رواية اوركيديا الفصل الحادي عشر والاخير
تمت تجهيزات العرس المنتظر رغم تبرم "ألاء" والدة العروس و رفضها الذى لم تبده إلا لــ"نديم" الذى ببراعته و حنكته أقنعها بالصمت كى لا تفسد فرحة ابنتهما.
مع أنها إلى حد ما لديها المبررات المنطقية للرفض لكونها أم تخاف على ابنتها الوحيدة المدللة و التـى هى قطعة من روحها و جزء لا يتجزأ من قلبها .
💗💗💗💗💗💗💗💗💗💗💗
" و فـى غرفتها "
تـراقص على شفتيها أبتسامة واسعة رائقة ، و هى مغمضة عينيها الزرقاوين لم تفتحهما بعد مع اشتمامها لـ رائحة ذكية و ملامسة شئ ناعم لوجنتيها النضرتين بحمرتهما الطبيعية .
فتحت عيونها ببطئ مستمتعة لتجد بتلات الأزهار نصب عينيها، و حين تحرك وجهها تداعب وجنتيها ، فأزدادت ابتسامتها اتساعًا و ضياءاً ، حتمًا هو من أحضر لها هذه الأزهار الأوركيدية الوردية .
فـ خلال الثلاثة أيام الماضية ظل "معاذ" يبعث إليها كل يوم باقة بلون مختلف كل مرة .
أمسكتها لتضمها نحو صدرها فرحةً ، مسرورةً الفؤاد، راضية النفس ، تكاد تحلق كالعصافير في السماء.
فما أحلاه من شعور تجربه أو قد يجربه إنسان!
شعور لا يوصف و لن يوصف.
دخلت عليها "ألاء" الغرفة بـوجه واجمٍ مستشاطٍ غضبًـا و غيظًـا و شيء من الألم الممزوج بعجزٍ بغيض.
فهى لم ترضى بعد على هذا التسرع فى هكذا أمر هام و مصيري.
كيف يزوجون وحيدتها بهكذا سرعة تكاد تصل حد الجنون؟
أي مخبول هذا الذى يتزوج مباشرة بعد الرؤية الشرعية بثلاثة أيام، فلا هم أقاموا خطبة ليتعرف العروسان على بعضهما و يعرفا طباعهما، ولا هم تمهلوا قليلاً فى تدبر الأمر و التدبير له.
و لكن مادامت قرة عينها موافقة و سعيدة فـهى تخشى أن تظهر لها رفضها القاطع فـتفسد عليها حلاوة شعورها الآن و الذى تراه مرسومًا على قسماتها على هيئة فرحة بازخة.
تنهدت بـ حيرةٍ و هى تطالعها بـ حنانها الذى دومًا يغلب أى مشاعر أخرى:
_ يلا يا حبيبتي، نديم بيفطر برة، قومى افطري و اجهزي عشان نوديكي الكوافير و بعدها نشوف أي ناقصك.
و بـ خفةٍ الفراشة رفعت "أثير" الغطاء من عليها و انزلت ساقيها ريثما تكلمها بـ حماسٍ متألقٍ و ابتهاجٍ:
_ حاضر يا مامي.
............................................................
و عند حلاق الرجال كان "معاذ" بصدد تصفيف خصلاته السوداء بنعومتها، و تقصيرها قليلاً فى طلةٍ أكثر من وسيمة، وعلى شفتيه ابتسامة لم تماثلها ابتسامة له من قبل، اليوم تتحقق أمانيه كلها لتصير واقعًا ملموسًا، و حبذا به من واقع!
يذكر تمامًا عندما أخبر أهل عروسه بقرارهما سويًا، فى الحقيقة كان قراره وحده و عندما أملاه عليها و أخذ رأيها فيه وافقت، فصار قرارهما، كـما حدث مع لقبهما المفضل فهو عندما كان يناديها به كانت تستجيب و تسعد فلذلك يحق عليه القول أنه لقبهما.
نعود إلى قرارهما، وقتها انتابته أزمة قلق متأزِّم ، و توجس خيفة من أن يصدوه رافضين و لكنه و لعجبه وجد "نديم" فى صفه يؤيده بالموافقة.
شاهده "غزال" من خلال المرآة و بارك له بوجهه البسام:
_ ألف مليون مبروك يا صاحبي، متتخيلش أنا فرحانلك قد إيه.
نظرات الحب الأخوية كانت هى المسيطرة على معالم "معاذ" حين رد عليه داعيًا:
_ تسلم يا غزال، عقبالك.
رفع "غزال" وجهه نحو الأعلى متمتمًا بعبارات الدعاء و التمنى أن يستجيب الله دعاءه و يرزقه فرحة كـ فرحة صديقه.
وليت دعواته تستجاب!
.........................................................
سبقتهم "روڤان" إلى القاعة بصحبة والدتها فقط، فهى يتيمة والدها متوفى منذ ما يقارب الأربعة أعوام، تأملت ترتيب كل شيء من حولها بعينين دامعتين لسببين أحدهما فرحتها لأجل صديقتها العزيزة، و الآخر لكونها تخيلت موقفها عندما تصبح ذات يوم فى مكان صديقتها، ترى كيف ستعيش تلك اللحظان الأكثر سعادة بدون والدها الحبيب، تنفست بـ اختناقٍ و قد وقفت غصة مرة خانقة فى حلقها تأبى النزول أو الصعود، أنبت نفسها كثيراً على تقلب مذاجها مائة و ثمانين درجة، يجب أن تكون مراعية لمشاعر صديقتها، فماذا سيصيبها إن رأتها فى هذه الحال و خصيصًا فى هذا اليوم شديد التميز و الأهمية.
حاربت طويلاً هذا الاختناق و حبست قهراً تلك الدموع المتلألأة فى عسليتيها،
مما ساهم فى سوء حالتها أكثر، ضغطت على أسنانها بقوةٍ تحارب آلامها النفسية و شعورها بالذنب تجاه صديقتها يزيدها ألمًا، وجدت ملاذها الآمن و حلها الأمثل فى الذهاب للحمام و البكاء هناك حيث تشاء ثم تعود فلا يلاحظها أحدهم و ينتقدها أو يسيء فهمها.
حملت فستانها الواسع الخالي من أى حزامٍ ليصير أكثر احتشاماً، و تميزت عن من حولها بلونه الأسود الأنيق بلا أى زخارف أو زينة لافتة أو لامعة، و وجهها أيضًا خلا من مستحضرات التجميل، فبدت على طبيعتها مضيئة بملامحها الحقيقية بلا أى تزييف.
ما إن وصلت لمكان حمامات النساء حتى اختلت بنفسها فى حمام منهم مغلقة الباب عليها، هى تعلم أنها بذلك قد تؤذي نفسها، و قد حذرتها والدتها من البكاء فى الحمام و لكنها مع الأسف مضطرة.
من الجيد أن العروسين لن يأتيا إلا بعد ساعات، لذا فالتخرج كل طاقاتها السلبية المكبوتة، و أولها تلك الدمعة المنحدرة على خدها الأيمن الوردي بقليل من الإصفرار و ثانيها تلك الشهقات.
حقا ما اصعب الحرمان إنه لشعور سيء للغاية عندما تفقد أعزّ الناس و أقربهم إلى قلبك فتجد نفسك وحيدًا شريداً رغم كل الاشخاص الذين يحاوطونك ومهما بلغ اهتمامهم بك يظل اهتمام الاب هو الأقوى أثراً و تأثيراً.
...........................................................
و قريبًا نوعًـا ما، استمر "غزال" بـمتابعة سير التجهيزات لحفل الزفاف بـكل حيوية و نشاط، فـ العريس ليس صديقه فحسب و إنما أخوه أيضًـا، أخوه الذى لم يربطه به صلـة دم و إنمـا الأيام هى التى ربطت بينهما، و وحدت أواصر الأخوة و المحبة بينهمـا.
إلتفت عن يـمينه إلى ذلـك الجانب، حيث كانت تقف "روڤـان" منذ دقائق قليلة، هو لم يعرف ملامحها إلا عندما تقدم والده لها رسميًا أمام الجميع، وقتها فقط لم ينظر لها "غزال" إلا نظرة واحدة قصيرة، فـ بالأخير سيتزوجها، و هل يعقل أن يتزوج فتاة لا يعرف شكلها؟!!
أكتفى بهذه النظرة، بل إنه استكثرها على نفسه، و حتى اليوم ينتظر ردها، مر على ذلك ثلاثة أيام، و كم كانوا طوالاً مملين و ثقيلين على فؤاده!!
و لكن لا بأس، فــ ثمار الصبر ستكون طازجة و شهية.
احتلـه الاستغراب من إختفائـها.
إلى أين غادرت؟
أولم تكن هنا تساهم فى التحضيرات؟
لـمعت عينـاه وقت اهتدى إلى حل أمثل، و شرع فى تنفيذه حيث أشار إلى أمـه أن تأتي من وسـط النساء، ففعلت، آتية نحوه بـوجه غطى التعجب ملامحه، متسائلة حالما تقف أمامه بـصوتٍ بدا فيه التعب ظاهراً:
_ أيوة يا حبيبي، عاوز إيه؟
شبك "غزال" أصابع يديه خلف رقبته ناظراً إلى ما ورائها بـنوع من الإحراج، فـلا يملك طريقة يخبرها بـه ما يريد دون أن يسلم من مكرها و تحقيقاتها الأمومية الاعتيادية، دفع ما بصدره من هواء محبوس مع كلماته المرتبة بعض الشيء:
_بصي يا ماما، بإختصار كدة أنا حاسس إن روفان فيها حاحة.. مش عارف قلقان عليها من دون سبب، و... و عاوزك تخلي بالك منها.
تلفتت والدته حولها بحثًـا عنها و لم تجدها لتحدجه بـنظرات اختلط بها استغراب من عدم وجودها، و مكر من اهتمام ابنها بها، و لـكن الطاغى هو الاستغراب فى نبرتها الهادئة:
_طيب هاخد بالي منها إزاي و هى مش موجودة.
كاد أن يرد على والدته، إلا أنه صمت و هو يرى مجيئها من الناحية الخاصة بالمراحيض، علمت فوراً سبب صمته المباغت، بعد أن كانت شفتاه على وشك التحرك للكلام، فـقد كشفته عيناه بلمعتهما الجذابة الشبية بـعيون الأطفال.
حركت والدته رأسها إلى ما خلفها لـتجد "روڤان" تسير بـخطواتٍ خافتة بطيئة و للعجب .. حائرة!
و وجهها ..... مبتل كأنها قامت بغسله للتو، عقدت حاجبيها بـشيء من الإدراكِ حينما رأت عيونها المحمرة و رموشها المبتلة و المتساقط منها بعض قطرات، فلا هى تستطيع الجزم أنها دموع أو ماء.
استبعدت من فورها الاحتمال الأول، فما الداعي للبكاء فى هذه المناسبة السعيدة، حولت رأسها لابنها قائلة بنبرتها الهادئة التى تحمل الكثير من التخمينات ، رغم علمها أنه يرى إلا أنها قالت:
_ خلاص، جاية هناك أهى.
ثـم أردفت بقليل من غموضٍ و مكر:
_متقلقش عليها، لإنى هخلي بالي منها كويس.
حمحم "غزال" محرجًا و قد استشعر فى كلمات والدته تلميحًا خفيًا على رد فعله عندما لم يجدها.
دارت والدته بـعيونها الشبه حانقة فى الأرجاء و قالت ببعض الضيق الخفي و المبرر _نوعـا ما _:
_ المعروف إن القاعة بتبقى جاهزة، فـاللى هيعملوا فرح مبيضطروش إنهم يجهزوا حاجة، بس معاذ ده غريب، تقولش غاوي يبهدلنا معاه، حتى التجهيزات معجبتوش فـخلانا نشرف على التجهيزات اللى على مزاجه، ده كلـه غير إنه حاجز القاعة من وقت قصير جداً و ده سبب العطلة اللى احنا فيها دي.
ضـاقت ملامح "غزال" ضائقًـا من ما فاهت بـه والدته، فمهما كانـت التعب يهون فى سبيل رؤيته لسعادة صـديقه المقرب، و الذي بمثابة أخيـه الذي لم تنجبه أمه، و لكن سرعـان ما تبدلت تعابير والدته كلها و هى تكمل بتنهيدة متعبة و بنبرة أمومية بحتة:
_ يلا، كله يهون عشان الحبايب، ربنا يتممله على خير.
ارتاح "غزال" كثيراً، و طالعها بإمتنان حقيقي، قابلته والدته بإبتسامة محبة مربتة على كتفه و داعية له و عيناها نصب عينيه:
_عقبال ما أشوفك عريس منور الكوشة جنب بنت الحلال اللى تريحك و تصونك.
بدى عليه علامـات التقبل للفكرة و التطوق لها، بينما زُيِنَتْ شفتاه بإبتسامة حالمة.
...................................................................
أمام مركز التجميل
ها هى ذي عروسنا الحسناء تتهادى في ثوبها الابيض كأميرات القرون الوسطى بل تكاد تفوقهن حسنًـا و بهاءا.
و عريسنا بوجهه الوضاء يقف على باب صالون التجميل و الذي قام فيه خبراء المكياج بوضع لمساتهم الفنية على قسماتها المتألقة فصارت أكثر رونقًا وتالقًا .
رآها فى ثوبها ناصع البياض شديد الروعة و الجمال، متفردة بطلتها الأنيقة الخاطفة للأنظار قبل الأنفاس، فستانها فريد يليق بها و تليق به، هو ميقن أنه لن يصير بهذا الجمال لولا إرتدائها له، فكل شيء ترتديه يستمد جماله منها.
كما تأملها أيضًا بانجذاب كيف تشبك يدها فى ذراع والدها "نديم" الذى أثنى على حسنها الآخاذ بأسـلوب أبوي لطيف مع بعضٍ من طُرفه الحبيبة رغبة منه فى ابعاد كل الطاقات السلبية عنها و التقليل قدرما يستطيع من توترها و خجلها الطبيعيين فى هذه اللحظات السعيدة.
توقفا أمامه مباشرة على بعد ست خطوات و احتفظ "نديم" بيد "أثير" مطالعًا "معاذ" المنتظر لاستلام عروسه الحسناء و حبيبته التى خطفت منه دقاته.
ابتسم "نديم" فى وجه "أثير" و قد أحسَّ بتشنج أصابعها و هو مؤشر على مضاعفة توترها الحاد.
فـ قرر أن يشاكس "معاذ" قليلاً حتى لا تفزع، و ترتضي الذهاب معه بدلاً من تشبثها الشديد به، لعلها تذهب رفقة عريسها و هى ضاحكة أو حتى مبتسمة عوضًا عن هذه الملامح المنقبضة.
رفع حاجباه يرنوه بـ نظراتٍ بها قليل من مرح و هو يقول بتحدي مصطنع:
_ مش هتاخدها، غير بشرط.
أحمرت وجنتى "معـاذ" بــ خجل و كأنه ضُبِطَ مُتلبسًا أثناء القيام بـجريـ'مة مـا و رمش عدة مرات و قد أفاق من شروده فيها، و طفا على سطح الصحو بعد أن كان يغوص فى ثنايا بحر عينيها، لتتلقى أذناه بعضًا من كلمات "نديم" و بقيت بعضها غير واضحة له، فــ سـأله بلا استيعابٍ و مازال به شئ من شرود:
_ شرط!!! شرط إيه يا عمي؟!
اتسمت نبرة "نديم" بحبه الأبوي المطعم بالصدق و هو يسترسل:
_أنا هسلمكَ حتة من روحي، جزء من كياني، فرحة حياتي، و أغلى حاجة فى دنيتي، خلي بالك منها، و إياك... إياك تزعلها أو تأذيها.
و أضاف بــتهديد صريح مازح:
_ لإنك لو أذيتها و لو بكلمة ساعتها أنا اللى هحاسبك و الحساب هيكون عسير.
و بدلاً من أن تبتسم "أثير" دمعت عيناها تأثراً بما قاله والدها من حلو الكلام لأى ابنة فى موقفها هذا.
فرد "معاذ" مستوى كتفيه معدلاً وقفته باستقامة و امتزجت كلماته الجادة مع إحساسه الصادق حيث أجاب بـنبرة قويـة و هادئة فى نفس الوقت:
_متخافش عليها يا عمو، دي فى عنيا.
بشكل مفاجئ اتسعت عينا "نديم" للغاية، ما لبث أن ضحك بغير إرادةٍ، مما أثار استغراب العروسين و تطلعهما لـه يرنوانه بعيون مستغربة، بينما أردف يمثل التشاؤم برده:
_نفس الجملة يا معاذ من ١٢ سنة، تقريبًـا يوم الحادثة، شكلى هخير رأيي و مش هخليها تخطى خطوة معاك.
و بـطريقته العفوية تلك جرح مشاعر "معاذ" الذى إنزوى ما بين حاجبيه بألم مصاعف، و كأنما أفراحه كلها إنقلب إلى أحزان، متذكراً الحادثة المشؤومة التى آذته أكثر مما آذتها، وقطع وعداً فى الحال بينه و بين نفسه ألا يسمح لمكروه أن يصيبها حتى و إن كان فيها موتــ.ــه!
وخزة من ندمٍ اجتاحت "نديــم" مع تأنيب من ضمير، لأنه قلب الأجواء اللطيفة رأسًا على عقب فصارت فجأة بغيضة خانقة و مشحونة بكل ما هو مؤلم.
كذلك تساقطت الدموع من عيون "أثير" التى غامت بسحابات الحزن العميقة، مسح لها والدها دموعها بطرف أنملته، و بقلبٍ مفطورٍ ناظرها بأسفٍ شديد، فتشجعت و مسحت ما بقى من دموع على خديها و رمته بنظرة زرعت فيها قليلاً من قوة لا تملكها الآن حتى تطمئنه و تخفف من ندمـه.
ترك "نديم" يدها بعد أن ضغطها قليلاً ليقويها، ثـم تقدم وحده نحو معاذ المتأثر بأحزانه الماضي حاضنًـا إياه بقوةٍ، و ربت على ظهره عدة تربيتات خفيفة، قائلاً يعتذر بلطفٍ:
_آسف يا بني، عارف إنى جرحتكم إنتو الاتنين من غير قصد، و عارف كمان إنه مكنش ذنبك و إنك حافظت عليها على قد ما تقدر، و لكن لا يمنع حذر من قدر، آسف مرة تانية عشان محستش إنى هزعلك بهزاري.
أصطنعت "أثير" ضحكة خافتة، مزيلة عن رموشها تلك العبرات، و لم يتلوث وجهها بالكحل كما تسري العادة ببساطة لأن خبراء التجميل لم يثقلوا منه حول جفونها لأنها طلبت ذلك، لم تكن لترتضى أن تضع مثقال ذرة من هذه المساحيق لولا ضغط من والدتها بزعم أنها عروس و يجب عليها أن تتزين.
قالت لهما بحسٍ فكاهي:
_شكل الناس كلها بتزعل من الهزار، بعد كدة اتكلمو جد و بلاش خفة دم!
بالتأكيد كانت تقصد "ثقل دم" لأن نبرتها مالت للسخرية.
ابتسم "نديم" بصعوبة و لازال صوت ضميره يدوي فى أذنيه مؤنبًا، و ابتعد عن "معاذ" ليدفعه برفقٍ تجاه عروسه، أول ما وقعت عيناه عليه بقايا ضحكتها على وجهها و التى أخذت تتلاشى بالفعل، و غرق فى بحر عينيها، فـنسي فوراً ما كان يعكر راحته و..............
.......................................
ماذا أصابه؟
لما يحدق فى قسماتها الرقيقة بهذا الشكل الثابت؟
لا يكاد يرمش بعينيه إلا كل حين و حين.
و كأنه يخشى أن ترف عيناه لحظيًـا فتختفى حبيبته عن مرماه!
أولم يرى وجه أمرأة من قبل؟!!
بالفعل هو لم يرى وجه أى فتاة من قبل، ظل يحفظ صورتها _مذ كانا صغاراً_ فى مخيلته خشية أن ينسى أى تفصيلة من هذا الوجه الذي كان صغيراً حين ذاك، و كم من مرةٍ غض بصره فيها عن أى فتاةٍ و عنها هى شخصيًـا!
كان يحفظ مشاعره النقية من التلوث، لأنها حقًـا تستحق أن تكون الأولى فى حياته، ظل يحفظ حقها عليه طيلة السنوات المنصرمة.
و الآن ماذا؟
الآن من حقه أن ينظر و يدقق كما يشاء و كيف يشاء، تذكر يوم أمس تقريبا السابعة مساءاً.... بالتحديد موعد عقد قرانهما، حيث كانت تخط على قسيمة الزواج بحروف اسمها و كأنها تحفرها على جدران قلبه بدلاً من الورق!
وقتها فقط نظر لها مليًا و غرق في عينيها، لأن العائلتان تركوهما معًا لبعض الوقت كان الأجمـل فى حياته كلها، الأحلى بألاف المرات من حياته الماضية المقفرة بدونها، و الآن هما أصبحا سويًا، معًـا إلى الأبد، أو حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً، لا يظن أن تلك المشاعر التي تجتاحه الآن قد جربها من قبل، و كيف يجربها إن لم تكن هى مصدرها؟
كيف يشعر بسعادة كهذه إن لم تكن هى سببها؟
كيف يتوقع عيشًـا له بلا وجودهـا؟
أعترف لنفسه سابقًـا و لازال يعترف و سيظل يعترف أنه يكتفى بها.
لا ينقصه سواها، و لا يريد إلا قربها، يريد أن يخفق قلبه بهذه السرعة العجيبة حينما يلقاها أو يكون فى نفس المكان معها.
رباااااه، ما الذى يجري له؟
قلبه يركض فى ساحة الحب هانئًـا و يركل قفصه الصدرى بإيقاع خطيـر!
يعزف إيقاعًـا لا يماثله فى الوجود شئ!
و أمـا هى... أجل "أثير" فـخجلها و إحراجها لا يوصفـان، وجهها أصبح عبارة عن كتلة حمراء متوهجة، تتمنى لو تختفى من نظراته الثابتة المصوبة تجاهها كسهم يصيب قلبها!
رغم أنـها أيضًـا كانت تبادله بنظراتٍ مماثلة، يزينها الغرام، نظراتٍ عفوية هائمة و لكنها استحالت لـنادمة!
أجل، كيف نسيت كل خجلها و انقادت خلف نداءات قلبها و التى لم تكف إلى الآن.
دارت بعيونها فى كل الاتجاهات عن يمينها و شمالها و تحت قدميها فى محاولة فاشلة لتلافى تلاقى عينيهما بعد أن ابعدت خاصتها بعيداً عن خاصته.
أفاق على نفسه، عاقداً حاجبيه بانزعاج لرغبته فى مواصلة الغوص فى بحري عينيها الساحران الغنيان بكل ما هو لطيف، جميل، جذاب، و أخيراً.... حبيب.
دغدغه شعور لذيذ حينما رأى خجلها العفيف الصافي، كم تبدو أخاذة بحد لا يعقل!
و هو أيضًا رمى بنظراته عن يمينه بحرجٍ من تكرار و طول شروده فيها، لا يعلم ماذا ينتابه عند نظره لها، و كأنما تجرفه الأمواج فى عينيها إلى قاع محيطهما و تنزلق قدماه شيئًـا فشيئًـا، و كم يحب هذا!
أخذت نفسًـا متقطعًـا من شدة توترها و ظنته لازال يطالعها بحرية قيدت حريتها، لتقول ببعضٍ من رجاء مع صوت خافت يكاد يسمع:
_مـ.... مـعاذ! لو سمحتـ...
و كأن نطقها لإسمه معزوفة لأشهر العازفين و أبرعهم، و كأنه أيضًـا اتخذ تحدثها إليه تصريحًـا رسميًـا بموافقتها على ما يريد فعله الآن و بكل ذرة من كيانه!
فـفـى لمحةٍ خاطفة وجد نفسه يندفع _نحوها_ كالنسمة المرتطمة بوجه سائق متهور!
فاقدًا السيطرة على نفسه المتعلقة بها تعلق الطفل الرضيع بأمه، قاضيًـا على آخر خطواتٍ تفصله عنها، حاضنًـا إياها و يديه تحركت من تلقاء نفسهـا جذبتاها إليه أكثر، محاوطًـا لها بذراعيه القويتين المملؤتين بالعضلات المناسبة لـسنه الشبابي، ليحظـى كلاهمـا بحضنٍ كالنعيم!
حضن دافـئ، حنون، و مشحون بعواطف جمة، عواطف بريئة نقية، اعتادها كلًا منهما من الآخر.
حبهما الصافي الذى لم يتلوث رغم مرور تلك الأعوام!
فـى بادئ الأمر انسلت من بين شفاهها شهقة عفوية، و تجمدت فى أرضها بلا حراكٍ، مصدومة، فـمتـى كان معاذ بهذه الجرأة؟
ربما هو مفعول الحب الذى يسري فى دمائهما مجرى الدم!
أى جرأة يا حمقاء؟
أنسيتي أم أنكِ تتناسين؟
إنه زوجكِ شرعًـا و قانونًـا، و حبيبكِ الأول و الأخر.
عنفها عقلها على فكرتها السابقة.
و لذا اضطربت معدتها اضطرابًـا لذيذًا فـتناثرت على وجنتيها حمرة وردية و كأنهما زهرتين فى بستان نضر!
استشعرت دفئ الحضن، حضن زوجها و حبيبها الأذلى و رفيق طفولتها و شريك حياتها القادمة، و بهذا تبخرت صدمتها و انصهر تجمدها، فـارتفعت يديها ــ تلقائيًا ــ فى استجابة حسية تحيطه و تبادله حضنه بتقبلٍ و حبٍ، مريحة رأسها على صدره، و هو كذلك يريح رأسه على كتفها منذ ضمه لها.
تمتم لها بـنبرةٍ رفيقة متيمة و هائمة و أخيرًا بطيئة:
_بحبك يا أوركيديا، بحبك يا أثير، بحبك يا فرحة أيامي و جايزتي الكبيرة اللى ربنا كافئني بيها، محظوظ بيكي، بحبك لآخر نفس فيا، بحبك بكل المعانى، بحبك بكل اللغات ، I Love You , je t'aime يا أول و آخر و أجمل بنت فى حياتي.
جنت دقات قلبها، أرتعدت أطرافها، و تخبط قلبها فى قفصها الصدري متأثراً بعاطفته السخية التى لا تنضب، مرت كلماته فى صحراء حياتها القاحلة كالأمطار الموسمية التى استحالت سيولًا تأخذ فى طريقها مجرى كالنهر لترطب قشرتها الرملية المحترقة بأشعة الشمس و الخالية من الرطوبة، جرت كلماته فى أورتها مختلطة بدمائها، لتصل تمامًا لقلبها، مصيبة إياه برعداتٍ أخرى، كسماء غائمة فى شتاء قارص البرودة!
ما أعذب الحب حين يكون حلالًا خالصًـا!
و ما أشهاه من حضن!
هو الثاني لهما، فالأول كان فى طفولتهما، حيث كانا على عتبة الفراق و التى تخطها "أثير" والجة بابها القصى، لتبتعد عنه ضد إرادتهما.
و شتان مابين الحضنين، فالأول كان مملوءة بمشاعر الحزن و الأسى و قلوب مكلومة و عيون دامعة من ألم الفراق.
و الثانى هذا يغمره الدفئ و الفرح و البهجة، و عيون دامعة أيضًـا و لكنها لامعة بالسعادة الحقيقية.
ابتعد أخيرًا فاصلًا الحضن ببطئ متزمرًا داخليلًا لكونه يريد إطالة العناق و لكن النظرة الزاجرة و المستاءة من عيني "حماته" ردعته، يتفهم ما تمر به رغم أسلوبها الجاف المتواري خلف قناع الجمود الذى ترتديه و الطريقة العملية التى تعامله بها، فهـى بالنهاية أم لا تأمن على ابنتها فى زيجة سريعة كهذه!
و لكنه و رغم كل ما تظهره له إلا أنه يكاد يلمح طيف من رضا عنه خلف ظلال ما تبديه له من مشاعر عدائية و تصرفات نافرة!
أثناء ابتعاده عن "أثيره" توقف لوهلةٍ مختطفًـا قبلة من كلا وجنيها المتوردتين لتزدادا تورداً و رونقًـا و نضارة.
تزلزل صوتهـا كأرضٍ أصابها زلزال بمقياس سبعة ريختر فيهزها هزًا:
_أ..... أنا.... كـ... كمان ..... بحـ... بحـبك يا معاذ.
أحقًـا قالتها؟
أنطقتها و هى تغوص فى بنيتيه الشبية بقطعتين من الشيكولاتة الشهية، و التى تتلائم مع بشرته البيضاء النقية، و لحيته النابة الشبابية، السوداء بالضبط كخصلات شعره الناعمة الحريرية؟!
نعم، فعلت، و لازالت تتعمق أكثر فى نظراتها داخل شوكولاتتيه، تهيم فى أعماقهما، ليهيم هو الآخر سابحًـا فى بحارها الزرقاء الغنية بكل ما هو نفيس و...... فريد!
خفقات قلبه السعيد كانت هى الرد على نطقهـا لإسمه الذى لم يعرف أنه يحبه إلى هذه الدرجة، فـلصوتها الناعم تأثير فائق جعله كالنغم و ليس مجرد إسم يناديه به العامة، فلذا، و كإستجابة لها قال بما يجيش فى صدره و ما يدور حاليًـا فى عقله:
_حبيت اسمي لما قولتيه، محبتش صوتي غير لما سمعتيه ، مبقتش ببص فى مرايتي إلا لما بصيتي لملامحي ، و عيوني البني حسيتها أجمل عيون لما بصيتيلها و سرحتي فخطفتي قلبي.
أخذ راحتيها الناعمتين بين راحتيه، بيما أطرقت هى رأسها حياءًا من كلامه الـ.... ، الـ ماذا؟ كيف تصف روعته و تأثيره فى نبضاته الثائرة بالفعل؟
و لكنه أبدًا لم يرؤف بحال قلبها المسكين حين أكمل بصوتٍ شجي و الذى كان بديعًا لها كصوت زقزقة العصافير فى صباح سعيد:
_ مش هقولك انتى ملكي زي الأفلام و الروايات و الأغاني ، لإنك منى ، بحسك شبهى، شبه روحي إللى جوايا ، و إزاي هتكوني ملكي و انتى انا ، احنا الاتنين واحد ، و قلبي ساب مكانه وراحلك لما قولتيلي بحبك ، و خدتيه بين ايديكي الناعمين، ايديكي إللى مشوفتش زيهم ايدين .
لم يرفع عيونه عنها و هو يرى تأثير كلماته _الشبيه بإكسير الحياة _ محفورًا على وجهها المشتعل حمرة، فـلم يقاوم تلك الإبتسامة التى لم تنمحى من على ثغره مذ وجدها، ثنى ساعده لها كإعلان على أن وقت ذهابهما قد حان، شبكت كفها بعضده فربت هو عليه بكفه كدعم لها، إلا أنها زادت توترًا على توترها، فأخذت أنفاسًا عميقة و زفرتها تباعًا.
جالت بعقلها خاطرة رائعة:
_" مهما مررت بظروفٍ أو عراقيل فى حياتك، حتى و إن انطفأ وهج عيناك فــ إنطفاؤهما ما هو إلا بداية للمعان أقوى و أجمل، حتى و إن سقطت ألف مرة و مرة، حتى و إن ملأ الحزن قلبك و انتشرت الظلمة حولك، حتى و إن بلغت آلامك حد السماء، حتى و إن ضاقت عليك أنفاسك، أعلم أن الله يخبئ لك الأفضل، و أنه يقدر لك الأنسب و الأجمل، و أن الدنيا ليست دار القرار، و أننا سنمتحن فيها بكل ما نحب، و أننا سنتألم كثيرًا و فى المقابل سنرتاح كثيرًا، سنفرح و سنحزن، و سنبنى جسرًا من الصعاب نعبر به فوق الآلام، و سنصبر حتى نستحق مكافآت الله لنا، كل هذا و أكثر لأن الله كريم".
ابتسمت "أثير" و هى تستحسن انتقائها للكلمات المناسبة و التى تتطابق تمامًا مع مع مرت به سابقًا و مع ما تمر به الآن.
...............
لم يسأم "نديم" من انتظارهما كـزوجته ، بل إنه تابعهما بعض الأحيان باستمتاع لشكلهما اللطيف و المحبب لأى شخص قد ينظر لهما، حبيبته عقدت قرانها بالأمس على حبيبها و اليوم زفافها، و ليس فى الوجود أحب لأبٍ من هذا اليوم!
أن يسلم ابنته لشخص يستحقها و يليق بها، شخص مثقف، متعلم، مجتهد، و الأهم الأهم محترم يحافظ على صلته بالله و يتقى الله فيها.
حرك عيناه بتلقائية باحثًا عن حبيبته هو "ألاء" وجدها تعقد ذراعيها حولها بقليل من ضيق و رغم ذلك لم تستطع إخفاء لمعان الفرح فى عينيها لأجل ابنتها و لهفتها عليها، حتى و إن اخفتها عن العالم أجمع فلن تخفيها عليه هو.
هو الذى يحفظ كل كبيرة و صغيرة عنها، يحبها و يحب تفاصيلها، لاحت على ثغره الابتسامة نفسها الذى كان يراقب بها الثنائي، و لكنها تختلف أنها امتزجت بمشاعره الناضجة بمرور سنوات زواجه، أقترب منها يطل عليها من طوله و هيئته التى لم يؤثر فيها الشيب إلا قليلًا، راقب كل جزء من ملامحها عن كثب مستغل انشغال نظراتها بـ ابنتهما عروس اليوم و محور الاهتمام و هى تسير رفقة عريسها قصد سيارة الزفاف.
تنهد بقوةٍ قبل أن يحدثها بنبرة حبيبة هادئة:
_أدعيلها يا حبيبتي إن ربنا يكتبلها السعادة.
رمته بنظرة خلا منها الشرود الذى كان يسيطر عليها الآن، و نظرتها كانت حائرة نظرة طفل يرجو من والدته تفسيرًا على شيء عسير عليه فهمه، فــ لف ذراعه حول خصرها مؤميء لها كتأكيد، فتحرك لسانها بتمتمة تحمل الكثير من الدعوات اختصرتها فى كلمة واحدة، مريحة رأسها على كتفه:
_يارب
...................................
يالـسعادتها بيومها هذا، و الذى هو بـمثابةٍ عمر كامل و ليس مجرد ساعات!
يالـهنائها بوجودها جواره و وجوده قربهـا!
يالـحظها الجميل بـهذا الـ"معاذ" الـفريد من نوعه و الذى تكاد تحسد نفسها عليه!
فالـكثيرات لم يحظين بزيجة كـهذه، لم يقابلن شخصًـا بهذا النقاء و هذا القدر العالى من العفة و حسن الأخلاق.
شخص يحبها لأول مرة، يقول لها كلمات الغزل الغير مستهلكة، كلمات لم ينطق بها لسانه لفتاة سواها، لا قبلها و لا بعدها.
فهـى لها على قلبه _دومًـا_ الريادة و السيادة.
توشك على التحليق كــ"طير" يفرد جناحيه بزهو و يعلـو و يرتفع فى فضـاء السمـاء!
و روحهـا؟!! ..... عادت إليهـا بعدمـا فارقتها بافتراقهـا عنـه طيـلة تلك السنوات!
و كم هى سعيدة الحظ بكل هذا الحب الذى يغدق عليها بـه منذ ثلاثة أيام و حتى الآن .... رغـم أنه لم يصرح بشيء شفهيًـا و إنمـا حبـه يلمع فى بنيتيه الوسيمتين!
حـــب مرسوم على شفاهه على هيئة ابتسامات صافية بلا مثيل أو شبيه.
أدارت رأسها بنظرةٍ خاطفة بغية مطالعة والدتها الحبيبة و هـى بهذا البعد، انقبض قلبها فجأة، و ارتعشت يديها، و التمعت عينيها بدموع أخرى لفكرة أنها ستفارقها و ترحل عنها إلى محافظةٍ أخرى.
لم توقف قدميها اللتان تحركتا بعتة لتركض رافعة أطراف ثوبها الأبيض بزركشاته و أضافاته اللامعة _نوعًا ما _ ناحية والدتها، لم يمنعها "معاذ" من ذلك بل إنه تنحى جانبًـا مرتكزًا بثقل مرفقه على السيارة و أكتفى بكلمتان فقط كنصحٍ لها :
_ أثير ... على مهلِكْ!
إلتفتت له ببسمة صغيرة تومأ له، ثم خففت من وتيرة ركضها ليصير سيرًا سريعًا.
و ها هى ذى تلقى بنفسها فى حضن والدتها التى التقفتها و قابلتها بالقبل الكثيرة.
و بعد عناقٍ طويل و تمتماتٍ خافتة، و نصائح أمومية، ابعدتها "ألاء" محيطة بوجهها بين راحتيها تناظرها عن قرب وتهنؤها بيوم عرسها:
_ مبروك عليكي يا عمري، ربنا يجعل أيامك الجاية كلها سعادة و هنا.
و أضافت بصوتٍ به بعض من مكر أمومي محبب:
_ إن شاء الله أشوف ولادك حواليا و اربيهم و اهتم بيه زيك بالظبط.
أخفضت "أثير" رأسها خجلًا و بسمة خجولة تجول على شفاهها مختلطة بعبراتها المنسابة بسخاء على خديها المحتفظان بتوردهما.
ثم و بتلقائة تامة وجدت رأسها يرفع و يلتفت إليه حيث كان واقفًا يطالعها _من بعيد_ بشغفٍ، و حولت بعد ذلك زرقاويها لوالديها، و لازالت يدي والدتها حولها و والدها يربت على ذراعها برفقٍ، قائلًا يحثها ببسمته الواسعة:
_ روحيله.
حدقت فى عيون "ألاء" و كأنها تطلب إذنها، فهزت لها رأسها إيجابًـا و قبلتها قبلتين أخيرتين قبل أن تتركها، تراجعت "أثير" للوراء قليلًا ترمقهما بنظراتها المحبة و من ثم التفتت مغادرة ركضًـا مرة أخرى و هذه المرة فى الإتجاه المعاكس حيث "معاذ" الذى يفتح ذراعيه لها يستقبلها بحضنٍ قصير قبل أن يفتح لها الباب الخلفى حيث والدته هو السيدة "أسماء" و التى رأت كل شيء بعيونها الراضية السعيدة، مستشعرة كم الفرح الطاغى على "بنيها" الغالي و الوحيد.
ركبت "أثير" السيارة التى ستزفها حتى قاعة الأفراح الراقية المقام فيها حفل الزفاف....
قاعة تليق بمركز العائلتين الإجتماعى و الثقافي.
ضمتها "أسماء" ضمة أمومية لا تختلف كثيرًا عن ضمة أمها منذ قليل، و دعت لها بحياة هانئة و ذرية صالحة، كما تجرى العادة فى هذه المناسبة.
...................................................
و من خلفهم سيارة "نديم" والدها و أكثر الناس سعادة فى هذا اليوم الذى انتظره طويلًا منذ ولدت، وقد حان الوقت لتنتقل "زهرته" من كنفه و رعايته إلى بيت آخر و برعاية شخص آخر لتصير مسؤولة من زوجها، و الذى يأمل هو من كل قلبه أن يكون "معاذ" جديرًا بهذه المهمة، و أن يكون على قدر ثقته به، و آلا يخذله و يؤذيها.
و إلى جواره زوجته "ألاء" الهادئة و المتقبلة _مؤخرًا_ فكرة هذا الزواج، مشبكًا أصابعه بأصابعها، رفع يدها إلى فمه مقبلًا إياها قبلة شغوفة.
........................................
شعورها الآن لا يضاهيه شعور!
تشعر بالإختناقٍ بالألم إضافة إلى تأنيب الضمير الذى يأكل روحها!
تشعر و كأنها تقبض على جمرة فحم متقدة، و هـى مكلفة، بل مجبرة بإبقائها فى يدها تحرقها على الدوام، فلا يجوز أن تنفضها _من يدها _ بعيدًا، و لا هـى قادرة على إحتمال آلامها الفائقة.
ليتها فقط تمحـى تلك الغصة الكريهة من حلقها، ليتها فقط تستطيع تخفيف حمول قلبها، ليتها فقط تنعزل بنفسها فى غرفتها تبكي كما تشاء.
و لكن كل تلك الأمنيات تظل محبوسة فى صدرها صعبة التحقيق الآن، لتزيد من إختناقها أضعافًـا.
تنهدت بأسى على حالها، و منعت بأقصى ما تستطيع من قوى دموعها من الانحدار على وجنيها فتثير فضول من حولها و ربما قلقهم أيضًـا.
أحست بيد تحط على عضدتها بلمسة حنونة ناعمة، فانتفضت مزعورة و متفاجئة لتلتلفت لصاحب الحركة الجريئة، فتجدها والدته، أجل "رقية" والدة "غزال" التى ترنوها بنظراتٍ يطفو عليها القلق و الفضول، و فورًا لم تمهلها و لو ثانية و حيث فاجأتها _مجددًا_ بضمة شديدة كادت تدك أنفاسها، هامسة لها فى أذنها بمزيج من قلقها و فضولها:
_مالك يا حبيبتي، اتفزعتي ليه؟!!
و حالما تركتها، حركت "روڤان" فمها بإبتسامة مزيفة لا تنم إلا عن ألم، بينما تجيبها بنبرةٍ بدت واثقة رغم إرتعاشها مما يختلجها من آلام نفسية فتاكة تفوق أى ألم جسدي:
_لا و لا حاجة، كنت سرحانة بس.
و بغير اقتناع حركت "رقية" رأسها بإيجاب، قائلة باقتضابٍ حذر:
_ماشي.
استمرت بجعلها تتفاجئ للمرة الثالثة على التوالى حين سألتها مباغتة إياها و هى تشير على واحدة من النسوة:
_ هـى دي بقى تبقى مامتك؟
لم تنتظر إجابتها و هـى تبرر:
أصلي شوفتك جاية معاها.
بدت أسئلتها بوجهة نظر "روڤان" تطفلًا علـى ما يخصها، لذا حافظت على ابتسامتها المصطنعة، لترد عليها بصوتٍ بح من البكاء:
_ أه، تبقى مامتى و أحلى حاجة فى حياتي.
فركت "رقية" ذقنها دليلًا على التفكير، ثم جذبت طرف حجابها للخلف سائلة بفضول كبير و استغراب أكبر:
_ أومال أبوكي فين، مشوفناهوش قبل كدة.
و كأنها بسؤالها عن والدها ضربتها فى صميم روحها بمدفع حرب، فتفتت إلـى أشلاء صغيرة!
عادت عيون "روڤان" تترقرق بالدموع المتزاحمة، و ضغطت على فمها تكتم آهة خارجة من جوف قلبها، لتجيبها بصوتٍ مغصوصٍ:
_ بـ... بـابـا متوفي من أربع سنين.
أظهرت "رقية" حزنها الصادق فى صوتها المعتذر المواسي:
_آسفة يا بنتي، مكنتش أعرف، ربنا يرحمه و يغفرله.
_آمين، عن إذنك يا طنط.
_ براحتك يا حبيبتي.
هكذا انصرفت "روڤان" بهدوء مبتعدة عنها، و لا تفكر لى شيء الآن سوى الإختلاء بنفسها فى الحمام للمرة الثانية، بعيدًا عن عيون المتصلصين.
لم تستطع كتمان تلك الدمعة التى فرت هاربة من عينيها، لم يراها أحد سواه هو "غزال" و انفطر قلبه لذلك، و تسائل فى نفسه بحيرة عما ألم بها.
"ترى ماذا أصابها لتبكي هكذا؟! "
.....................................
"فـى أجواء الفرح تاه حزني
و ذهب عنى بدون إذني
رفرف فى الأفق قلبي السعيد
ليبني لي سور أملٍ جديد
فيزود عني أي هم قريب أو بعيد
عينايَ ثبتهما على السـماء
يردد لساني بالرجاء و بالدعاء
أن ترافقني السعادة و الهناء
فهـى لى و لجراحي دواء"
خاطرة أخرى مرت على ذهنها كالشهاب، لتجعل من ابتسامةٍ أنيقة بهيجة تتشكل على ثغرها، أحست بيده تضغط كفها، فالتفتت له مع ابتسامتها التى انتقلت كالعدوى إليه حيث ابتسم لها قائلًا ينبهها على إحدى المدعوين لحفل الزفاف:
_ أثير، سلمي على طنط وفاء، مرات واحد من معارفنا.
رمت "أثير" بأفكارها و شرودها بعيدًا و هى تمد يدها لتصافح السيدة، قائلة بتهذيب:
_تشرفنا.
قابلتها السيدة بإبتسامة عملية، لتثني عليها كنوع من المجاملة المعتادة:
_ ما شاء الله، عروسة زي القمر.
اتسعت ابتسامتيهما_معاذ و أثير_ و ردت "أثير" بشيء من امتنان:
_شكرًا ده من ذوقك.
ابتعدت السيدة "وفاء" بعدما تبادلت معهما حوارات اعتيادية و عبارات قصيرة.
لمحت "أثير" صديقتها تقبل عليها، فوقفت سريعًا تتلقاها فى أحضانها كأختان حبيبتان لبعضهما، هنأتها "روڤان" بيوم عرسها، و تطرقتا لأحاديث شتى حتى اتيحت الفرصة لـ"أثير" التى حمحمت مشيرة لصديقتها كعلامة على رغبتها فى إقترابها منها، فعقدت "روڤان" حاجبيها بشدة مستغربة من طلبها و مالت عليها حتى تصل لمستواها بحكم جلوسها على منصة الزفاف، و ما ضاعف استغرابها هو همسات "أثير" بجملة بدت لها غامضة مبهمة:
_ ها، قررتي إيه؟
رفعت "روڤان" حاجبها بمزيد من الاستغراب هاتفة بعدم استيعاب:
_إيه؟!!
أشارت "أثير" بزرقاويها على "غزال" فـفطنت "روڤان" للمغزى دون أن يشق عليها ذلك، متنهدة بحيرة غامرة و هى تهز كتفيها كتصديق على حيرتها متمتة بضياعٍ:
_مش عارفة، حاسة تفكيري مشوش، بس....
صمتت تشبك أصابعها ببعضها بحركة متوترة عصبية، تزامنً
تمت بحمد الله
