رواية حب من الجحيم ( كاملة جميع الفصول ) بقلم منال عباس


 رواية حب من الجحيم الفصل الاول 

في حتة غلبانة على أطراف البلد…
كان في بيت صغير متهالك، سقفه بيصوت مع الهوا، والحيطان متشققة كأنها شايلة وجع سنين.
جوه البيت ده… كانت عليّه قاعدة على الأرض، بتغسل رز في طبق قديم، ووشها باين عليه التعب بس عينيها فيها قوة غريبة.
من يوم ما أمها ماتت… وهي اللي شايلة البيت كله.
تنضف بيوت الناس، وتصحى من الفجر، وترجع بالليل مهدودة… بس ساكتة.
وفجأة…
الباب اتفتح بعنف شديد!
اتخضّت عليّه وقامت مفزوعة…
لتلاقي أبوها "سالم" واقف، جسمه بيترعش، ووشه أصفر كأنه شاف الموت بعنيه.
قربت منه بسرعة:
"فيه إيه يا بوي؟ مالك كده؟!"
سالم قعد على الأرض وهو بيكتم نفسه وقال بصوت مكسور:
"راحوا… راحوا يا عليّه… رجال الكبير جم!"
قلبها وقع في رجليها:
"كبير مين؟!"
بلع ريقه وقال:
"الحاج مراد… لو ما دفعتش فلوسه بكرة… هيموتني!"
سكتت لحظة… وبعدين قالت وهي بتنهار:
"فلوس إيه؟!"
قال بصوت واطي:
"مية وعشرين ألف…"
ضحكت ضحكة مكسورة:
"إنت اتجننت؟! إحنا نجيبهم منين؟!"
صرخت فيه، عيطت، طلعت كل وجعها:
"أنا بموت كل يوم شغل عشاننا… وإنت بتضيع كل حاجة!"
لكن اللي قاله بعدها… خلّى الدنيا تسكت فجأة.
بص في الأرض وقال:
"في حل…"
قربت منه وهي مش فاهمة:
"حل إيه؟!"
قال وهو مش قادر يبص في وشها:
"في راجل غني… موافق يسد الدين كله…"
وقبل ما تكمل فرحتها…
كمل الجملة اللي كسرت قلبها:
"بس عايزك مراته…"بقلم منال عباس 
سكتت.
الدنيا كلها سكتت.
بصت له بصدمة:
"إنت بتبيعني يا بوي؟!"
صرخت، عيطت، زعقت…
لكن الحقيقة كانت أقسى من أي كلام.
لو رفضت… أبوها هيموت.
ولو وافقت… هتضيع عمرها.
وقفت، دموعها نشفت فجأة…
وقلبها بقى حجر.
وقالت بصوت ثابت:
"ماشي… أوافق."
سالم رفع عينه بصدمة:
"بجد؟!"
بصت له ببرود وقالت:
"بس من النهارده… أنا ماعرفكش."
الكلمة نزلت عليه زي السكينة.
تاني يوم…
الشمس طلعت كاشفة كل فقر المكان.
عليّه لبست هدومها البسيطة، ولمّت شوية حاجات صغيرة:
صورة أمها… سبحة… وكشكول قديم.
وفجأة…
خبط على الباب.
قلبها دق جامد.
فتحت…
واتفاجئت.
مش راجل عجوز زي ما كانت متخيلة…
ده شاب، في التلاتينات، لابس بدلة شيك، وواقف بهيبة غريبة.
"آدم بيه"
عينه كانت باردة… بس جواها حزن تقيل.
بصلها نظرة طويلة… كأنه بيقرا روحها.
دخل، رمى الفلوس قدام سالم باحتقار، وقال:
"من النهارده… البنت دي مراتي."
مد إيده ليها.
عليّه بصت حواليها… على بيتها… على حياتها اللي انتهت. بقلم منال عباس 
وبعدين… حطت إيدها في إيده.
طلعت معاه وسط نظرات الناس…
ولما باب العربية اتقفل عليها…
حست إن الدنيا كلها اتقفلت.
لكن الحقيقة…
إن اللي مستنيها جوه العربية…
كان أخطر بكتير من اللي سابته وراها.
بقلم منال عباس 
العربية كانت ماشية بسرعة…
والطريق طويل، وكل ما تبعد عليّه عن البلد… قلبها يتقل أكتر.
بصت من الشباك…
الأراضي اختفت، والعمارات العالية بدأت تظهر…
حست إنها بتدخل عالم مش عالمها.
جنبها، كان آدم بيه ساكت تمامًا…
ولا كلمة… ولا حتى بصّة.
سكوته كان تقيل… مرعب أكتر من أي كلام.
ما استحملتش، قالت بصوت واطي:
"هو… أنا هعيش معاك فين؟"
رد من غير ما يبصلها:
"هتعرفي."
سكتت… وحست إنها ولا حاجة في حياته.
بعد شوية…
العربية وقفت قدام قصر ضخم جدًا.
بوابة حديد كبيرة اتفتحت لوحدها…
وجنينة واسعة كأنها حكاية من زمن تاني.
نزلت عليّه ببطء…
رجليها مش شايلها من الرهبة.
بصت حواليها وقالت في سرها:
"هو فيه ناس بتعيش كده؟!"
دخلت وراه…
أول ما خطت جوه القصر، حسّت بحاجة غريبة.
المكان فخم… بس مفيهوش روح.
سكون… برد…
كأنه بيت مهجور مش قصر.
"تعالي."
صوته قطع أفكارها.
طلعوا على السلم الكبير… لحد ما وقف قدام أوضة.
فتح الباب وقال:
"دي أوضتك."
دخلت ببطء…
الأوضة كانت أكبر من بيتها كله!
سرير كبير، مرايات، هدوم جديدة…
لكن بدل ما تفرح…
حست بالوحدة.
لفت وبصت له:
"وإنت؟"
قال بهدوء:
"أنا في أوضة تانية."
اتصدمت:
"يعني… إيه؟!"
بصلها لأول مرة بجد…
وعينه فيها برود غريب:
"الجواز ده… مش زي ما إنتي فاكرة."
سكتت مستنية يكمل.
قرب شوية وقال:
"احنا متفقين سنتين… بس."
شهقت:
"سنتين؟!"
"آه… هتاخدي كل اللي تحتاجيه، تعليم، فلوس…
وأنا… مش هاجبرك على أي حاجة."
بصت له بعدم فهم:
"يعني إيه؟!"
قال ببرود:
"يعني إنتي حرة… جوا القصر ده بس."
الكلام كان غريب…
مفيهوش حب… مفيهوش جواز أصلاً!
عيونها دمعت فجأة:
"طب ليه؟!"
سكت لحظة… كأنه بيقاوم حاجة جواه…
وبعدين قال:
"عشان مش عايز حاجة تاني تضيع مني."
الجملة كانت مليانة وجع…
خلتها تسكت.
خرج وسابها لوحدها.
أول ما الباب اتقفل…
قعدت على السرير… وانهارت.
عيطت بصوت مكتوم…
على حياتها… على نفسها… على كل حاجة.
عدّى شوية وقت…
خبط خفيف على الباب.بقلم منال عباس 
دخلت ست كبيرة في السن، وشها طيب وحنين:
"أنا أم حسن… خدامة هنا."
ابتسمت لعليّه:
"متخافيش يا بنتي."
الكلمة دي كسرت قلبها أكتر…
ردت بصوت مكسور:
"هو… آدم بيه كده ليه؟"
أم حسن سكتت شوية…
وبعدين قالت بهدوء:
"اللي شافه… محدش يستحمله."
قربت منها وكملت:
"مراته وابنه… ماتوا في حادثة."
عيون عليّه وسعت بصدمة:
"إيه؟!"
"كان دكتور كبير… بس من يومها… ساب كل حاجة."
سكتت لحظة وقالت:
"قلبه مات يا بنتي."
في اللحظة دي…
عليّه حسّت بحاجة غريبة جواها.
مش خوف…
ولا كره…
شفقة.
بالليل…
كان في سفرة كبيرة متحضرة.
قعدت لوحدها… مستنياه.
لحد ما دخل…
لبس أسود، وشه جامد… بس عينه تعبانة.
قعد قدامها…
الأكل بينهم…
لكن المسافة أكبر من أي كلام.
بصت له وقالت فجأة:
"إنت مش وحش."
رفع عينه لها باستغراب.
كملت:
"بس إنت موجوع."
السكينة وقعت من إيده…
واللحظة سكتت.


تعليقات