطابق الثاني ودخلنا الغرف مكنش فيه اى حاجة غريبة غير كتب قديمة لونها أصفر وباهتة أوي ، حتي أوراقها كانت متقطعة ، مشينا بأقدامنا على الكتب وتفحصنا الغرف ، مقاعد وأسرة ومكتب وتراب وبس .

قلت :

ـ كده خلاص .

الطبيب سألني :

ـ كده البيت مش مسكون يا أستاذ رأفت صح ؟

قلت :

ـ لا مسكون ولا متنيل ...دي إشاعات وأساطير وحكاوي أهل البلد بيتسلوا بيها .

 

 

بعد شهر حضرت فرح الطبيب في بيت الغمرواي ، البيت أصبح بيت محاط بالأنوار وتم تغيير معظم أبواب البيت ، دا غير طلاء السور ، وتم إزالة نباتات الحديقة ، حتي الأشجار تم قطع بعض فروعها ، بصراحة كنت مندهش إن الدكتور قدر يحوّل البيت إلى قطعة أشبه بالجنة ، انتهى الفرح وعدت إلى حياتي أحسب ميعاد الثغرة اللى المفروض نخترقها أنا وبانسيه علشان ترجع لعمرها الطبيعي .

 

مرت 5 شهور على زواج الطبيب وأنا طبعا كنت نسيت الطبيب وعم متولي وبيت الغمراوي وكل شيء يخصه ، بس شفت رقم غريب بيرن على تليفوني ، ولمّا رديت سمعت واحد بيقول :

ـ ألحقني يا أستاذ رأفت .

قلت :

ـ مين معايا ؟

أجاب :

ـ راغب .

قلت :

ـ النمرة غلط .

قال :

ـ غلط إيه ... اومال أنا عارف اسمك ازاي  ؟

أجبت :

ـ اه صحيح .. بس راغب مين ؟

قال :

ـ الدكتور راغب .

وهنا تذكرت ، ازاي كنت نسيت اسمه ؟! المهم اعتذرت له وقلت :

ـ خير .. فيه إيه ؟

 

أجاب :

ـ أرجوك يا أستاذ رأفت لازم أقابلك ... لازم تنقذقني منها .

قلت :

ـ من مين ؟

أجاب :

ـ هيكون مين غيرها ... مراتي .

قلت في غباء :

ـ يا دكتور ... اكيد خلافات زوجية عادية ممكن تحلها بنفسك .

قال في عصبية :

ـ خلافات زوجية إيه يا استاذ رأفت ... أنا متجوز من واحدة ميتة من 6 شهور  .

 

تعليقات