رواية اشباح المخابرات الفصل العاشر
خرجت إلى شرفتها، تجيد تمثيل شعورها بالملل والضجر، بينما هي بالحقيقة تراقب القصر باهتمامٍ، وخاصة حينما استمعت لصوت أبواق سيارات قادم بقوةٍ كالعاصفة.
تمعنت "قدس" بالباب الداخلي للقصر، فوجدت عشرة من السيارات السوداء تمر واحدة تلو الأخرى، وكأنهم في صراعٍ لحرب ضارية.
اصطفت السيارات أمام قصر "التميمي" واحدة تلو الأخرى، هبط الشيطان من أول سيارة، وبيده زجاجة الخمر التي لا تفارقه، ويده الاخرى ملفوفة بالجبيرة.
ومن السيارة الاخرى، هبط "كِنان" يحمل فتاة لم تكن ملامحها واضحة إلى "قدس"، ولكنها تمكنت من رؤية فستان الزفاف الأبيض الملطخ بالدماء الذي ترتديه!
وآخر سيارة هبط منها" نوح" وهو يسند فتاة يبدو عليها الذعر والتردد في دخول القصر، بينما كان يرغمها "نوح" على الدخول برفقٍ ولين!!!
*****
وقف "هارون" بالداخل، ينتظر قدومهما، فاذا بعينيه تتابع "تالا" التي مازالت تبكي و"نوح" يجبرها على الصعود رفقته للأعلى، فأوقفهما حينما قال:
_على فين يا عريس؟
علم "كِنان" أنه لن يمرر هذا اليوم بتلك البساطة، فترك "رزان" التي مازال جسدها متخشبًا بفعل الصدمة، وضعها على أريكة جانبية، ومضى يقطع الطريق بينه وبين أخيه، وبخشونة قال:
_عايز منه إيه تاني يا هارون؟؟
تجرع من الخمر، وجسده يهتز بوقفته، بعدما بدا عليه تأثير السُكر:
_كِنان التميمي! إنت مش هتبطل تحشر مناخيرك في كل قرار أخده؟؟؟
وضحك بصوتٍ غير متوازن وهو يطرق على صدر "كِنان" بكره وحقد:
_صدقني أنا مجبور أبقى على حياتك دي، بس أنا واثق إن محدش هيسحب روحك دي غيري أنا!
ورفع الزجاجة يتجرعها بكثرةٍ، وهو يتابع:
_إنت متحكم في اللعبة كلها سواء كنت جواها أو براها، بتحاول تبين انك بعيد بس إنت قريب من كل شيء.
بقي ثابتًا أمامه ببرودٍ، بينما يتابع "هارون" إرتشاف الخمر وهو يتابع:
_الديزل بإيده ينهيك بكلمة واحدة منه، ومع ذلك مازال بيغفرلك كل غلطاتك!
وأضاف وهو يشير للدرج العملاق من خلفه:
_زي ما أنا واثق بردو إنه هيغفرلك المرادي.
واعتلى الشر أعينه وهو يشير على نفسه:
_بس أنا بقى مش هغفرلك تطاولك عليا في المرتين، وبالذات المرادي.
واستطرد وهو يشير تجاه الاريكة التي تعتليه شقيقته الباكية:
_نقطة ضعفك قدمتهالي على طبق من دهب، وزي ما نهيت الكلب اللي واقف قصادي، هنهيك!
وبضحكة شيطانية قال وهو يتطلع صوب "تالا" المتعلقة بجاكيت "نوح" بخوفٍ ورعب منه:
_تيام المسكين، حبيبته سجينة أوضة نومي، وأخته كملت اللي فاضل عليه وبقت عبدة ذليلة عندي!
ارتعبت "تالا" مما استمعت إليه، فشددت على جاكيت "نوح"، الذي صاح بغضبٍ:
_تالا مش عبدة عندك يا هارون، تالا بقت مراتي رسمي على سنة الله ورسوله.
توالت ضحكاته الشريرة، وما يثير غضبه برود "كِنان" قبالته، وثباته المحسوب، فقال وعينيه في ملحمة الآخر:
_أقف في مكانك ولسانك جوه بوقك يالا، خليك متداري ورا ضهر أخوك أحسنلك، لحد ما هتتسبب إنت واللي معاك في قطم ضهره، هو كده كده نهايته قربت!
إبتسم "كِنان" وهو يتطلع صوبه بجمودٍ، ثم قال بخشونة بددت ضحكات "هارون":
_متخافش عليا يا حبيبي، ضهري متين ويشيلهم كلهم.
وأضاف وهو يربت على كتفه الحامل لذراعه المكسور:
_بلاش تدخل الصغار في خلافات الكبار يا هارون، ميبقاش عقلك صغير كده، سيبهم لحالهم وخلينا في حالنا إحنا.
واسترسل ببسمة تسلية:
_لاعب اللي قدك يا هارون، ومتخافش هتلاقي خيارات كتيرة لنهايتك، اختار منهم وأنا عليا ألبي أمنياتك كلها.
إحتقنت عينيه غضبًا، وإذا به يستدير صوب الاريكة التي تحمل" رزان" ببسمة شيطانية، جعلت الاخير يفطن تهديده البارد، فقال بصوتٍ هادئ ولكنه كان كفيلا بهز أرجاء مملكة الشر:
_عينك عنها، مش عايزك تعيش اللي فاضل من عمرك كفيف يا هارون.
عاد يشرب الخمر، وهو يقول:
_متقلقش مش محتاجلها دلوقتي، طريقنا لسه طويل مع بعض يابن عمي.
وأضاف بضحكة إنتشاء:
_أنا مش عايز أعكنن مودي بالتراهات دي، كفايا إني حققت هدفي ونهيت عزوبيتك، رجعتلك القصر وإنت على إيدك عروستك!
وتابع باستفزاز وهو يتجه للمقعد جوار حارسه الشخصي:
_مبروووك يا عريس، معلش بقى العروسة مفرهدة من الخضة، بس إنت عارف ترجعها للمود إزاي؟
إحتقنت عيني "كنان" غضبًا، بينما تتعالى ضحكات "هارون" وهو يشير لمن يقف جواره:
_مسي على العريس يا صفوت.
ارتبك الحارس أمام نظرات "كِنان" المرعبة، بينما يقطع أحد الحرس جمعهم حينما قال:
_باشا بيبلغوني على اللاسلكي إن تيام باشا على البوابة اللي بره، حضرتك تؤمر بإيه؟
جحظت عيني "تالا"، وارتبك" نوح"، بينما صفق "هارون" وهو يضحك بشدةٍ:
_الحظ بيخدمني النهاردة بشكل مش طبيعي.
واستدار صوب "صفوت" بصعوبة بالتماسك:
_خد أختي حبيبتي نيمها فوق يا صفوت، مش عايزين نخض تيام كفايا خضته من اللي حصل مع أخته.
هز الحارس رأسه في طاعةٍ، وما كاد بتخطيه خطوة، حتى عركل "كِنان" ساقيه، وفي سرعة البرق كان يمدده أرضًا أسفل قدميه، ورفع ساقه يضعه على رقبته، قائلًا وعينيه تتحدى "هارون":
_إيدك لمستها وكسرتها، المرة الجاية رقبتك إنت اللي هتبقى تحت رجلي يا هارون.
ضمت" رزان" ساقيها لها، وهي تبكي دون أي صوت، لو بقت فوق العمر عمرًا لن تنسى تفاصيل هذا اليوم المأساوي.
تحرك "كِنان" صوبها وحملها بين ذراعيه بينما مازالت نظراته مُسلطة على "هارون":
_خطتك الوضيعة نجحت وبقت مراتي خلاص، فمن اللحظة دي تطردها بره تفكيرك، نظراتك نفسها متطولهاش.
قالها وإتجه للمصعد، وعينيه تقابل أخيه بنظرة فهم معناها،فأومأ برأسه بهدوءٍ، وأخر ما تسلل لمسمعه صوت" هارون" الذي أمر الحارس:
_خليه يدخل.
صعد بهما المصعد للطابق العلوي، وضعها "كِنان" بفراشها، ومال صوبها يمرر يده على خصلاتها الملوثة بالدماء:
_رزان إنتِ خلاص بقيتي في أمان، اللي حصل كان صعب أنا عارف، أوعدك إننا هنتخطى كل ده مع بعض.
ومال يقبل أعلى رأسها وهو يخبرها:
_أنا لازم أنزل دلوقتي، قومي خدي شاور وغيري هدومك دي، وأنا شوية وراجع.
بقيت ثابتة محلها، لا يتحرك فيها سوى دموعها، فناداها بقلق:
_سامعاني يا روز؟؟؟
رفعت رأسها ببطء له تمنحه نظرة منكسرة، وعادت تتطلع أمامها مجددًا ويديها تلتف من حول ساقيها بسكونٍ مريب.
وخز قلبه وشعر بوجعٌ يخترق ضلوعه، كان بين نارين كلتاهما تكاد تحرقانه، نار الخوف على أخيه من غضب "تيام"، ونار البقاء جوارها ليحتويها بين ذراعيه حتى تنسى هذا اليوم المرير.
أقنع" كِنان" نفسه بأنها على الاقل بأمانٍ حتى لو مؤقتًا، أخوه الآن بحاجة ماسة له، انحنى يقبل رأسها مجددًا وهو يهمس لها بحزنٍ:
_راجعلك تاني، مش هتأخر.
وتركها وغادر ومازالت على حالها، كأنه لا يعنيها بقاؤه من مغادرته، كأنها مازالت محتبسة داخل هذا الحلم السيء، مازالت تقنع ذاتها أنها ستفيق بعد قليل، وستجد الخلاص من هذا القبو المظلم، والدماء التي تلوث ملابسها وجسدها!
****
أدار "هارون" مقعد البار، صوبها منحها نظرة مخيفة، جعلتها تتراجع خلف "نوح"، التصقت بظهره من شدة الرعب، تجرع ما بالكأس مرة واحدة، ونهض يرنو صوبهما، قائلًا:
_إنتِ فاكرة إني لو عايز أعملك حاجة اللي بتتداري وراه ده هيحميكِ مني!!
تبدد الغضب بمُقلتيه، فصاح بعصبيةٍ:
_جرب وهتشوف هحميها منك إزاي يا هارون!
تغاضى عما يقول كأنه ليس له وجود، وتابع وهو يتطلع لعينيها الظاهرة من فوق كتف" نوح":
_لو بوقك اتفتح بحرف غير اللي هقوله قدام أخوكِ هدفنك جنبه في قبر واحد.
ونقل بصره إلى "نوح" مضيفًا بشرٍ:
_وحبيب القلب ده هيكون تالتكم!
أحاطها"نوح" بذراعه من الخلف، والغضب يتأجج داخله لدرجةٍ جعلته يكاد أن يسدد له لكمة تجعله يبصق الدماء من فمه، ولكنه تراجع فجأة حينما ظهر "كِنان" من أعلى الدرج، في نفس لحظة دخول "تيام" الذي هرع صوب شقيقته وهو يناديها في لهفةٍ:
_تـــــالا!
انتبهت لأخيها وكادت أن تهرع إليه، فاذا ب"نوح" يشدد من تمسكه بها، حتى دفعه "تيام" ووصل إليها يضمها بقوةٍ وقلبه يكاد أن يتوقف مما أصابه طوال تلك الساعات.
بكت بين ذراعيه رغمًا عنها، وكلما التقطت عينيها نظرة "هارون" الشيطانية كانت تحاول السيطرة على دموعها ولكنها فشلت.
أبعدها "تيام" عنه وقال بهلعٍ:
_كده تعملي فيا كده!! أنا مسبتش مكان الا ودورت عليكِ فيه!
واستطرد وهو يتطلع بغضب صوب "نوح":
_مصدقتش صاحبتك لما قالتلي إنك خالفتي كلامي وخرجتي معاه!!
وعاد يتطلع صوبها، يحثها على الحديث:
_انتِ وعدتيني يا تالا، كنتِ بتخدعيني؟!
وأضاف بغضبٍ من صمتها:
_ساكتة ليه اتكلمي! إيه اللي جايبك معاه هنا؟؟؟
راقبه" هارون" بانتشاء ورغبة تلتاع للشماتة به، فرنا صوبه وهو يردد بسعادة:
_ده نفس السؤال اللي كنت بسأله لنوح من شوية، والإجابة كانت زي ما توقعتها بالظبط.
استدار صوبه بعدم فهم، والخوف يزيد من سطوته عليه، فاستكمل "هارون" وهو يتصنع الشفقة والحزن:
_الظاهر كده يا تيام إن الخذلان والخيانة إتكتبت عليك لآخر حياتك، بس المرادي الوجع هيكون صعب بشكل مخليني مشفق عليك.
ضيق عينيه باسترابةٍ مما سيقول، حتى صرح له:
_المرة الاولى خيانة حبيبتك اللي باعتك واختارتني أنا، والمرة التانية أختك اللي فضلت حبيبها عليك واتجوزته غصب عنك ومن وراك!
توسعت مُقلتيه في صدمة، وحالة من عدم الاستيعاب لما يقول غمرته بقسوةٍ، كل ما فعله أنه إنتظر أن تتحدث شقيقته وتنفي ما قال، ولكنه وجدها تتراجع من أمامه وتسرع صوب "نوح" الذي تلقفها بين ذراعيه يأمن لها الحماية! حماية منه وهو الذي عاش عمره يقدم لها الأمان والحماية، فجأة انسحبت هي من بين يديه وعارضته من أجل قلبها!
هبط "كِنان" للاسفل مندهشًا مما يفعله "هارون"، الذي يتخذ طريقًا آخر غير المتفق عليه، ذلك الشيطان لا أحدٌ يعلم ما يدور برأسه الشرير، لقد قدم أخاه كبشًا لغضب" تيام" الذي تحرك إليه وهو يصيح:
_تالا الكلام اللي بيقوله ده صح؟؟؟
ما أسوأ ما تختبره بتلك اللحظة، شددت من تمسكها ب"نوح"، وهمست بصوتٍ غير مسموع الا له:
_مش هقدر أعمل كده يا نوح، مش هقدر!
مسد على يدها القابضة على ظهره، ومال يهمس لها:
_هتقلبيها حرب يا تالا، هارون بيستنى الفرصة دي.
مال رأسها على كتفه وانهارت بالبكاء، بينما يرنو صوبهما "تيام"، حتى بات أمامها، وبثباتٍ مخادع قال:
_ردي عليا، إنتِ خالفتي كلامي واتجوزتيه يا تالا؟
رفعت رأسها ببطءٍ وخطفت نظرة سريعة لذلك الشيطان اللعين، ثم رددت بانكسارٍ طالها قبل أن يطول أخيها:
_أنا قولتلك إني بحبه وإننا ملناش ذنب في عداوتك، بس إنت مسمعتش كلامي ومهمكش غير نفسك وبس.
اخترقه سهم حارق، كاد أن يشعل جسده، لا يصدق ما تقوله، حتى أنه فاه مستنكرًا قولها:
_الكلام ده كدب، إنتِ مستحيل تعملي فيا كده يا تالا، تعالي نمشي من هنا ونتكلم في بيتنا.
غطت ضحكات" هارون" القذرة المكان، وقوله الساخر يشمله:
_بيت مين؟ هو في عروسة بتسيب عريسها في يوم زي ده وترجع بيتها، مالك يا دكتور مخك اتلحس ولا إيه؟؟ بنقولك إتجوزوا يعني تهني وتبارك وتتمنالهم زواج سعيد وزيجة صالحة مع إني أشك إنها تتخلق وسطنا هنا، بس يمكن تحصل معجزة!
سلخ نظراته عنها، وصوبها إلى "هارون"، اتجه لمحل جلوسه وقال بنبرة مرعبة:
_أنا واثق إنك ورا اللي بيحصل ده، حسابك تقل معايا أوي يا هارون.
جذب الكأس الذي ملأه" صفوت" له، تجرعه ومال يتطلع إليه ببرودٍ:
_عيب تقول الكلام الأهبل ده يا دكتور، ده إنت أذكى واحد فينا! أنا اللي عملته إني جبتلهم مأذون واتنين شهود لكن ماليش علاقة بقصة الحب اللي دايرة ما بينهم دي زي ما أنا ماليش ذنب بردو إني أكون إختيار خطيبتك فطردتك من قلبها وحطتني أنا!
إلى هنا وكفى، لم يحتمل "تيام" أكثر من ذلك، مال إليه يسدد له لكمة قوية، وما كاد أن يستكمل حتى التف من حوله الحرس الذي أعدهم ليومٍ مثل هذا.
اخترق "كِنان" الجمع الدائري المحاط بالأسلحة من حولهما، ورفع يده يشير لهم بصرامةٍ، فانخفضت الاسلحة وتراجع الحرس.
دفع "كِنان" "تيام" للخلف وقال بهدوءٍ:
_تيام إنت عارف إنهم بيحبوا بعض، ومتأكد إن الحكاية هتنتهي كده، بلاش تتهور وإمشي دلوقتي وبعد كده هنتكلم.
شمله بنظرةٍ ساخرة، وقال:
_أمشي!! أنا بعدت وكنت طالب إنكم تسيبوني في حالي عشان مقلبهاش حرب عليا وعليكم، بس بما إنكم وصلتونا لهنا فعليا وعلى أعدائي.
خرج "هارون" من بين رجاله، يرد بانتشاءٍ:
_اقلبها زي ما تحب، بس متنساش رقبتك تحت إيديا.
قالها وهو يشير صوب شقيقته، ويضيف بشماتة:
_وهي اللي اختارت بإرداتها.
كز على أسنانه بغضب وهو يصارع انهياره الداخلي، فسحب ذاته من الوقوف أمام هذا اللعين وعاد إلى شقيقته يحاول التحدث لها بهدوء:
_تالا أنا واثق إنك دلوقتي ندمانة، تعالي نرجع البيت وأنا هتخطى غلطتك دي وهصلحها حالًا.
وأضاف وهو يشير ل"كِنان":
_لو باقي على حياة أخوك حالًا تخليه يطلقها، أختي ملهاش مكان وسطكم وأنا سبق وحذرتك إنت وهو.
إزدادت الأمور سوءًا، وخاصة حينما تحققت غاية "هارون" الحقيرة بدفع كرة النيران بين "كِنان" و"تيام"، وقد علم "كِنان" ذلك منذ الوهلة الأولى.
منح "كِنان" "تالا" نظرة علمت منها ما يطلبه منها، فابتعدت من خلف "نوح"، واقتربت من أخيها تجاهد للحديث الذي ذبح قلبها قبل أن يطوله:
_لا يا تيام، نوح مش هيطلقني، أنا بحبه وعايزاه!
وأضافت بحزنٍ شديد:
_أنت بتعيد نفس اللي حصل معاك معايا، وأنا ماليش ذنب فيه.
شعر وكأن من أمامه ليست شقيقته التي تربت على يديه، تحامل" تيام" قدر ما استطاع، وخاصة بسمة الشماتة الظاهرة على وجه "هارون".
استجمع ما تبقى من قواه، رغم أنه ينهار حرفيًا، فتطلع لها وهي توليه ظهرها وتتمسك بيد" نوح"، ثم قال:
_معقول تكون دي نظرتك ليا !! حاضر يا تالا همشي وهسيبك تعيشي حياتك بس خلي بالك خروجي من هنا من غيرك معناها إنك انتهيتي بالنسبالي.
قالها وانسحب على الفور، لقد ضاقت الدنيا به فجعلته يشعر باختناقٍ لم يشعر به من قبل، وما أن غادر بسيارته هذا القصر الملعون حتى حرر بكاءه ووجعه كاملًا، الخسارة تلك المرة لم تكن قلبًا يستطيع إحياءه بالذكريات، بل كانت روحه التي لن يستطيع جسده الصمود دونها!!
******
سعادته كانت بلا حدود، انسحب للاعلى وهو يتحرك بانتشاء، ويصفر بسعادة مريضة، جعلت "كِنان" ينسحب من خلفه للاعلى، وقبل أن يصعد للطابق الثاني أوقفه غاضبًا:
_إيه اللي إنت هببته ده، إنت خربت اتفاقنا كله! ثم إنك في إيه عايزه يرجع هنا وفي إيه فهمته إن تالا هنا بمزاجها، إنت دمرت علاقتهم ببعض، مستحيل تيام هيجي يعيش هنا وهو فاهم إنها هنا باختيارها!
قابله "هارون" بابتسامة باردة:
_حاولت بس مقدرتش أفوت على نفسي فرصة إني أشوفه مكسور كده.
وأضاف وهو يمرر يده على صدره:
_شوفته بالوضع ده رضاني وغسلني من جوه.
زم "كِنان" شفتيه بنفور منه وتمتم:
_إنت مريض نفسي ومحتاج تتعالج.
ضحك بصوت صاخب، وفاه ومازال جسده يهتز تحت تأثير الخمر:
_فعلًا؟ كويس إنك لقيت حجة تبرد بيها نارك نحيتي.
وأضاف "هارون" وهو يستكمل صعود الدرج:
_اقعد وفكر هتخليه ازاي يجي يعيش هنا، خلاص لذتي أخدتها، رجوعه كده كده عليك، آه متنساش تعدي على الديزل، هو في انتظارك من بدري!
احتقنت أوردته من شدة كراهيته له، سند ذراعه على الدرابزين بتعبٍ، فوجد أخيه يساند زوجته ويصعد بها للاعلى، دلها على غرفته وعاد يقف أمامه بملامح جامدة، سرعان ما تحولت لابتسامة ممتنة وعناق خفف عنه عناء ما تعرض له اليوم.
زاد "نوح" من شدة ذراعيه من حول رقبة "كِنان"، فرفع يديه يربت على ظهره بحنانٍ، بينما يهتف "نوح":
_لولاك كنت هخسر تالا، كنت عارف إنك مستحيل هتحطم ثقتي فيك.
مسد على ظهره وهو يتذكر حينما إستغل فرصة خروج" هارون" من الغرفة، مال صوب "نوح" وهو يزعم أنه يحاول حثه على فعل ما يطلبه "هارون" منه، فاذا به يهمس له وهو يراقب موضع الكاميرات بحرصٍ.
«وافق على كلامه ومتخافش، أنا موجود ومش هسمحله ينفذ اللي في دماغه، ثق فيا زي ما أتعودت وأنا أوعدك إني هخلصك إنت وتالا بدون ما تعمل أي شيء يكسرها»
إبتعد عنه يطالعه بحبٍ واحترام يفوق احترامه لوعده:
_مهما عرفت عنك وعن شغلك معاهم هتفضل أفضل شخص في عيلة التميمي كلها.
ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "كِنان"، ربت على كتفه وقال:
_هتخلص كلامك الحلو كله عليا، شيلك كلمتين تقولهم لعصفورة الكناريا بتاعتك.
ضحك ومازحه:
_متخافش على أخوك يا كيوي، الكلام الحلو اللي يخصها متدكن جوه قلبي من سنين وجيه الوقت إنه يخرج للنور.
وما كاد بتركه حتى وجد ذاته يعود مكانه مجددًا حينما جذبه" كِنان" من قبعة جاكيته، فالتصق بالدرابزين يطالعه بهلعٍ، صاح به "كِنان":
_خلي عندك دم وأجل أي كلام عندك، البنت منهارة بعد اللي إتجبرت تعمله في أخوها، أجل أي شيء خبيث بتفكر فيه وحاول تحتويها لما تنسى اللي الزفت هارون عمله فيكم.
عبث بحزن مضحك، وقال ومازال مُعلقًا بين يدي أخيه:
_منه لله ضيع عليا ليلة العمر، بس أهو بالنهاية طلعنا منه بمنفعة واتجوزتها، أنا مش مصدق يا كيوي!!
لف يده حول عنقه، يحذره:
_كيوي تاني!!!
ادعى أنه يختنق وردد:
_هعملك إيه اسمك مالوش أي دلع، واسمك الحركي جاك ده مش بالعه أنا!!
مرت عليه خدعته فتركه على الفور حينما شعر باختناقه، وأشار له بينما يتجه للمصعد:
_روح شوف مراتك، وسيبني ألم الليلة اللي فتحها الكلب اللي طلع ده.
هرول من خلفه يوقفه بذعرٍ حينما علم إلى أين يصعد:
_هو عثمان عرف باللي حصل؟!
واسترسل في حيرة:
_عرف إزاي؟؟؟ وبعدين روز إيه اللي جابها هناك. ومين عمل فيها كده، وإنت ليه اتجوزتها، أنا مش فاهم حاجة!!
توقف محله يسحب نفسًا متعبا مثل حاله، واستدار يعود لأخيه، يضم وجهه الرفيع بين يديه:
_نوح قولتلك متشغلش بالك بحاجة غير تالا، ادخلها وحاول تهديها، ومتفكرش في حاجة تانية.
هز رأسه بالرفض، وبات يعقل الامور:
_ هارون معملش كده من نفسه، دي أوامر عثمان وأكيد مش هيعدي اللي إنت عملته بسهولة!!
ناداه بصرامة:
_نوح.
عاد يكرر وكأنه لا يستمع إليه:
_وهارون حطك قدام تيام وش، وكل ده بسببي أنا!
عاد يناديه وهو يهزه بعنف:
_نـــــــــوح، قولتلك متفكرش في حاجة غير تالا، يلا إرجعي أوضتك واتطمن أنا هنا، وقادر أواجه عثمان وتيام، والكلب ده هوقفه عن حده، خليك واثق فيا ومتخافش!
أرضخه إليه بكلمة اعتاد أن يوافقه عليها "ثق بي" كلمة تنجح دائمًا بتهدئة "نوح"، فهز رأسه في طاعةٍ، ومضى لغرفته دون أن يضيف كلمة واحدة، بينما ولج" كِنان" إلى المصعد وصعد للقاء الديزل المزعوم.
******
ولج للجناح يصفر صفرته المعتادة، تكومت "رحيق" على نفسها رعبًا منه، وحاولت أن تحبس أنفاسها اللاهثة وتمثل انتظامها حتى يظن أنها نائمة، سحبت الغطاء من فوقها،وأنعشت ذكرياتها برؤية حبيبها.
ظلت بالشرفة تراقبه وهو يقف بالخارج بين الحرس، وقضت ساعة كاملة تنتظره حتى تراه وهو يرحل، رؤيته كل فترةٍ هي ما يبقيها على قيد الحياة.
شهقت فزعًا حينما سحب "هارون" الغطاء يلقيه بعيدًا عن الفراش، ثم جذبها من خصلات شعرها يوقفها عنوة أمامه وجسده يهتز بها من فرط الخمر الذي تجرعه:
_هي نمرتك الرخيصة دي مش هتخلص بقى، زهقت منها غيريها عشان حتى الملل.
تأوهت وهي تبعد ذراعه عنها، وبألمٍ قالت:
_عايز مني إيه؟؟ سيبني.
ضحك باستهزاءٍ مقزز:
_في واحدة تسأل جوزها سؤال زي ده بردو، هكون عايز إيه أنا!!
ودفعها بعنف صوب غرفة الملابس، بينما يجلس على فراشه:
_ادخلي غيري القرف ده، وإمسحي التراب من على اللبس اللي عفن جوه وإلبسي منه.
ضمت بطنها بوجعٍ من سقوطها القوي، فمالت على الأرض تبكي بضعفٍ، استندت على الحائط حتى استقامت بوقفتها:
_أنا تعبانه وعايزة أنام.
عاد يضحك ساخرًا من حججها التي حفظها عن ظهر قلب:
_مش قولتلك غيري مليت من تكرار أفعالك!
وسحب سيجارًا يرتشفه وهو يشير لها بالإقتراب، فخشيت أن تغضبه فيبرحها ضربًا وخسارتها تلك المرةٍ ستكون جنينها.
إقتربت منه "رحيق" بخطواتٍ متهدجة، تحبس فيها رعبها ونفورها منه، وقفت أمامه فأشار لها بالجلوس جواره، إنصاعت له وترقبت ما سيفعله بخوفٍ كاد أن يوقف قلبها الضعيف.
رفع ذراعه للأعلى فانتفضت بمحلها رهبة، فضحك وهو يحيطها كأنه يضمها، بينما يخفض من نبرته المخيفة:
_هو أنا بعد كل اللي عملته فيكِ ده ومناخيرك بردو لسه رافعاها فوق!!
ضمت وجهها خوفًا منه فطالعها بنظرةٍ خبيثة وهتف:
_خايفة أشوه وشك ومش خايفة على ابنك!!
اتسعت مُقلتيها في صدمةٍ، جعلتها تبعد يديها وتطالعه بذهولٍ، سحب نفسًا طويلًا من سيجاره ونفث دخانه بوجهها، وهو يضحك بسخرية:
_أبهرتك أنا!!
وشدد على ذراعها وهو يقربها إليه عنوة، بينما يهتف بخشونة مقبضة:
_أنا مفيش حاجة تخفي عليا، أنا أعرف القرد مخبي عياله فين، زي ما عارف مكالمات الشوق والغرام اللي ما بينك وما بين البت اللي بتشتغل عند حبيب القلب!
كممت فمها من الرعب والخوف، وحاولت إبعاد ذراعيه عنها ولكن قوته كانت تفوق جسدها الهزيل، إستندت على صدره بذراعيها ومازالت تدفعه بجهدٍ ضعيف، متوسلة:
_إبعد عني يا هارون، إنت لسه عايز مني إيه؟ حرام عليك أنا عايشة محبوسة هنا ما بين أربع حيطان، لسه عايز تعمل فيا إيه تاني؟
رفع ذقنها للاعلى لتتمكن من رؤية ابتسامة تسليته بينما يهمس:
_موتك، ولو باقي على حياتك فده عشان مستمتع بوجع حبيبك، زي ما أنا باقي على حياة اللي في بطنك.
تلوت بين ذراعيه بنفور وكره شديد، بينما يميل بها للفراش، يرغمها على النوم بين ذراعيه وهو يرتشف سيجارته ببرود:
_فكرت أخدك للدكتور الشمال اللي متعود أخدله يظبط كل المسائل الشخصية اللي تخصني، بس لما وزنت الامور لاقيت أن حملك ده هيسهل عليا حاجات كتيرة أوي، وخصوصًا لو حبيب القلب رجع يعيش هنا!
وأضاف وهو يقبض يده بقوة على بطنها، فصرخت وجعًا:
_كل ما يشوف بطنك بتكبر قدامه هيموت بدل المرة ألف مرة.
ورفع يده الأخرى يحيط بها رقبتها، فابتلعت ريقها برعب، وتراجعت للخلف وهي تردد بفزع:
_إنت هتعمل إيه؟؟
تبسم بمكر وهو يوزع بصره نحوها ونحو بطنها:
_قولتلك مش هعملك ولا هعمله حاجة، وهسمحلك تخرجي كمان من الجناح اللي محبوسة فيه، ومش بس كده لا هجيبلك أحسن دكاترة تجميل ترجعلك جمالك اللي ضاع على إيدي، وتلبسي أحسن لبس، لازم نبان قدام حبيب القلب إننا أسعد زوجين، ولو بان عكس كده، يبقي آ...
قطع جملته وهو يقبض يده من حول رقبتها بقوةٍ، فانسحب عنها الهواء وضرمتها الآلآم بقسوةٍ، طرقت على يده تحاول إبعاده وهي تهز رأسها بأنها ستخضع له.
تركها وهو يبتسم بانتشاء، ثم عدل من نومته وهو يشرد بحماسٍ بانكسار "تيام" حينما ينتقل للعيش هنا!!
اعتدلت "رحيق" جواره، وتمددت وهي توليه ظهرها بقهرٍ، رأسها مرتخي على الوسادة ودموعها تنهمر عليها بعجزٍ وألم، تمنت أن يقبض الله روحها، عسى أن تنتهي رحلة عذابها التي طالت ومازالت تدفع هي ثمنها، أغلقت عينيها وهي تتحدث مع نفسها، فحتى النفس بات محسوبًا عليها:
_يا رب خلصني من العذاب ده.
وعادت تحسب ما قاله، فاندهشت حينما كشف خبر حملها وما تفعله بيومها، فتذكرت حينما قضت تلك الليلة اللعينة برفقته هنا، وجعلها ترى الفيديو المسجل لهما فباتت على يقينٍ بأن الجناح بأكمله مازال مزودًا بالكاميرات!
***********
لقد أصبحت الآن زوجته على العقود رسميًا، خذلت أخاها بفعلتها وهي لا حيلة لها، وقعت الوثيقة التي جعلته يتجرع الألم للمرة الثانية، الأولى كانت من نصيب تلك الخائنة، والثانية من نصيبها.
تهاوت "تالا" أرضًا تبكي بانهيار، لا تصدق أنها تسببت بجرح أخيها بجرحٍ ولو صغير، ولكنها كانت عاجزة ، ضعيفة، لا حيلة لها، تندفع ذكريات هذا المشهد المأساوي لها مجددًا، وكلما تذكرت كيف وقفت أمامه وماذا قالت تنهمر بالبكاء الحارق.
راقبها "نوح" بحزنٍ شديد، لقد كان يريدها زوجة له بكل ذرة بكيانه، ولكن ليس بتلك الطريقة، ولا وهي بتلك الحالة من الحزن والانكسار.
إتجه "نوح" إليها، جلس أرضًا بجانبها، يستند بذراعه على ركبته المثنية، ورأسه مسنود للحائط، يتطلع أمامه بصمتٍ، وصوت بكائها أرغم عينيه أن تدمعا تأثرًا بها.
تحرر صوتها الشاحب أخيرًا، وهي تتطلع له في حسرةٍ:
_أنا كسرت ثقته فيا يا نوح، تيام ميستهلش مني كده.
وتابعت بمرارةٍ:
_نظراته ليا كانت كلها صدمة وخذلان، أنا خذلته يا نوح!
قالتها ومالت على ساقه المفرودة، فرفعها وهو يحيطها بذراعه، يحجب مشاعره بكل قوة، حتى لا تظنه سعيدًا بما يحدث معها، مازال لا يستوعب أنها ارتخت على ساقه، حبيبته التي حُجبت عنه لأعوام، حتى أنه كان يتمنى رؤية حتى شعرها، كانت تُحرم عليه رؤيتها دون حجابٍ، وهو الذي اعتاد رؤية الكثير من الفتيات المتبرجات، كانت هي بعيدة عنه كبعد السماء من الارض، والآن اصبحت زوجته، وتقترب هي منه برغبتها.
ربت بكفه على ظهرها، وأجلى أحباله الهادرة:
_كنتِ مجبورة على اللي عملتيه يا تالا، مكنش باختيارك ولا بإرادتك.
مالت إليه و عينيها المتورمة تتطلع للفراغ:
_النتيجة واحدة، وهي إني خسرته يا نوح.
أحاطها من الخلف بذراعه وقال:
_بكره هيعرف الحقيقة يا تالا، ولو عايزاني أروحله وأحكيله اللي حصل هعمل كده.
رددت بصوتها الشاحب:
_الحقيقة هتزود عداوته مع هارون، بعد اللي شوفته عرفت إنه فعلا شيطان ومعندوش عزيز، حتى رزان مسلمتش منه!
لاح الحزن على وجهه، حينما تذكر كيف كانت حالتها:
_الله أعلم باللي عمله معاها عشان كِنان ينجبر ويتجوزها، بالنهاية الكلب ده حقق اللي هو عايزه.
وتنهد بقهرٍ وهو يتابع:
_الظاهر إننا كلنا عرايس بتتحرك بين صوابعه هو وعثمان.
تحلت بالصمت مما زرع القلق داخله، فإذا بها تنهض عن ساقه وتقابله بلهفةٍ:
_نوح، رحيق مظلومة في اللي حصلها ده؟
تجلى الارتباك على معالمه، فأراد أن يستبدل حوارها، حينما نصب عوده وجذبها رفقته:
_آآ...أنا هجهزلك الحمام تأخدي شاور وترتاحي.
ومضى صوب خزانته وهو يستطرد:
_ هجبلك أي حاجة من لبسي لحد ما الصبح ننزل نشتريلك لبس جديد.
وسحب إحدى الترينجات الخاصة به، ثم عاد يمنحها إياه وهو يمازحها:
_متقلقيش مش هضحك عليكِ حتى لو بقيتي شبه المهرج في اللبس.
سحبت الملابس من يده، وباصرار قالت:
_مجاوبتنيش يا نوح، هارون إبتز رحيق بحاجة زي ما عمل معانا؟
زفر بحدةٍ، ومال على حافة الفراش:
_بتنبشي ليه في الماضي يا تالا! خلاص اللي عدى عدى وانتهى، لا معرفته هترجع اللي راح ولا هتحيي قصة الحب اللي كانت ما بينهم!
زادت شكوكها وتضاعفت، فإذا بها تجلس على المقعد ويجتاحها موجة من البكاء، بينما تجاهد لتفوه:
_كنت شاكة أنها مظلومة، وإنت أكدتلي ده.
أسرع "نوح" إليها، انحنى أسفل قدميها وأمسك يديها يفركهما بلين وحب عساها تتفهم ما سيقول:
_أي حاجة بتحصل هنا تيام مش لازم يعرفها، إنتِ كده بتقدمي أخوكِ للموت، أنا عارف إن رحيق مكنتش بس خطيبة تيام، كانت صديقتك المقربة فأوعى الرابط ده يخليكِ تختلطي معاها بأي شكل من الأشكال، خليكِ بعيد يا تالا.
رفعت رأسها للأعلى تجاهد ألا تفقد أعصابها مما تستقبله بهذا اليوم العصيب، وحينما هدأت قالت:
_تمام يا نوح، بس على الأقل أتكلم معاها حتى لو مرة واحدة!
أجابها بهدوءٍ حتى يمتص حزنها:
_مش هتعرفي، هارون شبه حابسها في الجناح من يوم ما اتجوزوا، مخرجتش غير تلات أربع مرات وكانت تقرببًا رايحة عند أهلها وبحراسة مشددة كمان، ومفيش حد مسموحله يطلع فوق غير رزان اللي بتطلع من فترة للتانية.
إندهشت مما استمعت إليه، وراحت تهتف بصدمة:
_ليه كل ده؟!!
رد عليها وهو يجذبها ويقدم الملابس لها:
_وبعدين يا تالا، قولتلك متشغليش بالك بأي حاجة دلوقتي، خدي دش وارتاحي.
هزت رأسها في طاعةٍ، ومضت صوب حمام غرفته دون أن تعقب على شيءٍ آخر.
*****
بمجرد وصوله أمام باب الجناح فُتح من أمامه، سحب "كِنان" نفسًا مرهقًا وولج للداخل يبحث عنه، وجده كعادته يجلس أمام الشرفة ويوليه ظهره، مضى صوبه والتوتر يحفر وسامه على ملامحه الرجولية القاسية.
لف "عثمان" بالمقعد يتطلع له نظرة غامضة، جعلته يفشل بتحديد كنايتها، رماديتاه معتدلة لا تبوح بالغضب بل بالهدوء.
بالرغم من احتجازه على المقعد هذا إلا أنه أكثرهم جمالًا وقوة نابعة من جسده العضلي، الذي تزرع شكوك عارمة حول عجزه التام عن الحركة، حتى أن "قدس" ذاتها شكت بالامر وبددت شكوكها حينما فحصته بنفسها وتأكدت أنه بالفعل عاجز.
رفع "عثمان" يده يشير بحركة قرأها الآلي المتحكم بمقعده، فخطا به حتى وصل أمام "كِنان" الذي يضع رأسه أرضًا ويخطف النظرات إليه بين الحين والآخر.
مزق "عثمان" الصمت بينهما حينما تساءل:
_ليه عملت كده؟!
زوى حاجبيه بعدم فهم، فاذا ب"عثمان" يردد بنفس هدوء نبرته:
_حذرتك قبل كده إنك تبين نقطة ضعفك لمخلوق وبالذات هارون ومع ذلك ارتكبت نفس الغلطة اللي خليته يعرف إزاي يستغلك ويزيد من ضعفك بأكتر من حاجة عشان يتسبب بوقوعك وإنت مستسلم بضعف.
رفع عينيه له بتعبٍ وقد فاض به تحمل ما يفعله "هارون" به، بينما يحتد "عثمان" غاضبًا:
_أخوك وبعدين رزان، وبعد كده ابن فالتاني!!
وابتسم ساخرًا:
_بتكتر من نقاط ضعفك عشان وقت وقوعك ميكنش ليك قومة!!
تعمق بالتطلع لعينيه باحثًا عن شيء كان وسيظل غامضًا، وفجأة نطق بصوتٍ متقطع من فرط ألمه:
_عثمان!!!
اختزل الحزن رماديتاه، وقال بقوة لم تتخلَّ عنه:
_جاهز تعيش اللي أنا عيشته زمان؟
هز رأسه ينفي ذلك، ومال على ركبتيه يبكي باختناقٍ وهو يردد بدموع اشتقت من رجلٍ لم يعلم الضعف طريقه إليه:
_قلبي ومشاعري مش خيوط بحركها بين صوابعي يا عثمان.
وأضاف ووجهه مطموس بالارض:
_من ناحية في أخويا الوحيد ومن ناحية تانية رزان! وأنا بينهم عاجز!
حرك مقعده صوبه، ومال يسحبه ليستند على ركبتيه بينما يهزه بعنفٍ:
_لو شافوك وإنت محني كده هيخلصوا عليك، بالذات هارون! قوم اصلب طولك وبالذات قدامي أنا، قولتهالك ألف مرة وهرجع أقولك تاني اوعى تأمنلي!
كان يستند على ركبتيه وبقى بنفس طوله، مازال "عثمان" يسانده بمسكه لذراعيه، فمال على كتفه يبكي:
_تعبت ومبقتش قادر لكل ده، عايز أنام وأقوم ألقى نفسي شخص تاني، شخص عادي قادر يأسس حياة وأسرة مع البنت اللي قلبه يختارها.
لمس ضعفه الشديد، فأحاطه بين ذراعيه، وقال ومازال رأس "كِنان" على كتفه العريض:
_لا إنت شخص عادي ولا حلمك هيبقى حقيقة في يوم من الأيام.
وأبعده بعدما تركه يفرغ دمعاته التي يشعر بها كلاهما للمرة الاولى، أبعده يطالعه بقوةٍ وصاح بخشونة:
_حالًا تقف على رجليك وتنزل من هنا وإنت بشموخ وكبرياء، أوعا تدي فرصة لهارون يحس إن اللي بيعمله هيجيب نتيجة معاك.
هز رأسه بخفة وازاح دموعه بقوة، بينما يهمس ببسمة خافتة:
_وحشتني أوي على فكرة.
ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "عثمان" وقال بثبات:
_وإنت لا، ومش عايز أشوفك أبدًا طول ما أنت بالوضع ده.
وأضاف وهو يحرك المقعد بعيدًا عنه:
_ماتيو.
حضر الألي لسيده على الحال، فاذا به يخفض صوته إليه بأمرٍ ما، اتخذ دقيقتين حتى حضر إليه، التقط "عثمان" منه عُلبة الدواء، وعاد بمقعده صوبه يشير له بالإقتراب.
تنهد "كِنان" ورنا يهتف بنزق:
_اخترعت إيه تاني؟
منحه نظرة نارية جعلته يقف أمامه بثبات واتزان لا يعلم من أين استحضره، بينما يقذف تجاهه "عثمان" العُلبة ولولا أنه تلقفها سريعًا لكانت أدمت وجهه.
ربع "عثمان" يديه وتابعه بجمود:
_العلبة دي خليها معاك عشان لو قلبك رق وميلت تبقى مأمن نفسك، ده لو مش حابب تخلي نقطتين الضعف عندك تلاته.
علم مقصده ولأي غاية سيستخدم دواء منع الحمل :
_لا مش محتاجه، جوازنا هيكون على الورق بس، عشان أريح هارون لكن آ...
طالعه بسخريةٍ، وقال بهدوء ساخر:
_خد الدوا والباب من وراك يا جاك!
تطلع للدواء قليلًا، ثم عبث بعصبية:
_مش هحتاجه أنا، أنا مش مراهق عشان مقدرتش أسيطر على مشاعري.
لم يهتز ل"عثمان" جفنٌ مما جعله يضع العُلبة بجيب جاكيته وينسحب بهدوءٍ، أغلق الباب من خلفه، فلف "عثمان" المقعد والحزن يتجمع بين رماديتاه، وجل ما ضربه بتلك اللحظة مشاهد متفرقة لما عاشه بالسابق، وبالأخص لحظة خسارته زوجته وابنه.
أفاق سريعًا خوفًا أن يعود لرؤية ما لا يريد رؤيته!
****
وجد الخادمة قد أبدلت لها ملابسها مثلما طلب منها، وها هي تجلس مثلما تركها، كأنها لا تشعر بأي شيء من حولها، ساقيها مضمومة إليها، شعرها البرتقالي مفرود من خلفها على الوسادة، عينيها شاردة بالفراغ بصمتٍ.
جلس "كِنان" أمامها حزينًا على الحالة الغريبة التي سيطرت عليها، وناداها بخفوت:
_رزان!
تحركت زُرقتها إليه، بأعين غائرة بالدموع، فهمس لها:
_اللي حصل ده مش هيتكرر تاني أوعدك، هارون خلاص مبقاش يملك أي حكم عليكِ بعد ما بقيتي مراتي رسمي.
تهاوت دمعة من عينيها، واكتفت فقط بهز رأسها باطمئنان، فقال وهو يسحب الغطاء عليها:
_الساعة داخلة على 4، نامي وارتاحي.
مال يغلق اضاءة المصباح الموضوع أعلى الكومود، فانتفضت من نومتها بفزعٍ، جعله يشعله مجددًا:
_خلاص هسيبه مفتوح، زي ما تحبي.
تمددت مجددًا على الفراش، فحاول أن يحرر صوتها الذي اشتاق له ويرتاب لصمتها في ذات الوقت:
_تحبي أجبلك مية أو حاجة قبل ما أخرج؟
هزت رأسها بالرفض، ضم شفتيه بحيرةٍ من أمرها، وحاول مرة أخرى:
_طيب أفضل معاكِ النهاردة لو خايفة؟
رفعت عينيها إليه وهي تشير له بالموافقة، اعتصر الألم أضلعه ومزق قلبه تمزيقًا، ولكنه تحامل واحتبس كل ما فيه داخله.
سحب "كِنان" وسادة من جوارها، وقال بصوته الرخيم:
_هنام هنا جانبك على الكنبة، متخافيش من حاجة.
وتركها واتجه للاريكة الوثيرة، نزع عنه جاكيت بذلته وبقى بقميصه الاسود، ثم تمدد عليها بارهاقٍ شديد، اشرأبت "رزان" برقبتها تطمئن بوجوده بالغرفة، ومالت بجسدها صوب محل وجوده حتى يكون أول ما تراه حينما تستيقظ من نومها.
دقائق معدودة وغفت بعد عناء، وما أن أغلقت جفنيها حتى فتح عينيه يتأملها بعشقٍ، لا يصدق بأنه اليوم كاد أن يفقدها أمام عينيه، وها هي الآن آمنة ولا يفصلهما إلا مسافة صغيرة.
أغلق "كِنان" عينيه مستسلمًا للنوم، وما مر عليهما سوى ساعتين حتى انتفض على صراخها، وهي تهاجم حلمها السيء، أسرع تجاه الفراش يهزها برفق وهو يناديها:
_رزان!
بكت وصرخت وهي تتوسل:
_إبعد عني، سيبني حرام عليك.
عادت لها ذكريات ما حدث، حينما ولج "هارون" لغرفتها، يكيل لها الضرب ويجبرها على ارتداء فستان زفاف أبيض، ومن ثم جذبها لسيارته بالعنف، ومن ثم ألقاها مقيدة بقبو مظلم، وبالرغم من انه مظلم للغاية إلا أنها كانت تشعر بوجود أجسام بشرية من أسفلها، واكتملت شكوكها حينما شُعلت المصابيح والإنارة، فتحولت دهشتها لصرخات محتبسة خلف قطعة القماش الموضوعه داخل فمها.
بقيت على هذا الحال طويلًا، حتى اكتمل بها العناء برؤيتها له وهو يقتل الرجال المتمددون لجوارها، وانسكبت من فوقها الدماء.
اخترق صوته ظلامها، وقبضة يديه التي رفعت جسدها إليه بقوةٍ، فتحت "رزان" عينيها المذعورتين في رعبٍ، وهي تتفحص ما ترتديه برعب، بينما تردد بانكسار:
_كِنان إلحقني، هارون هيموتني.
قالتها وهي تتطلع صوب باب غرفتها، وتحاول أن تجذب ذراعيها منه، وهي تهتف ببكاءٍ:
_سمعني وأنا بحكي لرحيق، عرف إني عرفت حقيقتك وقالي إنه هيقتلني.
وأضافت وهي تشير له بتلعثم:
_رماني في القبر... آآ.. قتل ناس قدامي.. ووكان هيقتلني.
اخترقه سهم حطمه أشلاء، ومع ذلك أحاط وجهها بقوةٍ وقال:
_هوووش، مفيش حاجه من دي هتحصل، خلاص إنتِ معايا وبقينا لبعض، مستحيل يقربلك وإنتِ بقيتي مراتي.
تطلعت له ببلاهةٍ ورددت:
_مراتك؟؟
تذكرت عقد زوجها وحضور المحامي والشهود، حدقت فيه مجددًا بدموع انسكبت على بشرتها البيضاء، وابتسامة تنشق على وجهها بارتياحٍ، جذبها "كِنان" إليه، يضمها بقوةٍ فمالت على صدره تستكين حتى تخللت السكينة إليها، فاطمأنت وغفت سريعًا، فمال بها وهو يحيطها بالغطاء، حتى لحق بها هو الآخر وتلك المرة لم يزعجها أي كابوس وهي بمحيط أمانة.
*******
ألقى بثقل جسده على الرمال، لقد أصبح مكانه المعتاد، ذلك المكان المحبب لقلبه، لقد اشترى المطعم الخاص به هنا لاجلها، لاجل من عشقت ذلك المكان المطل على المياه، المكان ذاته الذي شهد على قصة الحب، ووجع الخيانة، والآن وجع لا يوصف.
تمدد "تيام" على الرمال تاركًا مياه البحر ترتطم بجسده، بينما دموعه تتدفق من عينيه بألمٍ، وجل ما يتردد له لماذا؟!!!!
بقى محله حتى بعدما امتلأ المطعم بالزبائن، خرج له الموظفين في محاولةٍ لمعرفة ما به ولكنه رفض التحدث مع الجميع، وبقى محله يراقب المياه بصمتٍ، حتى وصل له صوت جعله يستدير لصاحبه:
_مش عادتك تقعد على البحر الصبح؟
لف رأسه تجاه الصوت، فوجده يقف قبالته، ناداه "تيام" بتعبٍ:
_عمر!
ابتسم "ياسين" بمكرٍ، ورنا يجلس جواره:
_كنت معدي أفطر وأشرب القهوة زي ما اتعودت اتفاجأت بيك.
واضاف وهو يتطلع لعينيه المرهقة:
_إنت مروحتش من امبارح ولا إيه؟ وشكلك مرهق كدليه؟
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهه، وردد:
_هتفرق إيه روحت ولا رجعت، المهم إني موصلتش لحاجه ولسه مكاني!
طالعه بعمقٍ وقال بخبث لا يمتلكه الا شخصاً بدهائه:
_قاري في عينك وجع كبير من أول لقاء جمعني بيك، ولإني بحترم الخصوصيات منعت نفسي كتير أني أسالك إيه سبب الحزن اللي في عيونك ده، بس دلوقتي مش قادر أمنع فضولي، ومنتظر ردك عليا، هتحكيلي ولا هتشيل وجع إضافي جواك وانعكاسه هيبان في عيونك؟!
****
استلم "هارون" اليوم ادارة النوادي الليلة، بعدما شدد "الديزل المزعوم" على عودة "كِنان" للقيادة العليا لعملهم السري بالممنوعات وغيرها من السموم البيضاء، ولقد اختار المقهى الذي رأها به وجلس متلهفًا لعودتها، ومازال يأمر "صفوت" ورجاله بالعثور على تلك الفاتنة التي سلبت عقله من شدة جمالها وقوتها وجرأتها التي يراها لأول مرة.
وها هو اليوم يزف له "صفوت" خبرا جعله يقتحم المكتب وهو يخبره بسعادة:
_البت اللي قلبنا عليها الدنيا وصلت تحت يا باشا، وعايزة تقابل حضرتك.
استقام بوقفته في لهفة، وأشار له:
_خليها تدخل فورًا، ولما تخرج خليك وراها لحد ما تجبلي كل حاجه عنها.
هز رأسه مرارًا وأسرع للخارج، بينما نهض "هارون" يرتب ملابسه بيده السليمة، ويتأمل اصاباته بوعيدٍ:
_واجبك هيوصلك على البارد يا كِنان، وزي ما كسرتلي إيد هكسرلك الاتنين!!
وابتسم بانتشاء حينما تذكر الخطة التي وضعها ليسترد حقه، ثم عاد سريعًا لمقعده يحاول أن يبدو ذو هيبة وهو يستقبلها.
ولجت "مرين" بخطواتها الواثقة، تجذب مقعدًا قبالته وتردد بثقةٍ:
_عارفة إنك كنت مستنيني من فترة كان ممكن أقولك إني انشغلت ومعرفتش أجي بس هكون بكدب عليك وأنا متعودتش أكدب.
راقبها بنظراتٍ بطيئة جابتها من رأسها لأخمص قدميها، نظرة وضيعة جعلتها تطالعه بحقد ورغبتها بالانتقام لكل فتاة اندمس شرفها بالوحل على يد هذا اللعين، أرادت أن يكون ثأرهن على يد فتاة مثلهن، حرر صوته الهادر:
_المهم إنك جيتي بالنهاية يا آآ... هو إنتِ قولتيلي اسمك إيه؟
إبتسمت وهي تضع قدميها على الاخرى ببرود:
_لا مقولتلكش، ولا إنت اهتميت تشوف الcv حتى! اللي شغلك كان حاجة تانية أهم من ده.
تساءل وهو يطالعها بتيهة:
_حاجة إيه؟
قالت ببسمة ماكرة:
_جمالي، مش إنت بردو كنت مخلي الحارس بتاعك يراقبني لما مشيت من هنا المرة اللي فاتت.
ابتلع ريقه بارتباكٍ من تلك الفتاة، وبصعوبة استدعى صوته الهادر:
_وإنتِ عرفتي إزاي؟!
اتسعت ابتسامتها، وقالت:
_بص يا باشا أنا قولتهالك المرة اللي فاتت وهرجع أقولها تاني، أنا مش زي أي بنت عرفتها قبل كده، أنا اتربيت مع ناس علموني إن الفلوس هي أهم حاجة بيحتاجها الانسان، بس أنا مع الوقت اكتشفت إنها مش كفايا، الذكاء وتجارب الحياة اللي هتأهلني إزاي أعرف اجيبها وأحافظ عليها.
مال على المكتب وهو يهتف بإعجابٍ:
_إنتي مش بس جميلة، إنتي فيكِ كل حاجة بشكل مخلي عقلي مش هادي عنك.
وأضاف وهو يطالعها بدناءة:
_طيب بما إنك ذكية وبتحسبيها صح قوليلي تمنك وأنا جاهز وهعرف أقدرك صح.
نهضت ببطءٍ عن مقعدها، فابتسم وأبعد مقعده ظنًا من أنها قبلت عرضه، فإذا بها تتجه للخروج وهي تتحدث بكبرياء:
_كده هقولك باي سكتك غير سكتي.
إنتفض عن مقعده يهرع خلفها:
_إستني طيب، إنتي فهمتيني غلط.
رفضت الوقوف واستكملت طريقها، فأسرع يبرر لها:
_أنا آسف مقصدش اللي وصلك، أنا بس متلخبط من ساعة ما شوفتك، أوعدك اني مش هقول كده تاني، بس إديني فرصة.
وقفت محلها واستدارت تجاهه وهي تربع يديها أمام صدرها:
_فرصة عشان تشوف تمني كام ولا فرصة لإيه بالظبط؟
رنا إليها ومازالت نظراته تتفحصها:
_بصي أنا حابب تكوني في حياتي بأي شكل من الأشكال حتى لو اضطريت أتجوزك! ها موافقة؟!
حلت عقدة يدها وقالت ببسمة ساخرة:
_ياااه جواز مرة واحدة! ليه انت شوفتني كام مرة؟!!
أجابها بلهفة مجنونة:
_مش مهم شوفتك كام مرة، أنا حبيتك وعايزك بأي شكل من الأشكال، وأهو إنتِ من شوية لسه قايلة إنك اللي يهمك إنك تكوني مرتاحة في حياتك وأنا هوفرلك ده.
اتجهت لسطح مكتبه، جلست من فوقه وهي تحرك ساقيها بدلال:
_وقولتلك بردو إني ذكية فأكيد مش هأخد قرار زي ده بالسرعة دي، محتاجة وقت أفكر كويس، وبعدين انا معرفكش ولا أعرف عنك حاجة.
هرول خلفها يقف قبالتها وهو يقترح بحماس:
_خلاص نتعرف.
منحته نظرة تحذيرية فقال بعدما صمت قليلًا يفكر بخبث:
_إيه رأيك نتخطب فترة زي أي اتنين بيتعرفوا على بعض ولما تحسي إنك عرفتيني نتجوز!
هزت رأسها بخفة وبداخلها تقرأ ما يجوب بعقله المريض، فضحكت رغمًا عنها، يظنها لقمة سهلة، ولا يعلم ما هي قادرة على فعله، ومع ذلك قالت بخبث:
_فكرة مش باطلة، خلاص موافقة.
بسمة نصر تشكلت على وجهه، فسألها باهتمامٍ:
_اسمك إيه؟
رمشت بعينيها ببراءة اصطنعتها وهي تخبره:
_غزل.. اسمي غزل.
ردد بجملة عبثية معتادة:
_غزل وإنتِ غزال!
منحته ابتسامة ساخطة، فاذا ب"صفوت" يطرق على المكتب ويشير له بالخروج لامر هام، ولكنه أشار له بأن يدخل، فمال عليه يخبره و"مرين" تسجل بعينيها كل كلمة يخبره بها:
_قاعد مع نفس الشاب اللي كان بيخرج معاه.
غامت عيني "هارون" وقال:
_صورته؟
هز رأسه وهو يخرج هاتفه:
_آه يا باشا.
قدم له الهاتف، فأسرعت "مرين" ومالت بالمقعد وهي تجذب المرآة من حقيبتها، وسحبت قلم الروچ تتصنع أنها تضع منه، بينما تلتقط ما يريه إياه، فصعقت حينما رأت صورة ل"ياسين"، وإذا بها تسيطر على ملامحها ببراعة لم تمتلكها فتاة داخل الجهاز، فلقد كانت حديث الجميع كونها فتاة ولكنها بقوة رجل وذكاء يجعل من أمامها لا يصدق أن فتاة بالجمال والرقة هذة تمتلك مثل تلك السمات!!!
أشار "هارون" ل"صفوت" قائلًا:
_أخرج دلوقتي واستنى أوامري.
هز رأسه بخفة وكاد أن يغادر،ولكنه توقف حينما نهضت "مرين" تحمل حقيبتها:
_أنا لازم أمشي دلوقتي وهعدي عليك بكره نكمل كلامنا.
نهض "هارون" يوقفها باصرار:
_لا لسه مخلصناش باقي اتفاقنا، وبعدين ملحقناش نقعد مع بعض ولا أنا لحقت أعرف عنك حاجة!
مدت كفها له قائلة ببسمة خبيثة:
_هات موبايلك واحنا نتعرف على بعض بشكل أكبر!
جذبه من جيب جاكيته بسرعة البرق والفرحة تغمر وجهه، عبثت بأزرار الهاتف ببسمة انتصار، ثم دونت رقم الهاتف وحررت الاتصال بهاتفها الموضوع بحقيبتها، ثم منحته إياه قائلة:
_رقمي معاك أهو، هستنى مكالمة منك.
ردد بهيام جعل "صفوت" مندهشًا مما يحدث معه:
_مكالمة واحدة بس أنا مش هبطل أرنلك.
أشارت بكفها له بدلال:
_وأنا بانتظارك، باي باي.
وما كادت أن تستدير حتى عادت تخبره:
_آه نسيت، ياريت متخليش الحارس بتاعك يراقبني وأنا ماشية، انا لما هثق فيك هديك عنوان بيتي بإرادتي، وخليك دايما عارف إني مش زي أي بنت انت اتعاملت معاها قبل كده، سلام.
خرجت وتركت عينيه تتسع بذهولٍ من تلك الفتاة التي خرجت عن قاموس علمه الكبير بالفتيات اللاتي تعرف عليهن، فاذا به يشير إليه بابتسامة مشاكسة:
_راقبها يا صفوت وأوعى تحس بيك!!!!
******
من الأمس حتى الآن وسؤال واحد يدور
«أين اختفى زين!!»
شبح يظهر ويختفي أينما أراد، هو بذاته الذي خضع له "رحيم زيدان" وطوقه بالشبح، وها هو يقطع ساعاتٍ من السفر، ليصبح بالمطار الدولي، يتخفى بزي أسود يعود للسائق ولحية ونظارات سوداء أخفت وجهه، وكاب من فوقه.
إختلس نظرة طويلة لتلك الفاتنة التي تهبط الدرج مع صديقاتها، وابتسامتها تجعله يود لو أن يختطفها ويرغمها على التبسم له هو فقط.
حافظ على ثبات وقفته أمام السيارة التي تحمل لافتة كُتب فيها «الدكتورة مارال زيدان»، إقتربت بتنورتها السوداء وجاكيتها الابيض، وحجابٍ تدلى طرف من خلفها كالعروس في ليلة بهائها.
إقتربت تشير على اللافتة باستحياءٍ:
_أنا مارال، حضرتك السواق اللي بابي باعتك.
أغلق عينيه كأنه ينتعش بصوتها الرقيق، وإكتفى بايماءة من رأسه، ثم أسرع يفتح الباب الخلفي لها، فقالت ببسمة رقيقة مثلها:
_ميرسي.
صعدت "مارال" بالخلف، وفتحت نافذة السيارة تلقي نظرة عليه وهو يضع الحقائب بصندوق السيارة الخلفي، فرددت:
_تحب أنزل أساعدك؟
أخفى ضيقه حينما تخيلها تساعد شابًا غيره، وردد داخله:
_كمان!! يعني في المستشفى وبراها كمان!!
سحب نفسًا طويلًا يخفف عنه، وأسرع بالصعود للسيارة، جذبت "مارال" هاتفها الذي يضيء باسم أحب الاشخاص لقلبها، تردد بصوتها الذي يجعل الشبح يكاد أن يفقد القدرة على القيادة:
_حبيبي اللي دايمًا شاغل باله بيا، أنا الحمد لله وصلت من شوية، ولقيت سواق حضرتك بانتظاري.
شعر بغيرة كاسحة تهاجمه، وهو الذي لم يسمعها منها قط، إستكملت "مارال" حديثها باستغراب:
_أيوه لاقيت السواق بانتظاري! في حاحة ولا إيه يا بابي!!
تعجبت من تأكيد "الجوكر" على مقابلتها للسائق، فضحك على دهاء إبن أخيه الذي إن تخفى فشل الجميع بكشفه حتى أبوه والآن زوجته المستقبلية، وهتف بحنان:
_لا يا قلب بابي من جوه، أنا بس بطمن إنك بخير، يلا هكلمك كمان ساعتين تكوني إرتاحتي من السفر.
أغلقت الهاتف وهي تزم شفتيها بحيرةٍ، ثم قالت حينما رأت الباص الخاص بالأطباء على وشك التحرك:
_من فضلك خليك ورا الأتوبيس ده لأني مش عارفة عنوان السكن الخاص بالمستشفى.
هز رأسه والخبث يتلاعب على شفتيه، أوهمها بالبداية أنه يتبع الباص، صوب "زين" المرآة عليها فوجدها تراقب الطريق ببسمة ساحرة، مالت على النافذة وأغلقت عينيها باسترخاءٍ.
توقفت السيارة بعد فترة، ففتحت "مارال" عينيها الناعستين تتفقد الطريق، إرتابت حينما وجدت الطريق خال من المباني من حولها، حتى الحافلة لم يعد لها وجود، المكان تغمره السكينة بشكلٍ مريب.
تفحصت مقعد السائق وهتفت وهي تحاول فتح باب السيارة برعب:
_إنت وقفت هنا ليه، وفين الأتوبيس!!
وتابعت وهي تحاول فتح الباب:
_من فضلك إفتحلي!
بقى محله مبتسمًا فزحفت للباب الآخر وهي تصيح بخوف:
_إنت قافل الباب ليه؟
استدار لها بعدما نزع النظارة والكاب واللحية:
_لأني خاطفك يا قلبي!
*****
صعدت قبل ميعادها المحدد بنصف ساعة، وللدهشة وجدت باب جناحه مفتوحًا، تعجبت "قدس" وولجت للداخل تبحث عنه.
الهدوء كان يخيم على الجناح بشكلٍ مقبض، ومع ذلك لم تتراجع وواصلت البحث عنه، وفجأة تصلب جسدها حينما شعرت بسكينٍ موضوع على رقبتها وجسد يقف من خلفها، يردد بآلية تامة:
_لقد أخبرني سيدي بأن أقوم بجرحك إن دخلتي للجناح قبل دقيقة واحدة من موعدك المحدد، والآن وقد قومتي بالدخول قبل ثلاثين دقيقة لا أعلم ماذا سأفعل؟ ولحين خروج سيدي من الحمام لا تتحركي.
رفعت "قدس" ذراعيها للأعلى بارتباكٍ، وصدمة من مدى التطور الخرافي الذي يتقنه هذا الروبوت، وشكوكها حول طريقة تصنيعه ازدادت تأكيدًا.
وفجأة رأته يخرج بساقين آليتين يتحركان به وهو يضع المنشفة من حوله، ويبتسم لها بسخرية:
_كالعادة بتنفذي عكس المطلوب منك!
ومرر يده ل"مايتو":
_سيب الدكتورة مايتو، حاول تتعامل معاها على إنها مختلة عقليًا.
وأضاف وهو يجذب قميصه يرتديه بإهمالٍ:
_بفكر أشوفلك دكتور يقيم وضعك، أنا شاكك إنك مجنونة أقصد متأكد!!
*****
ارتسمت ابتسامة تسلية على شفتيها، فاذا بها تنحني وتربط حذاءها المعقود، وفجأة سحبت سكينها الصغير من حذائها الرياضي، ونهضت تستكمل طريقها.
اختفت فجأة من أمامه، فارتعب أن يفقد أثارها فيعنفه رئيسه، هرول "صفوت" بجسده الضخم صوب الشارع الجانبي الذي سلكته "مرين"، وقبل أن ينجرف للأخر واجهته ركلة قوية جعلت جسده الرياضي العملاق يتراجع للخلف بقوةٍ، وظهرت تلك الفتاة من أمامه تهتف بضجرٍ:
_هو أنا مش قولت للباشا بتاعك ميخليش حد يمشي ورايا، مستغني عنك ده ولا إيه؟!
جحظت عينيه في صدمة قوية جعلته يكاد يصيب بسكتة قلبية، ظن من شدة الركلة أن من سيخرج أمامه هو مصارع قوي، ينتهي الأمر بفتاة!!!
إبتسمت" مرين" بسخرية وقالت:
_يلا خد نفسك كده وارجعله وقوله إنها مش هترد على مكالماتك بسبب الحركة دي، وقوله إني هأدبه عشان مبحبش حد يخلف الكلام المتفق عليه.
قالتها ونهضت بثبات وثقة وما كادت أن تستكمل طريقها حتى نهض "صفوت" يحاول مهاجمتها بحقد ورغبة باسترداد رجولته المهدورة، وهو الذي خضع لاختبارات مكثفة حتى تم اختياره ليكون حارس "هارون" الشخصي.
قفزت "مرين" بجسدها للأعلى بحرافية، وهبطت خلفه تلكز كتفه، فاستدار للخلف باستغراب، فاذا بلكمة قوية تجتاحه.
رفعت جسدها للاعلى وتهاوت على ذقنه بحافة ساقيها حتى بصق الدماء من فمه، رنت إليه تهمس بثقة:
_أنا مضطرة أكسر رجلك عشان شكلك مبتسمعش الكلام I, m so sorry
قفزت فوق ساقه، عرقلتها بقوة جعلته يصرخ بعدم استيعاب، ثم لوحت بيدها ومضت بطريقها بوجه متخشب، تشتعل فيه النيران والقسم للانتقام من هذا السفيه ورجاله، الذين استحلوا ما حُرم عليهم، ومن نفس النسل المقهور ستكون لُجة الانتقام من أنثى تثأر لباقي النساء!!!
