رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الحادي عشر
بالمساء…
كانت رنيم في طريقها إلى الشركة وقلبها ينبض بإيقاع متسارع لا يخلو من التوتر، لكنه توتر ممزوج بأمل كبير.
طوال الطريق كانت تستعيد في ذهنها كل ما مرت به خلال الأيام الماضية، السهر الطويل، الإرهاق الذي كاد يكسر جسدها، التحديات التي واجهتها وحدها، والخطوات التي خططت لها بعناية حتى تنقذ شركتها من السقوط.
لم يكن الأمر مجرد صفقة عمل بالنسبة لها، بل كانت معركة كرامة.
معركة أرادت أن تثبت فيها أن اسم سلطان الدسوقي لم يمت برحيله، وأن ابنته قادرة على الوقوف في وجه أي عاصفة.
عندما وصلت إلى الشركة، توقفت للحظة قبل أن تدخل.
رفعت عينيها نحو المبنى الذي يحمل اسم عائلتها، وتنهدت ببطء.
ثم خطت إلى الداخل.
كان المكان يعج بالحركة، العمال يتحركون بسرعة، الشاحنات تقف في الساحة الخلفية استعدادًا لنقل البضائع، وصوت الآلات يملأ المكان بنغمة تشبه إعلان النصر.
توقفت رنيم في منتصف المكان، تنظر حولها بعينين لامعتين بالفخر.
هذه البضائع، هذه الصناديق المتراصة، هذه الحركة المنظمة، كلها كانت نتيجة تعبها هي.
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، وشعرت للحظة أن كل شيء بدأ يعود إلى مكانه الصحيح.
لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا.
فجأة، دوى صوت إنذار حاد في أرجاء المكان.
صوت قوي ومفاجئ جعل الجميع يتوقف للحظة.
تجمدت رنيم في مكانها، ورفعت رأسها تنظر حولها بعدم فهم.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، انطلقت أنظمة الأمان فجأة.
اندفعت المياه من أعلى السقف بقوة، تتساقط كأمطار غزيرة داخل المصنع.
اتسعت عيناها بدهشة.
لم تفهم ما الذي يحدث، لكن ما حدث بعد ذلك كان أسوأ بكثير.
ففي اللحظة التالية، اشتعلت النيران.
كانت ألسنة اللهب ترتفع بسرعة مخيفة بين الصناديق والبضائع، وكأن شيئًا ما كان ينتظر لحظة الانفجار.
تراجعت رنيم خطوة إلى الخلف، تنظر حولها بذهول.
لم يعد المكان الذي كان قبل لحظات مليئًا بالحياة، بل أصبح ساحة فوضى.
صراخ العمال، صوت الماء، وهدير النار، كل ذلك امتزج في مشهد مرعب.
حاولت رنيم أن تتحرك بسرعة، تبحث عن مخرج.
لكن النار كانت تنتشر أسرع مما توقعت.
أصبحت محاصرة.
ألسنة اللهب تحيط بها من أكثر من اتجاه، والدخان الكثيف بدأ يملأ الهواء.
بدأت تشعر بالاختناق.
سعلت بقوة وهي تحاول أن تتنفس، لكن الهواء أصبح ثقيلاً، خانقًا، تراجعت بخطوات متعثرة، تحاول أن تجد طريقًا للهروب، لكنها لم تجد شيئًا سوى النار.
النار في كل مكان.
بدأ رأسها يدور، وشعرت بجسدها يترنح بسبب نقص الأكسجين.
رغم ذلك، حاولت أن تبقى متماسكة.
قاومت بشدة، رفعت يدها أمام وجهها لتحمي نفسها من الدخان، وحاولت أن تظل عيناها مفتوحتين.
لكن جسدها كان يضعف شيئًا فشيئًا.
نظرت حولها مرة أخيرة، إلى البضائع التي تعبت من أجلها.
إلى الصناديق التي كانت منذ دقائق مصدر فخرها.
والآن، أصبحت وقودًا للنار.
امتلأت عيناها بالدموع، لم تكن تبكي خوفًا، بل حزنًا.
حزنًا على كل ما ضاع في لحظة.
على تعبها الذي يحترق أمامها.
على المعركة التي ظنت أنها كسبتها.
بدأت جفونها تثقل ببطء، أصبحت رؤيتها مشوشة.
وقبل أن تغلق عينيها تمامًا، رأت وجهًا.
وجه شاهين، لم يكن واضحًا، كان مشوشًا وسط الدخان والنار، لكنها استطاعت أن تميزه، رأت في عينيه شيئًا غريبًا، شيئًا يشبه القلق، أو ربما الخوف عليها.
لكنها لم تستطع التأكد، كانت قواها تخونها، استسلم جسدها أخيرًا، وأغلقت عينيها.
لتسقط في ظلام كامل، فاقدة الوعي.
دون أن تشعر بشيء آخر.
****************************
في صباح يوم جديد لم يكن يشبه الصباحات العادية، بدأت رنيم تستعيد وعيها ببطء شديد، وكأنها تصعد من قاع عميق من الظلام نحو سطح يثقل صدرها بالضوء والألم معًا. كان رأسها ينبض بوجع قاسي، وكأن صداه ما زال محاصرًا بين جدران جمجمتها، بينما تسللت إلى أنفها رائحة الدخان الحادة، تلك الرائحة التي لا تخطئها الذاكرة، والتي تعيد إليها في لحظة واحدة صورًا مشوشة من اللهب المتصاعد والفوضى والصراخ المختنق. لم يكن ذلك مجرد أثر عابر لحريق انتهى، بل كان كابوسًا ما زال عالقًا داخل صدرها، يتردد صداه في أذنيها كأن ألسنة النار ما زالت تلتهم المكان من حولها.
اهتز جفنها ببطء، كأن رفعه يحتاج إلى جهد يفوق طاقتها، ثم بدأت تفتح عينيها بتثاقل شديد. في اللحظة الأولى لم ترى شيئًا سوى ومضات بيضاء قاسية ضربت عينيها بعنف، فاضطرت إلى إغلاقهما بسرعة وقد تسلل الألم إلى أعماقهما. حاولت مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وكل مرة كان الضوء يلسع بصرها كأنها خرجت لتوها من ظلام طويل، ومع محاولات متكررة بدأت عيناها تعتادان على ذلك السطوع تدريجيًا، حتى تمكنت أخيرًا من رؤية ما حولها بوضوح متردد.
كانت مستلقية على سرير أبيض تحيط به الأجهزة الطبية من كل جانب، أصواتها الخافتة تتردد بإيقاع بارد داخل الغرفة الهادئة، بينما كان العقار الطبي يتدفق عبر الأنبوب المغروس في يدها، ينساب ببطء داخل عروقها، للحظة بقيت تحدق في السقف دون حراك، ثم ارتجف قلبها فجأة عندما عادت الذكرى إليها كضربة خاطفة. الحريق، الدخان، الفوضى التي كادت تبتلعها.
هربت دمعة دافئة من زاوية عينها دون أن تشعر، لكنها سرعان ما رفعت يدها ومسحتها بسرعة، كأنها ترفض أن تمنح ضعفها فرصة للظهور، ثم أدارت رأسها ببطء لتتفحص المكان من حولها، فوقع بصرها على جواهر التي كانت نائمة على الأريكة داخل الغرفة، جسدها ملتف قليلًا وكأن الإرهاق قد غلبها بعد ساعاتٍ طويلة من السهر بجانبها. عند تلك اللحظة شعرت رنيم بثقل غريب في صدرها، واختلط الحزن بالتعب في صوتها حين نادتها بصوت حزين مختنق:
"جواهر! جواهر."
لم يكد صوتها ينتهي حتى فتحت جواهر عينيها بسرعة، كأنها كانت على حافة اليقظة طوال الوقت. انتفضت من مكانها في قلق واضح وركضت نحو السرير، ثم جلست بجوارها ومدت يدها تمررها على شعرها برفق مرتبك، بينما كانت عيناها تمتلئان بالخوف عليها وقالت:
"مالك يا رنيم تعبانه؟ حاسه بحاجة؟"
حركت رنيم رأسها ببطء شديد، وكان صوتها ما يزال متعبًا ومختنقًا حين أجابت:
"أنا كويسه، بس هو ايه اللي حصل؟"
تنهدت جواهر بعمق قبل أن تتكلم، وقد بدا الحزن واضحًا في نبرتها وهي تقول:
"مافيش يا رنيم خالتو ترنيم اتصلت بينا امبارح وقالت، أن حصل حريق فى الشركة وانتي كنتي فيها وأنك هتتحطي تحت الأجهزة بسبب الاختناق اللي حصلك من الدخان، وبس من وقتها وانتي مش حاسه بحاجة."
أغمضت رنيم عينيها بقوة، وكأن الكلمات أعادت إليها شيئًا من تلك اللحظات الثقيلة، ثم قالت بنبرة يغلفها الغضب المكتوم:
"ومين جبني هنا؟"
رفعت جواهر كتفيها في حيرة وقالت:
"معرفش والله انا من ساعة ما جيت امبارح وانا معاكي فى الاوضه معرفش أي تفاصيل."
أطلقت رنيم زفرة طويلة مثقلة بالضيق وقالت:
"ماشي."
وفي تلك اللحظة تحديدًا انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت ترنيم إلى الداخل. وما إن وقعت عيناها على رنيم حتى أشرقت ملامحها بابتسامة صادقة من الارتياح، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ ساعات، ثم اقتربت منها خطوة وقالت:
"حمدالله على السلامة يا رنيم، عاملة ايه دلوقتي؟"
لكن رنيم لم تنظر إليها، بل أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى بصمت بارد، وكأن وجودها في الغرفة لا يعنيها في شيء.
تنهدت ترنيم بحزن خافت، ثم اقتربت أكثر ومدت يدها محاولة فحصها، إلا أن يد رنيم كانت أسرع، إذ أمسكت معصمها بقوة مفاجئة وأوقفتها قبل أن تلمسها، وقالت بنبرة تحذير قاسية:
"حسك عينك ايدك تتمد عليا، أنا بقرف من لمستك."
أغلقت ترنيم عينيها للحظة، كأن الكلمات أصابتها بشيء من الألم، ثم أنزلت يد رنيم عنها بهدوء متعمد وقالت بنبرة مهنية حاولت أن تبقيها ثابتة:
"أنا هنا بصفتي الدكتورة بتاعتك يا رنيم، اركني أي خلافات شخصية على جنب."
ثم بدأت تفحصها بهدوء، بينما كانت تشعر بثقل نظرات رنيم الغاضبة فوقها طوال الوقت. وبعد أن انتهت واطمأنت إلى حالتها قالت:
"الحمدالله كل حاجه تمام."
ثم التفتت إلى جواهر قائلة:
"جواهر حبيبتي، نادي جواد من بره."
أومأت جواهر برأسها وتحركت إلى الخارج، ولم تمضي سوى ثواني قليلة حتى دخل جواد إلى الغرفة، وقد اتجهت عيناه فورًا نحو رنيم وقال:
"حمدالله على السلامة."
لكنها لم ترد عليه، بل اكتفت بإدارة وجهها إلى الاتجاه الآخر في تجاهل واضح.
نظرت ترنيم إليه وقالت:
"جواد روح هاتلها عصير من الكافيه بسرعة، وبالمرة خد جواهر معاك وهاتلها حاجة تاكلها."
أومأ برأسه وأمسك يد جواهر، لكنها أبعدتها عنه قليلًا قبل أن يخرجا معًا من الغرفة. وما إن أغلق الباب حتى التفتت رنيم نحو ترنيم بعينين مشتعلتين بالغضب وقالت:
"مش عايزة منك حاجة."
سحبت ترنيم المقعد القريب ووضعته أمام السرير مباشرة وجلست عليه بهدوء ثقيل، ثم نظرت إليها بعينين تحملان أكثر مما تقوله الكلمات وقالت:
"مين اللي عمل كده فى الشركة دي يا رنيم؟ الشركة دي بالذات كانت حاجه مهمة اوي عند ابوكي."
ضغطت رنيم على أسنانها بقوة، وكأن السؤال أشعل شيئًا داخلها، ثم قالت بنبرة نفاذ صبر واضحة:
"وانتي مالك حاجة متخصكيش كام مرة هقولك كده، خلي عندك كرامة لو لمرة واحدة، وملكيش دعوة بيا."
وفجأة نهضت ترنيم من مكانها، وأمسكت رنيم من ذراعيها بقوة وقد انفجر صوتها بالغضب وهي تقول:
"لا ليا يا رنيم، لما ألاقيكي بتعرضي نفسك للخطر يبقى ليا أن أدخل، وبرضاكي أو غصب عنك هفضل أحميكي لاخر يوم فى عمري، لحد ما اقوم بمهمتي كامله معاكي، فاااهمة."
رفعت رنيم عينيها ونظرت مباشرة داخل عينيها للحظةٍ طويلة، وفي تلك اللحظة رأت شيئًا لم تتوقعه، حبًا حقيقيًا وخوفًا صادقًا يلمعان في عمق نظرتها. لكن كبرياءها كان أسرع من الاعتراف بذلك، فأبعدت وجهها بسرعة وقالت ببرود متعمد:
"ابعدي عني وسيبي دراعي لو سمحتي."
أرخت ترنيم قبضتها ببطء، ثم عادت وجلست على المقعد مرة أخرى وقالت بنبرة أقل حدة:
"البضاعة اللي اتحرقت دي مهمه؟"
لكن رنيم لم تجب، بل بقيت صامتة كأن الصمت أصبح درعها الوحيد.
زفرت ترنيم بضيق واضح، وعندما تأكدت أنها لن تحصل على رد، استقامت من مكانها واتجهت نحو الباب. وقبل أن تفتحه سمعت صوت رنيم خلفها يقول:
"هو مين اللي جابني هنا؟"
استدارت إليها وقالت ببساطة:
"معرفش حد جابك وسابك ومشي."
ثم خرجت من الغرفة تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا يملأ المكان.
أغمضت رنيم عينيها تحاول أن تستعيد شيئًا مما حدث، أي صورة، أي صوت، أي لحظة مفقودة بين الدخان والفوضى. لكن فجأة انبثقت داخل ذاكرتها صورة حادة أربكتها تمامًا. ملامح شاهين، وجهه الشاحب المذعور، وعيناه المليئتان بالتوتر والخوف وكأنهما كانتا تبحثان عنها وسط النيران.
فتحت عينيها بسرعة وكأنها أفلتت من حلم مفزع، وهزت رأسها بقوة محاولة طرد تلك الصورة من عقلها، رافضة أن تسمح لها بالبقاء.
وبعد مرور بعض الوقت عادت جواهر إلى الغرفة ومعها العصير، وجلست بجوارها تحاول إقناعها بأن تشرب قليلًا، وبعد محاولات عديدة استطاعت أخيرًا وبصعوبة أن تجعلها ترتشف منه عدة رشفات.
***************************
في فيلا شاهين الرواي...
جلس زين مسترخياً على المقعد أمام طاولة الطعام الفاخرة، يمد جسده بثقة مفرطة وكأن المكان ملكه، بينما كانت ضحكاته ترتفع بلا حرج وهو يستعيد تفاصيل ما حدث في الليلة الماضية. كان واضحًا من ملامحه أنه يستمتع بسرد ما جرى، وكأن الحريق الذي التهم الشركة لم يكن مجرد حادث عابر، بل انتصار صغير يثير في داخله نشوة خبيثة.
رفع رأسه قليلًا وهو يلوح بيده في الهواء وكأنه يرسم صورة المشهد أمامه، ثم قال ضاحكًا:
"كل حاجه فى الشركة بقت كوم رماد مفيهاش حتة سليمة."
لم تتغير ملامح مريم كثيرًا وهي تستمع إليه، لكن بريقًا شريرًا لمع في عينيها للحظة، وكأن الكلمات أيقظت داخلها شعورًا قديمًا بالرضا والانتقام. نظرت إليه نظرة مليئة بالفخر القاسي قبل أن تقول:
"أنا قولت ميجبهاش إلا أنت يا أبن فريدة."
أومأ زين برأسه بثقة واضحة، وكأنه يسمع حقيقة يعرفها جيدًا ولا تحتاج إلى تأكيد، ثم قال بنبرة مليئة بالغرور:
"مش محتاجة كلام أنا رجل المهام الصعبه، المهم، ناوية تعملي ايه بعد كده؟"
تراجعت مريم قليلًا في مقعدها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة لكنها لم تكن بريئة على الإطلاق. كانت ابتسامة شخص ينتظر لحظة سقوط خصومه بصبر طويل، ثم قالت بهدوء مدروس:
"ولا أي حاجة، هقعد اتابع الادوار اللي انا وزعتها، وفي الوقت المناسب هظهر لكل بس وقتها هتكون نهايتهم كلهم."
أدخل زين قطعة الطعام في فمه ببطء، ثم نظر إليها بنظرة متفحصة وكأن فكرة ما بدأت تتشكل في رأسه، وقال متسائلًا:
"بس غريبه يا خالتي، يعني انتي زمان كان الشيطان يرفع ليكي القبعة، وقتلتي أمي وجوزها وكنتي قربتي تخلصي من ترنيم وجوزها، ايه حصل دلوقتي خلاكي عايزة تنتقمي منهم تاني؟"
تجمدت ملامح مريم للحظة قصيرة، ثم رفعت عينيها نحو الأعلى بحذر، وكأنها تتحسس المكان بعينيها لتتأكد من أن أحدًا لا يستمع إلى حديثهما. كان واضحًا أنها لا تريد أن تصل تلك الكلمات إلى آذان غير مرغوبة، خاصة إلى شاهين أو مروان. وعندما اطمأنت إلى الهدوء من حولها، مالت قليلًا نحو زين وتكلمت بصوت خافت يحمل خلفه ثقل سنوات طويلة من الألم والمرارة:
"اولا انا مقتلتش امك، رجب هو اللي قتلها، أنا قتلت جوزها سلطان، وبعدين بتسألني عايزة انتقم منهم ليه دلوقتي! أنا بسببهم قضيت عمري كله مشلولة على كرسي متحرك بعد ما الرصاصة جات فى العمود الفقري، بسببهم، عيشت مع راجل اعتدى عليا بدل المرة مليون مرة وحطيت الجزمة فى بؤقي علشان ميسلمنيش لشرطة، بسببهم حملت منه فى ابن غير شرعي وزورت شهادة ميلاد ليه علشان رفض يكتبه على أسمه، انا شوفت الذل والإهانة والمرمطة بسببهم، وهدفعهم التمن غالي اوي على كل اللي عيشته."
كانت الكلمات تخرج منها ببطء، لكنها كانت محملة بمرارة عميقة، مرارة امرأة عاشت سنوات طويلة تحت وطأة القهر والإذلال حتى تحول الألم داخلها إلى حقد لا يهدأ.
لكن زين لم يتأثر كثيرًا بتلك القصة، بل اكتفى بابتسامة شريرة ظهرت على شفتيه، وقال بنبرة ساخرة تحمل شيئًا من التهكم:
"ما انتي قتلتي اللي اعتدى عليكي وانا اللي دفنته بأيديا، بس مش خايفه لما تظهري الشرطة تقبض عليكي؟"
لم تنتظر مريم لحظة قبل أن ترد بسرعة، وكأن الفكرة نفسها تثير غضبها:
"فال الله ولا فالك، يخربيت لسانك السم ده، وبعدين انا لحد دلوقتي مرات غريب ضرغام، وانا ابني حبيبي عاملي شهادة ميلاد وبطاقة بأسم حد تاني خالص لأن أنا عند الحكومة ميته من زمان."
اقترب زين منها قليلًا، وخفض صوته أكثر وهو ينظر إليها بنظرة مليئة بالإعجاب الخبيث وقال:
"انتي كمية شر مركزة، وعجباني دماغك أوي يا خالتي، بس حرصي من اللي منك علشان الضربه متجيش غير من القريب."
قطبت مريم حاجبيها قليلًا ونظرت إليه باستغراب قبل أن تسأله:
"قصدك ايه؟"
وقبل أن يجيبها، قطع الصمت صوت خطوات قادمة من أعلى الدرج. كان الصوت واضحًا في هدوء الصباح، صوت خطوات ثابتة تنزل ببطء نحو الطابق السفلي.
اعتدل زين في جلسته فورًا، ورفع رأسه نحو الأعلى، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية عندما وقع بصره على شاهين وهو يترجل الدرج خطوة بعد أخرى بثقة هادئة. لم تكن تلك الابتسامة بريئة، بل كانت تحمل خلفها الكثير من المعاني التي لا تقال.
أدار زين رأسه نحو مريم ورفع إحدى حاجبيه في إشارة صامتة تطلب منها أن تأجل الحديث.
فهمت مريم الإشارة فورًا، فرفعت عينيها نحو شاهين الذي اقترب منها، ثم انحنى قليلًا وقبل رأسها قائلاً:
"صباح الخير يا أمي."
ثم تجاهل وجود زين تمامًا وكأنه غير موجود في المكان، واتجه إلى مقعده وجلس عليه بصمت بارد.
نظرت إليه مريم نظرة تحمل الكثير من المعاني، ثم قالت بنبرة دافئة:
"صباح الخير يا قلب امك."
لكن زين لم يفوت الفرصة ليكسر ذلك الهدوء، فتكلم بنبرة مازحة لكنها كانت تحمل قدرًا واضحًا من الاستفزاز:
"أيه يا ريس مافيش صباح الخير يا أبن خالتي؟"
رفع شاهين عينيه إليه ببطء، وكانت نظراته باردة حادة قبل أن يقول بنبرة جادة:
"اولا انت مش ابن خالتي انت ابن بنت خالة أمي، ثانيا مش هتقولي اقول ايه ولا لمين على الصبح."
ارتسمت ابتسامة غاضبة على ثغر زين، ابتسامة تحمل خلفها شيئًا مظلمًا، ثم قال بنبرة تحمل الكثير من التلميح:
"انت صح احنا مش ولاد خالة، بس قلبي عليك وهتحتاجني قريب اوووي."
ثم أنهى كلامه بغمزة لئيمة.
لكن شاهين لم يتراجع أمام تلك الكلمات، بل استقام بجسده وقال بثقة باردة:
"شاهين الرواي، عمره ما يحتاج لحد، وبالذات لو واحد زيك، انتبه انت بس لنفسك وملكش دعوة بيا."
ثم نظر إليه باحتقار واضح قبل أن يتحرك نحو الباب ويغادر المكان دون أن يلتفت خلفه.
ساد الصمت للحظة بعد خروجه، لكن زين لم يتأثر كثيرًا، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة بطيئة وهو يضع الطعام في فمه بلامبالاة، ثم رفع عينيه نحو مريم ونظر إليها بلؤم واضح، وكأن ما حدث للتو لم يكن سوى بداية لعبة أكبر بكثير مما يظنه الجميع.
************************
بالمساء...
وقفت ترنيم عند باب الغرفة تراقب رنيم وهي تستعد للمغادرة، وعيناها تحملان ذلك القلق الذي تحاول إخفاءه منذ ساعات. لم تكن رنيم في حالتها المعتادة؛ فقد بدت شاحبة الوجه، متعبة الملامح، كأن يومًا واحدًا فقط كان كافيًا ليسلب منها جزءًا كبيرًا من قوتها وصلابتها.
اقتربت جواهر منها بهدوء، وساعدتها في تبديل ملابسها ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تتسبب أي حركة خاطئة في إرهاقها أكثر. ثم رفعت شعرها الطويل وعقدته إلى الأعلى بعناية، بينما كانت رنيم تقف صامتة، مستسلمة لتلك المساعدة، لكنها في داخلها كانت تغلي بمشاعر متشابكة لا تعرف كيف تفرغها.
مدت جواهر ذراعها لتسندها، فمالت رنيم قليلًا عليها، ثم خرجتا معًا من الغرفة بخطوات بطيئة. كان وقع أقدامهما في الممر الطويل يتردد بصوت خافت، حتى وصلتا إلى المصعد الكهربائي. ضغطت جواهر الزر، ففتح الباب بعد لحظات، ودخلتا بصمت. هبط بهما المصعد إلى الأسفل بينما كانت رنيم تحدق في الأرقام المضيئة أمامها بوجه جامد، لكن خلف ذلك الجمود كان هناك اضطراب واضح في أنفاسها.
ما إن فتح باب المصعد حتى اندفع إليهما هواء المساء البارد، فخرجتا إلى الخارج. لم تمضي لحظات حتى وقعت عينا رنيم على جواد، الذي كان يقف بجوار السيارة منتظرًا، وملامحه توحي بنفاد صبر واضح.
تقدم بخطوتين إلى الأمام، ثم فتح الباب الخلفي للسيارة في صمت، متوقعًا أن تركب دون جدال. لكن رنيم توقفت فجأة في مكانها، وتصلبت ملامحها كأنها اصطدمت بجدار غير مرئي. اشتعل الغضب في عينيها، ثم قالت بحدة:
"أنا مستحيل اركب معاه."
زفرت جواهر بضيق وهي تنظر إليها، وقد أدركت أن عنادها بدأ يظهر من جديد، ثم قالت محاولة السيطرة على الموقف:
"مافيش غيره يا رنيم كلنا مجبناش العربيات بتاعتنا، وانتي عربيتك عند الشركه، ومش معقول يعني هنركب مواصلات."
لكن كلماتها لم تغير شيئًا في موقف رنيم. فقد عقدت ذراعيها على صدرها بقوة، وكأنها تبني جدارًا حول نفسها، ثم قالت بإصرار قاطع:
"مش هركب معاه يا جواهر حتى لو هخدها مشي."
تصلب فك جواد وهو يسمع كلماتها، وبدت في عينيه لمعة غضب لم يحاول حتى إخفاءها. زفر بعنف، ثم قال بنبرة نفد منها الصبر:
"معلش تعالي على نفسك واتكرمي واركبي عربيتي المتواضعه."
رمقته جواهر بنظرة ضيق واضحة، وقالت محاولة تهدئته قبل أن يشتعل الخلاف أكثر:
"جواد! بلاش طريقتك دي."
لكن جواد لم يكن مستعدًا للتراجع. فقد اشتعل غضبه أكثر، وقال وهو يلوح بيده بضيق:
"يا سلام يا اختي، يعني انا متكلمش بطريقتي دي، وهي تتكلم بأسلوبها ده عادي؟"
حركت جواهر رأسها بيأس، وكأنها عالقة بين طفلين يتشاجران بلا سبب، ثم قالت بنفاد صبر:
"لا انت ولا هي، وبلاش شغل العيال ده لو سمحتوا، ويلا بينا بدل وقفتنا دي، ماما وخالتوا زمنهم وصلوا الفيلا من بدري."
لم ترد رنيم عليها. بل أدارت وجهها إلى الاتجاه الآخر كأنها تحاول الهروب من هذا النقاش كله. لكن في اللحظة التالية تجمدت ملامحها فجأة عندما وقعت عيناها على سيارة تقف على مقربة منهم.
كانت سيارة شاهين.
لمعت عيناها بنظرة غريبة، نظرة تجمع بين التحدي والاندفاع، ثم التفتت ببطء نحو جواد، ونظرت إليه نظرة حادة، وكأنها تتحداه بصمت. وفي اللحظة التالية تحركت بخطوات غاضبة نحو السيارة الأخرى دون أن تنطق بكلمة.
اتسعت عينا جواهر بصدمة وهي تدرك ما تنوي فعله، فهتفت بسرعة:
"رنيم! انتي يا بنتي رايحه فين؟ يا مجنونه استني."
لكن رنيم لم تتوقف. فتحت باب السيارة مباشرة، وجلست على المقعد الأمامي بجوار شاهين دون أن تنطق بأي كلمة، وكأنها اتخذت قرارها بالفعل ولا مجال للتراجع.
كان شاهين يجلس خلف المقود، وقد بدا عليه الاندهاش الواضح مما حدث للتو. رفع أحد حاجبيه إلى الأعلى ونظر إليها بنظرة متعجبة، ثم قال:
"وده اسمه أيه أن شاءالله؟"
لم تنظر إليه حتى. كانت تحدق أمامها بوجه متوتر، وأنفاسها لا تزال مضطربة، ثم قالت بنبرة غاضبة قصيرة:
"امشي."
ظل ينظر إليها لحظة، غير قادر على فهم ما يحدث. كانت كلماتها مفاجئة، وتصرفها كله أكثر غرابة، لكنه لم يتحرك.
لكنها أعادت نفس الكلمة، هذه المرة بحدة أوضح:
"امشي بقولك."
عندها فقط اعتدل في جلسته قليلًا، ثم أدار المحرك دون كلمة أخرى، وتحرك بالسيارة سريعًا مبتعدًا عن المكان.
وقفت جواهر في مكانها تراقب السيارة وهي تبتعد، وقد ارتسمت على وجهها ملامح عدم تصديق حقيقي، ثم التفتت إلى جواد وقالت:
"المجنونة ركبت عربيه تانيه ومشيت وهي فى الحالة دي."
زفر جواد بضيق واضح، وكأن أعصابه أوشكت على الانفجار، ثم قال بنبرة غاضبة وهو يفتح باب السيارة:
"بنت خالك دي دماغها ناشفه وعايزة كسرها، اركبي يلا."
تنهدت جواهر وهي تهز رأسها بيأس، ثم صعدت إلى المقعد الأمامي. بعد لحظات التف جواد إلى الجانب الآخر، وجلس خلف المقود، وأدار المحرك بعصبية واضحة قبل أن تنطلق السيارة بسرعة في طريقها إلى المنزل، بينما ظل القلق يثقل صدر جواهر، وكأنها تشعر أن ما يحدث الآن ليس مجرد عناد عابر، بل بداية شيء أكبر بكثير مما يتخيلون.
***************************
انطلقت السيارة تشق الطريق في صمت ثقيل، صمت لم يكن هدوءًا بقدر ما كان احتقانًا مكتومًا يملأ الهواء بينهما. كانت رنيم تجلس إلى جواره متيبسة الجسد، تنظر أمامها بعينين مشدودتين، بينما تتصاعد أنفاسها ببطء غير منتظم، وكأن صدرها يضيق بما تحمله من غضب وارتباك معًا. أما شاهين فكان يقود دون أن ينطق بكلمة، لكن ملامحه المتجهمة ونظراته الجانبية السريعة كانت توحي بأنه يراقب كل حركة تصدر منها، وكل ارتعاشة خفية تمر على وجهها.
وفجأة، وبدون مقدمات، ضغط على المكابح بقوة.
توقفت السيارة توقفًا حادًا، فانجذب جسداهما إلى الأمام بعنف قبل أن يعاودا الاستقرار في مقعديهما. أطلقت رنيم شهقة قصيرة وهي تتمسك بطرف المقعد، بينما ساد للحظة صمت ثقيل كأن الزمن نفسه تعثر عند تلك اللحظة.
استدار شاهين ببطء نحوها. اعتدل بجسده قليلًا، ثم أسند ذراعه على عجلة القيادة وهو يتأملها بنظرة ثابتة طويلة، نظرة لم تكن صريحة تمامًا، لكنها كانت حادة بما يكفي لتشعرها كأنها مكشوفة أمامه.
ثم قال بهدوء حذر:
"ده اسميه ايه أن شاءالله؟"
اعتدلت رنيم هي الأخرى، وكأن ذلك السؤال أيقظ بداخلها موجة جديدة من التحدي. رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين مشتعلتين بالغضب، وكأن كل ما بداخلها يرفض أن يظهر ضعفًا أمامه، ثم قالت بحدة:
"سمي زي ما تسمي، انت بقى كنت بتعمل ايه عند العيادة؟"
لم يبد على شاهين أي ارتباك. بل مال قليلًا إلى الخلف، وحدق فيها بنظرة تحمل تهكمًا واضحًا قبل أن يقول ببرود ساخر:
"ملكيش فيه، حاجه متخصكيش."
كان رده كافيًا ليزيد احتقانها. شعرت وكأن الكلمات تضرب أعصابها مباشرة، فاقتربت منه قليلًا دون أن تشعر، وعيناها تضيقان بحدة بينما قالت بانفعال واضح:
"أيه كنت جاي تطمن وتشوفني موت ولا لسه عايشه؟"
رفع حاجبيه قليلًا وكأن السؤال أضحكه أكثر مما أغضبه، ثم اعتدل في جلسته وقال بلا مبالاة واضحة:
"يا بنتي انتي اخده قلم اوي فى نفسك كده ليه؟ ليه مفكرة نفسك شغلاني، انت ولا فى بالي اصلا، أنا افعصك برجلي متظهريش."
انقبض فكها بقوة حتى بدت أسنانها مشدودة خلف شفتيها. كان غضبها يتصاعد في صدرها مثل نار بطيئة، وقالت من بين أسنانها بصوت مكبوت:
"وانت عرفت ازاي اني موجودة فى العيادة دي اصلا؟"
لكن شاهين لم يجب.
ظل صامتًا، واكتفى بابتسامة هادئة غامضة ارتسمت على شفتيه وهو يعيد نظره إلى الطريق أمامه، كأن السؤال لم يكن موجهًا إليه من الأساس.
كان صمته أسوأ من أي إجابة.
شعرت رنيم بأن شيئًا في داخلها يضطرب. اعتدلت في جلستها بعصبية، وعقدت ذراعيها على صدرها كأنها تحاول احتواء ذلك الغليان الذي يشتعل بداخلها. أخذت تحرك قدمها بسرعة فوق أرضية السيارة في حركة لا إرادية، بينما كانت أفكارها تتزاحم في رأسها بلا ترتيب، مرت ثواني ثقيلة.
وفجأة، اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، كأن فكرة ما انفجرت في عقلها دفعة واحدة. التفتت إليه بسرعة، وصوتها يحمل يقينًا متوترًا وهي تقول:
"انت كنت موجود فى الشركة ساعة الحريق، ايوه أنا شوفتك قبل ما يغمى عليا، انت اللي عملت كده، صح؟"
لم تتغير ملامح شاهين.
بل التفت إليها ببطء شديد، وكأن الاتهام لا يعنيه بشيء. كانت الابتسامة نفسها لا تزال معلقة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لا تكشف شيئًا أبدًا. ثم قال بلا اكتراث:
"أنا كنت بقول عليكي ذكيه، بس واضح كده اني كنت غلطان، انا لما بضرب، بضرب فى الوش، مش بضرب فى الضهر، واللي حصل فى الشركه ده، لعب عيال، مليش فيه."
ازدادت أنفاسها حدة، واشتد لمعان الغضب في عينيها وهي تقول بإصرار:
"أنا متأكدة انك كنت موجود."
ظل محتفظًا بابتسامته، وكأن إصرارها يزيده هدوءًا بدل أن يربكه، ثم قال بصوت هادئ غامض:
"مش شرط كل حاجه نشوفها تبقى حقيقيه."
نظرت إليه بضيق، لكنها شعرت فجأة بشيء آخر يتسلل إلى داخلها، ارتباك خفي لم تستطع تفسيره. كان جزء منها مقتنعًا بأنه يكذب، بينما جزء آخر لم يستطع فهم ذلك الهدوء الغريب الذي يواجه به اتهامها.
قالت بصوت بدا وكأنه يحمل شيئًا من الضياع رغم غضبها:
"مافيش غيرك، اللي من مصلحته حرق الشركة دي، علشان تذلني زي ما انت عايز."
هز كتفيه بلامبالاة، وكأن الأمر لا يستحق أكثر من ذلك، ثم قال:
"وانا قلتلك اللي عمل كده مش انا، عايزة تصدقي صدقي مش عايزة انتي حرة، أعلى ما في خيلك اركبي."
في اللحظة التالية اندفعت يدها نحوه دون تفكير وضربته على كتفه بقوة، بينما صرخت بانفعال خرج دفعة واحدة من صدرها:
"أنا بكرهك يا شاهين بكرهك، ومتفتكرش، انك كده فوزت عليا، انت كسبت أول جولة بس، والشاطر اللي يضحك فى النهاية."
لكن قبل أن تسحب يدها، تحرك بسرعة خاطفة.
أمسك يدها بقوة، ثم شدها نحوه فجأة حتى ارتطم جسدها بصدره. التف ذراعاه حولها بإحكام، كأنه يمنعها من الهروب، بينما قال بنبرة هادئة على نحو يناقض تمامًا توتر اللحظة:
"شش، اهدي، انتي حالتك الصحيه متسمحش بالتحدي دلوقتي، شدي حيلك وارجعي احسن من الاول وبعدها نكمل."
في البداية حاولت المقاومة.
لكن جسدها سكن فجأة.
كأن قوة خفية سحبت منها كل قدرة على الابتعاد. شعرت وكأن مغناطيسًا غير مرئي يثبتها في مكانها كلما حاولت أن تتحرك بعيدًا عنه. تعالت دقات قلبها بعنف حتى شعرت بها تضرب صدرها من الداخل بقوة مؤلمة، وكأنها ستفر من بين ضلوعها في أي لحظة.
كان قربه مربكًا، أنفاسه الدافئة تلامس شعرها، وذراعاه تحيطان بها بثبات غريب لم تعرف كيف تفسره. لم تفهم ما الذي يحدث لها تحديدًا، ولماذا اختفى غضبها فجأة بهذه الطريقة.
لكنها أدركت شيئًا واحدًا فقط، أنها لم تكره تلك اللحظة.
بل على العكس، أحبت ذلك الإحساس الدافئ الذي اجتاحها فجأة رغم كل شيء.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه شاهين عندما شعر بسكونها بين ذراعيه، وكأنه كان يدرك تمامًا ما يحدث داخلها. لم يقل شيئًا، واكتفى بالبقاء هكذا، بينما امتد الصمت بينهما، صمت مختلف هذه المرة، صمت مليء بشيء غير مفهوم يتشكل ببطء بين قلبين يرفضان الاعتراف به.
وظلا على هذا الوضع لوقت ليس بالقصير، حتى انتفضت رنيم فجأة، وكأنها استفاقت من غفلة قصيرة. ابتعدت عنه بسرعة، وأدارت وجهها بعيدًا عنه حتى لا يرى ارتباكها، ثم قالت بتلعثم واضح:
"و وصلني البيت لو سمحت."
لم يعلق شاهين.
اعتدل في جلسته ببطء، وأعاد يديه إلى عجلة القيادة، ثم أدار المحرك مرة أخرى.
وانطلقت السيارة في الطريق من جديد، لكن الصمت الذي خيم بينهما هذه المرة لم يكن صمت غضب فقط، بل صمت يخفي تحته شيئًا بدأ يتغير دون أن يعترف أي منهما به.
*************************
لم تمضي دقائق طويلة حتى أوقف جواد السيارة أمام البوابة ببطء، ثم خيم الصمت داخلها مرة أخرى.
مدت جواهر يدها نحو مقبض الباب لتفتحه وتنزل بسرعة، كأنها تريد الهروب من تلك المسافة الصغيرة التي تفصلها عنه داخل السيارة، لكن يد جواد كانت الأسرع.
أمسك بيدها قبل أن تفتح الباب.
كانت قبضته دافئة وقوية في الوقت ذاته، وكأنه يخشى أن تفلت منه إذا تركها. التفت إليها ونظر في عينيها بنظرة امتزج فيها الحنين بشيء من الرجاء، ثم قال بصوت يحمل دفئًا واضحًا:
"مش ناوية تفكيها بقى، وحشني ضحكك وهزارك يا جوجو، يا بت انا قلت انك هتبقى مراتي وهشوف الدلع كله، غيري وش الكتعه ده علشان خاطري."
لكن كلماته لم تلامس قلبها كما كان يتوقع.
دفعت يده بعيدًا عنها فجأة وكأن لمسته آلمتها، ثم التفتت إليه بعينين ممتلئتين بالغضب وقالت بحدة:
"دلع! ما كفايه دلع الست هانم اللي كانت فى حضنك، هيبقى أنا وهي؟"
تجمدت ملامحه للحظة.
أغلق عينيه بضيق واضح وكأن كلماتها ضغطت على جرح لا يريد فتحه، ثم قال بصوت بدا مختنقًا قليلًا:
"جواهر، بلاش تشبهي نفسك بواحده زي دي، وهيجي اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقه وتتأكدي من حبي ليكي."
لكن تلك الكلمات لم تكن كافية لتخفيف ما بداخلها.
تجمعت الدموع في عينيها بسرعة، وارتعش صوتها وهي تقول:
"الصدمة اللي عيشتها لحظة ما شفتك بمنظرك ده، موتت كل حاجه حلوة جوايا، أنا لحد دلوقتي، بحاول اتأقلم على الحياة الجديدة دي رغم أن عشت عمري كله بحلم بالحياة دي، كنت بستنى اليوم اللي هكون فيه مراتك وبتاعتك، لكن انت باللي عملته ده كسرت حاجات كتير اوي جوايا، اصبر بقى عليا لحد ما اقدر انسى اللي شفته بعيوني."
كانت كلماتها تخرج ببطء، كأن كل كلمة تحمل معها قطعة من قلبها.
لمعت عينا جواد للحظة وهو ينظر إليها، ثم اقترب قليلًا منها. رفع يده بحذر شديد، وكأنه يخشى أن تبتعد، ثم مرر أصابعه برفق على وجنتها وقال بصوت خافت حنون:
"جواهر يا قلبي مش كل شوية هعيد كلامي، أنا بحبك انتي وعيوني مش شايفه غيرك، كل البنات بالنسبالي هوا، أنتي حب عمري، ومراتي وان شاءالله هتبقى ام عيالي."
كان صوته صادقًا بطريقة أربكتها للحظة.
اقترب منها أكثر ببطء شديد، والمسافة بينهما بدأت تختفي تدريجيًا، حتى كادت أنفاسهما تختلط. كانت عيناها معلقتين بعينيه، وكأن جزءًا من قلبها يريد أن يصدق كلماته رغم كل شيء.
لكن قبل أن تكتمل تلك اللحظة، رن هاتفها فجأة معلنًا وصول رسالة.
كان الصوت حادًا في ذلك الصمت، كأنه كسر اللحظة إلى نصفين.
دفعت جواهر صدره بعيدًا عنها بسرعة، ثم أخرجت هاتفها من حقيبة يدها بتوتر واضح. فتحت الرسالة دون تفكير، لكن ما إن بدأ الفيديو يعمل حتى تجمدت ملامحها تمامًا.
ظهر جواد في الفيديو، وبجواره فتاة تقترب منه وتقبله على صدره العاري داخل غرفة نوم.
لم تستطع استيعاب المشهد في البداية.
اتسعت عيناها بصدمة، ثم بدأت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة وكأن سدًا كاملًا انهار داخلها. هزت رأسها بعنف وهي تنظر إليه، ثم صرخت بصوت اخترقه الألم:
"أنا بكرهك يا جواد، طلقني يا خاين طلقني."
نظر إليها جواد بذهول واضح، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
انتزع الهاتف من يدها بسرعة ونظر إلى الشاشة، وما إن رأى الفيديو حتى أغمض عينيه بعنف، كأن الغضب انفجر داخله دفعة واحدة. تنفس ببطء، ثم فتح عينيه مرة أخرى وأمسك يد جواهر محاولًا تهدئتها وقال بأسف:
"أنا آسف يا جواهر، أنا عارف انك مش هتصدقيني، بس والله العظيم ما حصل حاجه الموضوع مش زي ما انتي مفكرة."
لكن كلمات الاعتذار لم تعد تصل إليها.
سحبت يدها المرتعشة بعيدًا عنه، ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، وقالت بصوت متكسر ممتلئ بالألم:
"كفايه بقى كذب، انت ااايه، أنا تعبت من اللي بتعملوا فيا ده، انت إزاي كده؟ يعني امبارح كنت عندها وبتتكلم معايا على انك فى الشغل، هي فعلا واضح انها كانت شقيه اوي، وتعبتك بوتاجاز خمسه شعلة، طلقني يا جواد مش عايزة اشوف وشك تاني فاهم."
لم تنتظر ردًا، فتحت باب السيارة بسرعة، ونزلت منها وهي تكاد تتعثر من شدة انفعالها، ثم ركضت نحو باب الفيلا وكأنها تهرب من كل شيء خلفها.
ظل جواد جالسًا مكانه للحظة، أغلق عينيه بقوة، وانقبض فكاه بعنف حتى برزت عضلات وجهه بوضوح. كان الغضب يتصاعد داخله كعاصفة حقيقية، لكن ليس غضبًا منها، بل من شيء آخر.
فتح عينيه ببطء، ثم اعتدل في مقعده.
أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا. لم تمضي ثواني حتى سمع صوتها في الطرف الآخر، فقال بنبرة باردة مشدودة:
"أنا جايلك الشقه، استنيني."
ثم أنهى المكالمة دون كلمة أخرى.
ألقى الهاتف بعصبية على المقعد المجاور له، وأدار المحرك بعنف، ثم انطلقت السيارة من أمام الفيلا بسرعة جنونية، كأن الطريق كله لم يعد يتسع للغضب الذي يشتعل داخله.
