رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والواحد والعشرون 121 بقلم سهام صادق


 رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والواحد والعشرون 

وقفت أشرقت أمام المرآة محدقة بملامح وجهها الباهتة حتى عيناها فقدت بريقهما وصارت صورة من امرأة لا تعرفها.
رفعت يديها تمررهما على صفيحة وجهها الشاحب، ثم خرجت من شفتيها تنهيدة طويلة مصحوبة بحسرتها؛ فلولا مستحضرات التجميل وجلسات العناية بالبشرة ما استطاعت إخفاء انطفاء وجهها واتضحت تعاستها.
وفي هذه اللحظة اهتزت أهدابها ثم فاضت عيناها بالدموع.
انفتح باب الغرفة ودلف مراد مترنحاً في خطواته، أسرعت بمسح دموعها حتى لا يبصر ضعفها الذي صار واضحاً للأعين.
ـ مراتي الحلوة بنت الحسب والنسب.
واستطرد ساخراً وهو يتقدم منها:
ـ المستشارة بنت المستشار اللي يوم ما تفضحينا وتلعبي بديلك هيتفضح الباشا والدك معانا.
رمقته بنظرة مشمئزة ثم أشاحت وجهها عنه قائلة بنبرة صوت مبحوحة:
ـ بابا راجل شريف، أنتوا خدعتوه زي ما خدعتوا ناس كتير غيره.
تجلجلت ضحكاته عالياً وسرعان ما كان يجتذبها من ذراعها:
ـ مين اللي شريف؟ هشام باشا راجل شريف! ضحكتيني.
دفعته عنها، فهو مهما قال عن والدها لن تصدقه.
تقهقر مراد إلى الوراء ثم عاد إلى قهقهته الساخرة:
ـ بكره أفضخكم وكل حاجة بتعملوها هكشفها بالأوراق.

توقف مراد عن الضحك وألقاها بنظرة مستهزئة، فاحتدت نظراتها التي زادت من متعته:
ـ فاكر أني مش هقدر؟
ثم تابعت بحقد:
ـ بكره تشوف مين فينا هيضحك في الآخر.

انشق ثغره هذه المرة عن ابتسامة عريضة واقترب منها بخطوات بطيئة.

ـ بتعجبيني وأنا شايفك قطة بتخربش.
قالها وهو يطبق يديه على وجهها ثم أردف بعد أن وجدها تشيح وجهها عنه منفرة منه ومن رائحة فمه المنبعث منها رائحة الخمر:
ـ قطة بعرف كويس أكسر مخالبها.

تجهم وجهها ونفضت يديه عنها ليسرع في اجتذابها إليه متمتماً بوقاحة:

ـ مزاجي رايح ليكي، فخليها تحصل بينا بهدوء.

أفلتت ذراعها من قبضة يده صائحة بنفور:

ـ لأ، ومتفكرش إنك تلمسني تاني، أنا بكرهك وبكره كل حاجة معاك.

حرك رأسه بوجه ممتعض وتركها تهذي بتلك الكلمات التي تزيده رغبة في إخضاعها ورؤيتها مستسلمة بين ذراعيه.

ـ أنا إزاي كنت عامية عن حقيقتك وصدقت أنك إنسان طبيعي زينا؟

وضحكاته على ما يبدو هذه الليلة لن تنقطع، صفَّقَ لها بيديه ثم هز برأسه هازئاً:

ـ كنتي عامية عشان كنتي مبهورة بالفلوس والهدايا.

استوحشت نظراتها ثم رمقته بنظرة شزرة :

ـ لأ بقولك إيه، أنا قولت مزاجي فيكي النهاردة.

أجفلها بدفعها نحو الفراش وفي عينيه نظرة منتشية، ورغم مقاومتها الشديدة له هذه الليلة بالأخص، إلا إنه في النهاية نال ما أراد.

....

دارت سما بعينيها في أرجاء الغرفة التي لم تختر شيئاً من أثاثها أو أثاث الشقة بأكملها، فزوجة عمها ووالدته فعلوا كل ما يحلو لهن.

ـ هما عارفين أني مبحبش الألوان الغامقة وما شاء الله فرشوا الشقة على ذوقهم هما.
هتفت بهذا لنفسها ثم زفرت أنفاسها حانقة واستطردت بضيق:
ـ هو أنا زهقانة كده ليه؟ ولا شكلي جعانة؟

مسحت على بطنها وزمت شفتيها لأسفل بعبوس:
ـ لأ أنا جعانة مش زهقانة وأكيد صينية الأكل متلمستش، فأنا هخرج على طراطيف صوابعي عشان ميحسش بيا وبعدين أرجع الأوضة علطول وأقفلها عليا.

قذفت بالوسادة التي كانت تحتضنها أرضاً ونهضت من الفراش لتتأفف بضجر بعد أن تعرقلت في طرف ثوب الزفاف، ثم قالت بسخط:
ـ هو أنا إزاي مستحملاك لحد دلوقتي وقاعدة بيك كده عادي؟
وتنهدت بقوة ثم مدت يديها للخلف حتى تفك أربطته:
ـ لأ اتظبط كده معايا وخلينا نخلص وتتقلع، أنا بزهق بسرعة.

واستمرت في محاولة فك عقدة الرباط حتى ضجرت وصاحت بسأم:

ـ ما أنت هتتخلع يعني هتتخلع!
وفجأة انفجرت باكية من شدة ضيقها ويأسها.

جلس قصي مندمجاً في مطالعة التلفاز ولم يكن منتبهاً على ما يحدث معها بعد أن تركها.
انتهى أخيراً عرض الفيلم الذي ركز انتباهه عليه بالكامل، ثم انطلقت تنهيدة طويلة من شفتيه وهو يغلق شاشة التلفاز قائلاً بسخرية وحنق:
ـ عريس وفي ليلة دخلته قاعد في الصالة وبيتفرج على فيلم حربي!
أغلق أجفانه وشرد بأفكاره ثم زفر أنفاسه عدة مرات مغمغماً:
ـ كل حاجة بتيجي بالصبر يا قصي وضبط الأعصاب، وسما مش عايزة غير كده لحد ما تسلم الراية وتيجي تقولك بحبك، بس طبعاً دورك دلوقتي تدلع وتطبطب وتاخدها على قد عقلها.

وتقلصت قسمات وجهه عند تذكره لسلاطة لسانها فتمتم بغضب:
ـ لسانها بيحدف مدافع، مكدبتش لما قولت عليها الشويشـ...
انقطع الكلام عن لسانه عندما أجفله سماع صوتها المتذمر:

ـ قصي، قصي الحقني مش عارفة أفك رباط الفستان وزهقت وقولت مش مهم أتحوج لك النهاردة.

استدار برأسه سريعاً محدقاً نحوها، فوجدها تندفع إليه حانقة وبمظهر مشعث.
قطب حاجبيه بذهول، فتأففت بسأم بعد أن أعطته ظهرها وانتظرت منه أن يقوم بتلك المهمة التي أصابتها بالاختناق.

ـ قصي أنجز بقى، أنا مش هفضل بالفستان ده كتير أنا اختنقت منه ولو اتعصبت زيادة هجيب المقص وأقصه.

قوس شفتيه باستنكار قائلاً بنبرة مستهزئة ومرحة:
ـ ما هو مال حرام يا هانم، ده أنا صارف ومكلف وياريتني أخدت أي مكافأة، مأخدتش غير بوسة على الخد لزوم التصوير.
امتقع وجهها والتفتت إليه تسأله بشفتين ملويتين باستهزاء:
ـ وأنت كنت مستني إيه؟ نكون عريس وعروسة بجد؟ أنت بتحلم يا سيادة الرائد.

تجهم وجهه بنفاذ صبر وأشار إليها أن تستدير حتى يفك رباط الفستان وتختفي من أمامه الليلة بل والأسبوع المتبقي له قبل أن يعود لخدمته في قاعدة الإسكندرية البحرية:

ـ أنا بقول نعدي الليلة ديه وباقي الأسبوع من غير إصابات لأن لسانك ده مش هصبر عليه كتير، وانجزي لفي عشان هي جوازة بنكفر بيها عن ذنوبنا.

أسرعت بالالتفاف بذعر بعد أن ارتفعت نبرة صوته بطريقة أرعبتها.
ابتسم على ردة فعلها التي أظهرت فيها خوفها من نبرة صوته العالية.

ـ شكراً يا قصي.
خرجت تمتمتها بصوت خفيض ثم استكملت بتوضيح عن سبب امتنانها له:

ـ أنا كنت فاكرة إنك ممكن تنفذ تهديدك لكن أول ما ترجيتك متخليهاش ذكرى سيئة مش هقدر أسامحك عليها اتراجعت.

واستدارت نحوه ثم أردفت بصوت متحشرج:
ـ وقولت لي إنك عمرك ما هتقرب مني غير بموافقتي.

خفق قلبه عند أنتباهه على تلك الدموع التي التمعت في عينيها.

ـ أنا لما ربطت الأحداث ببعضها عرفت أن ماما السبب.

وابتلعت لعابها مع تلك الغصة التي تقف في حلقها كلما تذكرت خداع مازن لها ثم استرسلت بنبرة بدا من خلالها حزنها:

ـ أنا قولتلكم أني محتاجة وقت أصدق فعلاً أنك عايزني لنفسي مش كنت مجرد اقتراح عجبك.

أطرق قصي رأسه متنهداً:
ـ سما ممكن تنسي كل حاجة فاتت ونبدأ من جديد سوا؟ وأنا متفهم أننا محتاجين وقت نحدد فيه مشاعرنا صح.

انشرحت ملامح وجهها وتساءلت بطفولة لم يكن يراها فيها إلا بعد أن صار مغرماً بها ورأى انفعالاتها البريئة:

ـ بتتكلم بجد؟
هز رأسه بيأس وأشار إليها قائلاً:
ـ هو في هزار في الكلام ده؟ لفي يا سما خلينا نقفل الليلة ديه على كده عشان خلصت خلاص وكفاية منظري الوحش قدام نفسي.

وأشاح وجهه عنها مغمغماً بعد حديثه العقلاني الذي جاهد نفسه في قوله:

ـ يا خيبتك التقيلة يا سيادة الرائد في القوات البحرية.

ضاقت حدقتاها وتساءلت:
ـ بتقول إيه يا قصي؟
انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة بلهاء:
ـ متخديش في بالك، لفي عشان وضعنا ممكن ينتهي بحاجة متعجبكيش.
....

خفق قلب إلهام بوجل وهي تسرع بقيادة سيارتها نحو المشفى وقد اتبعتها إحدى السيارات التي يقودها أحد رجال عدنان.
تأوهت زينة بألم وهي تضم بطنها بذراعيها، فالألم يزداد ولا يتوقف.
اختطفت إلهام النظر إليها بارتعاب واستمرت بقيادة السيارة بيدين مرتعشتين وقد توقف عقلها عن التفكير.

وصلت السيارة أخيراً إلى المشفى وأسرعت بالخروج منها ليجفلها وجود ذلك الحارس أمامها:

ـ اتصلت بالباشا تليفونه مقفول، أبلغ مراد بيه يا هانم؟
احتدت عينا إلهام وألقت بنظرة سريعة نحو زينة التي ترجلت من السيارة واستندت عليها:
ـ أنت غبي؟ مش قولت لك إنها تعبانة تعب عادي ولا لازم أفهمك بالظبط تعبانة بإيه عشان تفهم؟

ارتبك الواقف وأخفض رأسه بحرج:
ـ يعني الأمر ميستدعيش أني أبلغ مراد بيه؟

دفعته إلهام عن وجهها واتجهت نحو زينة بلهفة وصاحت محذرة:
ـ مافيش حاجة تتقال لعدنان بيه أو مراد وإلا أنت عارف...
...

فتح صالح عينيه بعد أن شعر بتحرك أصابع على صدره ثم ابتسم عندما رآها توسطت هي الفراش لتكون جواره:
ـ قطتي الشقية إيه اللي صحاها؟
طفرت الدموع بعينيها ودست رأسها في صدره قائلة بهمس:
ـ حلمت ببابا يا صالح، حلم غريب.

جف حلقها وكادت أن تخبره بتفاصيل الحلم لكنه أسرع بإبعادها عن حضنه ووضع يده على شفتيها:

ـ متحكيش حاجة مادام إنه حلم غريب ومش حلو.

تنهدت بفتور ثم عادت تدس وجهها في صدره:
ـ احضني أوي يا صالح عشان حضنك هيوحشني وأنت مسافر.
توهجت عيناه الناعستان بنظرة عشق وضمها بقوة :
ـ حضني ده بتاعك لوحدك يا زوزو.

رفعت عينيها إليه ثم رفرفت بأهدابها وتساءلت:
ـ متأكد أنه لوحدي؟ في عندك يزيد والنونو.

ضحك على سؤالها ومرر أصبعه على أنفها بخفة ثم بطرف عينه غمز لها:

ـ أنتِ التلت تربع وهما الباقي.

انفرجت شفتاها بابتسامة عريضة خطفت قلبه، فهمس بنبرة صوت خافتة:

ـ ما تيجي نروح الأوضة التانية عشان أعرف أودعك كويس قبل ما أسافر.
...

استمعت الطبيبة أولاً إلى ما تخبرها به إلهام قبل أن تتجه إلى إجراء الفحص لها.
استمرت زينة في إصدار تأوهاتها وقد ازداد وجهها شحوباً، ولم تكن تظن الطبيبة بالبداية أن الحالة التي أمامها حالة إجهاض؛ فما أخبرتها به إلهام أنها تعاني من عدم انتظام دورتها الشهرية وتتبع نظاماً علاجياً لأنها قريباً ستتزوج.
بدأت الطبيبة بالفحص اللازم لحالتها حتى تفهم السبب من وراء النزيف والوجع الذي لا يتوقف.
ولوهلة تجمدت ملامح الطبيبة ثم نظرت نحو زينة وسألتها باقتضاب:
ـ آخر مرة جاتلك أمتى؟
أغلقت زينة عيناها بقوة وخرج صوتها بوهن:
ـ مش فاكرة.
تنهدت الطبيبة بصوت مسموع، فنظرت إليها إلهام متسائلة:
ـ في حاجة يا دكتورة؟
اتجهت أنظار الطبيبة نحو زينة المسطحة أمامها ثم إلى الشاشة التي يظهر من خلالها الجنين:
ـ بنت حضرتك حامل يا فندم ولازم نقوم باللازم عشان الطفل منفقدهوش.
....

أسرعت شهد بالتقاط كتبها الدراسية وهتفت وهي تغادر:
ـ خالي أنا بعد ما أخلص محاضراتي في الكلية هروح عند ماما وليلى واحتمال أبات كمان، سلام.

ألقت حديثها دفعة واحدة دون أن تنتظر سماع رده عليها.
التوت شفتا العم سعيد باستنكار وهو يضع طبق البيض الذي جهزه لها لأنه يعلم بتفضيلها له:

ـ وطبق البيض بالبسطرمة يا بنت عايدة مش هتاكلي؟ أنا غلطان أني فكرت فيكي.

زفر أنفاسه بعدم رضا ثم سحب أحد مقاعد الطاولة الصغيرة وجلس عليه حتى يتناول فطوره، لكن فجأة اقتحمت ثرثرة مسعد رأسه:
ـ أنت إزاي صدقتها يا سعيد وكذبت مسعد؟ معقول المفعوصة ديه عرفت تاكل عقلك بكلمتين ودمعتين؟

ضرب فخذيه بعد أن دارت الأفكار السيئة برأسه وبعض الشكوك التي يرفض عقله تصديقها:

ـ لأ أنا مش هقعد ساكت كده، أنا قلبي بيقولي أنها بتعمل حاجة من ورانا ولازم أتأكد بنفسي، ومن بكره رجلي على رجليها في كل مكان...
...
دلف عزيز منزل ابنة شقيقه بكندا يتبعه معتز زوجها وهو يحمل حقيبته. 
نهضت نيرة بلهفة من الفراش وقد تناست آلامها فور أن سمعت صوت عمها:
ـ ادخل شوفها صاحية ولا لأ يا معتز...
أومأ معتز برأسه وقبل أن يتجه إلى غرفة النوم الرئيسية، خرجت نيرة لهما. 
ارتجف قلب عزيز بفزع عند رؤيته لها بهذا الوضع:

ـ البيبي ده كمان مات يا عمي، شكلي مش مكتوب ليا أكون أم.

انغرزت أسهم كلماتها في فؤاده، وأسرعت إلى حضنه باكية:

ـ كده يا نيرة تخبي عليا كل ده؟
تشبثت بحضنه أكثر بعد عتابه لها، فأجاب معتز بحرج:

ـ مكنتش عايزة تشيلك همها، وقولنا حضرتك كده كده ناوي تيجي لينا وأكيد هتعرف.
وبنبرة صوت مهزوزة أردف معتز:
ـ الحمد لله، أمر الله وإحنا راضيين.

أجهشت نيرة بالبكاء قائلة:
ـ هو أتولد قبل ميعاده، مقدرتش أقولك أني ملحقتش أشم ريحته.
شدد عزيز من ضمها لحضنه وقد خرجت من أضلعه زفرة طويلة وثقيلة ثم غمغم في نفسه:
ـ آه يا ولاد أخويا، أتوجع على نفسي ولا عليكم؟
...

توقفت سمية عند إحدى درجات الدرج عندما تلقت من الخادمة شادية الرد عن سؤالها.
 ارتبكت شادية عند استدارة سمية بكامل جسدها جهتها وسألتها مجدداً:
ـ بقولك بيسان في أوضتها ولا في النادي؟

أسرعت شادية بخفض رأسها وأجابت هذه المرة بصوت أقرب للهمس:
ـ بيسان هانم سافرت الفجر يا هانم.

اقتربت سمية منها ، فتراجعت شادية إلى الوراء بخوف من ردة فعل سيدتها نحو شيء لا دخل لها فيه:

ـ سافرت إزاي؟ وإزاي أكون آخر من يعلم بميعاد سفرها؟
وبصوت غاضب هتفت وهي تنظر نحو غرفة مكتب هارون:

ـ هارون بيه فين؟ اوعي تقولي لي إنه سافر هو كمان معاها وأنا آخر من يعلم يا شادية!

لم ترفع شادية عينيها إليها وابتلعت ريقها قائلة:
ـ البيه لسا خارج من نص ساعة.
...

حدقت سماح بنتيجة فحص الدم الذي أكد لها ما تمنت عدم حدوثه.
 لطمت وجهها هذه المرة مراراً لا تصدق أنها تحمل في أحشائها ثمرة إثمها.
 سارت هائمة في الطريق لا ترى شيئاً أمامها وهي تتمتم بلسان ثقيل:
ـ هتعملي إيه في مصيبتك ديه يا سماح؟ يا مصيبتك يا مصيبتك!
واشتعلت عيناها فجأة بالبغض، فهو من ورطها في هذا الطفل وعليه أن يجد الحل حتى يخلصها من عارها.
...

شعرت إلهام بثقل خطواتها وجفاف حلقها عند دلوفها لحجرة الطبيبة التي رفعت عينيها نحوها وأشارت إليها بالجلوس حتى تستطيع التحدث معها وإخبارها بحالة ابنة شقيقتها التي ظنتها بالبداية أنها ابنتها.
وقبل أن تبدأ الطبيبة بشرح حالة زينة، هتفت إلهام بنبرة صوت مرتعشة وواهنة:
ـ إحنا مش عايزين الطفل ده يا دكتورة.

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤


لم تنفكّ ليلى عن قراءة الرسالة التي باحَ فيها عزيز عن أسراره والتي شكلت منه رجلاً لا يبصر إلا السوء في النساء، ولا يجدهن إلا ساعيات نحو رغبتهن، وعلى الرجل أن يتملك زمام المرأة التي معه حتى لا تنفلت خيوطها من أصابعه، وما دام الرجل يعطي امرأته كل ما تحتاج، فلا تملك هي حق البوح عما تحتاجه.

خرجت تنهيدة طويلة من شفتيّ ليلى معبأة بأوجاعها، ثم انسابت دموعها وابتسمت في حسرة؛ فهي حتى هذه اللحظة لا تستوعب أن تحكمات عزيز القوية كانت نابعة من خوفه أن يصنع امرأة شبيهة بـ "سمية"، وليس لأن هذه طباعه وعليها أن تعتاد عليها وتتأقلم حتى لا تخسره.

ـ قلبي زعلان منك أوي يا عزيز لكن مش عارفة أكرهك، قولي ليه فكرت أني ممكن أكون زيها؟ لأ وكمان قسيت عليا أوي لما افتكرت أني ممكن أتخلى عنك في محنتك وأختار الأطفال عن وجودي معاك.

عادت عيناها تقرآن تلك السطور التي أخبرها فيها أنها المرأة الأولى التي أحبها ووجد معها المشاعر التي كان يظنها هراءً، لكن عقله ظل محتجزاً لأفكاره ودفعه حتى يكون أنانياً في حبها، مطالباً بالمزيد.

أغلقت أجفانها وهي تهز رأسها رافضة لذاكرتها أن تستعيد تلك الذكريات السيئة التي حدثت بينهما، ورسخت داخلها شعوراً بأنها امرأة ناقصة، وأن وجودها بحياة الرجل الذي تعشقه لم يكن إلا لأنها امرأة جميلة أراد نيلها، وحين انتهت حاجته منها صار لا وجود لها.

ـ ليلى، ليلى.. ممكن تتصليلي على شهد؟
هتفت بها عايدة منادية بنبرة صوت متقطعة أثر انفعالها من تلك المحادثة الهاتفية مع شقيقها سعيد.
مسحت ليلى دموعها، ثم طوت الرسالة سريعاً ووضعتها أسفل وسادتها.
دلفت عايدة الغرفة في تلك اللحظة، ولم يلفت انتباهها أمر فعلتها.
استدارت ليلى إليها وقد تفاجأت من احمرار وجه عايدة ومحاولتها في التقاط أنفاسها.

ـ اتصليلي على شهد يا ليلى، قالت لـ سعيد أنها هتيجي لينا بعد ما تخلص محاضراتها.

قطبت ليلى حاجبيها بدهشة؛ فهل شهد ستأتي إليهن وهي لا تطيق رؤيتها؟

ـ حاسة قلبي وجعني، سعيد لازم يحرق دمي ويقولي تربيتك ودلعك، طب أعمل إيه معاها؟ أنا بحاول أشد عليها وهي من ساعة وقعتي قدام عينيها وعدتني أنها مش هتعمل حاجة تزعلني.

شعرت ليلى بالاختناق ونظرت إلى زوجة عمها بأسف؛ فهي لا تستطيع إخبارها عن أي شيء تفعله شهد بسبب خوفها عليها، وفي نفسها أخذت تتمتم بحسرة:
 "يا خسارة يا شهد، ليه مفكرتيش فيها؟ لدرجادي بقيتي معمية حتى عنها هي؟"

ـ ليلى أنتِ سرحتي في إيه؟ اتصليلي بيها يا بنتي لأني معيش رصيد أكلمها.

تنهدت ليلى بفتور، ثم أشاحت بوجهها عنها حتى تستطيع السيطرة على ذلك الشعور الذي صار يملأ قلبها نحو شهد بعد هجومها الأخير عليها.
ـ ليلى، الله يكرمك اتصلي عليها وخليها تيجي لينا، أهو نتكلم معاها أنا وأنتِ براحة بعيد عن سعيد.

شعرت ليلى بالتردد في البداية، لكن عند رؤيتها لارتعاش يدي زوجة عمها، أسرعت بالتقاط هاتفها ومهاتفة شهد.

...

التقطت سماح أنفاسها بوهن عند وقوفها أمام بوابة الفيلا، ثم طأطأت رأسها بخزي.
 تذكرت ذلك اليوم الذي ركضت فيه وهي تجر عارها وراءها من هذا المنزل، بعد استسلامها للسيد "هارون" الذي خدعها بزواج حلل أركان شرعيته هو ومحاميه وقد شجعوها على توقيع تلك الورقة دون خوف.

اهتزت أهدابها رغبة بالبكاء عند اقتحام رأسها تلك الأيام التي قضتها بالعمل هنا، ونظرات الخادمات الأخريات لها كلما صعدت له بالأعلى. 
سالت دموعها ؛ فهو استدرجها إليه حتى أخذ منها ما أراد، وما الذي حصدته هي في النهاية؟ طفلاً نبت في أحشائها من زواج بعقد احتفظ به محاميه ولا يعلم عنه أحد إلا هما والشاهدان اللذان أتيا وغادرا بعد إتمام المهمة.
رجفة قوية سرت في جسدها عندما بدأ عقلها يستوعب ردة فعله بعد أن تخبره بنتيجة تلك الليلة وذلك الطفل.

ـ مش هيقبل بيه، هيرميلي كام قرشين ويقولي نزليه.

وبصوت متحشرج أردفت وهي تمسح دموعها:

ـ وهو من أمتى الباشا بيقبل ابن الخدامة يا سماح؟ ارجعي مكان ما جيتي.

فقدت عزيمتها في اللحظة التي اعترفت فيها لنفسها بتلك الحقيقة، وكادت أن تعود أدراجها من حيث أتت، لكن صوت حارس البوابة "العم مرعي" أوقفها.
 نظرت سماح إلى موضع قدميها صامتة، فقال العم مرعي بعد أن وضع الأكياس التي يحملها على الأرض:

ـ والله القلوب عند بعضها يا بنتي، ده أنا كنت جاي بكره أسأل عليكي وعلى عيالك.

اتجهت سماح بعينيها جهته، فأردف العم مرعي قائلاً:

ـ تعرفي أنك بنت حلال؟ البيه امبارح افتكرك وقالي أروح أسأل عليكي وأشوفك لو محتاجة حاجة...
واسترسل العم مرعي في حديثه:

ـ أصل أبوكي الراجل الطيب خدم البيه سنين وهو بيعزه أوي، ولما مشيتي من الشغل فجأة زعل لأنه كان عايز يساعدك.

انفرج ثغرها عن ابتسامة ساخرة؛ فالسيد هارون يريدها لحاجة في نفسه تعلمها، وبعد أن طردته وطردت سائقه قرر أن يرسل إليها العم مرعي.

ـ أنا بشتغل الحمد لله في السوق يا عم مرعي، أنا بس كنت معدية هنا وقولت أجي أسلم عليك.

ضاقت حدقتا العم مرعي بغرابة ونظر حوله؛ فالمجمع السكني هنا لا يسكنه إلا الأثرياء.

ـ همشي بقى يا عم مرعي، مش عايز مني حاجة؟
قالتها سماح وهي تلتف بجسدها، فأسرع العم مرعي بالوقوف قبالتها قائلاً:
ـ استني يا بنتي، في فلوس البيه كان مدهاني ليكي، هدخل أجيبهالك وأنتِ بنت حلال رجلك جابتك لهنا عشان تاخديها.

تجهم وجه سماح وردت بحدة دون قصد منها:

ـ لأ يا عم مرعي، مستورة الحمد لله وقول للبيه شكراً، وخليع يوفر مساعدته لحد تاني.

اندهش العم مرعي من ردها الذي لفظته وهي منفعلة، وقد فسر عقله الأمر سريعاً؛ فهي بالتأكيد شعرت بالمهانة.

ـ ليه يا بنتي؟ البيه كريم وبيحب يساعدنا، هدخل أجيبلك الفلوس بسرعة استنيني.

انفتحت البوابة ثم صدح بوق السيارة عالياً.
 أطبقت سماح أجفانها حتى تستعيد ثباتها أمامه، لاعتقادها أنه هو من يغادر الفيلا الآن. 
عبرت سيارة "سمية" البوابة نحو الخارج وهي تتحدث بالهاتف.
استجمعت سماح شجاعتها وفتحت أجفانها، وسرعان ما تعالت ضربات قلبها بفزع عندما تقابلت عيناها بعيني سمية. 
خرجت سمية من سيارتها بملامح جامدة واقتربت من سماح التي تقهقرت إلى الوراء بفزع بعد أن أبصرت نظرة سمية لها.

ـ مش أنتِ البنت الخدامة بنت الجنايني؟

أسرع العم مرعي بالرد بعد أن وقف جوار سماح:
ـ سماح كانت قريبة من هنا وجات تسأل عليا.
وأتبع كلامه بعفوية:
ـ وأنا كنت داخل أجيبلها فلوس سابها معاها هارون بيه عشان ظروفها صعبة.

التوت شفتا سمية باستهزاء وقالت وهي تهز رأسها:

ـ آه.. أصل البيه حنين وكريم أوي مع الخدامين.

تجمعت الدموع في مقلتي سماح وسارت أمام نظرات سمية الثاقبة:
ـ شكراً يا عم مرعي، قول للبيه مستورة، أشوف وشك بخير.

كاد أن يتحرك العم مرعي وراءها ويناديها، لكن سمية أشارت له بالتراجع في صمت.
 تتبعتها سمية بعينيها بنظرة أشد استهزاءً، ثم اتجهت نحو سيارتها.

ـ هتعملي إيه في مصيبتك يا سماح وهتروحي بيها فين؟
وفجأة انتفض جسدها بوجل عندما توقفت سيارة سمية أمامها. ارتبكت سماح وابتلعت ريقها، فنظرات سمية تزيدها هلعاً.

ـ اركبي من غير كلام وده في مصلحتك ومصلحة ولادك الصغيرين.

جحظت عينا سماح وأرتجف قلبها ذعراً، فواصلت سمية كلامها وهي تفتح لها باب السيارة حتى تصعد:

ـ مبحبش أكرر كلامي كتير.. قلت اركبي ولا أنفذ من غير تحذير!

نفذت سماح أمرها، فابتسمت سمية وقادت سيارتها بانتشاء لسطوتها.

ـ مالك خايفة كده؟
ردت سماح بنبرة صوت متلعثمة:
ـ مش خايفة يا هانم.

صدحت قهقهة سمية عالياً واختطفت نظرة إليها بطرف عينها ثم هتفت ساخرة:

ـ أنا عارفة أنك كنتي بتبسطي البيه وده آخره مع كل واحدة فيكم.

تجمدت قسمات وجه سماح لوهلة، ثم تجلى الألم بوضوح على ملامحها، وقبل أن تتفوه بشيء، أردفت سمية بقسوة:

ـ هو ده آخركم معاه وأنا معنديش مشكلة لأنكم بتبسطوه.

اختنقت أنفاس سماح وهتفت وهي تنظر من نافذة السيارة :

ـ وقفي العربية يا هانم خليني أنزل.

ابتسمت سمية وتوقفت بالسيارة جانباً واستدارت بجسدها نصف استدارة جهتها:

ـ قبل ما تنزلي تسمعيني كويس أوي.

انكمشت سماح على نفسها من شدة ارتعبها؛ فـ سمية معروفة بجبروتها وسيطرتها على السيد هارون.

ـ خوفك ده مأكدلي أنك هتسمعي الكلام وتنفذي بالحرف الواحد، وإلا هتزعلي أوي على ولادك.
كان تهديد سمية صريحاً و واضحاً؛ فإما الطاعة أو العقاب سيكون في أولادها.
خرجت سماح من السيارة وهي تتعثر في خطواتها؛ فعليها أن ترحل بأطفالها وتبحث لهم عن مكان آمن.

...

فور عودة إلهام من المشفى ودلوفها إلى الشقة، أفلتت ذراع زينة التي تستند عليها وصاحت قائلة:

ـ حليمة.. يا حليمة!

خرجت الخادمة حليمة من المطبخ مهرولة ونظرت نحو زينة التي تخفض رأسها ويبدو عليها الوهن الشديد.
ـ دخلي الهانم أوضتها.
ترقرقت الدموع في مقلتي زينة ولم تنطق بحرف، وسارت مع الخادمة في صمت.
 زفرت إلهام أنفاسها بقوة واتجهت نحو غرفتها حتى تختلي بنفسها لتفكر قليلاً وتتخذ قرارها.
صدح رنين هاتفها عند دخولها الغرفة، فزفرت أنفاسها مجدداً بضيق:

ـ رجالتك مبيعرفوش يتخرسوا يا عدنان.
تمتمت بها قبل أن ترد على مكالمة عدنان:

ـ عدنان.. أنا راجعة من المستشفى تعبانة ومش شايفة قدامي.
خرجت كلمة بذيئة من شفتي عدنان ثم صاح عليها بضجر:

ـ أنا غلطان إني بتصل أسأل عليكم، قوليلي هتعمل العملية أمتى؟

تحركت إلهام حول نفسها وازدادت خنقتها، وشعرت برغبة قوية في خنقه بيديها حتى تتخلص من وجوده في حياتها.

ـ مبترديش ليه؟ أنا ما صدقت لقيت ليها عريس مالهوش في شغلنا، مش ده طلبك برضه؟

تهاوت إلهام على الفراش بعد أن شعرت بعدم قدرتها على الوقوف، وتمتمت بصوت خفيض وهي تغمض عينيها:

ـ عدنان.. اقفل ونتكلم بعدين.

لم تنتظر رده وأسرعت في غلق هاتفها حتى لا يعيد الاتصال مرة أخرى.

ـ أعمل إيه في الكارثة دي؟

...
ابتلعت رغد غصتها وهي تجلس قرب صالح في صالة الانتظار داخل المطار، وقد انشغل في حديثه بالهاتف مع زينب.

ـ حبيبتي، أنا كلمت ماما تيجي تقعد معاكي، زوزو بلاش شقاوة أنتِ ويزيد.. حاضر ليكم فسحة عندي حلوة، تعرفي رحلة العمل دي تقيلة على قلبي أوي.
قالها بتعمد ثم نظر نحو رغد بنظرة خاطفة.
 أشاحت رغد بوجهها عنه بحزن؛ فهو أخبرها مراراً أنها إذا اتبعت خطط جده ستخسره، وهي اختارت طريق جده.

ـ صحيح سيادة الرائد وسما هانم أخبارهم إيه؟
تساءل بها وعلى شفتيه ابتسامة عريضة، ثم انفجر ضاحكاً بعد وقت قصير:
ـ لا لا، كده سيادة الرائد مش مسيطر، يجيلي وأنا أعلمه.

وتوقف عن الضحك بوجه ممتقع بعد أن استعادت معه ذكريات زواجهم:
ـ قلبك أسود يا زوزو، لازم تفكريني؟ ما أنا رفعت الراية وسلمت خلاص.

نهضت رغد فجأة من جواره بعد أن فقدت ثباتها. 
تنهد صالح بفتور وهو يتابعها بعينيه، وفي داخله يتمنى أن تستفيق من وهمها الأحمق وألا تتبع عقلية جده التي صار متعايشاً معها ولم يعد يهتم لأفعاله.

انزوت رغد في ركن بعيد عن الأنظار وسمحت لدموعها بالتحرر؛ فصالح بالنسبة لها حلم وقد اعتادت على تحقيق أحلامها منذ الصغر.

ـ أعلني هزيمتك يا رغد المرادي، هو قالك أنك لو مشيتي مع خطط شاكر باشا هتخسري أخ وصديق.
وبنبرة مهزوزة تحمل حنيناً للماضي أردفت:
ـ أنا لازم أقوله على المؤامرة، يمكن بعدها يرجع يعاملني زي زمان.
وفي حديثها كانت كالطفلة؛ طفلة أدركت أخيراً أن اللعبة التي أمامها ليست لها وعليها أن تتركها وتمضي في طريقها.

...
نظر هارون إلى النادل الذي دس له أسفل قائمة الطعام ذلك الشيء المعدني الصغير.

ـ تحب تطلب إيه يا فندم؟
تساءل النادل، فسيطر هارون على اضطرابه ونظر نحو قائمة الطعام وأخذ يمليه ما يريد من أطباق يفضل تناولها. 
انسحب النادل من أمامه، فأطبق هارون بقوة على ما تركه له ، ثم دارت عيناه بالمكان.
 أتى الطعام إليه بعد وقت وتناوله حتى لا يشك أحد بأمر وجوده، ثم بعدها غادر المطعم وفي عينيه نظرة قاتمة؛ فبعض الحقائق ستعرض له من خلال ما أخفاه داخل سترته.
...

أعاد بسام لمرات لا يعرف عددها قراءة تلك المنشورات الحزينة التي صارت ليلى تنشرها على صفحة التواصل الاجتماعي.

ـ معقول يا ليلى زي ما سلوى قالتلي إنك كنتي في حياة عزيز بيه مجرد وقت؟
أسرع بهز رأسه حتى لا يترك لعقله مساحة للتفكير. 
ألقى هاتفه متنهداً بضيق، قائلاً بتحذير لنفسه التي تطالبه بأن يطمئن عليها فقط دون نية أخرى:
ـ أسأل عليها إزاي وهي ست متجوزة؟ انساها بقى يا بسام.
ورغم محاولاته المستميتة في إخراجها من رأسه، لكن هناك شيئاً بدأ يدفعه للتواصل معها، ودون شعور منه التقط هاتفه مجدداً وقد اتخذ قراره؛ سيتواصل معها من أجل الاطمئنان عليها لا غير.

...

توقفت إلهام عن التحرك حول نفسها بدون هوادة، ثم اندفعت نحو غرفة زينة التي انتفضت بذعر قائلة:

ـ خالتو خليني أنزله، هو لو عرف بيه مش هيكون عايزه ولا هيرضى يتجوزني.

أظلمت عينا إلهام بعد حديثها وتساءلت:

ـ هو مين؟

قبضت زينة بيديها على غطاء الفراش ثم أطرقت رأسها، فصرخت إلهام عليها:

ـ قوليلي هو مين؟ لأني لازم أعرف!

انتحبت زينة بصوت خافت، فاقتربت إلهام منها ثم اجتذبت خصلات شعرها:

ـ عايزة تداري عليه ليه؟ قوليلي ليه؟

تعالت شهقات زينة وهتفت بنبرة صوت مرتعشة ومتقطعة:

ـ مقدرش.. مقدرش.. خلينا ننزله وأعمل العملية.

تركت إلهام خصلات شعرها ثم انهالت عليها ضرباً:

ـ قوليلي مين الحقير.. قوليلي مين هو!

انخفض صوت زينة فجأة واستمرت في تكرار كلامها. 
ابتعدت إلهام عنها قائلة بأعين دامعة بعد أن رأت قواها تخور:

ـ الطفل ده آخر فرصة ليكي أنك تخلفي، يعني لو راح عمرك ما هتكوني أم.

...
أنهت زينب مكالمتها مع جدها الذي أصر عليه عمها هشام بعد زفاف قصي وسما أن يقضي في منزله بضعة أيام.

ـ زوزو.. هو إحنا هنروح أمتى عند طنط سما وعمو قصي؟
تساءل يزيد بعد أن انتهى من تلوين رسمته واقترب منها. داعبت خديه وردت عليه بمزاح:

ـ هنروح ليهم بكره عشان نعقل طنط سما.

عقد يزيد حاجبيه، فضحكت على ردة فعله التي سلبت قلبها:

ـ تعالَ هات حضن كبير.

فتح لها ذراعيه وأسرع باحتضانها متسائلاً وهو يحرك رأسه على بطنها:

ـ هي النونو هتيجي أمتى؟ قوليلها تيجي بقى يا زوزو.

قهقهت زينب بمتعة ومررت أصابعها على خصلات شعره وهتفت بدعابة:

ـ حاضر هقولها تيجي بسرعة.

زم يزيد شفتيه بعبوس وابتعد عنها، ثم تلاقت أنظارهما بعد أن صدح صوت رنين جرس الباب.

اندهشت زينب ثم اتجهت نحو الباب وسار يزيد وراءها. 
ضاقت حدقتاها في دهشة وهي ترى فتاة لا يتعدى عمرها السادسة عشرة تباغتها بألتقاط يديها وتهتف بصوت متحشرج:

ـ ألحقيني يا ست زينب، ست أنجي مش عارفة تاخد نفسها وبتطلع في الروح وقالتلي أنك الوحيدة اللي تعرفك هنا في العمارة.

وأردفت بتوسل وهي تجتذب زينب من يديها خارج الشقة:

ـ تعالي انجديها ينوبك ثواب.


تعليقات