رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثاني عشر 12 بقلم جاسمين محمد

 

رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثاني عشر بقلم جاسمين محمد

وصل آسر إلى المستشفى، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً. ركن سيارته وترجل منها بخطوات سريعة، وعيناه لا تفارق شاشة هاتفه. دخل مكتبه، أغلق الباب خلفه بإحكام، وبدأ يفحص "سجل النشاط" بدقة.
​آسر (في سره بغضب مكتوم): "التليفون اتفتح.. والبصمة جربت أكتر من مرة لحد ما اتفتح بالرقم السري! مين اللي عمل كدة؟ لوجين؟"
​قاطع تفكيره خبطات سريعة على الباب، كانت الممرضة تبلغه بأن غرفة العمليات جاهزة. أخذ نفساً عميقاً، وضع هاتفه في خزنة مكتبه الخاصة، وقرر أن يفصل بين حياته الشخصية ومشرطه الذي لا يقبل الخطأ.

​كانت لوجين تجلس في غرفتها، تفرك يديها بانتصار وهي تتحدث مع "سيف" عبر تطبيق مشفر.
​لوجين بلهفة: "بعتلك كل حاجة.. الصور، الرسايل، وحتى الأرقام اللي كان بيكلمها. عايزة فضيحة تخليه يرمي 'ليلى' دي في الشارع ويرجعلي نادم."
سيف بنبرة غامضة: "الفضيحة جاهزة يا لوجين، بس الصور دي لو اتنشرت دلوقتي آسر هيعرف إنك إنتِ اللي وراها.. إحنا لازم نلعبها صح. الصور دي هتتبعت لليلى الأول من رقم مجهول، نكسر ثقتها فيه ونخليها هي اللي تطلب الطلاق."
​لوجين ابتسمت بخبث، ففكرة أن ترى ليلى محطمة كانت تروق لها أكثر من أي شيء آخر.

​كانت ليلى تحاول التحرك بمساعدة "عكاز" طبي وضعه لها آسر قبل رحيله. فجأة، اهتز هاتفها معلناً وصول رسائل متتالية على "واتساب". فتحت الرسائل بفضول، لتتحول ملامحها من الهدوء إلى الصدمة والذهول.
​كانت صوراً لآسر مع امرأة أخرى في وضعيات توحي بالقرب الشديد، وصوراً قديمة له مع لوجين لم تراها من قبل، مرفقة برسالة نصية:
​"فاكرة إنك ملكتي قلبه؟ آسر ملوش أمان، والماضي بتاعه لسه عايش فيه.. إنتِ مجرد نزوة عشان ينسى، والصور دي أصغر دليل."

​انهمرت الدموع من عيني ليلى، شعرت بوجع في قلبها يفوق وجع رجلها بمراحل. حاولت الاتصال بآسر، لكنها تذكرت كلماته عن العملية الدقيقة، فأغلقت الهاتف وهي تشعر بالضياع.
​في المستشفى 
​خرج آسر من غرفة العمليات متعباً، توجه لمكتبه فوراً وفتح الخزنة. وجد عشرات المكالمات الفائتة من ليلى. قلبه انقبض، أحس أن شيئاً ما قد حدث.
​وقبل أن يتصل بها، وجد رسالة من "سيف" (المجهول) على هاتفه الشخصي:
​"دكتور آسر.. الجراحة النهاردة كانت ناجحة، بس يا ترى هتعرف تلم جراح قلب مراتك بعد ما شافت صورك 'القديمة' اللي بعتناهلها؟"

​تصلبت عروق آسر، وضرب المكتب بقبضة يده وهو يهمس بوعيد:
آسر: "والله ما هرحمكم.. اللعب وصل لليلى؟ يبقى إنتوا اللي اختارتوا نهايتكم."
​لم ينتظر آسر، بل هرع إلى سيارته وانطلق نحو الفيلا كالمجنون. دخل الغرفة ليجد ليلى جالسة على الأرض تبكي بحرقة، والهاتف ملقى بجانبها.
​آسر بصوت مختنق: "ليلى.. متصدقيش أي حاجة شوفتيها!"
ليلى بانهيار: "ليه يا آسر؟ أنا وثقت فيك.. ليه توجعني كدة؟"
​قرب منها وحاول ضمها، لكنها دفعته بعنف وهي تصرخ: "ابعد عني! متلمسنيش!"
​في تلك اللحظة، كانت لوجين تقف خلف الباب، تستمع لصراخهم بابتسامة تشفي، دون أن تلاحظ أن "أحمد" والد آسر كان واقفاً خلفها وعلامات الغضب تكسو وجهه بعدما سمع طرفاً من حديثها في الهاتف.

​كانت الأجواء في الغرفة مشحونة لدرجة الانفجار. ليلى بتبكي بهستيريا، وآسر واقف قدامها وعقله بيغلي. فجأة، آسر نزل لمستواها على الأرض ومسك إيديها بقوة رغم محاولتها إنها تبعده.
​آسر بنبرة حادة بس فيها حب: "بصيلي يا ليلى! بصي في عيني! أنا آسر اللي شيلتك النهاردة الصبح، أنا اللي بخاف عليكي من الهوا.. الصور دي قديمة، ومن قبل ما أعرفك أصلاً، واللي بعتها قاصد يحرق قلبك ويفرقنا."
​ليلى بشهقات متقطعة: "والرسايل؟ والكلام اللي مكتوب؟ ليه يا آسر؟ أنا كنت بدأت أحس بالأمان معاك!"
​آسر قام وسحبها بالراحة قعدها على السرير، ومسح دموعها بابهامه: "الأمان مش مجرد كلمة، الأمان إنك تثقي فيا مهما حصل. أوعدك اللي عمل كدة هيدفع التمن غالي.. وغالي أوي كمان."
خارج الغرفه
صلي علي النبي
​لوجين كانت لسه واقفة ورا الباب، ملامحها بدأت تتغير من النصر للخوف لما حست بحد واقف وراها. لفت ببطء، ولقت أحمد (خالها) واقف ومربع إيده، ونظراته زي الصقر.
​أحمد بصوت واطي ومرعب: "عجبك اللي بيحصل جوه ده يا لوجين؟ عجبك وجع قلب ابن خالك؟"
​لوجين بارتباك: "أنا.. أنا مالي يا خالي؟ أنا كنت معدية وسمعت صوت عياط ليلى فـ..."
​أحمد قاطعها بحدة: "أنا سمعتك وإنتي بتكلمي 'سيف' في الجنينة، وسمعتك وإنتي بتقولي الصور وصلت. فكرة إنك بنت اختي مش هتحميكي من غضبي لو بيتي اتخرب بسببك. انزلي استنيني في المكتب تحت.. حالاً!"
​لوجين نزلت وهي بتترعش، حست إن الخطة بدأت تنهار فوق دماغها.
​داخل الغرفة
​آسر ساب ليلى تهدا شوية، وطلع تليفونه وعمل مكالمة سريعة.
آسر: "أيوة يا حازم.. عايزك تجيبلي سجل الأرقام اللي تواصلت مع سيف المنياوي في آخر ساعتين، وعايز 'اللوكيشن' بتاع تليفوني الصبح كان فين بالظبط في الفيلا.. بسرعة."
​التفت لليلى اللي كانت بتبص له باستغراب: "إنت شاكك في حد؟"
​آسر بمرارة: "مش شاكك.. أنا متأكد. بس محتاج الدليل اللي يخليها متفتحش بؤها بكلمة تانية في البيت ده."
​في مكتب أحمد أبو آسر 
​دخل آسر المكتب، لقى والده قاعد ولوجين واقفة بتعيط دموع تماسيح، وهدى (مامتها) بتحاول تدافع عنها.
​هدى: "جرى إيه يا أحمد؟ إنت هتحقق مع بنتي عشان خاطر البنت اللي آسر اتجوزها دي؟"
​آسر دخل بهدوء مرعب، ورمى تليفونه على المكتب: "بنتك يا عمتي مخدتش تليفوني بس، دي خانت الأمانة وبعتت صور وفبركت رسايل عشان تدمر مراتي."
​لوجين بصراخ: "كذب! أنا ملمستش تليفونك!"
​آسر فتح "فيديو" صغير من كاميرات المراقبة الداخلية اللي مركبها في ممر غرفته (واللي مكنش حد يعرف بوجودها)، وظهرت فيه لوجين وهي بتتسحب وبتاخد التليفون من على السفرة.
​آسر: "ده برضه كذب؟ الصور اللي بعتيها يا لوجين كانت من خطوبة قديمة انتهت من سنين، لكن اللي عملتيه النهاردة ملوش غير معنى واحد.. إنك معنتيش تلزمينا في البيت ده."
صلي علي النبي
​بعد ما آسر عرض الفيديو، ساد صمت رهيب في المكتب، مكنش مسموع فيه غير صوت أنفاس لوجين المتسارعة وهي محاصرة بنظرات آسر اللي زي النصل.
​آسر قرب من لوجين بخطوات بطيئة، وقال بصوت واطي ومرعب:
"إنتي عارفة يا لوجين.. أنا كان ممكن أسلم الفيديو ده للشرطة، بتهمة السرقة والتشهير، وتليفونك اللي مع سيف دلوقتي كفيل يوديكي ورا الشمس.. بس أنا معملتش كدة عشان خاطر 'خالي' وعشان خاطر العيش والملح اللي بينا، مش عشانك إنتي."
​لوجين بدأت تنهار وفقدت أعصابها:
"عيش وملح؟ إنت بتكلمني عن العيش والملح وإنت روحت اتجوزت الجربوعة دي في يوم وليلة؟ نسيت إني كنت مستنية اليوم اللي تلبسني فيه الدبلة؟ أنا كنت أولى بيها يا آسر.. أنا اللي من مستواك ومن عيلتك!"
​آسر رد بضحكة سخرية:
"المستوى مش باللبس ولا بالفلوس يا لوجين، المستوى بالأصل.. وليلى أصلها أنضف بكتير من الغل اللي مالي قلبك. ليلى اللي إنتي مسمياها جربوعة، خايفة عليا وأنا بره البيت أكتر من أي حد، ليلى دخلت البيت ده وبقت هي السند، وإنتي كنتي بتخططي تخربي حياتي."
​هدى حاولت تلطف الجو وهي بتعيط:
"يا ابني اهدى، البنت كانت غيورة بس، الغيرة بتعمي القلوب يا آسر.. سامحها المرة دي."
​آسر بحدة:
"الغيرة اللي تخليها تسرق وتتفق مع واحد زي سيف المنياوي تبقى جريمة يا عمتي! سيف اللي بيحاول يكسرني في الشغل من زمان، بنتك حطت إيدها في إيده عشان تكسرني في بيتي؟"
​أحمد (الوالد) خبط على المكتب بقوة:
"خلاص! الكلام خلص. لوجين تعتذر لليلى حالاً، وتطلع تلم حاجتها وتختفي من قدام آسر النهاردة."
​لوجين بصت لخالها بصدمة، وبعدين بصت لآسر اللي كان مديها ضهره وواقف بيبص من الشباك بمنتهى البرود، كأنها متخصهوش. الغل جواها وصل لقمته، مسحت دموعها بعنف وضحكت ضحكة صفرا خلت الكل يقلق.
​لوجين بخبث:
"اعتذر؟ أنا أعتذر لليلى؟ طيب يا آسر.. بما إنك بايعني أوي كدة، وبما إنك عامل فيها المحب الولهان اللي بيضحي بكل حاجة عشان 'ست الحسن'.. ما تقولها الحقيقة؟"
​آسر اتصلب مكانه، ملامحه اتغيرت 180 درجة، والدم هرب من وشه.
​لوجين كملت وهي بتقرب من الباب وبتعلي صوتها عشان ليلى اللي كانت بتقرب تسمع:
"قولها يا دكتور آسر.. قولها إنت ليه أصلاً وافقت تتجوز واحدة زيها بالسرعة دي؟ ليه 'أحمد الألفي' صمم على الجوازة دي بالذات؟"
​في اللحظة دي، كانت ليلى وصلت عند باب المكتب، والشنطة وقعت من إيدها وصوتها عمل رنة في المكان.
​ليلى بصدمة ورعشة في صوتها:
"سر إيه يا آسر؟"

تعليقات