رواية رسالة انتحار كامله جميع الفصول بقلم حمدي المغازي
"صوت رنة تليفون"
صحيت من نومي وعلطول رديت وأنا بتاوب:
-ألوو.
-أنا آسف يا باشا على الإزعاج، لكن الوضع ميتحملش تأخير.
-خير يا كمال.. في أيه؟
-قضية جديدة سعادتك.
-يا ساتر يارب.. فين العنوان؟ أيوة أيوة عارفه.
وبعد ما خدت العنوان غيرت هدومي واتحركت على هناك، وبما إن الساعة ١ بعد نُص الليل الطريق كان فاضي ووصلت أسرع من المتوقع، قابلني كمال بابتسامة..
-حمدالله على السلامة يا فندم.
-الله يسلمك يا كمال.
-أيه الأخبار؟
-واحد يا فندم بيقولوا انتحر، لكن والدته بتأكد إن أبنها اتقتل؟
-هيَّ اللي بلغت؟
-ايوة يا فندم.
-هيَّ فين؟ أنا عايز أشوفها، بس قبلها عايز أبُص بصة على الجثة.. فين المكان؟
-البيت اللي قدام سعادتك ده يا فندم.
أول ما دخلت على السلالم الوضع كان صعب جدًا نظرًا لحالة الصريخ والصدمة اللي على وشوش الستات. طلبت من كمال يبعدهم، وبعدها كملت على فوق.. رميت عيني، الشقة تلت أوض ومكركبة حبتين، بصيت لكمال فا فهم وقال:
-من هنا يافندم.
أول ما دخلت الأوضة، لقيت راجل ملتحي لابس جلابية بيضا، باين من شكله إنه في الأربعينات، مرمي على الأرض، ونازل من بُقه رغاوي وعينيه مفتوحة نص فاتحة، قربت من الجثة وألقيت نظرة: مفيش كدمات في الجسم، ولا في جروح، ولا علامات على رقبته، في الغالب مات بالسم. سألت كمال:
-في حد قرّب من الجثة؟
-من أول ما وصلنا لأ يا فندم، وغالبًا كده والدته مقربتلوش.
-فينها؟
-موجودة برا، وفي حاجة حابب ألفت نظر سعادتك ليها؟
-حاجة أيه؟
-المجني عليه كاتب ورقة بخط أيده بيقول فيها إنه انتحر.
-طب خليني أشوف والدته الأول وبعدين نشوف حكاية الورقة دي.
وبعد ما خرجت من الأوضة لقيت أعداد الناس زادت جوا البيت، طلبت منهم بهدوء يخرجوا لحد ما التحقيقات تخلص.. وبعدها بصيت عليها؛ ست كبيرة في السن قاعدة على الكنبة بتبكي بحرقة وماسكة ورقة في أيدها.. قربت منها بهدوء وقولت:
-البقاء لله يا حاجة، شدي حيلك، أنا فاهم ومقدر الظروف، لكن ساعديني علشان لو في حد هو اللي عملها أقدر اجيبه وأرجّع حق ابنك.
رفعت وشها ليا وبعدها بصت للأرض مرة تانية وكملت بكى.. طلبت لها ماية وبعد ما هديت شوية سألتها:
-قوليلي يا حاجة، انتِ ليه شاكة ان إبنك منتحرش.
بلعت ريقها بصعوبة وقالت:
-ابني ميعملهاش يابيه، ابني يعرف ربنا والناس كلها تحلف بأخلاقه، لكن اللي زود شكي وزود النار جوا قلبي هو الرسالة اللي سايبها.
-ممكن اشوفها؟
-أتفضل.
"محتوى الرسالة"
"أنا معدتش قادر أتحمل، الدنيا طلعت قاسية أوي ياما، وبقيت حاسس إني مضغوط، الناس صعبة، والعيشة أصعب، مبقتش شايف أي نور قدامي، كل حاجة كسرتني وهدت حيلي، حاولت كتير ابان ثابت، بس الحقيقة إني تعبت، تعبت أوي، يمكن الناس فكراني قوي، بس محدش شاف اللي جوايا، الاكتئاب هدّني، سامحوني لو خذلتكم، سامحيني يا ست الكل، فراقك يعز عليَّا، بس صدقيني ابنك مبقاش قادر يتحمل"
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
بصيت لها وقولت:
-ابنك كان عنده ضغوط أو مشاكل في حياته؟
-مشاكل زيه زي غيره يابيه، لكن ابني كان راجل مؤمن وصابر، ده حتى لما اتخانق مع مراته مرداش يغضبها وجه بات عندي.
بصيت باهتمام وقولت:
-ومقالش ايه سبب الخناقة؟
صوتها طلع مبحوح وواطي..
-ملحقش ياحبة عيني، ملحقش يفضفضلي.. الله يرحمك يا ضنايا. يخسارة شبابك في الموت يا وجدي.
بصيت لكمال وطلبت منه يكلم الطب الشرعي والجنائي.. وبعدها سألت عن مراته واللي استغربت إنها مش موجودة. وقبل ما أسأل على البيت، سمعت صوت صريخ جاي ناحية السلم.. وعرفت إن دي مراته، طلبت منها تهدى علشان أعرف أتكلم معاها لكن الموضوع كان صعب في الوقت الحالي، اضطريت أنزل وأسأل الجيران يمكن يكون حد عنده أي معلومة، قربت من واحد قاعد على القهوة وماسك في ايديه لَي شيشة وقولت:
-اسمك وسنّك؟
رد بصوت فيه حشرجة وقال:
-المعلم سالم الحنش.. ٥٥ سنة.
-تعرف أيه عن وجدي؟
-كل خيير يابييييه، وجدي ده كان زي ابني تمام، الله يرحمه بقى، اتبهدل أوي في حياته، وشكله كده مش مكتوبله يرتاح في مماته.
ولعت سيجارة..
-أتبهدل ازاي؟
-أقولك يا سعادته الباشا، في الفترة الأخيرة مكانش زي عوايدة، كان ماشي سرحان وتايه، حتى سلام ربنا بطل يرميه، لكن أنا كنت عاذره، ماهوا واحد خسر اللي وراه واللي قدامه في ضربة واحدة ، وعنده بيت وعيال، لازم يفكر في الانتحار يابيه.. أصل هيأكلهم منين؟ هيسرق ولا هينهب؟
-يعني تفتكر وجدي انتحر فعلًا؟
-والله من أفعاله في الفترة الأخيرة، يعملها.. لكن العلم عند الله.
وبعد ما خلصت معاه، قربت من البيت اللي قدامهم وخبطت على الباب. طلع لي راجل لابس فانلة حملات، شعره منكوش و بيتاوب، شكله كان نايم ومش دريان باللي حصل، استغرب لما شافني وقال وهو بيتمطع:
-انتَ مين وعايز أيه السعادي؟ وايه الدوشة اللي برا دي؟
دخلت في الموضوع علطول..
-انتَ متعرفش إن وجدي جارك مات؟
-ينهار أسود، وجدي مات؟ مات إزاي؟ بت يا سعدية فزِ قومي قامت قيامتك.
-خير يخويا؟
-وجدي جارنا، الأفندي بيقول إنه مات، روحي شوفي أيه الحكاية.
-طب هفضل واقف على الباب كده، هما كام سؤال وهمشي علطول.
-لمؤخذة ياباشا اللي ما يعرفك يجهلك، اتفضل.
-ايه اللي تعرفه عن وجدي؟
هرش في دماغه وقال:
-كل خير ياباشا، وجدي الله يرحمه كان يتحط على الجرح يطيب، واد يعرف ربنا ومحدش كان بيسمعله حس في المنطقة كلها، ده كان واقف مع الصغير قبل الكبير.
-طب محصلش بينه وبين حد خلافات في الفترة الأخيرة؟
-ابدًا ياباشا، بقول لسعادتك الواد كان نسمة، يكش هي بس الظروف اللي مرمطته.
-ظروف أيه؟
-ظروف الحياة ياباشا، الواد عنده كوم لحم والحال ضاق عليه آخر فترة.
-طب تفتكر وجدي ممكن ينتحر؟
-لا يمكن اصدق حكاية زي دي، دانا لو شوفته بيعملها قدامي هكدب عينيا.
-تمام متشكر جدًا، وأسف مرة تانية على الازعاج.
دخلت البيت والمرادي قابلتها.. مراته، ورغم دموعها إلا إنها بقت أهدى وأقدر دلوقتي اخد منها كلمتين.
-البقاء لله يا مدام.
-ونعم بالله.
-انا عارف إن الظرف ميسمحش، لكن في كام سؤال عايز اسألهم، وياريت تجاوبيني.
مسحت عينيها وقالت:
-تحت أمرك.
-أنا عرفت إن كان في خلاف بينك وبين وجدي الله يرحمه في الفترة الأخيرة، ممكن اعرف السبب؟
اتنهدت وقالت:
-خلاف بيحصل زي ما بيحصل في كل البيوت ياباشا، يمكن صوتنا علي شوية، لكن الموضوع اتلم.
-الموضوع اتلم ازاي؟ ده حتى الراجل كان بايت عند والدته.
وشها اتخطف فجأة وبدأت رجليها تتهز..
-كان لسه في شوية زعل، وكتر خيره مرضاش يغضّبني ونزل هو بات هنا.
-جوزك مكنش له خلافات مع حد؟ محكاش ليكِ أي حاجة؟
-ابدًا ياباشا، جوزي الله يرحمه الناس كلها تشهد له بالادب والأخلاق، مفيش بس غير أسامة صاحبة. كان دايمًا بيحقد عليه.
-وده ليه؟
-غيره بعيد عنّك، عمري ما هنسى نظرات الكره اللي كانت بتملى عينه لما يشوف وجدي، ياما حذرت وجدي منه، لكنه مكانش بيسمع الكلام.
-وأيه السبب اللي خلاه يغير من جوزك؟
-حب الناس، رغم إن عنده كل حاجة، فلوس ومعارف إلا إن الغيرة كانت عمياه لأنه مكروة في المنطقة بسبب تصرفاته.
عينيها اتملت بالدموع مرة تانية وصوتها خرج متقطع..
-أنا أكتر حاجة مزعلاني إنه سابني وهو زعلان منّي، الله يرحمك يا وجدي، الله يرحمك يا حبيبي.
خلصت معاها، ودخل فريق الطب الشرعي والجنائي. دكتور فريد دخل الأوضة، بص حوالين المكان بسرعة، وبعدين نزل على ركبة واحدة جنب الجثة وبدأ فحص ظاهري من غير ما يحرّكها. قربت منه وسألته باهتمام:
