رواية حتي يجمعنا القدر الفصل العاشر 10 بقلم رشا رومية


رواية حتي يجمعنا القدر الفصل العاشر بقلم رشا رومية 

« جانب خفي»


حينما تدرك أن حديثك لن يغير شئ تلجأ لملاذ وحيد..الصمت، لكن الصمت لا يساعدنا على النسيان، فالنسيان أناني يختار فقط الأشياء التي يحبها، فإن سار بقافلة قَطعَت عليه الذكرى الطريق وجَعلَتك سجين لما تود نسيانه، إبتعدنا وهربنا من كل مواجهة حتى أنفسنا، ظننا أن القدر كفيل بالنسيان، لكنه لم يجبرنا على ذلك، وإن حاولنا إخفاء خطايانا فكيف نخفي جانبنا السيئ عن الله، إنه يعلم الجهر وما يخفى، فلكل منا جانب مظلم خفي يتمنى لو يقدر على نسيانه.

رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


هل للخيانة لون آخر غير الأسود؟! كقلوب الخائنين ونفوسهم، الخيانة ليست فقط تعامل في الخفاء بين محبين، بل هناك خيانة ثقة، خيانة التظاهر بالمحبة، وخيانة أمانة من صَدَّقك ووثق بك، وأسوأ ما فيها أنها لا تأتي من عدو.

رشا روميه


دارت عينا "فردوس" بذهول وهي تستمع لـ"زهرة" حين أخبرتها بأنها كانت تتناول حبوب لمنع الحمل، سؤالها المؤلم كان لإكتشاف من هذا الذي يخون ثقتهم ويؤذيهم حين سألتها بنبرة مهتزة:

- مين إللي قالِك تاخدي الحبوب دي؟


رفعت "زهرة" وجهها قبل أن تجيب بتلقائية ودون تفكير:

- "جميلة" يا ماما، هي إللي إدتهولي، قالتلي عشان أفرحكم بسرعه وأجيب لكم الحفيد إللي نفسكم فيه.


إتسعت عينا "فردوس" بصدمة لتستكمل إستفسارها:

- "جميلة"!! من إمتى ده، إدتهولك إمتى؟!!


تلعثمت "زهرة" قليلًا وهي تجيبها بتردد:

-يوم الفرح.


ضربت "فردوس" فخذيها بإنفعال وتحسر لما تكتشفه يومًا بعد يوم بزوجة إبنها:

- الله يسامحك يا "جميلة"، بلوى وإتبلى بيها "محمود"، أه والله وأبوه السبب في كده، بس حنقول إيه، القسمه والنصيب (ثم إلتفت نحو "زهرة" تطلب منها أن تسامحها على عدم إنتباهها لأفعال "جميلة" معها)، معلش يا بنتي، أوعدك إنها مش حتبقى في طريقك تاني، وحـ...


ستكون السبب بمشكلة ما، لا، لن تقبل ذلك وليس هذا مقصدها، لن تكون سببًا لأذي يلحق بـ"جميلة" حتى لو كانت تقصد هي إيذائها، هتفت "زهرة" مقاطعة "فردوس":

- لا يا ماما، بالله عليكِ، أنا مقصدش كدة خالص، أنا قولت أفهمك بس، متعمليلهاش حاجه، هي ممكن من خوفها لأنها مش حتقدر تخلف تاني، أنا عذراها.


تعجبت "فردوس" لتغاضي "زهرة" عن أذى "جميلة" لها، لتردف بإستنكار:

- بس يا بنتي؟!!


- ولا بس ولا حاجه، أنا بس قولت أعرفك، ومش عايزاكِ تقولي لها حاجه، ولا تعملي لها حاجه.

بقلم رشا روميه 

تمعنت بها "فردوس" لبعض الوقت بدون تقبل لهذا التغاضي والتنازل، لكنها تعلم صفاء قلب "زهرة" جيدًا لتضطر لتقبل ذلك قائلة:

- طيب يا "زهرة"، بس لو حصل أى حاجه بينك وبينها لازم تقوليلي.


-حاضر، أنا طالعه شقتي بقى.


بإيمائة خفيفة أجابتها"فردوس" تبث بداخلها بعض الطمأنينة:

- إطلعي يا بنتي، "أنور" نزل من بدري.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


السويس...

يوم طويل بين تقديم أوراق بالجامعة وبين إستيفاء أخرى حتى إنتهت "فرح" تمامًا من تلك المهمة التي تراها الآن هي هدفها الوحيد، تقابلت مع صديقة طفولتها "ريهام" بعد خروجها من الجامعة.


صديقة محبة كل ما يشغلها هو صديقتها وسعادتها فقط، نوع نادر من البشر محظوظ من يلتقي برفيق صادق، بأعين شقية كصديقتها مطت "ريهام" شفتيها بإصرار:

- ماليش فيه، يلا نتغدا بره أنا وإنتِ زي زمان، بجد وحشني نقعد كتير فرحانين، يلا يا "فرح" بلاش نكد، إنتِ عمرك ما كنتِ نكديه كده، إعتبريها يا ستي حلاوة الدبلومة.


تنهدت "فرح" مرغمة:

- طيب يا "ريهام".


بدعوة "ريهام" لصديقتها لتناول الغذاء معًا تجولتا هنا وهناك أولًا حتى بدأت الشمس بمغيبها، إتجهت كلتاهما لأحد المطاعم لتناول الطعام بعد مرور هذا الوقت الذي زاد من جوعهما.


البقاء بصحبة مُحبة لهي أكثر ما يبهج الروح والقلب، دلفت "فرح" لداخل المطعم وقد رُسمت إبتسامة خفيفة فوق ثغرها من مزاح "ريهام" المستمر لتنسيها حزنها، لكن تلك الإبتسامة سقطت فجأة وهي تطالع أمامها بأعين مندهشة.

بقلم رشا روميه 

نظرت "ريهام" بنفس الإتجاه الذي تنظر إليه "فرح" لتجد "هاني" يتناول الطعام برفقة فتاة ما، لم يكن الأمر يحتاج لبديهة قوية، فلابد أن تلك الفتاة هي من قام هذا الوصولي بخطبتها كما أخبرتها "ريهام".


إمتعض وجهها بقوة وهي تستدير مغادرة المطعم حين عقبت "ريهام" بإستهزاء من هذا النذل:

- ولا تزعلي نفسك، ولا يستاهل.


أجابتها "فرح" بحزن ممزوح بإستهزاء وتهكم:

- أزعل على مين؟ على ده؟!!! تعرفي، دول لايقين على بعض أوي، أوي بصراحه.


- سيبك منهم، تعالي نروح أي مطعم تاني.


مجرد رؤيته أضاعت كل الحماس والرغبة بإستكمال يومها برفقة "ريهام" لتحرك رأسها بالنفي:

- لأ، ماليش نفس خلاص، أنا عايزه أروح، كمان رجليا وجعتني من كتر المشي.


- على راحتك.


إتخذت "فرح" طريقها للمنزل مبكرًا عن الموعد الذي إتفقت عليه مع والدتها، لكنها لم تحبذ إستكمال اليوم بعد رؤيتها لـ"هاني" الذي سببت لها رؤيته ضيق وإختناق.


لم تخبر والدتها بأمر عودتها مبكرًا فما الذي سيتغير، هي ستعود للمنزل ووالدتها تنتظرها هناك، لهذا لم تهاتفها كالعادة لتخبرها بذلك.


فتحت باب الشقة بالهدوء الجديد كليًا عليها، حتى أنها أغلقته بذات الهدوء، ضيقت جبهتها بإستغراب حين سمعت صوت غريب أثار إنتباهها.


إستدارت نحو غرفة أمها فذلك الصوت يأتي من تجاهها، صوت شهقات مكتومة ونحيب باكي.


تقدمت "فرح" بوجه مقتضب وقد زاد عليها فضول شديد فما سبب حزن والدتها وبكائها الآن.

فوق سجادة صلاتها جلست "مديحة" تعلو شهقاتها وتذرف دموعها المتلاحقة وهي تتضرع بندم:

- يـــــــــا رب أغفر لي خطيئتي، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه توبة عبد ظالم لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورا أنت الغفار يا الله.


خطيئة؟!! أهناك خطايا مخفية عنها؟! أين ومتى كان ذلك؟ 

تساؤلات عدة دارت برأس "فرح" وهي تقف بباب غرفة "مديحة" بتجهم وتوجس، إنها ليست دموع عابرة، ولا شجون تضرع، إنه إحساس عميق بالذنب، رجفة خوف وخشية من الله وعقابه، تيبست حركة "فرح" وهي تطالع والدتها بأعين مندهشة متسائلة وصمت تام.


أنهت "مديحة" صلاتها وإستدارت لتطوي سجادتها لتفاجئ بوجود "فرح" أمامها تناظرها بتحديق كمن تسألها دون أن تتفوه بكلمة.


إبتلعت "مديحة" ريقها وقد أصابها إرتباك من نظرات "فرح" المحدقة قبل أن تردف بتهرب:

- "فرح" إنتِ جيتِ بدري؟!!!


تقدمت "فرح" نحوها كما لو كانت لا تستمع لحديث والدتها لتلقي على مسامعها السؤال الذي تمنت "مديحة" أن تنشق الأرض وتبتلعها بتلك اللحظة: 

- مالك يا ماما؟ فيه إيه؟!!


زاغت عينا "مديحة" بتهرب وهي تلتف لتضع سجادة الصلاة فوق المقعد أثناء إجابتها:

- عادي يا "فرح" مفيش حاجه.


بوقت آخر وأناس أخرى كان يمكن أن تكون تلك الكلمات نهاية هذا الحوار ويمر بسلام دون تعقيب، لكن ليس هذا ما حدث بين "فرح" ووالدتها، إنهما يحفظن بعضهن البعض عن ظهر قلب، إنهما بئرا أسرار كل منهما، فلن تنتظر كلمات لتدرك بأن هناك أمر خاطئ، فبداخلها يقين بأن والدتها تخفي أمر ما، وهناك جانب خفي لا تعلم عنه شيئًا.


إلتفت "فرح" لتقف بمواجهة والدتها قائلة وهي تضع عينيها بعيني "مديحة" دون حياد:

- لأ فيه، أنا حاسه إنك مخبيه عني حاجه، وحاجه كبيره أوي كمان، ومش حسكت إلا لما تقوليلي كل حاجه، ودلوقتِ حالًا.


تهدج صدر "مديحة" بتوتر وهي تحاول الفرار من ملاحقة "فرح" لها، لكن لابد لليل أن ينتهي وينقشع السواد ويظهر النور عن هذا السر الخفي بقلبها فقد كُشف أمرها ولن تستطيع التهرب الآن.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


من يستطيع أن يخبرنا عن أنفسنا ما لا ندركه عنها؟!، من يخبرنا متى إشترينا لنظل طيلة الوقت ندفع الثمن؟!! أو حتى يدلنا إلى متى ستظل قلوبنا تُستنزف وعليها التقبل والكتمان؟!! ترى هل يمكننا إعادة البيعة، أم أن الدنيا تتبع معنا سياسة البضاعة المباعة لا ترد مطلقًا.

رشا روميه 


بيت عائلة مكاوي( شقة زاهر)...

مع حلول المساء بعد مغيب الشمس نهض هذا الرجل الوقور بهدوء يترك ذلك المجلس موضحًا:

- أقوم أنا أصلي المغرب عقبال ما "محمود" يوصل.


أومأت "فردوس" بلطف معقبة:

- ماشي يا "أبو محمود"، أهو حتى تكون "جميلة" و"زهرة" حضروا الأكل، أكيد "محمود" على وصول 


وقفت "جميلة" تعطي أوامرها بجمود لـ"زهرة" بطريقتها الجافة المعتادة:

- يلا يا "زهرة" سخني الأكل وأنا حجهز السفرة.


حتى وإن كان بداخلها صراع وألم وغضب مكتوم من "جميلة" فهي لن تُظهر ذلك، لملمت "زهرة" وجهها الحزين تنصاع لطلب "جميلة" كمساعدة منها بتجهيز الطعام، لتدلف نحو المطبخ بصمت.

بقلم رشا روميه 

هذا كل ما فعلته بعدما أدركت وفهمت تمامًا نية "جميلة" السيئة معها، أن تصمت وتخبئ غضبها بهذا الجانب الخفي من قلبها، عليها فقط منذ الآن فصاعدًا الحذر من "جميلة" دون أن تظهر ذلك.


بعد وقت قليل وصل "محمود" الغائب منذ الصباح بعمله بمتجر العلافة خاصتهم، وبصوت رخيم ألقى السلام على والدته التى بقيت بغرفة المعيشة بمفردها:

- السلام عليكم، إزيك يا ماما؟


أجابته "فردوس" بمحبة:

- وعليكم السلام، الحمد لله يا حبيبي، حمد الله على سلامتك، إبن حلال، يلا إطلع غير هدومك، إحنا بنجهز الأكل أهو.


طالت نظرته تجاه والدته وهو يتردد بنطق الكلمات التي تحشرجت داخل حلقة، وقف للحظات في حيرة ما بين التفوه أو إلتزام الصمت كعادته، لكن عقله الشريد طيلة اليوم دفعه لنطق بعض الكلمات المبعثرة:

- اااا، حاضر، بس اااا، كنت يعني ااا..


شعرت "فردوس" بتخبط ولدها لتتسائل بقلق:

- مالك يا "محمود" فيك إيه؟


بتنفس مضطرب وأعين غير مستقرة جال بها للحظات قبل أن يستجمع أعصابه بسؤال مندفع حتى لا يتردد بسؤاله:

- هي "زهرة" جابت نتيجة التحليل؟


سؤال من المفترض أن تكون إجابته لا تؤثر به خاصة، لكنه شغل تفكيره منذ الصباح، تطلع "محمود" بوالدته بشغف كبير وهي تزم شفتيها بإمتعاض قائلة:

- أيوه جابت النتيجه، يلا، مفيش نصيب.


حاربت تلك الإبتسامة نفسه المضطربة لتتجلى فوق شفتيه العريضتين بسعادة كمن أزيلت الحمول من فوق صدره المثقل، إحساس مباغت بالراحة والإسترخاء أطلق الهواء من رئتيه بعد أن كان يقبضه بصدره من الضيق.

بقلم رشا روميه 

أومأ رأسه عدة مرات قبل أن يردف بحماس وغبطة:

- تمام، تمام، طيب أنا طالع أغير هدومي وراجع على طول، مش حتأخر.


- ماشي يا حبيبي مستنيينك.


تركها "محمود" صاعدًا شقته ليبدل ملابسه تاركًا العنان لشعور غريب بالراحة لمعرفته بسلبية الإختبار، أكملت "فردوس" تسبيحها في إنتظار تحضير الطعام وتجمع العائلة بتلك الوجبة.


لكنها لم تنتبه لتلك العيون المترصدة في الخفاء التي كانت تراقب حديثها مع "محمود" بنظراتها الحادة.


دارت عينا "جميلة" الملونة بغيظ مكتوم وهي تلوي شفتيها تقضمهما بقوة محدثة نفسها:

-( هو ماله مهتم أوي كدة ليه بموضوع حمل "زهرة" ده، مش عادته يعني يسأل على حاجه زي دي؟!! لأ وإيه، شكله إنبسط أوي لما طلعت مش حامل، هي إيه الحكاية؟، بس عمومًا مش مهم دلوقتِ، المهم إن إللي في دماغي يحصل).


إنتبهت "جميلة" لصوت "زهرة" من خلفها:

- يا "جميلة"، مش حتاخدي الأطباق دي، إنتِ بقالك وقت كبير سرحانه، الأكل حيبرد.


إلتفت "جميلة" نحوها تحدق بها بريبة حتى كادت نظراتها الحادة تخترق جسد تلك الهادئة، ثم أجابت بآلية:

- اه، حاخدهم.


حملت "جميلة" الأطباق حتى تم تحضير الطعام بالكامل وحضور "محمود" ووالده ليلتف الجميع حول الطاولة لتناول الطعام.


لم تسقط عيون "جميلة" عن زوجها الذي كانت تراقبه كالصقر وهو يرفع بصره من حين لآخر رغمًا عنه تجاه "زهرة" ليعود خافضًا إياها على الفور حتى لا يلاحظ أحد نظراته الخاطفة الخارجة عن إرادته.


هزة خفيفة تملكت من "جميلة" بغيظ وهي تتابع ذلك قائلة بداخلها:

-( هي البت دي حتكوش على كل اللي في البيت ولا إيه؟! دي الواحد لازم يصحصح لها بقى، يعني مش كفاية عمي ومرات عمي، حيبقى "محمود" كمان!!! دي ناويه تاكل عقلهم كلهم، وأطلع أنا من المولد بلا حمص، بس على مين).

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


تأتي الصعاب بقدر تحملك، فلا تظن أن الله يظلم عباده، فلعلك تريد شيئًا والله يريد لك الأجمل، أنت أقوى مما تتخيل فقط لم توضع بالإختبار، فلك قدر من الصبر والجلد لكنك لا تستطع تقدير قوتك.

رشا روميه 


مستشفي الهلال المركزي...

بآلية معتادة أنهت "ليلى" مناوبتها لهذا اليوم وحان موعد مغادرتها، لكن هناك جزء يخصها قابع بهذا المكان بعد أن طالب الطبيب المتابع لحالة "عزت" إبقائه بعد إصابته بالفيروس الذي نقل له بالخطأ لمتابعة حالته التي تتخذ منحني متسارع بشكل مقلق.


مرت "ليلى" بغرفة والدها وجلست معه لبعض الوقت، ورغم معاناته وهذا الألم الذي يجتاحه بقوة إلا أنها كانت صابرة، تحفزه على التحمل والرضا، والغريب بالأمر أنه يستجيب.


رضا بقضاء الله لم تكن تظن أن والدها يتمتع به، ومحبة لم تكن تظن أنها تكنها له، بالنهاية سحبت "ليلى" حقيبتها القديمة لتعلقها بكتفها قائلة:

- أنا حسيبك دلوقتِ يا بابا، إدعيلي الآقي أي أمل.

بقلم رشا روميه 

ها هو قد بدأ طريق السداد، طريق كاد أن ينساه وحِمل ستحمله "ليلى" فوق أكتافها، ستبدأ رحلة البحث عن أخيه، طأطأ "عزت" رأسه مجيبًا:

- يا ريت يا بنتي، يا ريت تقدري.


بإيمائة خفيفة حركت "ليلى" رأسها وهي تربت برفق فوق كتف والدها: 

- نام إنت وإرتاح وأشوفك بكره، وبإذن الله أكون وصلت لأي حاجه.


رفع "عزت" بصره بإبنته القوية يتطلع بها قليلًا قبل أن تعصف به موجة من الإشفاق والقلق، لقد أدرك لأول مرة أنه طالما كان يتركها تتخبط بالدنيا دون أن يكون لها سندًا وعون، بل كان يزيد من حمولها وقسوة الدنيا عليها، لقب لا يستحقه يسمي "أب"، وها هو يضع آثامه فوق كاهلها لتزيحها عنه، لملم "عزت" شفتيه بضيق فيما ردد بصدق:

- خدي بالك من نفسك يا "ليلى"، ومتزعليش مني.


إكتفت "ليلى" ببسمة قلقة حزينة قبل مغادرتها المستشفى، إتجهت مباشرة تجاه هذا العنوان المدون بالورقة، عنوان بيت عمها القديم.


غريبة تتخبط بحيرتها وهي تقف وسط هذا الحي تبحث عن شخص لا تعرفه بمكان لا تعرفه، تمامًا كما لو كانت تبحث عن إبرة في كومة من القش.


ذكية لماحة وهذا ما يساعدها في المُضي قُدمًا، فرغم تخبطها إلا أنها وجدت كهلًا يناهز السبعين من العمر، شخص لابد أنه ولد وترعرع هنا، فربما يعلم من أين تبدأ بحثها.


تقدمت بوجه بشوش تجاه هذا الرجل تلقي عليه التحية أولًا:

- السلام عليكم، حضرتك من هنا صح؟


أجابها العجوز بود رغم عدم معرفته المسبقة بها:

- وعليكم السلام، أيوه أنا من هنا، إنتِ غريبه عن الحِته.


أكملت"ليلى" بعد شعورها بإحساس من المودة والألفة مع هذا الرجل:

- أيوه، أنا كنت عايزه أسأل على واحد كان ساكن في الحِته هنا زمان، وقولت يمكن تعرف هو فين، أو أعرف طريقه منين؟


كطبع لأصحاب المناطق الشعبية وإدراكهم بكل تفاصيل الحي وأهله، رأى هذا الكهل فرصة لتجاذب الحديث بعد أن إضمحل الجمع من حوله.


سألها الكهل بفضول:

- هو قالك فين؟


أخرجت "ليلى" الورقة المطوية من حقيبتها لتقرأ فحواها على مسامع الرجل:

- قالي في عمارة "محروس شهاب".


أشار الكهل لتلك البناية القديمة أمامه موضحًا:

- أيوه أيوه، أهي هي دي عمارة "محروس شهاب"، وبتدوري على مين بقى هناك؟


هي تعلم أن عمها قد ترك هذا البيت لكنها تبحث عن إشارة تتبعها لإيجاده، ويبدو أن هذا الرجل فرصة جيدة لذلك، لتستكمل بإيضاح:

- كنت بدور على واحد إسمه "عادل"، "عادل ذو الفقار الحناوي".


رفع الرجل مقلتيه للسماء متذكرًا بإستمتاع كمن يفتقر لأحدهم ليتجاذب معه الحديث:

- "عادل الحناوي"، "عادل الحناوي"، اه، ده إللي سكن بعده عيلة "عرفان" في الدور التاني، بس "عادل الحناوي" ده عزل من زمن يا بنتي.


- طيب متعرفش مثلًا عزل راح فين؟ أو أوصل له إزاي؟


صمت لوهلة متفكرًا قبل أن يجيبها:

- والله يا بنتي بعد ما ساب الحته شوفته ييجي مرة ولا إتنين، ومش عارف ساكن فين دلوقتِ، بس يمكن "عبد العزيز" إبني يعرف.


أمل جديد لاح في الأفق ليتهلل وجه "ليلى" بسعادة قائلة:

- كويس أوي، هو فين نسأله؟


بأريحية شديدة قد تصل للا مبالاة أجابها الرجل بخلاف ما تشعر به "ليلى" من إضطراب وتلهف لمعرفة مكان عمها:

- هو في شغله دلوقتِ، لما يرجع إن شاء الله حسأله، لو جيتي تاني بكره أكون عرفت لك منه هو فين.


تهدلت ملامحها بإحباط لترضخ لطلب هذا الرجل بالإنتظار، فإن يضيرها إنتظار يوم آخر.


أردفت مجبرة:

- خلاص، بكرة أجيلك إن شاء الله تكون سألته.


ويبقى عليها تقبل الإنتظار في صمت، كما إعتادت ألا تبوح، فلتعتاد الصبر أيضًا، فإن الإنتظار من مهالك النفس.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


ليتنا نستطيع أن نرى ألوانهم بوضوح، فكما نرى الأبيض النقي ونميز الأسود المظلم، وهذا الرمادي الذي يقف بعتبة الجانبين لا ينصر أحدًا ولا يهزم أحد، كل يقف بوضوح، إلا هؤلاء المتلونين الذين لا لون لهم، يجب عليه أن تخشاهم ألف مرة، فلا يمكنك أن تأتمنهم فإنهم مخادعون، تَمعن بأقاويلهم، تَفكر بمطالبهم، لا تنخدع بألوانهم، فلا يمكنك مصافحة من كنت تود صفعه، إمضي بطريق الحق وأفعل ما تراه صحيحًا فسوف تنتقد على كل حال.

رشا روميه 


بعد أن حل المساء وإنتهى "نور" من عمله بالمستشفى، عمل تمنى ألا ينتهي، لكن الوقت مر وها قد أتى موعد اللقاء الذي يتهرب منه.


نظر لساعته مرة أخرى وهو يزفر بتملل، فـ"نسرين" تأخرت عن موعدها ككل مرة، أخذ "نور" يُحدث نفسه بحنق شديد:

- تقعد تقولي عايزاك في موضوع مهم وفي الآخر تتأخر عليا برضه، أنا زهقت، لا وإيه، مش عايزاني أروح لهم البيت عشان مامتها وأخواتها مش في البيت، طيب والله لو مجتش كمان عشر دقايق حقوم من هنا، ده إيه الملل ده!!


حتى وإن كان يحاول التملص من هذا اللقاء، إلا أن القدر لم يمهله بالفرار، فبعد دقيقتين فقط أقبلت "نسرين" بقامتها الطويلة تتجه صوبه بشكل جاد ومباشر، سحبت المقعد المقابل له لتتخذه قائلة:

- مساء الخير يا "نور".


طالت نظرته المقتضبة تجاهها لبعض الوقت قبل أن يبدأ حديثه معها:

- مساء الخير، فيه إيه يا "نسرين"، ده إنتِ إللي محدده المعاد، ممكن أفهم بتتأخري عليا أوي كده ليه؟! مش معقول بصراحه!!


جفلت بعينيها بنظرة ساخطة جانبية وهي تردف بتملل:

- بالراحه عليا شويه يا "نور".

بقلم رشا روميه 

بعض التغاضي ينبع من كثر المحبة، لكن فاتر الإحساس يشعر بها ثقيلة النفس، تمامًا كما كان "نور"، لم يعد يتحمل طريقتها اللا مبالية وأنانيتها الزائدة، لم يكن لها رصيد من المحبة ليتغاضى عن كل أفعالها التي تسبب ضيقه وحنقه، ليهتف بها بإنفعال:

- لا، مفيش بالراحه، أنا زهقت، يا ريت تقولي إيه الموضوع الضروري اللي إنتِ عايزاني فيه بسرعه عشان تعبان وعايز أروح أرتاح.


توقع عدة ردود أفعال من "نسرين" ما بين تملل وضيق وإنفعال وحِدة، فكلها معتادة بينهم، لكنها فاجئته برد فعل غير متوقع بالمرة، لقد إنفجرت بالبكاء، كـ بركان خامد أُشعلت ثورته بدون سابق إنذار، دموع وشهقات وأصوات مختنقة وإنفعال لا محدود.


هتفت "نسرين" بين شهقاتها العالية وبكائها المفاجئ:

- أنا عارفه إنك شايفني عنيده وعصبيه، لكن أنت محاولتش حتى إنك تقرب مني ولو لمره واحده عشان تعرفني على حقيقتي، دايمًا تتعامل معايا بعصبيه وزعل.


هل رق قلبه لها؟! إنه لأول مرة يتعاطف معها، بل ويعطيها عذرًا لذلك، فهو حاد طوال الوقت، لا يعطيها الفرصة لتقبُلها وتفهم خِصالها، لم يمنحها فرصة للإقتراب والتفهم، إحساس متعاظم باللوم فهي محقة بذلك بالتأكيد ليردف ببعض اللين متخليًا عن حِدته التي كانت تحتله منذ قليل:

- طيب لازمته إيه العياط ده كله دلوقتِ؟


أكملت "نسرين" بذات الإنفعال واللوم المستمر لـ"نور":

- شوفت!! حتى يوم ما آجي وأتكلم معاك وأطلع إللي جوايا مش مستحملني ولو شويه صغيرين بس.


ذكية متمرسة، تدرك كيف تجرح وتضغط على الجرح لتستنزف صاحبه، طريقتها الجديدة جعلته يشعر بالذنب تجاهها، وأنه السبب في إنهيارها النفسي.


كل يتعامل بعين طبعه، ومن طباع "نور" التي لا يمكن تبديلها، أنه صريح وواضح ومستقيم، لا يتخذ الطرق الملتوية ونعومة الثعابين، لا يخفي شيئًا وليس له جانب خفي، لهذا حين شعر بأنه أخطأ بحقها حاول تدارك الأمر، لم يشك بها ولو للحظة، فهو يرى الجميع بنفس صِدقه وإستقامته، لا يحل به الظنون، لا يمتلك خبث النوايا.

بقلم رشا روميه 


تهدلت ملامح "نور" بأسف مستكملًا:

- معلش يا "نسرين"، مقصدش والله، كملي كلامك وأنا حسمع كلامك كله أهو.


دارت مقلتيها المتوهجتين بلمحة غريبة لم يلاحظها "نور" بينما أكملت تسكب الملح فوق جرحه، فهي تريده بهذه الحالة من الشعور بالذنب بالتأكيد:

- كمان إنت متعرفنيش كويس، كل إللي تعرفه عني إني بنت صاحب باباك إللي كان قريب منك أوي، خطبتني بس عشان وصية بابا، كل ده عشان تاخد بالك مننا وبس، لكن أنت متعرفش عني أي حاجه!


إضطرب "نور" من صراحتها الغريبة عليه ليحاول إصلاح تلك الفكرة التي أخذتها عنه، فلا داعي أن يكون واضحًا بهذا الشكل ويسبب لها الضيق والحرج:

- قصدك إيه بس بالكلام ده دلوقتِ؟!!


عقدت "نسرين" ذراعيها أمام صدرها، فقد أوشكت على الوصول لمبتغاها:

- إنت تعرف حاجه عني؟ تعرف المشاكل إللي أنا فيها؟!


أنهت عبارتها وهي تشاهق بكل قوتها حتى أنها كانت تصارخ بكلماتها الأخيرة لتزيد من إرتباكه، صوتها العالِ وبكائها الذي لا يَفهم "نور" سببه بعد جعل جميع رواد الكافيتريا يحدقون بهم بفضول وإستنكار لمعرفة ماذا يحدث بينهم.


تلفت "نور" نحو العيون المحدقة حولهم بحرج بالغ قبل أن يحاول تهدئة "نسرين" المنفعلة دون سبب بصوت خفيض محاولًا أن يقلل من انتباه المحيطون بهم:

- اهدي يا "نسرين"، أنا مش شايف سبب للعياط دة كله.


إستمرت "نسرين" ببكائها دون رد، ليضطر "نور" أن يصطحبها لخارج الكافيتريا لإستنشاق بعض الهواء النقي، ويبتعد قليلًا عن هؤلاء المتطفلين حولهم، فربما حين تهدأ يستطع أن يفهم منها سبب تلك الحالة السيئة التي تمر بها.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


إن كان الكل يدعي الطِيبة فأين يعيش السيئون بهذا العالم؟! هؤلاء الذين يفتقدون لشعورهم بالذنب، فيرون أنفسهم لا يخطئون، نفوسهم سيئة، عقولهم سيئة، حتى نواياهم سيئة، مهما حاولت أَسرِهم بصدق كلماتك سيخونونك في صمت.

رشا روميه 


بيت عائلة مكاوي(شقة محمود وجميلة)...

كزوجة محبة غيورة كان من المفترض أن تجمح ثورتها ويتعالى غضبها وهي ترى أن "زهرة" قد شغلت تفكير "محمود".


لكن "جميلة" كانت على العكس تمامًا، هادئة صامتة لدرجة البرود، وقفت بغرفة نومها تطالع وجهها المقتضب بالمرآة وهي تفكر بذهن شارد.


أفكار تتخبط هنا وهناك برأسها العريض، إحساسها بأن هناك أمر ما جعل "محمود" يهتم لأمر "زهرة" بالتأكيد، لكنها لن تقدر على مواجهته بذلك، لن تخبره بأنها تظن بأنه قد إنجذب إليها، فمن جانب لن تضحي بما وصلت إليه وما ستصل إليه بالقريب من تلك الثروة التي تخص عائلة مكاوي، فرصتها التي سنحت لها أخيرًا، فبعد أن تيقنت بأنها لن تنجب الوريث لتلك الثروة يجب أن تضع يديها عليها بنفسها.


يبقى فقط الجانب الآخر، "زهرة" - تلك الدخيلة التي يجب أن تحترس منها، فلن تجعل فتاة فقيرة مثلها تهز عرش مملكتها ومكانتها بهذا البيت.


أومأت بخفة حتى أن حركة رأسها لم تُلاحظ أثناء ترتيب أفكارها، فإن واجهت "محمود" الآن فربما يختار زواجه من أخرى سواء "زهرة" أو غيرها لإنجاب الولد، وحينها لن تستطيع ردعه، لهذا عليها إلتزام الصمت وتولي أمر "زهرة" بنفسها.


فهى لن تُهزم أمام تلك المزعجة التي إستطاعت بشهور قليلة أن تميل قلوبهم جميعًا تجاهها وتفوقت هي عليها فيما إستطاعت عمله لسنوات طويلة مضت.

بقلم رشا روميه 

أثناء تحديقها بنفسها بالمرآة إنتبهت على صوت "محمود" الذي أخذ يهتف بها:

- إنتِ حتفضلي واقفه كده، أنا عايز أنام.


تداركت "جميلة" نفسها لتلحق بـ"محمود" قبل أن يتجه إلى الفراش تستوقفه:

- إستنى يا "محمود"، أنا عايزه فلوس عشان أبدأ في تجهيز المشروع.


تنهد "محمود" قبل أن يجيبها بتملل:

- شوفي إنتِ عايزه إيه وأنا أخلي العمال يعملوه.


رفعت "جميلة" حاجبها بإستنكار، فهو يقلل من قدراتها ويستخف بها لتكرر بإصرار:

- لأ، متخليش العمال يعملوا حاجه، أنا عايزه أعمل كل حاجه بنفسي واقف على شغلهم كمان، أنا عايزه أعمل البيوتي سنتر ده على مزاجي أنا، مش مزاج أي حد.


أوسع من عينيه بإندهاش، فلماذا تريد إقحام نفسها فيما لا تفهمه، ليوضح لها بحنق:

- وعلى إيه البهدلة دي، ما تخليكِ في البيت يا بنت الحلال وإللي إنتِ عايزاه نعملهولك.


لوت فمها بإمتعاض لتجيبه بإستهزاء من فرض رأيه عليها:

- إنت فاكرني إيه، مبعرفش أتصرف وأفكر زيك، كأنك لوحدك إللي بتفكر في البيت ده، لااا، يبقى إنت متعرفنيش، أنا حثبتلك إني قادرة أتعامل في كل حاجه.


لولا موافقة والده وطلبه منه أن يلبي لها رغباتها الغريبة لما تحمل طريقتها وطلباتها، ليسألها بفراغ صبر:

- يعنى إنتِ عايزه إيه دلوقتِ؟! 


هذا هو بيت القصيد، وهدفها من الأساس، إرتسمت بسمة خفيفة لتحقيق مرادها قائلة:

- أفتح لي حساب في البنك، وحط لي فلوس عشان أبتدي شغل التوضيب في المخزن، وحتشوف، أنا إزاي حخلى المخزن دة أكبر بيوتي سنتر في مصر كلها.


ناظرها لوهلة يستخف بها مرددًا كلمتها بإستهزاء:

- في مصر كلها!!! ، اللهم طولك يا روح، خلاص يا "جميلة"، بكره أكلم بابا ونشوف، ممكن أنام بقى!!!


-ماشى، تصبح على خير.


عاد "محمود" تجاه الفراش بينما قالت "جميلة" لنفسها بخيلاء:

- (بكره أثبت لك إنك مش حتلاقي حد في تفكيري ودماغي إللي تتاقل بالدهب، مش زى العِله إللي فوق دي، كل شويه تعيط وتتسهوك، فاكره انها ممكن توصل لحاجه، لكن ده بُعدها أنا قاعده لها ولما نشوف.)

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


السويس (بيت فرح الصعيدي)...

بعض الصدمات يفاجئك بها أصحابها، هؤلاء من كنت تصدق أنك تعرفهم حق المعرفة، إنها ليست خيبة فقط، بل صفعة مدوية من الشخص الوحيد الذي تباهيت به أمام الجميع، كيف سأسامحك وقد ظننتك دون البشر مؤتمن.

رشا روميه 


تبدلت الأدوار فما عاد الكبير كبير، ولا الصغير صغير، فقد شاب من في المهد مبكرًا، ولحق الخزي بالكبار مقام، وقفت "فرح" بصدمة ألجمتها عن الحديث بعد ما سمعته.


إنفعالها منعها من الشعور بنفسها فهي لا تصدق، وقفت "فرح" كقاضي يحكم بالإتهام أمام والدتها التي نكست عينيها بخزي وهي تجلس بطرف الفراش، كما لو أن "فرح" هي الأم و"مديحة" هي الطفلة المخطئة التي تنتظر أن تنال عقابها.


هتفت "فرح" بوالدتها بصدمة:

- إنتِ يا ماما؟!!! إنتِ تعملي كده؟! أنا مش قادره أتخيل ولا أصدق وداني، ليه، ليه يا ماما ليه تعملي كده ليه؟؟!!


تهدجت أنفاس "مديحة" وقد شعرت بالبرودة تجتاح جسدها الساكن، طأطأت من رأسها أكثر وهي تلتزم الصمت، فماذا ستبرر وماذا ستقول؟! إنها معترفة بذنبها وتقر به، وما تفوهت به "فرح" هي تستحقه ولا تجد له مبرر.


دارت "فرح" حول نفسها بغضب وإندهاش، تحاول على الأقل كبح حدة غضبها، فما تربت عليه على يديها يختلف تمامًا عما تفوهت به، فكيف ستتقبل ذلك، كيف ستُصدق أن من أقدمت على هذا الجرم هي بنفسها من أنشأتها على الفضيلة والتقوى والحق.


كيف تكون بهذا التناقض، كيف لم تخشى من الله، وجدت "فرح" نفسها تستكمل إتهامها الحاد الذي كان يسقط بجسد "مديحة" كالخناجر، تعذبها عن فعلتها التي ندمت عليها لسنوات طويلة.


دفعت "فرح" بكفيها بإنفعال في الهواء قائلة:

- عشان إيه، عشان الفلوس، تغور الفلوس، أنا مش عايزاها، مش عايزاها!!!


بمقابل هذا الإنفعال كانت تقابلها "مديحة" بالصمت والبكاء والندم، فيما إستكملت "فرح" حديثها وهي تمد كفها تحثها أن تعطيها شئ ما:

- إديني الإسم والعنوان، أنا لازم أروح له، عارفه إسمه وعنوانه ولا لأ؟!!


حاولت "مديحة" إخراج كلماتها المتحشرجة بحلقها بصعوبة، فقد علقت غصة بصدرها وإختفى الهواء من حولها لتشعر بالإختناق الشديد وهي تجيبها بصوت متقطع:

- معايا، كنت شايلاه ليوم زى ده.


مطت "فرح" شفتيها الرقيقتين بمحاولة لتمالك غضبها:

- إديهوني، وعلى فكره، بكره الصبح لازم أنا و إنتِ نروح له، وتقوليله كل إللي عندك وتخلصي ذنبك وضميرك من ربنا.


بإيمائة مجبرة وحزن عميق حركت "مديحة" رأسها منصاعة لإبنتها:

- حاضر يا "فرح"،حاضر.


لأول مرة منذ أن وعت لتلك الدنيا تغضب بهذا الشكل من والدتها، قسيمة روحها، هما روح واحدة بجسدين، إرتباطهما العميق لا يشعر به سوى من كان مثلهما، كلتاهما لا تقدر على العيش بدون الأخرى، كلتاهما حياة للأخرى، واليوم غضبت "فرح" من والدتها، لأول ليلة تبيتها من دون عناقهن وكلماتهن المحبة، لأول صدع يحدث بينهما.


ألم قاس لقلبيهما معًا، فـ"فرح" لأول مرة تغضب من والدتها وتخاصمها، كيف ستبرر لها ما فعلت؟ كيف ستسامحها على ما إقترفته؟ لم تتخيل أن السوء يمكن أن يخرج منها، كانت مثال حي للون الأبيض النقي بحياتها، فكيف بعد تلوثه ستراه بنفس النقاء؟!


عادت "فرح" لغرفتها تنتظر تلك الليلة أن تنقضي، بينما جلست "مديحة" وحيدة بداخل غرفتها تتمنى لو أن الزمن يعود بها فلا تخطئ ولا تغضب قطعة روحها، إنها لا تتحمل غضب "فرح" بهذا الشكل، لا تتحمل خصامها وبُعدها، لا تتحمل رؤية تلك النظرة البشعة بالإتهام والضيق تجاهها، لكنها مجبرة بإختناق، قلبها متألم وروحها حزينة.


توجس وتخوف من هذه الرحلة جعل قلبها ينقبض، فرغم أنها ستحاول إعادة الحق لأصحابه، إلا أنها تخشى بشدة هذا اللقاء الذي سيأتي بعد مرور بضعة ساعات حين يأتي الصباح.

بقلم رشا روميه 


❈-❈-❈ــ


"من لا يكن معنا في العاصفة فلا نحتاجه عندما تشرق الشمس"، مقولة صحيحة حينما تعبر بك عواصف الزمن، تَقوى بمن يُشدد أزرك، يُساندك بمحنتك، لكنها على النقيض تمامًا حينما تُنطق كتهديد، فإما معنا أو علينا، وشتان بين هذا وذاك.

رشا روميه 


بعد وقت لا بأس به من هذا الإنهيار الغير مبرر لـ"نسرين"، وتمالك شهقاتها وبكائها، وصلا "نور" و"نسرين" لتلك الحديقة القريبة من الحي الذي تقطن به.


خلال هذا الوقت الطويل حاول "نور" تهدئة "نسرين" بشتى الطرق، إلا أنها بصعوبة بدأت تهدأ أنفاسها المتسارعة وتمالك تعاستها المفاجئة.


تنفس "نور" بقوة بعد إنتهاء تلك الأزمة التي لا يدرك أسبابها بعد لكنها خلفت لديه فضول شديد لمعرفة سبب كل هذا التوتر والحزن، تأثر نفسي يراه بها للمرة الأولى، ربما لا يكن لها مشاعر المحبين، لكنها بالتأكيد أثارت شفقته على حالها، فهو لا يريد لها أن تحزن بالمرة، فقلبه النقي لا يتمنى ذلك لأي كان، وبالتأكيد لها ذلك وأكثر فهي وصية والده ووالدها.


تطلع بها قليلًا يتأكد من هدوئها قبل أن يسألها:

- "نسرين"، إنتِ كويسه دلوقتِ؟


حركت رأسها بالإيجاب وهي تغمض جفنيها لوهلة، حينما إستكمل "نور" بنبرته الهادئة المريحة للنفس:

- طيب ممكن نتكلم بالراحه عشان أفهم إيه الحكايه بالضبط.


نظرت له "نسرين" بجانب عينيها فقد حانت اللحظة الحاسمة، نقطة الإنطلاق لإظهار هذا الجانب الخفي للعلن أمامه، سألته "نسرين" بما يثير فضوله:

- مسألتش نفسك ولا مره فين قرايبنا؟، ليه أنا وإخواتي وأمي لوحدنا؟، ليه بابا وصاك علينا بالشكل ده؟


إن كانت تريد إثارة فضوله فقد نجحت بالفعل، فقد إنتبه "نور" بشكل كامل وأكمل بإهتمام لمعرفة الإجابة: 

- الصراحه معرفش، أنا جه في بالي انهم في بلد وإنتوا في بلد!!!


دمعت عينيها بخفة لتجيبه بنبرة مهتزة تستدعي شفقته:

- لأ، أهل بابا هنا، معانا في نفس البلد، لكن إحنا لا بنشوفهم ولا بيشوفونا.


إرتفع حاجبيه بدهشة وقد هتف بتفاجئ تام:

- معقول!!! طب ليه؟!!


أجفلت جفنيها قليلًا لتزيد من قلة حيلتها وإظهار الظلم الذي وقع عليها لتجيبه بنبرة لينة منكسرة:

- بعد وفاة جدي الله يرحمه، بابا راح لعمي وطلب منه انهم يقسموا ميراث جدي بينهم، بس عمي طمع ومرضاش يدي بابا نصيبه، لأ وكمان طرده من بيت جدي، إضطرينا نيجي نعيش هنا على قد حالنا زي ما أنت شايف، كنا حنعمل إيه يعني.


إلا الحقوق المسلوبة، سيتغاضى عن الكثير لكنه ينصف الحق ويرفض الباطل بقوة، لا يتحمل المماطلة ونهب الحقوق، إنتفض "نور" بقوة هاتفًا بصرامة لا تراها "نسرين" كثيرًا معه، فهو هادئ لين أغلب الأوقات، لكنها تعلم جيدًا إصراره على الصواب وإحقاق الحق ولو بالسيف:

- إزاي ده، سايبه هي، فيه قانون في البلد يجيب لكم حقكم.


- ما إنت عارف بابا كان طيب إزاي، لا له في المشاكل ولا المحاكم، وإحنا كمان كنا صغيرين أوي وكان بيخاف علينا، كان على طول بيوصينا مندخلش مع عمي ده في أي حاجه، عشان عمره ما كان بيحب المشاكل.


برفض تام حرك "نور" رأسه بالنفي:

- إسمحي لي يا "نسرين"، كده والدك غلطان، ده حقه، كان لازم تقفوا لعمكم وتاخدوه.


للحظة تجلت القوة بعينيها لتعود لذات النظرة المنكسرة مرة أخرى قائلة:

- هو ده بالضبط اللي أنا فكرت فيه بعد وفاة بابا الله يرحمه.


وكما يقال (إطرق الحديد وهو ساخن) أكملت "نسرين" بنبرتها الباكية ودموعها المتلاحقة لكسب تعاطف "نور":

- أنا فعلًا رحت لعمي، وعرفته بنفسي بس طردني وبهدلني، ده كمان هددني إني لو رُحت له تاني ممكن يأذيني أو يأذي إخواتي، ويا ريت بس على كده (نظرت بعمق تجاه عيني "نور" لتطمئن أنها قد جذبت تعاطفه معها بشكل كامل لتكمل تلك العبارة خاصة)، أنا رُحت بنفسي لبنت عمي وإتحايلت عليها تساعدني وترجع لي حقنا من باباها، لكنها كانت نسخه منه، عملت معايا زي ما عمي عمل بالضبط، للأسف ضميرهم إنعدم.


ضرب "نور" كفيه بعضهما البعض متعجبًا من هؤلاء ناهبي الحقوق المسلوبة:

- لا حول ولا قوة إلا بالله، يـــــــــاه على الظلم والافترا، للدرجه دى!!!!


وقفت "نسرين" بمجابهة "نور" وهي تسلط سوداوتيها داخل عينيه فما ستطلبه الآن لهو بيت القصيد من تلك القصة كافة، يجب أن تتحلى بالإقناع اللازم لما سوف تطلبه منه، أردفت بقوة لتثير ذلك الجانب الأصيل فيه بأخذ طريق الحق:

- "نور"، أنا عايزاك تساعدني أرجع حقنا إللي عمي أخده.


ضيق "نور" عينيه بإندهاش من طلبها:

- أنا؟!!!! طب وأنا ممكن أعمل إيه؟!!


إقتضب وجهها قليلًا تستجمع كلماتها بتركيز تام لدفع طلبها دفعة واحدة حتى لا يتراجع أي منهما:

- بالحيله، أنا حاولت بالطلب المباشر، وحتى سألت محامي، بس هم أخدوا كل حاجه ومفيش إثبات بحقنا، يبقى مفيش قدامي إلا الحيله، صدقني أنا بقولك كده بعد ما خلصت كل الطرق إللي أرجع بيها حقي.


مال "نور" برأسه لليسار وقد تشكك بالأمر، فترى ما هي تلك الحيلة التي تريده أن يقوم بها:

- ادخلي في الموضوع على طول.


- بنت عمي!! 


تجهم وجه "نور" بعدم فهم ليتسائل بغموض محاولًا فهم بما تفكر به "نسرين":

- مالها؟


سحبت "نسرين" شهيقًا طويلًا فقد كاد الطريق على الإنتهاء، وعليها أن تخبره بخطتها لإستعادة حقهم، ثم أجابته:

- أنا مقدرش أثق غير فيك، إنت الوحيد إللي ممكن تعمل كده، أنا عايزاك تقرب من بنت عمي، وتخليها تثق فيك وتحبك، ولما تقدر تسيطر عليها تحاول تشوف طريقة تقنعها بيها إنها ترجع لي حقي، وقتها لو إنت خليتها تحبك أوي مش حتقدر ترفض لك طلب، لازم تسيطر عليها عشان ترجع لي حقي وحق إخواتي إللي أخدوه مننا ظلم، إنت لو عملت كده حتبقى بتنصر الحق، "نور" أنا محتاجه مساعدتك دي، أنا ملقتش أي طريق تاني غير كده، بالله عليك ما ترفض، إحنا تعبنا وعايزين حقنا، وهم إللي إضطرونا لكده.


دارت عينا "نور" بحدة، فهل يمكنه أن يخادع ويكذب، هل تطلب منه أن يدعي حبه لتلك الفتاة ويحيك لها الشرك لتقع ببراثنه وهواه لتحقيق أغراض "نسرين" حتى لو كانت نبيلة، حيرة وقع بها لتتلاطم الأفكار برأسه بين أن يساعدها ويأخذ حقها بالحيلة كما قالت، وبين أن أخلاقه ومبادئه ترفض الخديعة والإلتواء.


نظرت نحوه "نسرين" تحثه على الإجابة والموافقة:

- ها، قولت إيه يا "نور" حتساعدني؟


تشتتت نظراته للحظات قبل أن بجيبها:

- .....................ـ


الفصل الحادي عشر من هنا

stories
stories
تعليقات