رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة والثالث عشر 113 بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة والثالث عشر 

السلام عليك يا صاحب السمو..

لا أدري كيف ابدأ كلماتي معك، قثمة أحاديث أود أن أقولها ولكني لا أدري أين تكمن البداية ولكن فضلا منك أن تتفهم حتى النهاية ولا تسارع في إبداء حكمك علي، فأنا في الأخير كنت الضحية لأفعالهم...

حياة جديدة تنتظر أن تروي قصتها للمستمعين.">

بعد مرور أسبوغا..

تبدأ قصة لن يفهمها إلا العاشقين، قصة فيها يحيا قلبين جمعهما الحب، وقدر كتب على دروبهم أن يلتقي ليخرج الله من أصلابهم ذرية توحد الله ...

كان واقفا ينظر إلى إنعكاس صورته في المرأة ابتسامة راضية تعلو ثغره وراحة سكنت قلبه، فاليوم حفل زفافه كيف سيكون به الحال إذا؟

اقترب "يزيد" منه والبسمة تعلو ثغره، عيناه تومض بالفرحة لأجل تلك اللحظة التي كان ينتظرها منذ وقت طويل، ها هي الآن جاءت كي تجعلهم يعيشونها بكل لحظة فيها...

طب اللي عنده عريس زينا نقوله يا عمنا.

التفتوا جميعًا إلى مصدر الصوت حيث ولج "مهاب" بعد أن تجهز والضحكة الواسعة تعلو وجهه، أشرق كالشمس الساطعة في سماءها، وفوزا تعالت ضحكاتهم الرجولية معه ثم علق " وهيب" على كلماته ضاحكا:

عقبالك يا حبيبي ما أنت هتحصله بعدها علطول متفرحش أوي كدا.

جلس "مهاب" بالقرب منهم فوق المقعد الوثير واضعا قدما فوق أخرى قائلا:

حبيبي يا عريس لسه قدامي أسبوع، ما هو خلي بالك أفراحنا اللي مرصوصة ورا بعضها دي مش حلوة يعني أن هنفرح ونضحك ونهزر بس هنراكم على بعض شهور عسل وفي كافيه بيتخرب كلنا كدا هنريح.

أجابه "يزيد" الذي كان مندمجا في هندمة خلة أخيه قائلا:

متقلقش لو عالكافيه فالحل عندي.

النقط "مهاب" زجاجة من المشروب الغازي، فتحها وارتشف القليل منها ثم قال:

إيه بقى الحل دا يا حبيبي أخوك.

أخواتي مش هيأثروا وهيسدوا.

ابتعد بعدها قليلا عن رفيقه يلقي نظرة فاحصة عليه ثم أبدى إعجابه الصريح به بقوله:

زي القمر يا واد يا " وهيب"، أحلى مني أنا شخصيا.

اتسعت ابتسامته وفورا أجاب على كلماته ضاحكا:

لا يا عم مش للدرجة دي كلنا حلوين أه بس مينفعش نعلي على بعض هنا، إيه رأيك ياض يا ابو كنزاية أنت؟

أشار بكلماته الأخيرة إلى رفيقه الذي كان يرتشف المشروب الغازي ببرود يحسد عليه، فنظر إليه قليلا يتأمل هيئته قبل أن يغمز إليه بحركة صبيانية ويقول:

مش بقولك اللي عنده عريس زينا نقوله يا عمنا، وربنا جامد وتستاهل بوسة كمان.

هي وصلت للبوس؟ لا استغفر الله مليش فالسكة الحرام دي.

قالها " وهيب" متفاجنا ومصدوما مشيخا وجهه بعيدا عن عينين "مهاب" الذي نظر إليه قليلا دون أن يفهم سبب أفعال رفيقه حتى لمح تعبيرات وجه "يزيد" الذي كان يخفي ضحكته بشتى الطرق الممكنة جحظت عيناه حين ذلك وهتف مدافعا عن نفسه بحدة:

لا أنا مش التفكير النتن دا خالص أنت عبيط بعد العشرة دي كلها أتشاف بالصورة دي ؟

يا عم لا خلاص أنت ظهرت على حقيقتك بجد إخص مكانش العشم والله ... وأنا اللي كنت فاكرك تقي وبتتأسى بالنبي طلعت منهم فالآخر بجد أنا مكسوف من نفسي إني صاحبت واحد فعفانتك وقلة أدبك دي.

إتخذ الهروب سبيلا أمام "مهاب" الذي كان ينظر إليه بفم يكاد يلامس الأرض من شدة ذهوله، حتى أن "يزيد" حين ذلك لم يستطع أن يتمالك نفسه فترك العنان لضحكاته لتعلو بعد ما رأه من أفعال وردود، وما سمعة من إنهام وإنكار لم يستوعب عقل "مهاب" ما قيل ولكنه أعطى إشارته بالرد على تلك الأقاويل التي إن خرجت خارج حدودهم فستدمر حياته بلا شك:

أنا تنسيني ليهم فالآخر يا مهزق يا اللي محتاج تتربى من أول وجدید، کل دا علشان هزرت معاك بكلمتين ملهمش لازمة فلحظة لبستني ليلة لو حلفت بعدها بأيمنات المسلمين محدش هیصدقنی

أنهى حديثه فلقيا عليه وسادة وثيرة، فلم تصل إلى "وهيب" الذي تعالت ضحكته حين ذلك وأشار إليه بقوله التحذيري:

لا بقولك إيه أنا معفي من أي ضرب غبي هيحصل أنا عريس غمرك شوقت عريس مضروب قليلة فرحه ؟

ابتسم "مهاب" بزاوية فمه حين ذلك وأجاب منهكما بقوله:

اه شوفت كان "اللمبي " بعد ما "نوسة " ولعت بفستانها ليلة الفرح.

وربنا مهزق هقول إيه طيب يحاول مغلطش وأنت مصمم تسحبني فسكة مش بتاعتي.

قهقه "يزيد" الذي وقف بينهما حائلا ثم نظر إليهما وقال بنبرة هادئة يملأها السعادة:

بصوا برغم نکشكم فبعض حتى فاللحظات المهمة اللي زي دي بس بجد أنا مبسوط أوي إننا وصلنا للمرحلة دي مع بعض ومتأكد إنها مش هتكون الأخيرة وزي ما إتعاهدنا مع بعض قبل كدا، مع بعض عالمزة قبل الحلوة حتى لو نزلتلنا صواني البسبوسة بالقشطة.

اعترض "مهاب " فوزا على كلمات رفيقه فور انتهاءه بقوله الفظ:

لا أنا مستعد أبيعكم فالمرة طالما فيها صواني بسبوسة بالقشطة، معلش يعني الزمن دا زمن يلا نفسي.

رد " وهيب" عليه حين ذلك بعد أن حاول كظم غيظه قدر استطاعته بقوله :

طول عمري جوايا إحساس إنك ناوي معانا على غدر بس مكانش معايا الدليل ساعتها، دلوقتي ظهرت على وشك الحقيقي يا واطي يا بتاع كرشك

نظر إليه "مهاب" حين ذلك بطرف عينيه وكأنه يتهمه بهما مباشرة، ومن ثم قال ساخرا:

مفيش راجل مش بتاع كرشه یا حبیبی متدعيش الفضيلة أنت إمبارح كنت هتقومها خناقة على عزومة السمك والجمبري، خليني ساكت بقى أحسن.

بس خلاص أنت وهو هنتفضح أكثر ما إحنا مفضوحين بقى عيب، وأنت بظل تكش فيه بقيت بتاع مشاكل حد بالك.

هكذا أنهى "يزيد" الشجار الذي كان سيندلع بينهما قبل بدايته، ومن ثم إختص "مهاب" بكلماته الأخيرة والذي ابتسم ببرود دون أن يجيب، فجاءتهم طرفات خفيفة فوق الباب قبل أن يفتح ويطل عليهم "عادل" بقوله مبتسما :

مش ناويين تنزلوا يعني ولا إيه مفاضلش كثير على كتب الكتاب.

اقترب " وهيب" من المرأة ينظر إلى إنعكاس صورته فيها للمرة الأخيرة قبل ذهابه، ومن ثم تحرك رفقة "عادل" يتحدث معة مبتسما ويليهما الرفيقان اللذان كانا سعيدين لأجله وفي انتظار تلك اللحظات المرتقبة.

" ضيف شرف و حضور خفيف.">

في إحدى المساجد الكبرى..

كان المدعوين لهذا الحفل في تزايد مستمر الأصوات تعلو بإيقاع هادئ والضحكات تتبادل بينهم، في انتظار العريس بعد وصول العروس دون أن يختلطا ببعضهما كما أتفقا معا...

في مصلى النساء كانت تحاط بالفتيات صديقات وأقارب ومعارف، يلتفون حولها كالبدر الذي ترك السماء ونزل الأرض ليجذب سكانها إليه بنوره الساطع، كذلك كانت "عنان" التي كانت تلتف بفستان زفافها الهادئ، كان كالولو في بياضه الساطع، يزينه حيات اللؤلؤ بلطف ليعطيه مشهدا جذابا أكثر جمالا ورقيا، يعلوه خمارها الأبيض الذي التف فوق رأسها بشكل أنتوي ناعم ولطيف، بالأضافة إلى بعض مساحيق التجميل الخفيفة التي أبرزت فقط معالم وجهها دون تكلف..

كانت جميلة وهادئة بشكل جذاب حتى جعلت من راها يقسم أن " وهيب" إن رأها فلن يتركها إليهم بعد ذلك، جاءتها جارتها ومعها باقة الزهور الجورية البيضاء المرتصة باحترافية فائقة يتخللها زهورا صغيرة كي تعطيها حقها في الجمال، فأعطتها إياه قائلة:

العريس وصل بالسلامة ممكن تهدي بقى شوية من التوتر اللي أنت فيه دا وتاخدي البوكيه الحلو دا وتستمتعي بالأجواء الحلوة دي.

أخذته "عنان" فوزا وضمته بحب سافر لصدرها والابتسامة تعلو ثغرها الوردي، وبلحظة شعرت بسكينة تسكن قلبها بشكل غريب حين انتها أصوات الرجال من الأسفل، فاتسعت ابتسامتها أكثر وانتظرت تلك اللحظة الأحب لقلبها والتي كانت تنتظرها منذ أن كانت طفلة صغيرة لا تفقه شيء..

بينما في مصلى الرجال..

كان " وهيب" يتلقى مباركات العائلة والضحكة لا تفارق وجهه، سعيدا بوصوله لتلك اللحظة الفاصلة بين ماضي أسود ومستقبل مشرق في إنتظاره...

وبعد مرور القليل من الوقت جلس إلى جوار "رمزي" الذي أصبح مطلوبا منهم مؤخرا، يتابع الأجواء وابتسامة هادئة تعلو وجهها وعلى يساره والد "عنان" وولده "تميم" الذي كان لا نقل سعادته بشقيقته عنهم ...

طيب إيه بقى تبدأ ونجوزهم بقى ولا أنتوا ليكم رأي ثاني ؟ ما هو الراجل مش عليه حاجة سليم من كله وأنا حاسس بالتجمع اللى هناك دا إن أهل العروسة بيدبروله مكيدة والله أعلم يعني، لعلمكم أبوها جنبي يعني أي غدر هتلاقوه معايا علطول رهينة.

تعالت أصوات الضحك بعد أن مازحهم "رمزي" بكلماته وفوزا تلقى الجواب من أحد

الشباب والذي كان في منتصف العشرين يمازحة بقوله:

والله ما عملنا حاجة إحنا بنتفق مين هيفرقع الصواريخ ومين هيمسك الشماريخ، كفاية ظلم بقى.

مجددًا تعالت الضحكات ورد عليه "رمزي" مبتسما عبر مكبر الصوت الداخلي:

ما هو أنا للأسف أكثرية اللي شوفته من التجميعة دي على مدار 3 سنين يخليني أعرف إن وراها شر، نادرا لو لقيت تجميعة خير زيكم كدا فأمسحها فيا معلش حقكم على يا شباب.

مزر بعدها إبهامه فوق خط جبينه ثم بدأ عقد الزواج بعد أن التزموا جميعا الصمت ووقفت "عنان" حين ذلك قرب الدرابزين لرؤيتهم بقلب ينبض بعنف:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله...

فيقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون... ويقول أيضًا : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَتْ منهما رجالًا كَثِيرًا ونساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأرحام إن اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ... وقوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُم ومَن يُطع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ...

استدل بآيات القرآن الكريم في البداية، ثم أملى بعد ذلك على "ظلبة " الحديث الموجب

قوله والذي كان ينظر إلى " وهيب" بعينين هادئتين يملأهما الثقة، ثم رد " وهيب" عليه والابتسامة تعلو ثغره والحماسة تقود قلبه تجاهها في تهلف، وبعد مرور القليل من الوقت أبدى "وهيب" موافقته على حديث حماه بقوله الفرح

قبلت الزواج من موكلتلك وابنتك البكر الرشيد الآنسة "عنان" طلبة مطاوع" على كتاب الله وسنة رسوله والله على ما أقول شهيد.

بدأ التوقيع من كلا الشاهدين "تميم" و "محمد" شقيق "ظلبة" تحت عيناه التي لمعت بالتأثر، ومن بعد ذلك انتظروا إمضاء العروس والتي كانت تكتب اسمها بكف يرجف وعبرات تأبى السقوط من مقلتيها، ولم تسقط عبراته إلا عندما رأى توقيعها يرافق توقيعه، وكأنهما تعاهدا على السير معا في كل شيء...

أخفى وجهه مخفضا إياه أرضًا حتى لا يراه أحدهم، ولكنهما لم يغفلا عنه حين ذلك، جاورة "يزيد" الذي مال قليلا بجذعه ليصبح في مستوى جسده محدثا إياه قائلا بمرح:

دموع الفرحة دي أنا عارفها كويس، خليك فاكرها علشان فالمستقبل القريب هلاقيك جاي شايل أوي.

بينما ربت "مهاب" على كتف رفيقه برفق ولين ثم قال بوجه مبتسم ونبرة فرحة :

إياك تسمع منه أنت ماشي تمام أوي لحد كدا، أنت بتحس وعندك مشاعر حقيقية إنما دا إنسان بتاع لحظة وبس بعد كدا بايع، إفرح يا عم بقى مبارك عليك وصولك للحظة دي عقبالي بقى مننساش تدعيلي أنا استلمتك قيام ليل كل يوم لحد ما وصلنا للحظة دي أوعى تنساني بقى أنا أخوك ياض.

انقشع وجهه نوزا ورسمت الابتسامة فوق تغره، ثم رفع رأسه لتلمع عبراته العالقة في مقلتيه أسفل الإضاءة البيضاء للمسجد، فنهض ضامما إياه لصدره وهو يقول بنبرة ظهر فيها التأثر:

حبيبي "فهاب" والله الله يبارك فيك يا خويا وعقبال ما نفرح بيك أنت كمان وتلحقنا فدايرة المتزوجون دي علشان متفضلش برة لوحدك كثير أخاف منك تخلع من الموضوع.

قهقه "مهاب" على كلمات رقيقه ثم سدد إليه ضربة خفيفة الأثر فوق ظهره وقال:

ياض عيب بقى الكلام دا أنا بياع وقت الغدر بس والله معرفش مين اللي زرع الفكرة المهبية دي قدماغك بس ملحوقة ... أنا بس في حاجة مضايقاني ومش قادر أخبيها جوايا كثير.

تنغض جبين "وهيب" في تعجب واضح وانتظر سماع قوله، فلم يتأخر "مهاب" في ذلك وقال بنبرة أعربت عن ضيفه:

هو أنت ليه يا روح خالتك عامل فرح إسلامي؟

ظهر التفاجؤ على محياه عندما استمع إلى تلك الكلمات التي لا شك أنها صدمته، وبلحظة ألقي نظرة خاطفة على رفيقه الآخر والذي قال فوزا:

"خذيفة " و "رمزي" لو سمعوه هيعملوا منه سياخ كفتة أنا برة عن الموضوع دا الله يكرمك.

التفت " وهيب" ينظر إلى رفيقه الذي كان ينتظر إجابة على سؤاله بفراغ الصبر وقال: علشان دا الصح يا حبيبي، وبعدين إيش حال لو مكنتش قولتلك إني عامل فرح إسلامي هو أنت متعرفش تبقى مؤدب فمناسبة واحدة بس؟

زفر "مهاب" في ضيق من أمره وأشاح وجهه بعيدا دون أن يتحدث، بينما تحرك " وهيب" بعدها يتلقى مباركات العائلة بوجه ضاحك وقلبه يتلهف لرؤيتها، تلك الفتاة التي كانت تعانق الفتيات بوجه مشرق تتلقى المباركات يفرح وتنتظر تلك اللحظة التي ستجمعهما معا بعد قليل..

لتم " وهيب" رأس أمه في حب ثم ضمها بحنو بعد أن رأى العبرات تلمع في مقلتيها فرحا له، ربت على ظهرها وقال بنبرة هادئة يملأها الحنان

دموعك غالية على والله يا ست الكل عارف إنك مبسوطة وقلبك مش مطاوعك بعدي، ما أنا مش زي "تيم" برضوا.

لا والله؟ يعنى أنت شايف كدا يعني؟

التفت إليه فورا ضاحكا بعد أن رأى الضيق يعلو وجهه ثم قال:

بهزر معاك يا واد في إيه بقيت قفوش كدا ليه.

مازحة بكلماته كما اعتاد ثم اتجهت عيناه إلى الأعلى حيث مصلى السيدات، وقلبه لا يطاوعه للأنتظار أكثر من ذلك، فالعين تشتاق لأول نظرة حلال، وأول خفقة مختلفة، وأول كلمة معسولة ستقال للتعبير عن الحب...

وبعد مرور القليل من الوقت..

كان " وهيب" واقفا في الردهة ينتظرها بحماس لم يستطع لجمه، مرتديا خلته السوداء ويرافقها قميضا أبيض ويبيون أسود، ممشطا خصلاته برتابة ومرتبا للحيته المنقمة التي تعطى هيبة للرجال، بيده باقة الزهور البيضاء التي أنتقاها بعناية يتخللها بعض الزهور الصغيرة البيضاء التي أعطته حقه في الجمال...

أخرج زفيرة عميقة من صدره بعد أن سمع أصواتهن تقترب ووقف مستعدا لرؤيتها بقلب يتلهف لها شوفا، فمازال العقل لا يصدق حتى الآن أنها أصبحت زوجته أمام ربهم وعلى سنة الرسول الكريم، فلأجل أن يصل إلى تلك اللحظة كان الثمن باهظا وليس بهين..

انعكست إضاءة لون فستانها على الجدران بشكل لافت، من جعل حواسه تتأهب لرؤيتها شوقا وحبا، وأخيرا ظهرت بطلتها البهية فستان زفافها الأبيض البسيط مطرزا برقة خاطفة، ضيفا من الصدر ويتسع بنعومة للأسفل، يلمع بخفة تحت الإضاءة من يزيد من جماله الخاص، يعلوه خمارها الأبيض الذي ألتفت حولها بشكل ساحر، وتزين بطرحة الفستان التي إنسدلت بنعومة خلفها بشكل يسر القلب...

لمعت عيناه بوضوح عندما وقفت أمامه مبتسمة بحياء، تأمل وجهها كما يحل إليه بسرور وهو لا يعلم ماذا يقول، فكلمات المدح جميعها لن تعطيها حقها ولو كانت بلغات العالم أجمع. أخدت باقة الزهور منه بعد أن مدها إليها ومن ثم اقترب منها دون أن يتفوه بحرف، حاوط وجهها بكفيه برفق ثم لثم جبينها يحنو بالغ جاعلا إياها تغمض عيناها مرغمة ...

شعور لطيف تغلغل لقلبهما معا يختلطة لذه الحلال، فلم يكن الأمر سهلا عليهما ولكنه لم يكن مستحيلا قط، ابتعد خطوة ونظر إليها بعينين دامعتين وقال بنبرة أعربت عن مشاعر الحب المكنون بداخله

مبارك علي دخولك حياتي يا حبيبة غمري وأيامي.

تر فرق الدمع في عينيها وارتسمت الضحكة على وجهها فرحا وحبا له نظرت إليه وشعورها لا يقل شيئا عنه ثم قالت:

رزقنا الحلال يا "وهيبي".

رزقنا الحلال يا "عناني".

قالها بنبرة صادقة لم تخفى فيها مشاعره تجاهها ومن ثم ضمها بحنو خاشيا أن يؤلمها دون أن ينتبه، شاكرا ربه بامتنان واضح بقوله متأثزا:

صدقت يا رسول الله لم قلت رفقًا بالقوارير، وصيتك يا حبيب الله بقت حلالي على سنتك.

ريتت بحنو على ظهره دون أن تسيطر على عبراتها التي خانتها وسقطت من عينيها تأثرا يحب هذا الرجل الذي يدرك جيدا قيمة تلك المرأة التي أصبحت تحت مسؤوليته، والتي سعى لأجلها طويلا حتى تأتي تلك اللحظة التي انتظرها طويلا...

ابتعد قليلا ورفع كفيه ممرزا برفق ابهاميه على عينيها مزيلًا عبراتها، قائلا بنبرة باكية حنونة والابتسامة مرسومة فوق ثغره:

حقك علي اتأثرت شوية باللحظة.

نظرت "عنان" إليه نظرة حملت فيها احترامها الذي لا شك أنه أزداد إليه وحبا سيجعله يترك الدنيا بأكملها لأجله، ثم قالت معربة عم تشعر به:

متخيلتش بصراحة يكون دا رد فعلك أول ما تشوفني قولت هيكون العادي اللي بشوفه دايقا، بس بصراحة خالفت توقعاتي وحبك زاد أكثر بعد اللحظة دي أنا يجد مبسوطة أوي.

اتسعت الابتسامة ثغر " وهيب" والذي لثم جبينها مجددا بتقدير ثم قال:

ربنا قال الطيبين للطيبات، وإحنا لحد دلوقتي مفيش حد شافنا إلا وقال لا يقين على بعض لأنك مني يا "عنان".

ابتسمت بحياء عقب سماعها كلماته الأخيرة، فأنزل ذراعه بهدوء ثم أمسك كفها في رفق وابتسم إليها قائلا:

يلا بينا علشان عندنا فرح عايزين نحضره.

قلب صغير أرهق الجميع خوفا.">

في قصر عائلة آل دمنهوري ليلا...

كانت الأضواء الصفراء تنتشر حول القصر وداخله، تضفي بلمعتها على السماء المزينة بالنجوم، وكانها تنافسها عمدا أيهما أجمل...

كان "ليل" الحفيد يمكث في الحديقة الأمامية، يجول بينها وبين الأخرى حاملا صغيره

المريض على ذراعه، وجهه يحمل الخوف والقلب متوترا بشأن هذا الحبيب الذي داهمة المرض فجأة وفرض سيطرته عليه، كان "ليل" يلف ذراعيه حول جسده الهزيل ورأسه مدفونة في عنقه ..

جلس فوق المقعد بعد أن خلد طفله للنوم ومن ثم أخرج هاتفه من جيب سترته يعبث به

قليلا حتى قام بمهاتفة زوجته قائلا:

"روزي" أنت خلصتي ولا لسه ؟ طب هاتي "رودينا" وانزلي علشان نروح ...

نظر إلى صغيره الذي كان يغض في سبات عميق في حضنه ثم قال بعد أن استمع إلى

حديثها لأجل البقاء قليلا:

لا يا "روزي " كفاية الولد تعبان ولازم نروح في علاج محتاج باخده، أنا مستنيكي تحت متتأخريش.

أنهى حديثه وأغلق المكالمة ثم وضعه في جيبه كما كان، اقترب "طه" منه في تلك اللحظة مطمئنا على ابن أخيه قائلا:

طمني الدكتور قالك إيه ؟

تنهد "ليل" بعد أن بدأ الإرهاق يظهر على وجهه ثم أجابه قائلا بنبرة هادئة :

عنده میکروب شديد هو اللي تاعبه كدا ومعليله الحرارة.

ريت "طه" على ظهر الصغير برفق ثم قال وهو ينظر إلى أخيه

ألف سلامة عليه يا خويا اهتموا بعلاجه وأكله وهو بإذن الله هيخف بسرعة، متقلقش.

ابتسم إليه "ليل" ثم قال بنبرة هادئة :

يا رب يا حبيبي طمني عليك أخبار الدنيا معاك إيه ماشية ولا إيه نظامك ؟

بادلة "طه" ابتسامته ثم قال بنبرة مماثلة :

أهو بتمشي يا "ليل"، أينعم بقيت لوحدي بس يمشي الدنيا.

هي دي سنة الحياة يا "طه"، عارف إن "روان" كانت مهونة عليك كثير وبتسليك دايما بس أهي اتجوزت وبقى ليها حياتها، وأنت هيكون ليك حياتك برضوا ومسيرك تتجوز فيوم

من الأيام والشغل هياخدك ... يمكن تنسانا إحنا شخصيا.

قهقه "طه" على كلمات أخيه والتي لم يكن غرضها شيئا سوى المزاح كما اعتاد منه، ومن ثم قال:

عندك حق، بس مقدرش أنساكم يا عم لا، قلبي مش هيطاوعني أعملها أبوك يتبرى مني فيها دی.

قهقه "ليل" بصوت خافت حتى لا يقلق صغيره النائم فوق صدره ثم التزم الصمت حتى استأذن أخيه وصعد لغرفته تاركاً إياه وحيدا مجددا، بينما على الجهة الأخرى كان "غمير" جالسا مع "أحمد" يتحدث معه، حاملا صغيرته التي كانت هادئة بين ذراعيه تتابع بعينيها

الواسعة الحركة المحيطة بها في شغف طفولي معتاد...

رفعها "عمير" بعد أن ازدادت حركتها ومن ثم لثم خدها الصغير وقال مبتسما :

وبعدين فالشقاوة دي يعني.

ضحكت "أميمة " ومن ثم مدت ذراعيها نحوه، ففهم هو رسالتها وقربها منه ثم اغدقها بقبلاته اللامتناهية لتعلو ضحكتها الطفولية تطرب بها أذنه كما اعتاد، لم يحبذ أن يطيل عليها ولذلك ترك قبلته الأخيرة فوق خدها ثم ضمها لصدره مستمعا لنداء "عز" والذي بدوره

أول ما فعله أنه حمل "أميمة " عنه وقبلها قائلا:

إيه البنات العسل دى اللى ملت بيتنا مرة واحدة.

ابتسم "عمير" إليه وقال مراقبا إياه:

المؤسسات الغاليات دول حد بالك.

أجابه "عز" بعد أن ضمها لصدره وقال:

بقولك إيه أنسى بنتك خلاص بقت معايا مش ناوي أسيبها علشان أكون صريح معاك يعني.

قهقه "أحمد" تلك المزة ورد عليه بقوله الساخر:

دا على أساس إن أمها هتسمحلك تخرج بيها بس برة عتبة البوابة دي، دي تنط فكرشك

أنت بتحلم.

ابتسم "عز" وقبل أن يجيبه آتاه الرد من "غدير" التي حضرت مؤخرا واستمعت إلى تلك الكلمات:

تاخد مین یا استاذ ؟ أنت بتحلم شكلك.

التفت إليها "عز" وقد اجابها مبتسم بقوله الهادئ

هديكي بدالها غسالة أطباق هدية.

ولا كنوز الدنيا تعوضني عنها، لعلمك بقى مبعرفش أنام غير وهي فحضني، جاي أنت تقولي ها خدها، روح أتجوز أحسن.

التفت "عز" ينظر إلى "غمير" الذي أيد كلمات زوجته بقوله:

كنت هسمعك نفس الكلام، وأنا رأيي من رأيها طالما الوضع وصل بيك لكدا.

أخوك فين ياض مبلمحش وشه بقالي يومين؟

هكذا غير "أحمد" مجرى الحديث فجأة موجها حديثه إليه، فتنهد "عز" برمته وقال :

مسحول فالشغل بعيد عنك، ادعيله.

رفع "أحمد" حاجبه الأيمن عاليا مستنكرا كلماته قائلا:

شغل إيه اللي مسحول فيه أنت هنستعبطني؟

براحتك مش عايز تصدق متصدقش

هكذا أجابه "عز" ببساطة يصاحبها ابتسامة باردة، ثم اندمج مع الصغيرة تاركا "أحمد" يحاول التواصل مع رفيقه للمرة التي لا يعلم عددها على أمل أن يصل إليه تلك المرة.

زارت الكارثة منزلهم دون سابق إنذار.">

في شقة "علي"..

تجهزت "لارين" بعد أن تلفت مكالمة زوجها بشأن وصوله، منتظرا إياها كي يخرجا معا بعد أن أوصل صغاره إلى والديه مؤخرا، وقفت أمام المرأة تلقى نظرة أخيرة على هيئتها وابتسامة رضا تعلو ثغرها، خرجت بعد أن أطفأت أجهزة المنزل الداخلية وصولا إلى غرفة المعيشة ..

جلست ترتدي حذاءها مستمعة إلى نشرة الأخبار والتي عرضت خبرا عاجلا جذب انتباهها دون أن تشعر رفعت رأسها تنظر إلى المذيعة التي كانت تتحدث عن ظاهرة جديدة انتشرت فجأة أصابت الفزع في قلوب المواطنين من جعلها تتابع بإنصاب شديد، خصيصًا أنها رأت هذا الخبر مؤخرا منتشرا على مواقع التواصل الاجتماعي من جعلها تظنه أكذوبة حتى اتضح إليها حقيقته...

حالة من الذعر تنتشر بين المواطنين بعد انتشار ظاهرة الثعابين التي ملأت شوارع المدينة بشكل غير مسبوق ولسبب مازال مجهولاً حتى تلك اللحظة، وقد أسفر الوضع عن وقوع حالتي وفاة بسبب لدغة ثعبان، من أثار الأمر الخوف بين المواطنين.

دب الرعب قلبها بعد أن استمعت إليها وتأكدت من صحة الخبر الذي أصبح محط اهتمام الجميع في غضون سويعات، خرجت من شقتها مغلقة الباب خلفها وهي تفكر في الأمر، وقفت تنتظر المصعد وهي تنظر حولها في خوف بعد أن ترجم عقلها احتمالية وجوده في أي مكان الآن، ضغطت على الزر مجددا لتدرك أن المصعد لا يعمل منذ صبيحة اليوم لتستعين بالدرج حتى لا تتأخر عليه...

وعند وصولها للطابق الأول توقف حذاءها عن إصدار نغمته تيبس جسدها فجأة وخبست أنفاسها بعد أن استمعت إلى صوت فحيح يأتي إليها، ابتلعت غضتها في زعب تام و جحظت عيناها يهلع عندما رأت ثعبانا كبير الحجم مستقرا على جانب درجات السلم، شحب وجهها ولم تسمع إلا طنين أذنها، كانت المسافة بينه وبينها ليست بكبيرة فما جعلها لا تنتبه إليه لونه الذي يتماشى مع درجات السلم الرخامي..

صمت تام سيطر على المكان وهي لا تعلم كيف تطلب المعونة الآن، ولكن في تلك اللحظة اهتز هاتفها داخل حقيبتها، من جعلها تخرجه ببطء حذر وهى تنظر إلى الثعبان الذي كان يخرج لسانه السام بين حين وآخر وكأنه يستعد لها :

"علي"، الحقني يا " على " ... في تعبان عالسلم.

قالتها بنبرة يملأها الخوف الشديد وخافتة، وعيناها الدامعة لم تفارقه جاءتها كلماته المتوترة حينها يستنكر قولها:

تعبان إيه يا "لارين" أنت عارفة بتقولي إيه ؟ إيه اللي هيجيب تعبان هنا مش فاهم.

أقسم بالله قدامي عالسلم، أنا خايفة أتحرك وخايفة أعمل صوت وحاسة إني مش قادرة أقف.

ترك سيارته وولج إلى ردهة البناية بعد أن شعر بصدقها قائلا:

أنت فأنهي دور دلوقتي؟

الأول.

همست بها وهي تشعر أنها على مشارف الإنهيار، وما ساعدها على التماسك ولو لوقت قصير هو صوته الذي كان يقترب منها بحذر لمحنة بعد أن صعد اخر درجتين والتقت الأعين فوزا إحداها حذرة والأخرى مرتعبة تبحث عن الأمان، أشارت إليه فوزا تجاهه بعينيها فاتجهت عيناه فوزا نحو موضعه ليراه ساكنا يترقب في صمت يثير الرعب في الأنفس..

ذهل من كبر حجمه ولهذا فلن تنفع معه إلا طريقة واحدة للتخلص منه، ولكنها ستسبب الهلع في نفس زوجته وجميع من حوله وستشكل خطرا صريحًا عليها، مم زاد الأمر تعقيدا حين ذلك؛ تحسس سلاحه الذي أخذه من قصر جده بعد أن كان مسحوبا منه لأمر عسكري وعاد إليه اليوم بعد أن خل الأمر، سحبه ببطء من خلف ظهره وهو ينظر إلى "لارين" التي أدركت فوزا ما يفكر فيه زوجها ...

برغم خطورة هذا الحل ولكنه الوحيد الذي يتيح إليه أمام تعبانا بهذا الحجم وفي هذا المكان، فالاقتراب منه يعنى الموت حتما، عمرة ببطء نام دون أن يصدر صوتا، ومن ثم وجهه نحوه مباشرة منتظرا اللحظة الحاسمة، فلم يغد يهتم بعد الآن بحالة الذعر التي سيسببها للسكان ولزوجته، والتي على ذكرها وضعت كفيها فوق أذنيها وضغطت عليها قدر استطاعتها حتى لا تسمع هذا الصوت الذي تخشاه دوما..

شايف إيه يا "مؤمن"؟

قالتها زوجته وهي تنظر إليه حيث وقف يتابع المشهد عبر العين السحرية للباب بعد أن تلقى الرسالة من "علي"، وبرغم هدوء تلك اللحظة ولكن كانت هناك رياح تقترب في صمت زائف حتى تتاح إليها الفرصة المناسبة وتأخذ ما جاءت إليه، فأشار لها بقوله المترقب

حطي أيدك على ودنك يا "بهيرة"، فأي لحظة هيضرب وصوته هيكون عالي أوي وهيخوفك.

لم تنتظر "بهيرة " لحظة وفوزا ركضت تجاه الأريكة دون أن تفكر، جلست عليها ووضعت يديها فوق أذنيها حتى لا تسمع الصوت ثوان معدودة واستمعت إلى صوت عال في الخارج مزة واحدة ولم يتكرر بعدها؛ وعلى أثره خرج الجميع لرؤية ما حدث في رعب، بينما تنفس " على " براحة تامة في تلك اللحظة ونظر إلى زوجته التي اندفع جسدها للخلف وسقطت

أرضا بجسد واهن وهي تبكي..

أخفى سلاحه سريغا واقترب بحذر ينظر إليه أولا في ترقب، فتنفس براحة أكبر واقترب منها فورا يضمها لصدره، فتشبثت به فوزا وكأن عقلها أصبح لا يجد الأمان إلا فيه هو :

خلاص يا "لاري" محصلش حاجة يا حبيبتي، المهم إنك كويسة.

لم تقدر "لارين " على التقوه بحرف بعد ذلك، فقط كانت تنشبت به بعزم قوتها ولم تغد تستمع إلى كلمات زوجها مع الجيران وأفراد الأمن، فلم تظن يوما أن تكون في هذا المشهد. ولكن كان للقدر رأيا آخر في ذلك.

دا لم يعرف الحب يوما اختلاف الثقافات ">

كان حفلا راقيا هادئا كما أراده كلاهما، فيه انعزل الرجال عن النساء ولم يكن حفلا مملا كما كانوا يظنون، حتى تعجب "مهاب" وأباح إلى رفيقيه عن نظرته الخاطئة بقوله :

تصدقوا كنت فاكره ممل وهنقعد حاطين أيدينا على خدنا طلع الموضوع غير بجد.

ابتسم " وهيب" الذي نظر إليه بطرف عينه وقال:

عيب، لم أقولك كلمة متشككش فيا تاني.

نظر إليه "مهاب" بعد أن فهم رسالته وقال:

أستاذ فتأنيب الضمير قسما بالله المفروض يمسكوك منصب فيه.

قهقه "يزيد" بعد أن فشل في إخفاء هذا الشعور وعلق على كلماته بقوله الضاحك:

قسما بالله أنا مبقتش جملك أنت وهو.

حلفتك بالله يا أخي الفرح حلو ولا مش حلو ؟

هكذا أشهدة " وهيب" وهو ينظر في عينيه بيقين غريب، وكأنه يعلم أن صديقه سوف ينصفه لأنه دوما صاحب الحق حتى وإن لم يرضاه المنافقون، فنظر إليه بثقة تامة وقال:

حلو وندمان إني معملتهوش إسلامي.

نظر " وهيب" حينها إلى صديقه نظرة نصر ولم يتفوه بحرف واحد بعدها فهذا في حد ذاته محط إنصاف صريح، فقال مهاب" بعد أن فهم رسالته للمرة الثانية :

لا يا حبيبي أصل أنا حاجز القاعة خلاص جاي بعد إيه هو أنا ابن وزير المالية، قاعد على بنك الدولة بسحب منه على كيفي.

فلتت ضحكة "يزيد" للمرة الثانية بعد أن رأى المشاجرة الكلامية الأحب إلى قلبه على وشك

البدء، فأشار إلى صاحب تلك الليلة وقال مبتسما :

مبارك يا عريسنا، بتمنى يعني إنك متنساش شغلنا وسط حلاوة البدايات دي بدل ما نلاقي نفسنا مديونين.

رفع كفه الأيسر في وجهه بعد أن انتقل خاتم الزواج إلى بنصر تلك اليد وقال :

تراني عريس لا تكلمني من فضلك.

هز رأسه متفهما الرسالة ومدركا أن المصيبة ستأتي إليهم ما دام التهرب منها قد جاء، فالتزم الصمت أمامه مستمتعا بأجواء تلك الليلة التي كانوا ينتظرونها بفراغ الصبر.

<" فارس وما باليد حيلة أمام الحبيب ">

في منزل "خذيفة"..

حيث هدأت الأجواء قليلا بعد وصول هذا الخبر المخيف الذي أصاب الذعر في قلب "لارين" ورفيقه، كانت " أيسل" مندمجة في تنظيف الشقة تاركة صغيرها خلفها يمسك جهاز التحكم و مندمجا بشدة مع لعبته المفضلة، وبالقرب منه كان "خذيفة " منصبا فوق جهازه اللوحي بعد أن استلم الملف الذي ترك إلى ابن عمته مؤخرا ولم يلمسه نظرا لسوء حالة ولده الصحية والتي ضربتهم دون سابق إنذار...

كانت عيناه تذهب كل بضعة دقائق إلى صغيره النائم فوق الأريكة الملاصقة إليه، وكلما رأه نائما اطمئن قلبه حتى مز ما مر من الوقت، ولكن بلحظة مفاجئة انتفض جسد الصغير بشكل جذب انتباهه فورا تليها بكاء مروغا لم يسبق له مثيل، ترك ما يشغله في لحظتها واقترب

بخطوة واحدة منه، وهذا بعد أن حركتة غريزته الأبوية ...

حمله على ذراعيه ومن ثم ضمه لصدره تاركا كفه يربت على ظهره الصغير بحنو مستعينا بذكر الله بعد أن أدرك أن سبب واحد هو من أنتج هذا الفعل خرجت "أيسل" راكضة

وإمارات الخوف تظهر على وجهها بوضوح، ومن ثم قالت :

في إيه يا "خذيفة " ماله "يونس"؟

أشار إليها بكفه كي تهدأ قليلا ومن ثم قال بنبرة هادئة :

محصلش حاجة متخافيش شكله شاف كابوس

نظرت إلى صغيرها الذي كان ذراع أبيه يحجب صغر جسده عن عينيها وهي تريد أن تترك بصمتها على قلبه الصغير حتى يأمن مجددا، ولكن أراد "خذيفة " أن يكون له تلك المحاولة

فأشار إليها بقوله :

أرجعي كملي اللي بتعمليه أنا هتصرف.

لم يبدو الاقتناع على وجهها حاضرا، فعلى حسب معرفتها "خذيفة " يجهل التعامل مع الأطفال في تلك اللحظات، بالرغم من وجود "عدنان " قبل ذلك كان لا يفقه شيئا ودوما يترك لها زمام الأمور، ولكن إصراره تلك المزة جعلها ترضخ إليه وتمنحة تلك الفرصة دون أن تسأل كيف سيفعلها ...

ولج به إلى الغرفة ومازال الصغير يبكي ويشد بقبضته الصغيرة على قميصه، فأغلق "خذيفة " الباب كي يمنع دخول الأصوات العالية وبدأ يجول في الغرفة، كما يضم جسده الصغير إلى صدره والآخر يمسح برفق لين حنون ظهره، وتدريجيا بدأ صوته يكسر التوتر المحيط بالمكان حين قام بالتسمية وبدأ يتلو القرآن الكريم بنبرة هادئة لا يخلوها الدفء

والخشوع ..

إنسحب خلفه دون أن يشعر بنفسه وترك صغيره وهو على يقين تام أنه سيهدأ في أي وقت كان مرت به الدقائق على هذا المنوال حتى وقفت "أيسل " أمام الباب تستمع إليه في صمت ليس بغريب عليها، فهي تعلم جيدا متى يلجأ زوجها إلى تلك المساحة، وكيف يكون أثرها فيما بعد؛ وللعجب بدأ بكاء "يونس" يهدأ شيئا فشيئا عندما وصل صوت والده إلى قلبه كما اعتاد سماعه ..

وعندما سكنت الأصوات وأصبح صوته وحده هو ما يسمع جحظت عينان "عدنان" فجأة وتوقفت أنامله الصغيرة عن الحركة بعد أن أدرك أن أبيه قد بدأ أحب اللحظات على قلبه دون أن يخبره، فترك الدرع فوزا وركض إلى الداخل بعد أن تخطى أمه التي قهقهت بخفة

على أفعاله الطفولية ...

رأت "خذيفة " جالسا فوق الفراش ضامنا الصغير الذي غفى فوق صدره مجددا بعمق وكأن شيئا لم يحدث، وبعد ثوان حظى "عدنان" بمكانه المفضل النصف الآخر لصدر أبيه؛ فضفه " خذيفة " كما اعتاد دون أن يتوقف عن التلاوة دقيقة، ووقفت "أيسل " مكانها تتأمل هذا المشهد الذي ترك أثرا طيبا في قلبها، والابتسامة الحنونة تعلو ثغرها شاعرة بفراشات كثيرة تداعب معدتها ...

فحركتها قدميها تجاه الفراش كانت تريد أن تكون جزء من هذا المشهد الأحب إلى قلبها.

فاستلقت فوق الفراش ووضعت رأسها على قدمه تاركة نفسها لجمال صوته الذي دوما كان يبعث الطمانينة في أشد مخاوفها، وبنفس اللحظة شعرت بنبرة صوته تتذبذب تأثرا بلذة تلك اللحظة التي أمن الله عليه بها، بيث يملأة الحب والطمأنينة، لا يكون منفرًا بل إنما جاذبًا إليه قبل أي شيء آخر، لقلب حبيب؛ كان أنيسا له.

تعليقات