رواية ظل بعد ظل الفصل الحادي عشر بقلم ياسمين النعيمي
#الفصل_الحادي_عشر
#ظِلٌّ_بَعدَ_ظـِلّ
رجعتها للمستشفى كانت أغرب مما توقعت.
يومين مرت على عودتها للدوام ...
كل شي نفسه … نفس الممرات، نفس ريحة المعقم، نفس أصوات الأجهزة و خطوات الناس السريعة.
بس هي … مو نفسها.
بعد ما طلع المريض الي كان عندها و رتبت الممرضة الكرسي و الأدوات ... فرغت الغرفة عليها و التفتت ترتب الأوراق المتراكمة و تراجع الإيميلات قبل المريض الثاني.
كانت لابسة اللاب كوت كوت الأبيض فوق السكرب الأسود، شعرها مرفوع بتسريحة عملية، و بجانبها كوب قهوة بارد صار له ساعة يمها و ما شربت منه إلا القليل.
طرقة خفيفة على الباب.
رفعت عيونها:
- Come in . ( تفضل )
انفتح الباب شوية، و دخل زميلها البريطاني. بإيده كوبين قهوة من كافتيريا المستشفى، و ملامحه هادئة بطريقة مدروسة.
- Hey… I hope I’m not interrupting.
( مرحبا، أتمنى ما أكون أزعجتج )
وقفت بشكل تلقائي من وراء المكتب.
- No, it’s okay.
( لا، عادي )
قرب و حط كوب على مكتبها.
- I got you this. I remembered you don’t take sugar.
( جبتلج هذا. أتذكر ما تاخذيه بشكر )
نظرت للكوب ثانيتين، بعدها رفعت عيونها إله بابتسامة صغيرة رسمية:
- Thank you. That’s kind of you.
( شكراً هذا من لطفك )
سكت لحظة، واضح متردد شلون يفتح الموضوع.
- I heard about your father.
( سمعت عن والدج )
هنا نزلت عيونها بسرعة للأوراق، و كمل،
- I’m sorry.
( أنا آسف )
أخذت نفس هادئ.
- Thank you.
( شكراً )
بقى واقف ثواني، و بعدين كَعد على الكرسي المقابل للمكتب بدون ما تستدعوه.
- That must have been really hard.
( اتوقع هذا كان جداً صعب )
هزت راسها بخفة.
- It was.
( اي )
سكتت، و رجعت ترتب ملف بإيدها كأنها تريد تبين إن الحديث انتهى.
بس هو ظل:
- Were you close?
( كنتوا مقربين )
رفعت عيونها إله بهدوء ... السؤال مو وقح بثقافته، بس بالنسبة إلها كان قريب أكثر من اللازم.
- Yes. Very.
( إي. جداً. )
هز راسه بحزن خفيف.
-I can’t imagine losing a parent.
( ما أكَدر أتخيل خسارة الأب )
- I hope you never have to.
( أتمنى ما تعيشه )
نبرتها كانت لطيفة … بس فاصلة.
ظل ساكت ثواني، و بعدين قال:
- You were living with him, right?
( كنتي عايشة وياه صح ؟ )
تجمدت أصابعها لحظة على الملف.
هي ما كانت تحب أحد يعرف تفاصيل حياتها ... و خصوصاً هو.
- Yes. ( نعم )
- So… how are you managing now?
( إذاً شلون مدبرتها هسة )
نظرتله مباشرة هالمرة.
مو بنظرة عصبية، ولا انزعاج. بس رسمية جداً. مرتبة. واضحة.
- I’m not alone.
( اني مو لوحدي )
هو انتبه للنبرة، بس ابتسم بخفة يحاول يبقي الجو طبيعي.
I didn’t mean— ( ما كان قصدي ....)
قاطعته بلطف.
- I know ... ( أعرف )
- Thank you for asking. We’re managing fine.
( شكراً على سؤالك بس احنا مدبريها أمورنا زين )
أول مرة قالت “we” بوضوح. و لأول مرة حس إنه أكو شي بحياتها ما يعرفه.
مال للأمام شوية، فضوله سبق ذوقه:
- Your sisters? ( أخواتج )
- Family. ( عائلتي )
قالتها باختصار، و رجعت عيونها للأوراق.
صار صمت قصير.
هو حس بالحاجز، بس مو الحاجز اللي يخليه ينسحب نهائياً … بالعكس، النوع اللي يثير فضوله أكثر.
وقف ببطء.
- Well … if you need anything. Anything at all. Even if it’s just someone to talk to…
( تمام ...إذا تحتاجين أي شي، حتى لو شخص تحجين وياه ... )
رفعت عيونها بابتسامة مهذبة جداً، متباعدة جداً.
- Thank you. That’s very kind.
( شكراً، هذا من لطفك )
سكت لحظة، منتظر يمكن تضيف شي ... تفصيل ... دعوة ... أي باب صغير.
بس ماكو.
اكتفت بهز راسها، و مدّت إيدها للكوب:
- And thank you for the coffee.
( و شكراً على القهوة )
ابتسم ابتسامة صغيرة.
You’re welcome.
( أهلا و سهلا )
و طلع.
الباب انسد بهدوء.
ريّا بقت ثواني تباوع للقهوة.
بعدها دفعتها بعيد شوية عن الأوراق، و رجعت تكمل شغلها.
بس، بداخلها، كانت تعرف إنه هذه مو آخر مرة.
البيت كان هادئ … هدوء بعد دوام طويل.
ريّا رجعت توها، بدّلت ملابسها بسرعة، و دخلت للمطبخ.
فتحت الثلاجة، تطلع الخضروات و اللحم، حطت الجدر على النار … كلشي يتحرك بإيدها بسرعة، بس بعقل نصه هنا و نصه يفكر بكل شي.
رهف على الأرض يمها، فاتحة ألعابها، تلعب بلولو و تسولف بدون توقف:
- ريّا … اليوم المعلمة كَالتلي شاطرة …
و سويت رسمة حلوة …
ريّا ترد بنص انتباه، و ابتسامة خفيفة:
- عفية حبيبتي …
زين سويتي …
تحرّك الملعقة بالجدر …
و رهف كملت،
- و نطيت لصديقتي من اللانش بوكس مالي …
- عفية بنيتي ... احط لج اكل اكثر بعد ؟!
و هي فرحت،
- يعني انطي لصديقاتي ؟
- اي حبيبتي الي يحب اكلج انطيه، يمكن المامي مالته مشغولة ما سوت له اكل حلو .. اني اسويلكم ...
و هي ترد بطفولية،
- ريّاوي حبج اني ...
التفتت عليها مصدومة،
- ريّاوي ؟! هاي منين متعلمتها ؟!
و بعفوية ردت،
- عمو قيس يكَول رهوفة، رغودة، رياوي ...
وسّعت عيونها ... هاي شلون تلكَط من لسانه كلمة كلمة !!
و قاطعتها،
- شنو تسوين اكل ؟!
و بدل الرد شالتها و فتحت لها تشوف،
- شوربة فطر هذه رهوفة تحبها ... و هذه شرائح لحم و خضار ...
و سألتها،
- اكو معكرونة ؟!
و هزت ريا حواجبها،
- باجر مو اليوم، ما يصير كل يوم ...
و هي قالت بهدوء،
- اكل هذا بس باجر سباغيتي احمرر ...
باستها تقول،
- تدلل رهوفة ...
و نزلتها و هي سوت حفلة لانه السباغيتي مو كل مرة ينقال عنه اي ...
حركت ريّا الشوربة و عيونها راحت تلقائياً للساعة.
4:35
رجعت تباوع للموبايل.
ماكو شي.
نزلت الملعقة … مسحت إيدها …
فتحت الواتساب … آخر ظهور قبل ساعتين.
سكتت ...
رجعت للطباخ، تكمل … بس هالمرة حركتها أبطأ.
رهف رفعت راسها:
- ريّا … وين رغودة ؟
- تجي هسة …
بس صوتها ما كان ثابت مثل قبل.
مرت خمس دقايق … عشرة …
رجعت تباوع للساعة.
4:55
هالمرة ما انتظرت.
أخذت الموبايل … دگت.
رنّة …
اثنين …
- هلو ؟
صوت رغد، عادي … كأنه ماكو شي.
- وينج ؟
- بالجامعة.
- لحد هسة ؟
- اي.
سكتت ريّا لحظة … تحاول تهدئ نبرتها من برود رغد،
- ليش متأخرة ؟
- كَعدنا ندرس بالنادي الطلابي.
نزلت عيون ريّا للأرض …
- ليش ما كَلتيلي ؟ ظل بالي عليج ...
- ما لحگت … فجأة الدكتور حدد امتحان باجر.
نبرتها كانت سريعة … دفاعية أكثر من كونها تبرر ...
بدون لا تحس إيدها ضغطت على الموبايل،
- حتى لو فجأة … تكَولين.
- ريّا ما صار شي … كل البنات كَاعدين.
رفعت حاجبها … بس صوتها بقى هادئ:
- مو موضوعي منو موجود … الموضوع إنج ما بلغتيني و انشغل بالي عليج.
سكتت رغد لحظة … و بعدين:
- گلت لج هسة.
تنفّست ريّا ببطء …
تحاول ما تكبّرها:
- شوكت ترجعين ؟
- بعد ساعة تقريباً.
- زين … ديري بالج على نفسج … و لا تتأخرين للمغرب.
- اوكي.
غلقت الخط ...
نزلت إيدها ببطء …
و ظلت واقفة لحظة بالمطبخ بدون حركة.
رهف رفعت راسها تسأل:
- رغودة وينها ؟
التفتت إلها، و ابتسمت غصب:
- تدرس… تجي هسة.
هزت رهف راسها و رجعت للعبها.
- أما ريّا…
فرجعت للجدر، تحركه بهدوء …
بس داخلها، كانت تعرف:
رغد بدت تتغير ...
طفت تحت الأكل لما عرفت رغد ما تجي ... صبت صحنبن الها و لرهف ... أكلوا و رهف مونستها، تاكل و تتفاعل تسويلها يمي و حركات، مغيرة لها جو ...
ساعة مرت، و ساعتين يلا وصلت رغد ...
باب البيت انفتح بهدوء.
دخول خفيف … حذر.
رغد دخلت، سدت الباب وراها بدون صوت تقريباً، و أول ما رفعت عيونها … شافت ريّا.
توقفت لحظة.
يمكن كانت متوقعة سؤال مباشر … أو نبرة محاسبة.
بس ريّا بس رفعت عيونها إلها، و ابتسمت ابتسامة خفيفة:
- هلا …
ترددت رغد نص ثانية … و بعدين:
- هلا …
نزعت جاكيتها، و حطت الجنطة، تتحرك ببطء … تراقب ردّة الفعل.
ماكو شي.
ريّا رجعت تباوع للكتاب الي بإيدها، و قالت بهدوء:
- تعالي اكلي … الأكل برد.
وقفت رغد لحظة، و بعدين مشت للمطبخ.
كَعدت كَدامها … بهدوء مو متعودة عليه.
ريّا كَامت، حمت الأكل و حطت لها صحن، صبّت أكل بدون ما تسألها شتريد.
رجعت كَعدت.
سكتوا ثواني … بس مو صمت ثقيل.
بعدين، بنبرة عادية جداً:
- شنو هالامتحان المفاجئ؟
رفعت رغد عيونها إلها بسرعة …
واضح السؤال خفف عنها أكثر مما كانت متوقعة.
- الدكتور فجأة قرر يسوي quiz باجر.
- همم …
هزت ريّا راسها، و كملت:
- صعب ؟
تنهدت رغد، و بلشت تاكل:
- مو هواية … بس يحتاج مراجعة.
- كَعدتوا كلكم ؟
- اي … بالنادي الطلابي.
هزت ريّا راسها بهدوء، كأنها تستوعب الصورة:
- زين … أحسن مما تدرسين وحدج.
سكتت رغد لحظة …
يمكن أول مرة تحس إن الموضوع مو استجواب.
بعدين كملت من نفسها:
- بس طولنا … لأن بعد ما خلصنا كَعدنا نحچي شوية.
ريّا رفعت عيونها إلها …
بس ما علّقت على “طولنا”.
بس قالت:
- طبيعي … تطلعون من مود الدراسة.
رجعت رغد تاكل، و صوتها صار أهدأ:
- اي …
ثواني … و بعدين ضحكت خفيفة:
- أصلاً ما ركزنا آخر شي.
ابتسمت ريّا بخفة ...
سكتوا شوية … بس الجو كان أهدأ بكثير من اللي رغد متوقعته.
بعدين سألتها ريّا:
- شنو دخل لكم بالامتحان ؟!
هنا رغد بلشت تشرح …
تحچي عن المادة، عن الدكتور، عن الأسئلة المتوقعة.
و ريّا تسمع … مو كدكتورة … كأخت.
تهز راسها، تسأل سؤال بسيط، أو تعلّق بكلمة.
و مع كل جملة، رغد ترتاح أكثر …
صوتها يطلع طبيعي … بدون دفاع.
لحد ما خلصت أكلها تقريباً، و قالت:
- تعبنا اليوم …
ريّا ردت بهدوء:
- واضح.
وقفت رغد، شالت صحنها، و حطته السنكَ ...
و قبل لا تتحرك، وقفها صوت ريّا:
- اغسليه خانم ...
و التفتت بخجل، غسلت صحنها تقول،
- سوري نسيت ...
ريّا ظلت بمكانها…
تنظر لها و بعدين للباب وراها ...
ما حاسبتها.
ما ضغطت عليها.
بس بداخلها … كانت تعرف:
هالمساحة اللي انطتها إلها اليوم …
ممكن تخليها تحس بخطأها …
و ممكن تصير باب تتمادى منه.
المساء كان هادئ أكثر من اللازم …
ريّا بالمطبخ، تسوي كيكة ليمون … محد طلب منها بس لأن راسها مزدحم بأفكار ما تعرف تفرغها بغير طريقة ...
رهف بالصالة، تقلب بألعابها.
مرة تشيل لولو … مرة ترجعها … مرة تفتح الخزائن الصغيرة اللي بيها أشياء أبوها.
وقفت فجأة.
طلعت ساعة قديمة … ساعة أبوها.
مسحت عليها بإصبعها … و كَعدت على الأرض.
ظلت تتأملها … ساكتة.
بعد ثواني، كَامت.
مشت للغرفة … فتحت الباب …
نظرت للسرير …
رجعت للصالة.
- ريّا …
- همم حبيبتي؟
- بابا وين جان يحط ساعته ؟
توقفت إيد ريّا عن الخفق …
بس ما التفتت فوراً.
- يم جربايته … ليش؟
سكتت رهف …
نزلت عيونها للساعة بإيدها.
- لكَيتها بالهول ...
هنا ريّا التفتت.
نظرتها وقعت عليها بهدوء … فهمت.
مسحت إيدها، و مشت إلها.
قرفصت يمها، بهدوء:
- شتسوين بيها ؟!
- اخليها بمكانها، بغرفته ...
و سكتت تتأمل الساعة بصمت مبينة تكتم بيه دموعها ...
بعدين رفعت عيونها فجأة:
- أكَدر اتصل لعمو ؟
ريّا ما سألت ليش.
بس كَامت جابت الموبايل … و انطته إلها.
رهف أخذته بثقة طفولية، فتحت الاتصال … ضغطت اسمه بنفسها.
واضح حفظته.
رنّ …
ثانية … ثانيتين …
- ألوو …
- هلو عمو ...
و رد بكل حب،
- هلاا برهوفة ...
ابتسمت فوراً، كأن شي رجع لمكانه:
- عمو !
- ها حبيبتي … شلونج ؟
- اني زينة ...
- شتسوين ؟
- جنت ألعب بغراض و شفت ساعة بابا …
سكت لحظة …
بس صوته صار، أهدأ:
- حلوة ؟
- اي … ريّا كَالت اوديها بغرفته.
- اي صح …
- عمو اني دورت عليه …
هالمرة سكوته طال ثانية أكثر …
و بعدين اجاها صوته:
- أدري حبيبتي …
سكتت … و بعدين بسرعة غيرت الموضوع بطريقتها:
- اليوم أكلت شوكليت مالك …
ابتسم بخفة:
- بالعافية بنيتي …
- و لعبت …
- شنو لعبتي ؟!
- وية لولو ...
- لولو تعرف تلعب ؟
- لا ما تعرف اني اعلمها ...
سكتت و همست له،
- هباوي تلعب احلى ...
- هباوي تحبج ...
- اني احبك و احب هباوي ...
- اني اكثر بنيتي ... بعد شتسوين ؟
همست له،
- هاية رياوي عصبة ( معصبة ).
- ليش عصبة، ضوجتيها ؟
و هي بسرعة ردت،
- لا والله لالا، هاية رغودة ضوجها مو اني ...
ضحك ضحكة خفيفة، و سألها،
- شتسوين لمن تعصب ؟!
- أروح العب بعيد …
ضحكة أخف وصلتها و همس لها،
- من تعصب روحي كَوليلها حبج رياوي …
و هي ركضت لها للمطبخ شايلة الموبايل تصيح،
- حبج رياوي ...
التفتت ريّا تضحك و تقول،
- احبج يا روحي ...
شايلة الموبايل و وقفت يمها،
- رياوي اسوين ؟!
- كيكة ليمون تحبيها ؟!
- خلصت ؟
- لا ساعة و تخلص ...
و هي حضنت رجلها تمسح وجهها بيها و تهمس،
- نعوسة اني، تخليلي ؟
- اخليلج و اسويلج بعد همينة.
دقايق مرت و هي حاضنة رجل ريّا و صوتها بدأ يهدأ لما رفعت الموبابل،
- عمو …
- ها عمو ؟
تفاجأت ريا الخط بعده مفتوح، و رهف تقوله،
- اني نعوسة انام …
- روحي نامي حبيبتي، تصبحين على خير ...
و سألته،
- انت تنام ؟
سكت لحظة …
و بعدين قال بهدوء:
- لا انطيني ريّاوي ...
- زين … باي ...
حطت الموبايل على الطاولة كَدام ريّا، بدون ما تسدّه …
و مشت لغرفتها، شايلة لولو، خطواتها بطيئة.
ريّا بقت واقفة بالمطبخ ثانيتين …
بعدين تقدمت، أخذت الموبايل.
- هلو قيس …
- هلا يابا هلا، شلونج ؟
- الحمد لله، انت شلونك ؟!
كان صوته أهدأ … كأنه كان منتظرها.
- الحمد لله ... اسأل عليج، شجاعتسوين ؟
ابتسمت تقولّه،
- كيكة ليمون، ما كَالتلك نقالة الاخبار مالتك ؟!
ضحك بخفة يقول،
- اي كَالت، ردت اسمع منج تا اتأكد ...
و اجاه صوتها مستغرب،
- تتأكد !!
سكت ثواني و قال،
- تكَول انتي ضايجة، بيج شي ؟!
كانت تسوي صوص كيكة الليمون و وقفت إيدها للحظة لكلامه،
- هاي رهف كَالت ؟!
- اي يولي عجل حاجيتمن غيرها ...
سكتت لحظة و ردت،
- لا ماكو هيج .....
و قاطعها بنبرة عتب،
- ريّااا ...
بقت ساكتة تسمع له و كمل،
- اذا ما تريدين تحَجين براحتج، بس لا تكَولين ماكو شي ... من الطفلة اهجست بيج ضايجة معناها صدكَ ضايج خلكَج حت لو ما سويتي ردة فعل قوية جدّامها ...
سكتوا ثانيتين.
بعدين قال بهدوء، بس بيه ثقل واضح:
- لا تكبرين الامور جدّامها ... حاجيني بلّي بيج اذا تريدين ... اني وياج ما اضرج ...
بقت ساكتة لثواني و ردت،
- احاول ...
عم الصمت و سألها،
- شلون جان يومج ؟!
- نفس باقي الايام ...
- رهوفة خومو تتعبج ؟!
- شوية لأن ماكو شي يشغلها.
رد بهدوء،
- خليها تحچي عنّو إذا تريد … بعد ما بجت تريدو؟
نزلت عيونها:
- لا ما بجت عليه، بس أخاف تكتم بقلبها و تتأذى أكثر.
التعب مو من الحچي … التعب من الكتمان.
- لا تخافين حجت لي من شوي، هي ما تكتم، بس تذكرو، هالشي طبيعي.
سكتت.
و بعدين سأل، بنفس الثبات:
- و رغد ؟
باعدت عيونها و كأنه أمامها،
- نفس الشي …
و رد بثقة،
- رغودة جبيرة، خل تعاونج ...
سكتت.
و اجاها صوته يوصيها،
- انتي بس لا تتعبين لوحّدج.
نزلت عيونها أكثر …
- أحاول ...
- لا تحاولين … سويها.
سكتت … لأنه يعرفها.
بعدين خفف صوته:
- كيكة الليمون هاي طيبة ؟
ابتسمت :
- ايي يعني يكَولون … هو محد كَاعد سويتها لوحدي ...
سكت شوية و سألها بهمس،
- ضايجة لانّو لوحّدج ؟!
سؤاله خلاها تصفن بعيد ... بوحدتها الي مدمرة نفسيتها ... هي رغم ما تكون صداقات، بوجود ابوها ما كانت تحس بوحدة أبداً، كلهم ينامون و تبقى تسولف وياه، بالليل، و الصبح، و الظهر و كل وقت ...
و هسة فعلاً حاسة بالوحدة ...
قاطع أفكارها صوته يهمس،
- ريّاوي وياي ؟!
انتبهت فجأة.
- ها ؟ اي وياك …
بس صوتها كان أبعد من "وياك".
سكت ثانيتين … و بعدين قال بهدوء، بنبرة هادئة بس ثابتة:
- لا … مو وياي.
رفعت عيونها للفراغ كَدامها …
- شلون يعني ؟
تنهد بخفة …
- صوتج مو صوت وحدة تحَچي وياي ... صوت وحدة
تحَچي وي راسها بغير صوب.
سكتت.
إيدها بعدها على حافة الطباخ … بس ما تتحرك. النار مشتعلة … و هي واقفة بدون إحساس.
قال بهدوء أكثر:
- وين رحتي ؟
حاولت ترجع لنفسها:
- ماكو … بس دا أفكر.
سكوته هالمرة كان أطول … و بعدين، بنبرة أهدأ من قبل:
- ريّا … افتحي الكاميرا.
ارتبكت.
- ليش ؟
- افتحيها يولي.
ترددت لحظة … بس ما عندها طاقة تعاند.
فتحت الكاميرا … و رفعت الموبايل ببطء.
أول ما انفتح … سكت.
ما قال شي.
بس نظرته كانت تأملية.
هي حاولت تبين طبيعية … رفعت حاجبها بخفة:
- شبيك صافن ؟
صوته طلع أبطأ … و أثقل:
- هاي شبيها عيونج ؟!
نزلت عيونها بسرعة … و بهاللحظة انتبهت.
دموعها … نازلة بدون ما تحس.
رفعت إيدها بسرعة تمسحها:
- لا … ماكو شي بس....
قاطعها:
- لا تبسبسين ...
طفت النار تحت الصوص و ابتعدت عن الطباخ
سكتت.
و هو كمل بهدوء … بس بيه أمر خفيف:
- و لا تجذبين عليّ ...
صمت.
و هالمرة … ما عرفت شترد.
نزلت إيدها ببطء … و الدموع ظلت تنزل.
هو ظل ساكت ثواني … يتأملها … كأنه يعطيها مساحة تنكسر بدون ما يحرجها.
بعدين قال بهمس:
- هذا كلو من تكَولين ماكو شي ؟
رجفت شفتها … و صوتها طلع أهدأ:
- ما حبيت أزعجك …
هنا، نبرته تغيّرت شوية … مو قاسية … بس واضحة:
- اني مو غريب تا تزعجيني ...
دموعها زادت … و حاولت تضحك بخفة مكسورة:
- لا … مو هيج قصدي …
- أدري شقصدج.
سكت … و بعدين قال بهدوء أعمق:
- بس انتي معلّمة تشيلين كل شي لوحّدج.
ما ردت.
لأنه صدكَ.
كمل:
- بس اريد اعَرف ياهو الكَالّج هذا الصح ؟!
سكتت … و هالمرة شهكَت شهكَة خفيفة حاولت تخفيها.
هو هدّأ نبرته أكثر … صار شبه همس:
- لا تكتمين شي ريّا البكَلبج اطلعيه ...
هزت راسها:
- لا … ماكو شي …
- ريّا.
نطق اسمها بطريقة خلتها توقف مقاومة.
ثانية … و انهارت.
مو بصوت عالي … بس دموع صامتة … ثقيلة … طالعة من قلب متعب جداً.
هو ما نطق.
بس بقى موجود ...
بعد كم لحظة قال بهدوء:
- امشي اكَعدي.
سمعت كلامه بدون ما تفكر … و مشت ببطء … كَعدت على الكرسي.
الموبايل ثبتته أمامها … و هو بعده يشوفها.
- زين … هسة احچيلي.
هزت راسها ببطء:
- ماكو شي محدد …
- أكو.
سكتت.
- لو ماكو جان ما وصلتي لهالحال.
نزلت عيونها … و همست:
- بس … تعبانة …
صوته رقّ أكثر:
- من شنو ؟
سكتت … تفكر شلون تشرح شي هي نفسها ما مستوعبته.
بعدين طلعت كلمة وحدة:
- من كلشي.
سكوته كان تفهّم … مو ضغط.
قال بهدوء:
- مو لازم تعرفين تفصّلينها … بس لا تكتمينها هالشكل.
دمعة نزلت مرة ثانية … و هي تهمس:
- أحس … نفسي وحيدة …
هنا … هو ما رد بسرعة.
كأنه اختار كلماته بعناية.
بعدين قال بهدوء ثابت:
- جم مرة كَلت لا تعيديها.
رفعت عيونها إله.
- انتي مو لوحّدج.
سكت … و كمل:
- يمكن اني مو يمج جسد … بس ما غايب عنج
دموعها هدأت شوية … بس بعدها تنزل.
- كلشي تمرين بيه … اني وياج بيه.
سكتت … تسمع.
- بس انتي ما تخليني.
نزلت عيونها:
- أحاول …
- لا ...
سكتت.
- مو تحاولين … نفذي ريّا نفذي ... البني ادم كَلبو دم و لحم، مو حجر تا يشيل عليه كل شي ... و اني هين وياج. لمن تكَولين اني وحيدة و اني كل يوم اسحب منج الكلام سحب يعني انتي تريدين تظلين وحيدة.
سكت شوية و سألها،
- تخافين اضرج بيوم ؟!
هزت راسها بسرعة،
- لالاا ... اني ... اني ...
و لمعت عيونها من جديد تقول،
- ما متعودة ع الموبايل ... بابا جان مالي البيت علية.
و رد فوراً،
- تريدين اجي ؟!
مسحت وجهها لما وصلها سؤاله الجدي،
- لا قيس والله لا ... ماكو داعي ...
سكتت ثانية و كملت،
- انت عندك مسؤوليات هواية و اني ما اريد اصير أنانية.
- عجل عينيني يا ابوية ...
- اني راح اتعلم اسولف ع الموبايل اكثر ...
- يولي حت اني مو شكول تلفونات و سوالف جثير بيهن، بس هذا الظرف حكمنا، نتعلم و تكَضي و نعديها بحيل الله ...
- ان شاء الله.
و سألته تغير الموضوع،
- شتسوي انت ؟!
ضحك و هو يسند ظهره لظهر السرير كإنه،
- والله اشتهيت كيكة ليمون لعنبو شيطانج ...
و فزت تقول،
- عزا نسييتها ...
كَامت بسرعة للفرن، و عافته …
و تسمعه يضحك بصوت،
- ها يولي خومو حركَتيها ...
و هي دخلت العود الخشبي لكَتها مستوية، طلعتها فوراً تقول،
- زين ذكرتني جان احتركَت ...
شالت الموبايل صورتها اله و هو يقول،
- ايبااه والله تعيشين، دحجي لوما اني اذكرج الا تنسيها و تحتركَ ...
و هي ردت له بنبرة دفاع،
- هو لو ما انت ما انساها اصلاً ...
و قيس يضحك مستمتع و هو يلتقط من بين الكلام، إنه شغل بالها شوية ...
أيام مرا و رغد هواية تغيرت تصرفاتها ... صارت كل كل الوقت منعزلة، رغم هواية حاولت ريّا تفتح مواضبع و تسولف وياها، بس تتجاوب بوقتها. و تتباعد بعدها ...
و التغيير تطور أكثر ...
صبح الصبح ...
رغد نزلت بسرعة حتى تلحق الباص، لابسة جاكيت عريض فوق ملابسها، و شعرها مرفوع.
- يلا باي.
- حطيت الريوكَ ...
- آخذ شي ع الطريق ...
و طلعت بسرعة.
لحد العصر.
كانت ريّا تطلع الملابس من السلة حتى تغسلها، و بين التيشيرتات و الجينزات، لكَت بلوزة ما شايفتها قبل.
ضيقة ... لونها فاتح ... و فتحتة الصدر أوسع من أي شي رغد كانت تلبسه !!
وقفت ثواني تتأملها.
مو لأن البلوزة سيئة جداً ... بس لأنها تعرف رغد ... تعرف إن هاي مو شي كانت تلبسه قبل.
و لما دخلت رغد للبيت، كانت لابسة نفس الجاكيت الواسع.
- رغد ...
التفتت.
ريّا رفعت البلوز بإيدها.
- هاي شنو ؟
تجمدت رغد ثانية ... بس بسرعة رجعت طبيعية.
- بلوز.
- أعرف بلوز ... منين ؟
- اشتريتها ...
- شوكت ؟
- من زمان.
كانت تكذب، و هم يعرفون.
نزلت ريّا البلوز ببطء.
- هاي ما تطلعين بيها.
- ليش ؟
- لأنه مكشف أوفر، ما يعجبني.
ضحكت رغد ضحكة قصيرة.
- مو انتي اللي تلبسيها.
- رغد ...
- شنو رغد ؟! كل البنات يلبسون هيچي.
- انتي مو كل البنات.
هنا التفتت رغد بسرعة، و قالت بنفس الجملة اللي صارت تتكرر كل يومين:
- لا تعيدين حچي بابا.
و طلعت لغرفتها قبل لا تكمل.
بعدها بأسبوع، تأخرت مرة ثانية.
كان المفروض ترجع خمسة ... صارت ستة ... وراها سبعة.
اتصلت بيها ريّا.
- ها رغد، وينج ؟
صوتها كان عالي شوية، و حواليها ضحك و أصوات ناس.
- طالعة وية البنات.
- مو گلتي ترجعين من المحاضرة للبيت ؟
- غيرنا رأينا.
- ليش ما گلتي ؟
- لأنچ إذا أكَول، تكَولين لا.
- رغد الساعة صار سبعة !
تنهدت رغد بملل.
- ريّا، مو طفلة أني ...
- و مو كبيرة لدرجة تطلعين بكيفج لهالوقت و تخليني ما أعرف وينج.
سكتت رغد ثواني.
و قبل لا تسد، سمعت ريّا صوت ولد يضحك قريب.
تجمدت.
- منو وياكم ؟
- شنو يعني منو وياكم ؟
- رغد، جاوبيني.
- بنات و ناس من الجامعة.
- شنو يعني ناس ؟
- شباب و بنات ... شبيها ؟!
غمضت ريّا عيونها.
مو لأن أكو غلط كبير صار ... بس لأنها حسّت نفسها فقدت السيطرة عليها. و ردت بصوت حاولت تتحكم بيه،
- ترجعين هسة.
- لا.
فتحت عيونها بسرعة.
- شنو يعني لا ؟
- يعني لا ... بعد ساعة أرجع.
و سدت بوجهها.
رجعت بعد ساعة و نص.
دخلت، و من شافت ريّا واقفة بالصالة، عرفت.
- لا تبدين.
- لا أبدي ؟!
- تعبت اني.
- و أني ؟!
وقفت رغد بالنص، و لأول مرة ملامحها كانت مو بس معاندة. كانت موجوعة.
- اني دا أختنكَ.
سكتت ريّا.
- كلشي تغير ... بابا راح ... البيت تغير ... حياتنا تغيرت ... حتى أني تغيرت ... و انتي تريديني أبقى نفس ما جنت ؟!
- أريدج بس تبقين بخير.
- بخير حسب رأي منو ؟ رأيج ؟ لو رأي بابا ؟!
- حسب الرأي الصح.
ضحكت رغد بمرارة.
- الرأي الصح مالكم اني ما أعيش بيه.
سكتت ريّا.
لأن كل كلمة كانت طالعة من رغد بيها جزء من وجعها الحقيقي … و جزء من تمردها.
- إذا بعد تطلعين و ما تكَولين …
قاطعتها رغد بسرعة:
- شراح تسوين ؟ تمنعيني ؟ تحبسيني ؟!
صوتها رجف.
- انتي مو أمي ... و مو أبوية ...
و صعدت لغرفتها.
و لطخت الباب ...
أما ريّا، فوقفت وحدها بالصالة.
و لأول مرة … خافت مو من رغد.
خافت إنها تخسرها.
أيام تمر و رغد بنفس الوضع، مرات ترجع بعد الدوام مباسرة و مرات تطلع و تتأخر لبعد المغرب ...
ريّا بس بالنهار بدوامها بالمستشفى، و من ترجع للبيت تبدأ وحدتها ... قيس صار يتصل بيها، و عمتها أم قيس كل يوم العصر تقريباً تتصل تسولف وياها ... سوالفهم وياها تكسر وحدتها نوعاً ما ...
بس وضع رغد مأذيها ...
رهف نايمة بغرفتها، و صوت الغسالة يشتغل بعيد بالمطبخ، و المطر الخفيف يضرب على الشباك.
رغد من رجعت، دخلت غرفتها و سدت الباب وراها.
- لا عشا ... لا حچي ... لا حتى سلام ...
و ريّا ظلت ساعة كاملة تتردد.
كل مرة تقوم حتى تروح لغرفتها، ترجع ... كل مرة تقول: "باجر أحسن."
بس هي تعرف … إذا خلت المسافة تزيد يوم ثاني، رغد راح تبعد أكثر.
أخيراً، طلعت من المطبخ، صعدت لفوكَ، و وقفت أمام بابها.
رفعت إيدها حتى تدكَ ... بس بقت ثانية معلقة بالنص.
بعدين دكَت بخفة.
ماكو رد.
فتحت الباب شوية.
رغد كانت جالسة على السرير، رجل على رجل، اللابتوب مفتوح كَدامها، و السماعة بأذن وحدة.
رفعت عيونها بسرعة أول ما دخلت.
- شنو ؟
نبرتها باردة ... مو لأن ما يهمها ... بالعكس ... لأنها متأذية.
وريا دخلت بهدوء، و سدت الباب وراها.
- ما عندي شي.
رجعت رغد عيونها للشاشة.
- زين.
بقت ريّا واقفة ثواني ... بعدين مشت و كَعدت بطرف السرير، بمسافة مو قريبة هواية.
سكتت.
رغد هم سكتت.
لحد ما قالت ريّا بهدوء:
- اشتاقيتلج ...
تجمدت رغد.
ثانية. ثانيتين.
ما رفعت عيونها، بس أصابعها وقفت عن الحركة على الكيبورد.
- اني موجودة.
- لا.
قالتها ريّا بهدوء.
- ما موجودة.
رفعت رغد عيونها إلها أخيراً.
- شتقصدين ؟
أخذت ريّا نفس بطيء.
- من فترة … كل ما نحچي، نحچي نتعارك ... كل ما أشوفج، يا أما مستعجلة، يا أما منزعجة منّي، يا أما اني أگعد اخاف و اراقب.
سكتت لحظة.
- و افتقدتج ...
رغد التفتت للشاشة مرة ثانية.
- انتي ما مفتقدتني ... انتي بس تريدين تتحكمين بية.
هزت ريّا راسها بخفة.
لا.
و لأول مرة، صوتها كان مو صوت الأخت الكبيرة اللي تحاول تفرض شي ... كان صوت بنت تعبانة.
- اني ضايعة.
رجعت رغد التفتت إلها.
- شنو ؟
ابتسمت ريّا ابتسامة صغيرة، حزينة.
- تعتقدين اني أعرف شلون اتصرف ؟!
ضحكت بخفة، بس عيونها كانت تعبانة.
- كل يوم اگعد و أحس إني مو كَدها ... مو كَد البيت، مو كَد رهف، مو كَدج.
سكتت رغد.
- و من تتأخرين، أو ما تردين، أو أحس إنج تبتعدين … أخاف.
- منو طلب منج تخافين ؟
رجف صوت رغد و هي تقولها.
- لأن ماكو أحد غيري.
نزلت الكلمة بينهم بثقل.
و ريا كملت بصوت أهدأ:
- بابا جان يعرف شلون يتعامل وياج أكثر منّي ... جان يعرف شلون يخوفج، شلون يمنعج، شلون يحتويج بعدين ...
ابتسمت بوجع.
- اني ما أعرف.
عيون رغد لمعت بسرعة، بس التفتت حتى تخفيها.
- بس اعرف إنج إذا طلعتي و ما رجعتي … أموت.
التفتت إلها رغد بسرعة.
- لا تكَولين هيچي.
- هاي الحقيقة.
نزلت ريّا عيونها لإيديها.
- مو لأن ما أثق بيج ... بالعكس ... بس لأن الدنيا هسة تخوف ... و لأن اني إذا صارلج شي … ما عندي القدرة أتحمل شي ثاني.
بقت رغد ساكتة.
و لأول مرة من أيام، ما كان بعينها عناد فقط.
كان وجع.
- كلش كنت أكرهه مرات.
قالتها فجأة.
رفعت ريّا عيونها إلها.
رغد كانت تباوع للشباك.
- من جان يمنعني ... من جان يسألني وين رايحة و يم منو ... من جان ما يخليني أبقى برا مثل البنات.
ضحكت ضحكة قصيرة، مكسورة.
- و من مات … تمنيت لو يرجع و يمنعني مرة ثانية.
سكتت ريّا.
رغد عضت على شفتها، و صوتها بدأ يرجف:
- كل البنات يكولولي حلو شعور الحرية، محد يحاسبج. التفتت إلها.
- و اني كل ما أطلع، أحس ماكو أحد ينتظرني بالبيت مثل قبل.
هنا، انكسرت ريّا.
مدت إيدها ببطء، و حطتها فوق إيد رغد.
بالبداية، رغد ما تحركت.
- أكو.
همستها ريّا.
- اني أنتظرج كل يوم ...
هزت رغد راسها بسرعة، و دموعها نزلت أخيراً.
- بس انتي مو هو.
- أدري.
صوت ريّا رجف.
- و ما أريد اصير هو.
سكتت. و بعدين كملت:
- بس لا تخليني أخسرج لأنّي مدا أعرف شلون احميج بالطريقة الصح.
غطت رغد وجهها بإيدها.
و هاي أول مرة تبچي من مات أبوها … مو وحدها.
قربت ريّا أكثر، و رغد بدون ما تباوع، مالت عليها.
حضنتها.
بالبداية كان حضن متردد. بعدين رغد تشبثت بيها بقوة.
- اشتاقيتله …
قالتها بصوت طفل، مو بنية عمرها 20 سنة.
غمضت ريّا عيونها، و ضمتها أكثر.
- اني هم.
- و اكرهج من تصيرين مثله.
ضحكت ريّا بين دموعها.
- مجبورة اصير مثله ...
ضحكت رغد غصب عنها.
و لأول مرة من أسابيع … ضحكوا و هم يبچون.
بعدها، و هم بعدهم حاضنات بعض، همست ريّا:
- اطلعي ... روحي ... عيشي ... بس لا تطلعيني برة حياتج.
رفعت رغد عيونها الحمرا إلها.
- إذا أگولج وين رايحة، و يم منو، و أرجع هالوقت… ما تعصبين ؟
ابتسمت ريّا بخفة.
- أحاول.
- و إذا تأخرت ؟
- أطيح حظج رغد ... التأخير ممنوع.
ضحكت رغد.
- هاي ما راح تتغيرين
- لا.
و مسدت على شعرها.
- لأنه بعدج بنتي ... حتى لو تضوجين منّي.
هنا، لأول مرة من زمان، رغد حطت راسها بحضنها.
و استكانت ...
أيام ثانية مرت و رغد تعدل وضعها شوية، بطلت تأخير، بس صارت عديمة مسؤولية كلش ...
رجعت ريّا من المستشفى متأخرة شوية بسبب حالة طولت وياها ... دزت لرغد رسالة قبل لا تبدأ بآخر مريض حتى تكون بالبيت على وقت و ما تجي رهف تبقى وحدها ...
الباب كان مفتوح نص فتحة، و صوت التلفزيون جاي من الصالة، و رهف نايمة على القنفة، لولو بحضنها، و شعرها مغطي نص وجهها ...
تقربت عليها، مسدت على وجهها و شعرها و فزت رهف، لما شافت ريّا حضنتها بقوة،
- ماما اني اخاف ...
ضمتها لصدرها تمسد شعرها و تسألها،
- ليش أمي، رغد وين ؟!
- ماكو ... اني اجيت ماكو بابا و انتي و رغد ...
هنا نشف الدم بجسمها ... رفعت وجه رهف عن صدرها تسألها،
- رغد مو هنا ؟! شلون فتتي للبيت ؟!
و الطفلة بتلقائية قالتلها،
- اني اشوفج تحطين مفتاح بشجرة صغيرة ( تقصد السندانة الي بالباب ) ... فتحت الباب و فتت ...
و ضمت راسها بصدرها تقول،
- رياوي اني خاف ...
ضمتها لصدرها تتمتم،
- لا تخافين امي لا تخافين ... اني آسفة تأخرت عليج ...
هدتها، باستها تقول،
- جوعانة ؟!
هزت راسها إي، و سألتها،
- تريدين بيتزا لو برجر ميل ؟!
و رهف تغير مودها فجأة، و بحماس قالت،
- ببروني ...
رفعت الموبايل، طلبت من المطعم، و قالت لها،
- يلا غسلي هسة نص ساعة و يوصل ...
نظرت للساعة ... ستة المغرب !!
شلون بعد ما راجعة؟ دوامها يخلص ساعة ثنتين ...
بلغتها تتأخر ... رهف لوحدها بالبيت من الساعة 4 ...
كل مرة تطلع، و كل مرة تتأخر، مرة تحاسبها و مرة تخليها براحتها حتى لا تضغط عليها ... بس اليوم تعرف رهف لوحدها بالبيت ... الطفلة لو صاير عليها شي و لو داخل احد للبيت كان ما تعرف شنو مصيرها !!!
طلعت تلفونها بسرعة ... اتصلت.
رن ... مرة ... مرتين ... و انقطع.
بعد دقيقة، اجتها رسالة:
- اني بالطريق ...
بس.
ظلت واقفة بنص الصالة، تلفونها بإيدها، و ذاك الإحساس القديم رجع لصدرها ... إحساس إنها ما مرتاحة … و ما تعرف ليش.
دخلت تبدل ملابسها، حاولت تقنع نفسها إنها كبيرة ... طالبة جامعة ... مو طفلة.
بس من نزلت مرة ثانية، و لكَت الساعة صارت ثمانية إلا ربع، و الباب بعده ما انفتح، بدأ قلبها يدكَ أسرع.
لحد ما أخيراً انفتح الباب.
دخلت رغد.
شعرها مفتوح، و بإيدها كيس من كافيه، و ملامحها عادية بشكل مستفز.
رفعت عيونها أول ما شافت ريّا واقفة بالصالة.
- هلا.
ما ردت.
- وين جنتي ؟!
نزعت رغد الجاكيت ببطء.
- طالعة.
- و الساعة ؟ و أختج الي كَتلج اتأخر و لوحدها تبقى بالبيت ؟!
رفعت حاجبها ما عاجبها ...
- رغد ...
هالمرة نبرة ريّا تغيرت ... مو عالية ... بس ثابتة.
- اتصلت بيج عشر مرات.
- موبايلي سايلنت.
- منو يطلع و يخلي موبايلي سايلنت و يرجع بهالوكت ؟!
تنهدت رغد بسرعة، كأنها كانت متوقعة هذا كله.
- ريّا لا تبدين.
- لا أبدي ؟!
- كل البنات طالعين.
- انتي مو كل البنات.
أول ما قالتها، ندمت. لأن ملامح رغد تبدلت فوراً.
- إي طبعاً.
ضحكت ضحكة قصيرة، مرة.
- نفس حچي بابا.
سكتت ريّا.
رغد شمرت الكيس على الطاولة.
- ليش كلشي لازم يصير قضية ؟ طلعت وية صديقاتي، ما انهزمت ...
- ما گلت لا تطلعين ... گلت اختج لوحدها بالبيت ... منعتج من الطلعة اني ؟! مو اني كَلت اطلعي و عيشي و تونسي ؟! بس لا تعوفيني لوحدي رغد ... اني عندي دراسة و مسؤوليات البيت كله، اني ما عايشة حياة تخصني كله الكم، ساعديني، انتي كبيرة و ما طلبت منج شي، بس كَلتلج اليوم عندي حالات بالمستشفى تطول، رهف تجي، لكَيتها لوحدها بالبيت، ما اعرف شلون شايفة مفتاح بالسندانة نخليه، نايمة بالبيت و الباب مفتوح، لو صاير لها شي اني شنو اسوي ؟! شلون احافظ عليكم و انتي ما تساعديني ؟!
وقفت رغد بالنص، عيونها على ريّا، و صوتها صار أحد:
- يعني شنو ؟
اني اللي خربت حياتج ؟!
سكتت ريّا، بس ملامحها ما تحركت.
كملت رغد بسرعة، كأنها تخاف إذا سكتت تنهار:
- محد گال لج تعيشين حياتج النا !
انتي اختاريتي هالشي !
ارتفعت نبرتها أكثر:
- و إذا انتي ضايجة من هالشي، هذا مو ذنبي !
تنفست بسرعة، صدرها يصعد و ينزل:
- كل واحد مسؤول عن نفسه …
اني مسؤولة عن نفسي … و انتي مسؤولة عن نفسج.
ضحكت ضحكة قصيرة، مرة:
- مو لأن بابا راح … يعني لازم نبدل أدوارنا بالغصب.
رفعت سبابتها تأشر بوجهها بحدة،
- اني ما طلبت منج تصيرين أمي !
ولا طلبت منج تتحمليني !
هنا صوتها هدأ فجأة … بدون ما تقصد:
- و لا أريد احد يتحملني أصلاً.
سكتت لحظة.
بعدين رفعت راسها من جديد، ترجع تتماسك:
- إذا انتي شايفة نفسج مضحية …
هاي مشكلتج … مو مشكلتي.
صمت عم بينهم
ريّا ظلت واقفة بمكانها … تستقبل كل كلمة بدون ما تقاطع.
نزلت عيونها للحظة … مو ضعف، كأنها ترتب ردها حتى ما تجرحها.
بعدين رفعتها إلها بهدوء:
- اني ما گلت انج خربتي حياتي.
سكتت ثانية … و اختارت كلماتها بعناية:
- و مدا ألومج على شي.
رغد عقدت حواجبها، ما مقتنعة.
ريّا كملت، بصوت أهدأ:
- بس لا تفسرين كلامي غلط حتى ترتاحين من شعور الذنب.
تجمدت رغد لحظة.
- لأن واضح … انتي دا تحاولين تقنعين نفسج قبل ما تقنعيني.
رفعت رغد صوتها فوراً:
- ما عندي ذنب بشي !
هزت ريّا راسها بخفة:
- أدري.
أخذت نفس و كملت:
- بس هذا مو معناته إنج مو جزء من هالبيت.
سكتت رغد.
ريّا تقدمت خطوة وحدة … مو اقتراب ضغط، بس حضور:
- و لما أكول إني تعبانة …
مو لأنج حمل … ولا لأنج عبئ.
صوتها لان أكثر:
- لأن احنا سوا بهذا البيت … مو كل واحد وحده.
ضحكت رغد بسخرية خفيفة:
- لا، انتي بس تريدين تتحكمين بية بطريقة حلوة.
ابتسمت ريّا ابتسامة خفيفة … مو سخرية، اعتراف بشي بسيط:
- يمكن مرات أغلط.
هاي الجملة خلت رغد تسكت ثانية.
- بس فرق كبير بين أتحكم بيج … و بين أخاف عليج.
سكتت.
بعدين كملت بهدوء، بس بوضوح:
- اليوم رهف جانت وحدها بالبيت … و الباب مفتوح.
وقعت الكلمات بثقل.
رغد التفتت بسرعة، ملامحها تغيرت لحظة … بس حاولت تغطيها:
- ما جنت أدري.
- لأنج ما حاولتي تفتحين الموبايل حتى تدرين.
جاء الرد هادئ … بس مباشر.
صمت.
ريّا كملت، بدون ما ترفع صوتها:
- مو كلشي تسويه حرية.
نظرت بعينها مباشرة:
- أكو فرق بين تعيشين حياتج … و بين تعيشين حياة مو إلج أصلاً ...
رغد بلعت ريقها، التوتر واضح بصدرها:
- اني ما عايشة هيج.
- اختفيتي من بيتنا ... هاي مو حياتج.
هنا سكتت رغد.
الجملة وصلت.
ثواني طويلة مرّت.
رغد دارت وجهها بعيد، صوتها أخف:
- ما أريد احد يخاف عليّة بهالشكل.
ريّا ردت فوراً … بهدوء:
- و اني ما أگدر ما اخاف.
سكتوا.
بعدين كملت ريّا، بنبرة أصدق من كل شي قبل:
- بس أگدر اغير الطريقة.
رفعت رغد عيونها إلها.
- ما راح أمنعج تطلعين ... ولا راح أراقبج بكل خطوة.
أخذت نفس و كملت،
- بس اكو أشياء … ما أتنازل عنها.
نظرتها صارت أوضح:
- أختج ما تنعاف وحدها.
و انتي ما تختفين بدون ما أعرف وينج ... الموبايل خلوه حتى يتواصلون عن طريقه.
رغد تنفست ببطء … كأنها تفكر، مو تعاند.
- و إذا ما عجبني؟
ريّا هزت راسها بخفة:
- عادي لا يعجبج.
سكتت ثانية … و بعدين كملت:
- بس هذا الحد الأدنى حتى نكَدر نعيش هنا سوا.
صمت.
رغد نزلت عيونها … تفرك بإيدها بدون وعي.
مو اقتناع كامل …
بس مو رفض مثل قبل.
بعد لحظات، همست بدون ما تباوع:
- رهف خافت ؟
ريّا ابتسمت ابتسامة خفيفة … حزينة:
- هواية ... لكَيتها خايفة و جوعانة !!
سكتت رغد … و ذنبها طلع بهدوء هالمرة، مو بصوت عالي.
- سوري …
هاي الكلمة كانت صغيرة …
بس حقيقية.
ريّا ما كبرت الموضوع.
بس هزت راسها:
- لا تعيدينها.
رفعت رغد عيونها إلها … نظرة بين التحدي و اللين:
- حاولي هم انتي … لا تضغطين عليّة.
ابتسمت ريّا بخفة و تحركت بقلة حيلة ترتب كم حاجة بالبيت ...
البيت هدأ …
مو هدوء راحة …
هدوء بعد تعب.
رهف نامت بسرعة من التعب و الخوف …
رغد بغرفتها، الباب مسدود … بس هالمرة بدون صوت.
و ريّا …
بقت بالصالة.
واقفة شوية … بعدها كَعدت … بعدها رجعت وقفت.
تحس البيت فرغ عليها … و أثقل على قلبها من اللازم.
نظرت للساعة …
قريب 11.
صعدت لغرفتها.
بدّلت ملابسها … تمددت على السرير بدون ما حتى تشغل الضوء.
اجتي رهف نص نايمة و شايلة لولو،
- نام بحضنج ؟!
و بهدوء فتحت حضنها ... ضمتها لصدرها و حاولت تنام.
غمضت عيونها …
و فجأة …
نبضة قوية براسها.
فتحت عيونها بسرعة.
حطت إيدها على جبينها.
- مو وكته …
همستها بصوت خافت.
غمضت عيونها مرة ثانية …
تحاول تتجاهلها.
بس النبض رجع … أقوى.
وياه ثقل …
وياه دوخة خفيفة.
عدلت نومة رهف و التفتت ببطء للجهة الثانية …
كأن الحركة نفسها توجع.
مدّت إيدها للجرار بجنب سريرها …
طلعت مسكن … شربته بدون مي تقريباً.
رجعت غمضت عيونها.
دقايق …
و الألم بدأ يزيد.
مو برتم واحد …
موجات.
كل موجة أقوى من اللي قبلها.
تنفست بعمق … تحاول تتحمل.
- يا الله شنو هذا …
بس صوتها كان يرجف.
بعد نص ساعة …
كانت كَاعدة على السرير.
راسها بين إيديها.
الضوا مطفي …
بس حتى الظلام صار يوجع.
النبض صار كأنه شي يكَطع راسها من داخل.
غمضت عيونها بقوة …
بس فجأة،
غثيان.
وقفت بسرعة …
اتجهت للحمام …
و تقيأت.
بقوة …
بمرارة …
تمسكت بالمغسلة حتى لا توكَع.
صوتها … كان أعلى مما توقعت.
و هذا اللي خلا رهف تفز من نومها ...
خطوات صغيرة … سريعة.
- ريّا …؟
صوتها خايف.
ريّا حاولت ترد …
بس صوتها طلع مكسور:
- روحي … كَعدي رغد …
رهف ركضت.
بعد لحظات …
باب غرفة رغد انفتح بعجلة.
خطواتها أسرع … أقوى.
دخلت الحمام …
و أول ما شافت ريّا …
تجمدت.
- شبيج ؟!
ريّا كانت مستندة على المغسلة … وجهها شاحب … عيونها ما ثابتة.
- راسي … ما اتحمل بعد …
رغد تقربت بسرعة:
- نروح للمستشفى.
هزت ريّا راسها ببطء:
- جيبي ملابسي …
كلشي صار بسرعة بعدها.
رغد تبدل لها …
رهف واقفة تبجي بصمت … ماسكة طرف ملابس ريّا.
طلعوا …
الليل هادئ … بس داخلهم فوضى.
المستشفى …
أضواء قوية …
أصوات أجهزة …
ناس …
و ريّا …
كأنها مو وياهم.
الصوت و الضوا زاد وضعها سوء ...
تم فحصها بسرعة.
أسئلة …
تحاليل …
أطباء يدخلون و يطلعون …
صداع … ما يهدأ.
مسكنات …
و الألم يروح نص ساعة … و يرجع.
ساعات طويلة مرت، خف الألم شوية.
لدرجة إنها غفت.
بس ما طولت غفوتها
صحت على ألم رجع ... أقوى ... أشد ...
و من قوته، بطلت تعرف شنو يصير حواليها ... منو داخل ... منو طالع.
بس بين الألم … سمعت صوت.
صوت تعرفه.
بعيد ... برا الغرفة.
غمضت عيونها بقوة.
مستحيل.
هذا مو حقيقي ... مو بابا ... و ما ممكن قيس يجي كل هالمسافة.
بس الصوت قرب.
و انفتح الباب.
غمضت عيونها سارحة بأفكارها و ألمها ...
تحس بعطره و خطواته تتقرب ... بس هالمرة الخطوات أسرع، وقفت بجنب سريرها ...
إيده مسدت على جبينها و شعرها، رفت أجفانها لا إرادياً و الصوت الملهوف يهمس لها،
- ريّا … انتي واعية يابا ؟
فتحت عيونها.
و هو هنا.
قيس ...
واقف يمها ... ملامحه كلها تعب و خوف ... بس أول ما شافها فتحت عيونها، ارتخت ملامحه شوية.
جلس يمها مباشرة ... و إيده تمسد على راسها، بهدوء ...
- سلامات يابا … سلامات.
أول ما سمعت صوته، انكسرت.
رفعت إيديها لوجهها، و شهكَت تبچي.
فوراً، لزم إيديها، و نزلهم عن وجهها بهدوء.
- لا يبوي لا …
بإبهامه مسح دموعها ... و باس راسها.
- لا تبجين بنيتي … بجيج يزود وجع راسج ...
إهدي… و اذكري الله. هذا اني وياج ... و كلشي الو حل … إلا صحتج لو أذيتيها.
بجت أكثر.
- محتاجتك …
صوتها رجف.
- ما أگدر لوحدي … كل شي دا يصير أكبر من طاقتي.
غمض عيونه لحظة ... كأن هالجملة نزلت على قلبه بثقل.
و رجع يمسّد على شعرها.
- و هال اجيت ... هذا اني يمج ... انسي كلشي أذاج. خلي بس تطيبين … و كلشي ثاني نحلّو.
هزت راسها ببطء ... لأنها ما عندها طاقة حتى تعاند.
سألها بهدوء:
- يمتى خلص المسكن ؟
- من نص ساعة …
- و بعدج موجوعة ؟
هزت راسها.
ظل يمسّد على راسها ... و بعدين التفت للباب يهمس،
- وين البنات ؟
- برا …
- شو ما شفتهن من جيت.
كَام ... فتح الباب.
دخلوا رغد و رهف بسرعة.
رهف أول ما شافته، ركضت عليه مباشرة.
- عمو !
شالها بسرعة، و حضنها.
- هلا يا روحي ...
كانت رهف تبچي.
- عمو ريّا تعبانة ...
- أدري حبيبتي ...
و باس راسها يتمتم،
- اني اجيت ... اسويها زينة ... لا تخافين ...
التفت لرغد.
كانت واقفة مكانها، شاحبة، و واضح إنها خايفة أكثر من أي وقت.
- هلا رغودة ...
و هي مترددة قالت،
- هلو قيس، الحمد لله ع السلامة.
بقى حاضن رهف لافة إيديها على رقبته و يرد،
- الله يسلمج ...
سكت شوية و قال،
- روحن للبيت.
رفعت رغد عيونها بسرعة،
- شلون نعوفها ؟!
- اني هين ماعوفها لوحدها ...
نبرته كانت هادئة ... ثابتة ... ما بيها مجال للنقاش.
- رهف تعبت ... و انتي هم ... روحن ريحن، و اقفلي البيبان.
- بس …
وقف اعتراضها،
- رغد ...
سكتت.
- إذا صار شي، نكَولّج ... بس هسة لازم تروحن.
التفت لريّا.
- عدهن مفاتيح ؟
هزت راسها.
همست ريّا من بين الألم:
- الباب البرا … و الجوا … و البلكونة …
قيس كمل عنها:
- و الشبابيج تأكدي منهن ...
و بعدين نزل رهف شوية حتى يباوع بعيونها.
- رهوفة.
- همم ؟
- اني راح اظل يم ريّا بنيتي ...
سألته،
- انت تحميها ؟!
ابتسم لها و هزت راسها بسرعة،
- صدك ؟
- أي والله.
باس خدها.
- روحي نامي ... و روحي للروضة، و من تردّين تلكَينا بالبيت.
رهف أخيراً هدأت.
و رغد أخذتها و طلعت.
بعدها بدقيقتين، دخل الدكتور.
سلّم بنظرة سريعة، و التفت لقيس.
- What's your relation to the patient ?
( أقدر اعرف صلة قرابتك بالمريضة ؟)
قيس رد بدون تردد:
- I’m her husband.
( أنا زوجها )
و كمل بهدوء:
- I was out of the country. I came back as soon as I heard.
( كنت مسافر، و رجعت أول ما عرفت )
الدكتور هز راسه بتفهم.
- I’m sorry to hear that.
( يؤسفني سماع ذلك )
و فتح الملف، و بدأ يشرح:
- Her vitals are stable. CT scan is clear. Clinically, it does look like a severe migraine attack.
( علاماتها الحيوية مستقرة. الأشعة المقطعية سليمة. سريرياً يبدو عندها نوبة صداع نصفي شديدة )
قيس ظل واقف، مركز … و سأل بنبرة هادئة:
- Any focal neurological deficits?
( أكو أعراض مشاكل بالجهاز العصبي؟ )
الدكتور رفع عينه إله بسرعة.
- No … none so far. ( لا ماكو حالياً )
قيس كمل، و صوته ثابت:
- Photophobia, vomiting, pulsating pain … triggered by acute stress?
( حساسية للضوء، تقيؤ، ألم نابض … محفَّز بضغط نفسي حاد؟ )
الدكتور سكت لحظة، يباوع له بنظرة مختلفة هالمرة.
- Exactly. ( صح )
قيس هز راسه بخفة:
- Still … I’d prefer ruling out anything intracranial before labeling it migraine.
( مع ذلك … أفضل نستبعد أي سبب داخل الجمجمة قبل ما نثبت إنه صداع نصفي )
الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة، و سأله مباشرة:
- You’re in medicine, I assume?
( حضرتك بالمجال الطبي، صح؟ )
قيس رد ببساطة :
- I am.
( نعم )
الدكتور مال شوية، فضوله واضح:
- What’s your specialty?
( شنو اختصاصك؟ )
قيس رد بنفس الهدوء:
- Cardio-thoracic and vascular surgery.
( جراحة القلب و الأوعية الدموية )
ثانية صمت خفيفة.
الدكتور هز راسه بإعجاب واضح:
- That explains the questions.
( هذا يفسر أسئلتك )
و كمل بنبرة أكثر احترام:
- We’re planning an MRI, just to be thorough.
( راح نسوي رنين مغناطيسي للاطمئنان )
قيس:
- Good.
( جيد )
بهذا الوقت …
ريّا كانت تسمعهم بصعوبة.
و فجأة … رجع الألم ينبض براسها بقوة.
غمضت عيونها، و دموعها نزلت غصب.
قيس انتبه فوراً.
رجع يمها، مال و إيده على راسها.
- اهدي اهدي ... لا تبجين.
الدكتور تنهد:
- She’s been crying since she got here. Emotional stress is making it worse.
( هي تبچي من وقت ما وصلت. الضغط النفسي دا يزيد حالتها سوء )
قيس رد بهدوء، بس بصوت أثقل:
- She lost her father recently.
) توفى أبوها من فترة قريبة )
الدكتور سكت لحظة … و تغيرت نبرته:
- I see … that explains a lot.
( أفهم، هذا يفسر حالتها )
و التفت لريّا:
- You need rest. Whatever you’re going through… your body won’t cope like this.
(تحتاجين للراحة. مهما كان اللي تمرّين بيه … جسمج ما راح يقاوم بهالشكل)
التفت قيس لريّا.
و أول ما لكَت عيونها عيونه …
ارتاحت شوية لأنه لأول مرة من أيام ... ما كانت وحدها.
مرت نص ساعة و اجتي الممرضة وياها وجبة أكل ...
قيس سألها شنو بيه، حتى يتأكد من مكوناته، و هيأتها الممرضة إنه تاكل، و هي معترضة،
- ما أشتهي ...
سألها،
- انتي ماكلة شي ؟!
هزت راسها ... لا ...
و بنظرة من عيونه للأكل قال،
- عجل اكلي لا مثل الجهال ...
سكتت ما عندها خيار غير انه تسمع الكلام، بدأت تاكل و سألته،
- انت ماكل ؟!
- لا اتنى يركضون بوراي تا اكل.
قالها بنبرة تهكمية، ابتسمت لنبرته، و ابتسم بطرف شفته لابتسامتها ...
بدأت تاكل شوية و سألته،
- شلون اجيت انت ؟!
- عندي مخبر سري ...
وسّعت عيونها،
- رهف كَالتلك ؟! شلون ؟!
سكت و صفن يتأملها و رد،
- مو كل يوم نظل نحجي كَبل لا تنامين ؟! البارحة اختفيتي، ظل بالي، كاتب لج جثير و ما رديتي. خفت اخابر و نايمة و تفزين ... ظليت للفجر اراقب، متصل بعدين ماكو اتصال بالانترنت،
اخرها الفجر دكَ رقمج ... فتحت اتصال و لنها رهف تشاهكَ و تبجي ... فهمت انتي بالمستشفى و الوضع لعب كَلبي منو ... الج ايام مو على بعضج ...
و هاي اني هين ...
سكت شوية صافن بملامحها ...
- انتي رديتي تضمّين عليّ ريّا ...
اجت تحجي و همس و عيونه على الأكل،
- طيبي و نحَجي بالصاير ...
