رواية عهد الذئاب الفصل العاشر بقلم نون
الذئب يقدر يهرب من الكلاب ويقدر يتغلب على الصيادين لكن لما الجبل نفسه يتحول لسجن يبقى على الذئب يختار يموت حر ولا يعيش في قفص
#عهد_الذئاب
#الفصل_العاشر
في بيت العمدة حمدان لم يغلق باب واحد طوال الليل وكان الرجال يدخلون ويخرجون كالنمل المذعور يحملون صناديق الذخيرة
ويوزعونها على في الفناء وكان حمدان قد قرر أن الليلة القادمة ستكون ليلة الحسم إما أن يدفن بدر في الجبل أو أن يدفن النجع بأكمله تحت وطأة حرب لن تنتهي
جلس حمدان في صدر المندرة وبين أصابعه الغليظة سيجارة أشعلها ونسي أن يدخنها وكان يفكر ليس بالطريقة التي يفكر بها الرجال العاديون بالطريقة التي يفكر بها الثعالب
دخل عليه عزام وقد تغير شكله تغيرا يثير القلق فلم يعد ذلك العريس المتغطرس الذي يلبس الجلباب الفاخر والساعة الذهبية بل كان يرتدي جلبابا قديما وجزمة سوداء ثقيلة وذراعه المصابة لا تزال في الحمالة لكنه يحركها بعناد
كأنه يرفض الاعتراف بالجرح ووجهه الذي كان ناعما مدهونا صار جافا كلحاء شجرة وعيناه احمرتا من قلة النوم والغضب المتراكم
الرجالة جاهزين يا بويا قال عزام بصوت أجش أربعين راجل والسلاح كفاية نحارب بيه جيش
لم يرفع حمدان عينيه وظل يتأمل الرماد المتساقط من سيجارته وقال ببطء محسوب
أربعين راجل معاهم سلاح مش معناها إنهم أربعين مقاتل يا عزام كام واحد فيهم مستعد يموت الليلة
صمت عزام
أكمل حمدان
بدر معاه عشرة مطاريد أو خمستاشر بالكتير بس كل واحد فيهم عنده سبب يموت عشانه
منصور أخد أرض ده وسجن أبو ده وقتل أخو ده دول مش بيحاربوا عشان فلوس يا ابني دول بيحاربوا عشان الدم اللي في عروقهم مبقاش يسكت
وإحنا بنحارب عشان إيه يا بويا
رفع حمدان عينيه لأول مرة ونظر لابنه بنظرة لا تحمل حنانا ولا قسوة بل حسابا باردا كحسابات التاجر
إحنا بنحارب عشان نفضل قاعدين على الكرسي ده يا عزام الكرسي اللي أبويا قعد عليه وأبو أبويا قبله مش عشان الحق ولا عشان الشرف عشان القوة والقوة لو وقعت من إيدك مرة واحدة عمرك ما هتمسكها تاني
وقف حمدان ومشى نحو خريطة قديمة معلقة على الجدار خريطة مرسومة بالحبر على جلد ماعز تظهر تضاريس الجبل بكل ممراته ومغاراته وهذه الخريطة كان يملكها والده وورثها هو مع كرسي العمودية
أشار بإصبعه المرتجف إلى نقطة ضيقة بين صخرتين عملاقتين
مضيق الذئب هنا المكان الوحيد اللي يقدر بدر يمر منه لو عاوز ينزل النجع من الجهة الشمالية والجهة الجنوبية فيها عين الذئب ودي منطقته والجهة الشرقية فيها الممرات اللي بيستخدمها مطاريده بس الشمال الشمال هو الطريق اللي بدر مش متوقع إننا نعرفه
سأل عزام بشك ليه متوقع إنه هيستخدم الشمال
ابتسم حمدان
عشان الليلة الجاية إحنا اللي هنخليه يستخدمه هنحطله منصور كالطعم في مدخل المضيق الشمالي وبدر اللي عينه مابتشبعش من الانتقام هييجي ياخد منصور بنفسه وساعتها المضيق هيبقى مقبرته
لم يكن حمدان يعلم أن خطته ليست الوحيدة التي تحاك في تلك الليلة
في مغارة الدم كان بدر جالسا أمام نار صغيرة وحوله اجتمع ثمانية رجال هم كل ما يملك من جيش ثمانية وجوه نحتها البؤس والظلم والجوع لكن عيونهم كانت تشتعل بعزم لا تخطئه عين
كان بينهم سليم الرجل الذي فقد أرضه وزوجته بسبب منصور فزوجته ماتت كمدا بعدما بيع بيتهم في مزاد قسري وكان هناك رضوان الأعرج رجل في الخمسين فقد ساقه حين دهسته سيارة غفر الهواري وهو يحاول حماية حقله وجابر شاب في العشرين كان والده شاهدا على جريمة منصور قبل خمسة عشر عاما ودفن حيا في بئر مهجور لأنه هدد بالكلام
كل رجل منهم يحمل في صدره قصة تكفي لإشعال ثورة
نظر بدر إلى وجوههم واحدا واحدا ولم يخطب فيهم خطبة حماسية ولم يعدهم بالنصر وقال فقط
الليلة حمدان هيحطلنا فخ في المضيق الشمالي هيحط منصور كطعم عشان يستدرجني وأنا هروح
تبادل الرجال نظرات قلقة وتحدث رضوان الأعرج
هتروح لفخ وإنت عارف إنه فخ يا بدر ده انتحار
رد بدر وهو يرسم خطوطا بالعصا على الأرض الترابية
الفخ بيبقى فخ لما الفريسة متعرفش بيه بس لما الفريسة تعرف الفخ بيبقى باب
رسم بدر خطا طويلا يمثل المضيق ثم رسم نقطتين على جانبيه
مضيق الذئب طوله ميتين متر عرضه في أضيق نقطة أربع أمتار عزام هيحط رجاله فوق الصخور على الجانبين ومنصور هيكون مربوط في نص المضيق والخطة بتاعته إني أدخل عشان آخد منصور وهما يقفلوا عليا من فوق
سأل سليم وخطتك إنت
وقف بدر ومشى نحو ركن مظلم في المغارة وأزاح صخرة كبيرة ليكشف عن حفرة تحتها صناديق خشبية وفتح أحدها وأخرج منه حبالا سميكة وأوتادا حديدية وعبوتين صغيرتين ملفوفتين بورق بني
المضيق مش مكان حمدان المضيق مكاني أنا كل صخرة فيه بعرفها بالاسم وتحت أرضية المضيق في نقطتين فيه شقوق طبيعية عملتها المية من آلاف السنين شقوق تكفي إنها تبلع صخرة بحجم عربية لو اتحركت الأرض تحتها
أشار إلى العبوتين
دول مش هيفجروا الجبل دول هيعملوا هزة أرضية صغيرة في البقعة الصح هزة تكفي إن الصخور اللي فوق المضيق تنهار على اللي واقفين عليها
صمت الرجال وكان الخوف واضحا على بعض الوجوه لكن العزم أوضح
أكمل بدر
سليم إنت هتاخد جابر ورضوان وتروحوا الجهة الشرقية مهمتكم تعملوا ضوضاء نار مفرقعات أي حاجة تخلي عزام يفتكر إن الهجوم جاي من الشرق لازم يسحب نص رجاله من المضيق عشان يغطي الشرق
سأل جابر والنص التاني
النص التاني أنا هتكفل بيه
عند غروب ذلك اليوم حدث شيء لم يكن في حسبان أحد
كانت زينة قد قضت النهار كله بجانب ياسين تطعمه شوربة بملعقة خشبية وتغير الشاش على جروحه بيدين مرتجفتين وكان ياسين أضعف مما كان عليه بالأمس حرارته مرتفعة وأنفاسه أصبحت أثقل وأبطأ
حين عاد الشيخ فراج من جولة فحص ياسين بيديه الخبيرتين وتفحص لون عينه ومس جبهته ونبضه ثم سحب بدر جانبا وقال بصوت لا يسمعه غيرهما
ياسين تعبان يا ولدي الجرح القديم في صدره اتفتح تاني لو مالقتش دكتور في أقرب وقت
لم يكمل فراج الجملة ولم يحتج فقرأ بدر النهاية في عينيه
وقف بدر مسمرا في مكانه ولأول مرة منذ عودته شعر بشيء أقوى من الغضب وأقسى من الحقد شعر بالعجز فكل القوة التي جمعها وكل الخطط التي حاكها وكل الصخور التي حركها لا تستطيع أن تشفي رئة محترقة أو تعيد وجها أكلته النار
عاد إلى ياسين وجلس بجانبه بصمت وكان ياسين يعرف ليس لأن أحدا أخبره بل لأن الجسد الذي عاش خمسة عشر عاما في الألم يعرف متى يبدأ الألم الأخير
الليلة دي يا بدر سأل ياسين بهدوء
الليلة دي رد بدر
خلصها يا خوي وبعدين عيش
لم يرد بدر فقط أمسك بيد أخيه المشوهة وضغط عليها بلطف لطف غريب لا يتناسب مع يد اعتادت على القبض على الخناجر
في تلك اللحظة سمع صوت خطوات خلفه والتفت ليجد زينة واقفة عند المدخل وعلى وجهها تعبير لم يره من قبل لا خوف ولا بكاء بل تصميم غريب
أنا رايحة معاك الليلة قالت بصوت لا يقبل النقاش
حدق فيها بدر بذهول حقيقي
إنتي اتجننتي
أنا بنت منصور الهواري يا بدر لو أبويا هيكون الطعم في المضيق يبقى أنا اللي هكلمه أنا اللي هخليه يعترف بالحقيقة قدام النجع كله مش بالسلاح ولا بالنار بالكلمة اللي كان لازم تتقال من خمستاشر سنة
ولو ماعترفش
نظرت زينة في عينيه بثبات
هيعترف عشان أنا بنته وأنا الحاجة الوحيدة في الدنيا اللي لسه فارقة معاه
نزل الليل على النجع كستارة مسرح قبل الفصل الأخير
في الساعة العاشرة مساء تثاقلت أصوات محركات سيارات في شوارع النجع وكان عزام يقود الرجال بنفسه ثلاث سيارات محملة بأربعين رجلا مسلحا
وفي السيارة الأخيرة كان منصور الهواري جالسا مكبلا بالحبال ومكمما بقطعة قماش عيناه جاحظتان في رعب الحيوان الذي يعرف أنه يقاد إلى المسلخ
كان حمدان قد أبلغ عزام بالخطة النهائية قبل ساعة حط منصور في نص المضيق سيب معاه اتنين من الغفر الضعاف عشان بدر يفتكر إن الموضوع سهل والباقي ينتشروا فوق الصخور على الجانبين أول ما بدر يدخل المضيق اقفلوا عليه الباب
لكن حمدان نفسه لم يذهب وبقي في بيته جالسا يده على المسدس فالثعلب لا يدخل المعركة بنفسه يكتفي بأن يرسل الكلاب ويجلس ينتظر النتيجة
وصلت سيارات عزام إلى سفح الجبل عند الحادية عشرة وترجل الرجال بصمت وبدأوا في الصعود نحو المضيق الشمالي وكان المضيق عبارة عن ممر طبيعي بين جدارين صخريين شاهقين كأن يدا عملاقة شقت الجبل نصفين وأرضيته مغطاة بحصى ناعم ورمل جاف وجدرانه ملساء ومنحدرة يستحيل تسلقها إلا من نقاط محددة
أمر عزام بوضع منصور في منتصف المضيق تماما وربطوه وأوقفوا بجانبه حارسين ضعيفين كما أمر حمدان ثم وزع عزام بقية رجاله على قمم الصخور المحيطة كل مجموعة من خمسة في نقطة مختلفة
اي حد يتحرك في المضيق اضربوا حد يجري اضربوا حد يتنفس بصوت عالي اضربوا قال عزام وهو يفحص ذخيرة مسدسه
وقف منصور مربوطا في الظلام وكان يرتجف والقماش على فمه مبلل من الدموع وعيناه تدوران في محاجرهما بجنون تبحثان عن مخرج
لا يوجد وكان يعرف أنه الطعم فقد سمع حمدان يقولها لعزام بوضوح والرجل الذي اعتبره حليفه وصهره باعه بدم بارد كبضاعة فاسدة
فكر منصور في حياته في اللحظة التي أطلق فيها الرصاص على ياسين قبل خمسة عشر عاما ولم تكن تلك اللحظة كما يتخيلها الناس فلم يكن هناك تخطيط أو نية قاتلة مسبقة
بل كان شجارا على حدود الأرض وياسين رفض التنازل ومنصور أمسك البندقية ليخوفه لكن إصبعه ارتعش على الزناد لا من الشجاعة بل من الخوف وخرجت الرصاصة
بعدها سيطر الذعر ولم يستطع الاعتراف فرمى ياسين في البئر المهجور وظنه مات ثم لبس التهمة لبدر الأخ الأصغر الذي كان يرفض سطوة منصور على أراضي العائلة وكان بدر الضحية المثالية شاب متمرد معروف بحدته سهل أن يقنع القاضي بأنه قتل أخاه في لحظة غضب
لكن منصور لم يكن يعلم أن ياسين لم يمت ولم يكن يعلم أن الشيخ فراج وجده في البئر بعد يومين يتنفس وجسده محروق من مواد كيميائية كانت مرمية في قاع البئر وأنقذه فراج وأخفاه في الجبل ينتظر اليوم الذي يعود فيه الحق
الآن مربوطا في مضيق الذئب أدرك منصور أن الحق لا يضيع يتأخر أحيانا خمسة عشر عاما في حالته لكنه لا يموت
في الجهة الشرقية من الجبل في تمام الحادية عشرة والنصف بدأت خطة التشتيت
أشعل سليم وجابر ورضوان النيران في عدة نقاط متفرقة على السفح الشرقي ولم تكن نيرانا كبيرة مجرد حزم من الحطب الجاف المغموس في الكيروسين لكنها في ظلام الليل بدت كأنها جيش يتقدم بالمشاعل
أطلقوا المفرقعات ودوت أصوات تشبه إطلاق النار المكثف والأصداء بين الصخور ضاعفت الصوت عشر مرات وبدا الأمر وكأن سرية كاملة تهاجم من الشرق
في المضيق سمع عزام الأصوات وتردد لثوان ثم صرخ
خالد خد عشرة من الرجالة وروح الشرق فيه هجوم
اعترض أحد رجاله
يا بيه لو سحبنا نص العدد المضيق هيبقى مكشوف
الشرق هيوقع والمضيق فيه عشرين راجل يكفوا امشي يا خالد
انسحب عشرة من الغفر نحو الشرق وبقي في المضيق عشرون عشرة فوق الصخور الغربية وعشرة فوق الشرقية وفي الأسفل منصور مربوط وحارسان يقفان بجواره كتمثالين من الخوف
في الظلام الكثيف على الجانب الجنوبي من المضيق حيث لم يضع عزام أي حراسة لأنه يعتقد أن المنحدر هناك شديد الانحدار ولا يمكن تسلقه كان بدر يتسلق
و خلفه على بعد عشرين مترا كانت زينة تتسلق أيضا وكان بدر قد رفض في البداية رفضا قاطعا لكنها قالت له جملة واحدة غيرت رأيه
لو مسمعش أبويا صوتي مش هينطق بكلمة ممكن تقتله وممكن تعذبه بس الحقيقة مش هتطلع غير لما يشوفني عشان أنا الشيء الوحيد اللي لسه بيحبه
وافق بدر على مضض لكنه أوصى سليم أنه لو حصل له شيء يسحبها فورا من المضيق مهما كلف الأمر
وصل بدر إلى حافة المضيق من الأعلى وكان يطل على المشهد كاملا الحراس فوق الصخور ومنصور في الأسفل مربوطا وعزام يتمشى بتوتر عند المدخل الشمالي ورسم خريطة سريعة في ذهنه ليس للمضيق فهو يحفظه بل لمواقع الرجال وزوايا إطلاق النار
أخرج العبوتين الصغيرتين من جيبه ووضع الأولى في شق صخري على الجانب الغربي من المضيق في نقطة حسبها بدقة النقطة التي تقع فوق أكبر شق طبيعي في أرضية المضيق والثانية وضعها على الجانب الشرقي في نقطة مقابلة ثم ربط فتيلا طويلا يمتد من العبوتين إلى نقطة آمنة خلف صخرة ضخمة على القمة
كل هذا في صمت مطلق وحركاته كانت بطيئة ومحسوبة بدقة وكل نفس يأخذه يخرجه ببطء من أنفه حتى لا يحدث أي صوت
ثم تحرك نحو المنحدر الجنوبي حيث كانت زينة تنتظر ووصل إليها
همس بدر جاهزة
أومأت برأسها
هننزل من الجانب الجنوبي لحد أرضية المضيق من فوق عند المنعطف اللي قبل منصور بخمسين متر من هناك هتناديه بصوتك لما يسمعك
وإنت
أنا هكون فوق لما تبدأي تكلميه لو عزام اتحرك ناحيتك هشعل الفتيل
نظرت إليه زينة بقلق حقيقي
لو شعلت الفتيل والصخور وقعت إنت مش هتلحق تبعد
نظر إليها نظرة كانت أبلغ من ألف كلمة نظرة فيها كل ما لم يقله طوال خمسة عشر عاما
ياسين بيموت يا زينة وأنا عشت سنين أكتر مما كان لازم
نزلت زينة في المضيق وتحدثت
يا بويا
كلمة واحدة في صمت المضيق كرصاصة ووصلت أذني منصور فارتجف جسده بالكامل
أزاح رأسه يمينا ويسارا محاولا تحديد مصدر الصوت والكمامة على فمه منعته من الرد لكن عينيه اتسعتا في الظلام بحثا عن ابنته
كررت زينة بصوت أعلى قليلا
يا بويا أنا زينة
سمعها أحد الحارسين وسحب بندقيته
مين مين اهناك
لكن قبل أن يتحرك خطوة هوى عليه شيء من الأعلى حجر بحجم قبضة اليد أصاب رسغه فأسقط البندقية من يده ولم ير شيئا ولم يسمع والحارس الثاني تجمد في مكانه وبندقيته ترتعش في يده
من فوق كان بدر هو الذي ألقى الحجر وكان في موقعه على حافة المضيق يده على الفتيل وعيناه لا تفارقان زينة
اقتربت زينة من منصور وركعت أمامه ورأته والدها الجبار الرجل الذي كان يرتعد منه النجع ملقى على الأرض مربوطا كخروف العيد ودموعه تسيل على القماش الذي يكمم فمه
مدت يدها ونزعت الكمامة عن فمه وتنفس منصور بصعوبة وبكى بصوت مكسور لا يشبه أي صوت سمعته منه من قبل
يا بنتي يا زينة الكلاب سلموني حمدان باعني يا بنتي
عارفة يا بوي قالت زينة بصوت هادئ رغم الدموع التي كانت تحرق وجهها بس أنا مش جاية أفكك يا بوي أنا جاية أسمع منك الحقيقة
ارتبك منصور
حقيقة إيه
ياسين عاوزة أسمع منك إنت اللي قتلت ياسين عاوزة أسمعها من بقك مش من بدر ومش من الناس منك إنت أبويا
جف حلق منصور وتحول وجهه إلى قناع من الألم
يا بنتي الموضوع مش بالبساطة دي
قاطعته زينة بحدة لم يعهدها فيها
بالبساطة دي بالظبط يا بوي إنت ضربته رصاص ولا لأ إنت رميته في البير ولا لأ إنت لبست بدر تهمة القتل ولا لأ أيوه ولا لأ
صمت منصور والدموع كانت تسيل والصمت يطول
ثم سقط رأسه على صدره وقال بصوت أشبه بالنواح
أيوه
كلمة واحدة ثلاثة حروف لكنها أقوى من أي انفجار
أكمل منصور وهو ينهار
أيوه أنا اللي ضربته مكنتش قاصد يا زينة البندقية كانت في إيدي عشان أخوفه
بس إيدي إيدي ارتعشت والرصاصة طلعت وبعدها خفت خفت من الناس ومن السجن ومن العار فرميته في البير وقلت خلاص مات وبدر بدر كان الأسهل عيل متمرد محدش هيصدقه
وعشت خمستاشر سنة على الكدب ده
عشت ومت كل يوم يا بنتي كل ليلة بشوف ياسين في المنام واقف قدامي بيقولي ليه يا منصور كل ليلة بصحى مخنوق كإن حد حاطط إيده على رقبتي
ما لم يعلمه منصور ولا زينة هو أن بدر كان قد وضع في جيب جلباب زينة جهازا صغيرا بدائيا لا سلكيا قديما كان الشيخ فراج قد حصل عليه من تاجر خردة في أسيوط
موصلا بمكبر صوت مخبأ عند مدخل المضيق الشمالي حيث يقف عزام ورجاله
كل كلمة قالها منصور سمعها عزام ورجاله بوضوح
تجمد عزام وهو يسمع اعتراف حماه ليس لأنه صدم فهو يعلم الحقيقة منذ سنوات ووالده حمدان أخبره بها كورقة ضغط على منصور بل لأنه أدرك أن بدر لم يأت فقط لينتقم
بدر جاء ليفضح والفضيحة في الصعيد أشد من الرصاص
صرخ عزام بجنون
ادخلوا المضيق ادخلوا دلوقتي البنت جوه وبدر جوه ادخلوا
اندفع عشرة من الغفر نحو مدخل المضيق الشمالي وأقدامهم تدوس الحصى بصوت مدوي يكسر سكون الليل وكشافاتهم تخترق الظلام
في الأعلى رأى بدر ما كان ينتظره ولم يتردد وسحب زينة من ذراعها بقوة وصاح
اطلعي اطلعي من الممر الجنوبي دلوقتي
وبوي صرخت
بوكي خلص دوره اطلعي
دفعها نحو الممر الجنوبي حيث كان سليم ينتظرها بحبل لسحبها للأعلى ثم التفت بدر نحو الفتيل
كان الغفر قد وصلوا لمنتصف المضيق تقريبا عشرة رجال بأسلحتهم يتقدمون نحو منصور وفوقهم على قمم الصخور عشرة آخرون يتأهبون
انتظر بدر ثانية ثانيتين ثلاثا
كان ينتظر أن يصل أكبر عدد منهم إلى المنتصف
وحين صار معظمهم هناك أشعل بدر الفتيل
تشققت الأرض تحت أقدام الغفر
لكن الكارثة الحقيقية كانت فوق فالعبوتان اللتان وضعهما بدر على جانبي المضيق زعزعتا الصخور العلوية وبدأت صخور تنفصل وتسقط والغفر الذين كانوا فوق الصخور وجدوا الأرض تنسحب من تحت أقدامهم
في ثلاثين ثانية تحول مضيق الذئب والغبار غطى كل شيء
لكن بدر كان قد حسب حسابا لم يحسبه أحد وهو منصور
منصور كان لا يزال مربوطا في منتصف المضيق والصخور تسقط حوله لكنها لم تصبه ليس بالصدفة بل لأن بدر وضع العبوتين في نقطتين تبعدان عن موقع منصور بمسافة كافية فكان يريد منصور حيا لا يريده شهيدا ولا ضحية يريده حيا ليعيش مع عاره
حين انقشع الغبار كان المشهد كارثيا فثمانية من الغفر محاصرون بين الصخور بعضهم مصاب وبعضهم عالق ولم يمت أحد فبدر لم يكن يريد مجزرة لكنهم عاجزون تماما عن الحركة
عزام نفسه نجا لأنه كان عند مدخل المضيق وليس في منتصفه لكنه وقف مذهولا فمه مفتوح وذراعه المصابة تتدلى بجواره كأنها ميتة وكل شيء خططه حمدان انهار في ثلاثين ثانية
من فوق المضيق ظهر خيال بدر وكان واقفا على حافة الصخرة
لم يقل كلمة
لم يحتج أن يقول
المضيق قال كل شيء
ثم من خلف بدر ظهرت زينة ووقفت بجانبه لم يدفعها أحد ولم يجبرها أحد ونظرت إلى الأسفل حيث كان والدها ملقى بين الصخور والغبار حيا لكنه محطم
نظر عزام إلى زينة الواقفة بجانب بدر وأدرك أنه لم يخسر المعركة فقط بل خسر العروس وخسر الأرض وخسر الهيبة وخسر كل شيء
تراجع عزام خطوة ثم خطوتين ثم التفت وركض
ركض ابن العمدة كالمذعور نحو سيارته ولم يلتفت لرجاله المحاصرين ولم يلتفت لمنصور ولم يلتفت لأي شيء
نزل بدر إلى المضيق ببطء ومشى بين الصخور والغبار حتى وصل إلى منصور وجثا أمامه ونظر في عينيه
كان منصور ينظر إليه بعينين فارغتين من كل شيء من الكبرياء ومن الخوف ومن الحياة نفسها
قال بدر بصوت هادئ
سمعت اللي قلته لزينة يا منصور وسمعه النجع كله
الحقيقة طلعت وأنا بريء وإنت إنت اللي كنت ميت من خمستاشر سنة بس مكنتش عارف
قطع بدر الحبال عن يدي منصور ووقف العجوز على قدمين مرتعشتين لا تقويان على حمله
مش هتقتلني سأل منصور
نظر بدر إلى السماء
قتلك هيريحك يا منصور وأنا مابقتش عاوز أريحك ولا أريح نفسي إنت هتعيش هتعيش وتمشي في النجع والناس تعرف مين إنت هتعيش وتنام كل ليلة وتشوف ياسين قدامك هتعيش وده أبشع من أي موت
ترك بدر منصور واقفا في وسط المضيق المدمر وبدأ في الصعود نحو المغارة
في منتصف الطريق توقف بدر والتفت ليجد زينة تمشي خلفه بصمت
ارجعي لأبوكي يا زينة خلص دوري معاكم قال بجفاء لا يقنع حتى نفسه
لم تتوقف زينة عن المشي واقتربت منه حتى صارت على بعد خطوة واحدة ونظرت في عينيه بثبات
بوي اعترف وعاش مع عاره زي ما إنت عاوز وعزام هرب والنجع عرف الحقيقة دلوقتي مفيش حاجة بينك وبين الراحة غير إنك تقبل إن الحرب خلصت
الحرب مخلصتش لسه حمدان ولسه الحكومة اللي سجنتني ظلم
والحرب هتخلص إمتى يا بدر لما تقتل كل الناس ولا لما تقتل نفسك
صمت
قالت زينة بصوت مخنوق
ياسين بيموت يا بدر وأخوك اللي قعدت تحارب عشانه محتاجك جنبه دلوقتي أكتر من أي وقت ياسين مش محتاج تار يتاخد ياسين محتاج أخوه يمسك إيده ويقوله كلمة حلوة قبل ما يمشي
هزت كلماتها شيئا في أعماقه شيئا كان يحاول دفنه تحت طبقات من الغضب وشعر بحرقة لم يشعر بها منذ سنوات دموع رفض أن يطلقها فتراجعت إلى صدره وأحرقت ضلوعه
لم يرد على زينة فقط استدار وأكمل المشي نحو المغارة لكن هذه المرة لم يقل لها ارجعي
وصلا إلى المغارة ودخل بدر مسرعا نحو سرير ياسين ووجد الشيخ فراج جالسا بجانبه يده على صدر ياسين ووجهه يحمل تعبيرا لا يحتاج إلى كلمات
فراج قال بدر بصوت مبحوح
أخوك صحي من ساعة وهو بيسأل عليك
ركع بدر بجانب ياسين وكانت عين ياسين الوحيدة مفتوحة تنظر إلى سقف المغارة بسلام غريب لا يتناسب مع جسده المحطم
رجعت يا خوي قال ياسين بصوت كالهمس عملت اللي عليك
عملته يا ياسين منصور اعترف والنجع سمع
ابتسم ياسين ابتسامة مكسورة على وجه مشوه لكنها كانت أجمل ابتسامة رآها بدر في حياته
خلاص يا بدر ارتاح بقى قلبك الحجر ده لازم يرجع تاني وزينة
التفت ياسين ببطء نحو زينة الواقفة عند المدخل
زينة دي أمانة يا بدر بنت القاتل بريئة من القتل زي ما إنت كنت بريء
أمسك بدر بيد أخيه بكلتا يديه وشعر بأصابع ياسين ترتخي وشعر بالنبض يضعف وشعر بالدفء يتسرب ببطء من تلك اليد المشوهة
يا ياسين يا ياسين متسيبنيش قالها بدر بصوت مكسور أول مرة ينكسر فيها صوته منذ خمسة عشر عاما
نظر ياسين إلى أخيه نظرة أخيرة وقال
الجبل الجبل مبيسيبش ولاده يا خوي أنا هكون في الجبل
أغمض ياسين عينه الوحيدة
وتوقف النبض
لم يبك بدر
ظل ممسكا بيد أخيه لدقائق طويلة وكان صدره يعلو ويهبط بعنف لكن وجهه كان ساكنا كوجه الصخر
خلفه انهارت زينة على الأرض وبكت بكاء مؤلما
الشيخ فراج قام ببطء ورفع يد ياسين اليمنى ووضعها على صدره ثم سحب الشاش الأبيض وغطى وجهه المشوه للمرة الأخيرة
بعد دقائق وقف بدر ومسح وجهه بيده بحركة واحدة ثم مشى نحو مخرج المغارة ووقف
كان النجع في الأسفل يبدو صغيرا وبائسا
قالت زينة من خلفه
والنهاردة يا بدر هتعمل إيه
صمت طويلا ثم قال بصوت مختلف ليس الصوت القاسي الذي عرفته ولا الصوت القديم الرقيق الذي تتذكره بل صوت جديد فيه شيء من الاثنين
النهاردة هدفن أخويا في قمة الجبل مكان يليق بيه
وبعدين
بعدين لسه حمدان لسه الثعلب قاعد في جحره والثعلب يا زينة أخطر من الذيب الذيب بيقابلك وجه لوجه بس الثعلب بيقتلك وإنت نايم
استدار بدر ونظر إلى زينة وللحظة واحدة لحظة سرقها الزمن بدا وجهه كوجه ذلك الشاب الذي وعدها ببيت فوق الجبل لكن اللحظة انطفأت سريعا
بس الأول هسيبك تنزلي النجع إنتي حرة يا زينة من الليلة مش رهينة ومش طعم إنتي حرة
ولو مش عاوزة أنزل
نظر إليها بدر نظرة طويلة ثم أدار ظهره ودخل المغارة ليجهز أخاه للدفن
لم يقل نعم ولم يقل لا لكن الباب تركه مفتوحا
في بيت العمدة حمدان كان الثعلب العجوز يجلس في مكانه المعتاد وكان قد سمع كل شيء
لم يغضب حمدان ولم يصرخ قام من كرسيه ومشى نحو خزينة حديدية في الجدار وفتحها بمفتاح يحمله في رقبته دائما
أخرج منها ملفا بختم المحكمة وفتحه وتصفح أوراقه بعناية ثم أغلقه وابتسم
ابتسامة الثعلب
الملف كان يحتوي على حكم إعدام بدر الذي لم ينفذ بسبب هروبه حكم لا يزال ساريا حكم يجعل بدر في نظر القانون مجرما هاربا
التقط حمدان الهاتف الأرضي واتصل برقم في القاهرة
رد صوت على الطرف الآخر
قال حمدان بهدوء
محمود بيه أنا حمدان عمدة نجع الجبل المحكوم عليه بالإعدام بدر الهواري ظهر عندنا في الصعيد ومعاه سلاح وعصابة بتروع الأهالي
صمت قصير على الخط
هنبعت قوة خاصة يا حمدان بيه خليك جاهز
أغلق حمدان السماعة ثم جلس في كرسيه وأشعل سيجارة جديدة
لم يعد يحتاج لذئاب ولا فخاخ لقد أطلق على بدر شيئا أخطر من الرصاص
أطلق عليه الدولة
