رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل التاسع عشر
مر أربعة أيام على مشاجرتها مع محمد وطرده لها من غرفته ثم تكسيره لنصف جناحه من غضبه، كانت تراه مرات قليلة ولم يطلبها لتأتي إلى جناحه ولم يطلب أي جارية أخرى بل كانت بالكاد تراه لأنه كان ينهك نفسه بالعمل ولا يأتي إلا وقت النوم.
كانت جالسة في جناح الجواري أو بالأصح الحرملك وتنظر بعيدا إلى البجع الذي يعوم بحرية في البحيرة منتصف الظهيرة، وكم شعرت بأنها أقل حتى من ذلك البجع الذي يتحرك بحرية
ويمشي هنا وهناك.
هي هنا منذ العشرون يوما بالتقريب لا تستطيع التخيل أنها ابتعدت عن منزلها لكل هذه المدة.
لكنها لم تخرجه من عقلها ولو لثانية، حاولت إيجاد وسيلة للهرب في الأيام السابقة لكنها لم
تنجح بالخروج حتى من باب القصر الفشل كان حليفها في كل الأوقات.
ولا تصدق أنها ما زالت صامدة في وجه محمد ولم يستطع النيل منها حتى الآن، لكنها بدأت تشعر مؤخرا بأنه يتركها بمشيئته فهي نظن أنه لو صمم على ما يريد حقا سيأخذه حتى ولو بالقوة. لكن ما طمئنها قليلا أن رغم كون محمد عصبي وعنيف وعدواني ألا أنه ليس كذلك مع الإناث. يتعامل معهن بطريقة مختلفة ولا يحب التعامل بعنف معهن ... زير نساء ذو مشاعر مرهقة ؟ لا يتكرر هذا كل يوم !
كانت تشعر بالضيق من تجنبه لها هكذا، خاصة مع كونها قد اعتادت تناول الإفطار معه كل يوم وریما استفزازه قليلا والتحدث معه بشأن أي شيء ! لكنها الآن تتناوله مع الجواري اللاتي فعليا لا يطيقونها .. ليس وكأنها تهتم بهن على أي حال لكن أن تكون في وسط أشخاص يكرهونك هو لي ليس بالأمر الهين،
حاولت جورنال محادثتها ومعرفة ما حدث بينها وبين محمد قبل أن ترحل إلى رحلة قصيرة إلى الفيوم لكنها أخبرتها بأن لا شيء حدث وبأنها فقط تشعر بالإعياء وقد صدقتها جورنال
نظرت نحو الخاتم في يدها، مررت إصبعها عليه وسرحت قليلا لكن صوت الحمحمة الرجولية القادمة من الباب أفاقها، ظنت أنه هو لكن الإحباط أصابها عندما وجدته زيدان
" محمد باشا يريدك، هيا معي. "
فور قوله لهذا قفزت عن الشرفة بحماسة لكنها مثلت عدم الاهتمام لتردف متذمرة " آه ماشي. يارب بس يكون خير ومش ناوي يقطع رقابتي ولا حاجة. "
مشيت خلفه فتوقف واستدار لها ليعطيها ابتسامة خبيئة " لبس أنت من سبتم قطع رأسه. "
تم استدار وأكمل المشي لكنها لحقت به " اومال مین؟ زیزو .. مين اللي هيتقطع رقابته ؟ "
تجاهلها لكنه سمعها تهمس " يارب تكون دولت ... " فتوقف واستدار لها مرة أخرى ليزمجر " توقفي عن وقاحتك تلك ! "
" يارب يقطعوا رقابتك يا زيدان أنت ودولت .. قادر يا كريم يارب ! " رفعت يدها لتدعي فضيق عينيه بغيظ وأردف بنبرة خبيثة
بل سيقطعوا رأس حبيبك، لقد وجدنا برستيجي .. هو الشخص الوحيد المسمى ببرستيجي في مصر، ولم يخرج أو يدخل أحدهم إلى مصر في آخر عشرة أشهر بهذا الاسم إلا هو ا مليون بالمئة إنه حبيبك اللعين الذي سيتم قطع رأسه وأمامك ! "
هربت الدماء من وجهها وتوقفت لتبتله لعابها يخوف " بجد !! "
" نعم ! لماذا سأمزح معك ؟ "
" لا زيدان ... بالله عليك حاول تعمل أي حاجة !! إزاي تقطعوا رقابته !! "
" أنا لم أرد للأمر أن يصل إلى ذلك الحد لكن مادام محمد باشا قد عرف فإن الوضع أصبح خارج
سلطتي. "
" أنا همنعه !! " قالت بإصرار فتوقف زيدان ونظر حوله بقلق ثم رجع بعينيه لها ليهمس بصوت
منخفض
"عائشة احذري لأن محمد باشا في مزاج متعكر منذ الأربعة أيام لا يطيق كلمة ولا يتغاضى عن همسة، لم أره هكذا قط .. لذا فقط ضعي لسانك في فمك واصمتي تماما ولا تحاولين الدفاع عن ذلك الشخص وإلا فأنا لست مسئولا عما سيحدث. "
خرجت من باب القصر برفقة زيدان بعد أن أشار للحرس يتركها تعبر وأخبرهم بأنها أوامر الوالي لكنهما لم يخرجا من القصر كله، فقط المبنى وأخذ زيدان طريقه إلى مكان آخر حيث كان بجانب الحديقة لكنه بدى مكانا صخريا للتدريب لأنها لمحت بعينيها بعض السيوف وأدوات القتال.
وفي الوسط كان يقف محمد والتكثيرة تعتلي وجهه، وقعت عينيه عليها فعقد حاجبيه أكثر ويدي حافظا منها وحتى أن وتيرة تنفسه بدأت تزداد أرسل لها نظرة غريبة وكانه يحذرها من أن
تنصرف أي تصرف لا يعجبه خاصة مع وجود خمسة حراس خلفه وزيدان
نظرت بعينيها علها ترى من هو منكوب الحظ الذي يلقب ببرستيجي لكنها لم ترى سوى عجوز يجلس على الأرض ويديه ترتعشان بشدة بدى في أواخر السبعينات، لوهلة بدأت تستوعب أن هذا هو برستيجي فلم يكن هناك سواه ومحمد وزيدان والحراس !!
هل بن محمد وفقد عقله حقا ؟! يظنها ستهرب مع هذا !!
" فقط قولي أنه هو ودعينا نقطع رقبته سريعا لأنني لست متفرغ لهذا ولدي أعمال " قال محمد
بنبرة باردة
نظر لها العجوز بملامح بائسة وتمتم بنبرة باكية " أنا يا ابنتي ؟ أنا قد أغويتك ولعبت بمشاعرك
ارتسمت ملامح باكية على وجهها ثم تقدمت منه لتهمس له " ما تزعلش والنبي يا حج أنا كنت. مجبورة .. وبعدين ما أبوك هو اللي غلطان يا جدو، فيه حد يسمي ابنه برستيجي !! "
تجمعت الدموع في أعين العجوز ورفع يده الهزيلة ليمسح بها على عينيه " لماذا تفعلين بي هذا
" يا حج وحياة عيالك أنا على أخري، كلمة كمان وهغيط قدامه وهنفضح وهيقطع رقابتي أنا كمان ... هو أصلا مش طايقني ولو طال يقطعني حتت ويعمل عليا شوربة ومكرونة كان عملها .
نظر لها العجوز نظرة مستعطفة فتمتمت بياس " أنت كده كده رجلك والقبر ياحج إنما أنا ما كملتش أثنين وعشرين سنة، خليهم يقطعوا رقابتك، أنت كده كده هتموت قريب ما فرقتش
بدأ العجوز بالبكاء فوضعت يدها على عينيها ثم صرخت أخيرا " من هو .. "
تجهمت ملامح محمد وتقدم منها بأعين مشتعلة ليزمجر " ما الذي تعنينه بأنه ليس هو ؟ إنه الوحيد الذي وجدناه ويلقب ببرستيجي !! أم أنك تدافعين عنه ؟!! "
" يعني أنت انعميت في عينيك | بزمتك ده واحد يقدر يخطفني ويغتصبني ؟ ده لو كح هيموت همست له بنبرة غاضبة .
توقف ونظر نحو العجوز ثم رجع بعينيه لحوها وصرخ " إذا أين هو برستيجي اللعين الآخر ؟!! "
" ما عرفش | وأنا هعرف منين !! " قالت يرعب فوجدته يرمقها بشك ثم قبض على يدها اليمنى بقوة وهمس من تحت أسنانه لكي لا يسمعه الحراس " أم أنك تعرفين ومازلت تحبينه لذلك لا تريدين الإدلاء عن مكانه ؟ أقسم بالله لو كلامي صحيح سأقطع عنقك وحالا !! "
كاد قلبها أن يسقط من مكانه ونظرت له باستعطاف فأكمل " قولي أنك ما زلت تحبينه ولذلك تهربين منى وتهاجمينتي بكلامك الوقح ! "
أخذت نفسا عميقا ورفعت عينيها نحوه وهي تقترب منه بشدة ثم رفعت يدها لتلعب بياقة ثوبه ل الأسود بدلال لتهمس بنبرة رقيقة
" أنا ما عرفش هو فين عشان ما بقاش يهمني في أي حاجة، وعمري ما حبيته .. أنا حظي وحش وحبيت واحد شكاك وقاسي عايز يقطع رقابتي ...
تشتت ملامح وجهه تماما لكنه مازال يرمقها بأعين متشككة وشعرت بقبضة يده ترتخي على يدها فأكملت بعد أن تأكدت أن خطتها ستنجح بلا أدنى شك " يا وجش .. سابيني أربع أيام بفكر فيك وكمان بتزعقلي ! "
ابتلع لعابه ونظر حوله قطاطا الحراس راوسهم ثم عاد بعينيه إليها وقد هدأت ملامحه قليلا وترك يدها فرقعت يدها الأخرى لتلعب بأزرار توبه وتكمل بأكثر نبرة متدللة تستطيع صنعها "
بقى كده ؟ أهون عليك نقطه رقابتی یا بودی ؟ "
شعر بضربات قلبه ترتفع وقم شفتيه معا ولم يجيب ليجدها ترسم ملامح حزينة على وجهها وتكمل " أنا مخاصماك ومن مصالحك رغم إنك واحشني وكان نفسي أشوفك .. يا قاسي يا متوحش. "
نظر نحو الحراس مرة أخرى وحمحم ليتأكد من أن لا أحد ينظر ثم أمال عليها وهمس في أذنها بصوت منخفض " لم أقصد ... شعرت بالغيرة فقط "
" ولو .. أنا زعلت منك ! " أشاحت بوجهها بعيدا عنه بدلال فانقلب وجهه فورا ليردف يحزن " لم أكن لأقطع رقبتك عائشتي تعرفين أنني لم أكن لأفعلها ! "
" أنت أقسمت بالله وكمان شكيت فيا ... رغم إنك عارف كويس إني بنت محترمة غير الجواري اللي عندك واني ما تجوزتش ولا كنت جارية قبل كده يعني انت أول واحد .... " قالت وأعطنه ظهرها فشعر بالندم ورفع يداه ليحاوط ذراعيها " أنا أسف.. وأنا أيضا توحشتك كثيرا. "
حاولت ثبت ضحكاتها تم استدارت له لتهمس بدلال مرة أخرى " لا أنا لسة زعلانة منك يا بودي
كان وجهه أحمر بالكامل من طريقتها في التحدث ولم يستطع فعل شيء سوى ترجيها " ماذا تريدين لكي أصالحك ؟ "
ابتسمت ابتسامة ماكرة ووجدتها فرصة سانحة لن تتكرر مرة أخرى للهرب وهمست له " عايزة أخرج من القصر أشم هوا عشان زهقت ! "
" لكن ... " هم ليعترض لكنها قاطعته بنبرتها المدللة مرة أخرى " لو ما خرجتنيش هفضل زعلانة منك يا بودي يا قاسي ! "
ابتلع لعابه مرة أخرى ونظر لها بصمت وهو يقلب الموضوع في عقله تم أوما " لكن عندما تعود للقصر مرة أخرى .. لن تكوني غاضبة وستفعلي أي شيء أريده ؟! "
كانت تعرف إلى ماذا يرمي وماذا بالضبط يقصد لكنها كانت تعرف أيضًا أن احتمالية عودتها معه للقصر مرة أخرى ضئيلة جدا لأنها ستهرب اليوم مهما كلفها الأمر، فهي لن تفوت فرصة كهذه ولن تضيعها من يديها لأن هذا لن يحدث كل يوم
وهذا جعلها تهمس له بنبرة خجولة " اللي أنت عايزه هعملهولك يا بودي. "
ابتسم بالساع ورمقها بنظرة خبيثة جعلتها تخجل ثم سحبها من يدها ليتجها نحو القصر وهو يقول " اخبري دولت أن تعطيك شالاً لتغطي به شعرك ... "
" بس أنا مش محجبة | " قالت بدون فهم فزمجر لها " لن أسمح للعامة بالبحلقة بك أم تريدينتي أن أخرج سيفي وأفقع أعينهم جميعا ؟! "
" ما هو الحراس والخدم هنا بيشوفوني عادي " جادلت فنظر لها بضيق وسخر " لأن لا واحد منهم سيتجرأ على رفع عينيه في أنثى تخصني هم يعرفون القواعد جيدا والآن هلا تسرعي قبل أن أبدل رأيي ؟ "
هرولت بسرعة إلى الأعلى وبعد ربع ساعة عادت له ترتدي شيئا مثل الشال، له قلنصوة ويغطي شعرها وطويل قليلا يصل إلى ركبتيها، لونه اسود وتحته فيه فستانها الأزرق، ذكرها برداء ذات
الرداء الأحمر
نظر لها محمد بابتسامة راضية وأمسك بيدها وسحبها خلفه، كانت تلحق به بابتسامة واسعة وهو من حين إلى آخر ينظر لها نظرة خاطفة بطرف عينيه حتى ضحك " تبدين سعيدة كالأطفال. "
" عشان متخرجني " شرحت بنبرة متحمسة فأمال عليها ليهمس " اشتقت لك بشدة. "
احمرت خجلا وهمست " يجد ؟ " فأوماً " نعم .. لكنني كنت غاضبا منك بسبب ما قلته .. "
" بس انا ما قولتش حاجة غلط ! " تذمرت فتوقف عن السير وأعطاها نظرة مهددة فابتلعت لعابها وأخفضت رأسها حينما سخر " هل شدوك من لسانك وهم يخرجونك من رحم أمك ؟! "
" على فكرة أنا ما قولتش حاجة غلط فعلا ! " تمتمت بصوت منخفض لم يسمعه أو بمعنى أصحاختار تجاهله لأنه كان قد وصل إلى العربة التي سيركباتها، والتي كانت تبدو كعربة سندريلا لكن
باللون الأسود، صندوق خشبي أسود و به نافذتين ويجره حصانين والسائق يقودهما.
كانت لا تصدق أنها خرجت من القصر فعلا لكن عينيها التي تقع على الشوارع والناس لا تكذيان. ومحمد الجالس بجانبها ليس بكذبة أيضا ...
" محمد .. " قالت بفرح وأشارت نحو السوق لتكمل " تعالى ننزل السوق ! "
حك ذقنه ونظر إلى السوق المزدحم ثم أردف " عزيزتي هذا سوق النخاسة ! ماذا تريدين منه ؟
نظرت له بخبث وسخرت " مش عايز أنت تشتريلك عشرة خمستاشر جارية كده لزوم التجديد
قلب عينيه وهو يشيح بوجهه للجهة الأخرى وابتسم بيأس وهو يلمس أنفه يحرج، لا فائدة منها.
تمتلك لسان وقح لن يتغير ابدا
سرعان ما وجدها تنكزه في كتفه فنظر لها ليجدها ترسم ملامح جرو حزين على وجهها و حمحمت " ما تجيب نقود .. "
" لا " قال ونظر للجهة الأخرى فتوسعت عينيها بذهول ونكزته مرة أخرى فرجع برأسها نحوها من جديد ليجدها تكمل " لا إيه ؟ أنا عايزة نقود !! "
" هذه نقودي وأنا قلت لا، لن أعطيك نقود ! " صمم على موقفه لأنه أرادها أن تتدلل عليه من أجل ذلك لكنه فوجئ بها تصرخ في وجهه
" لا خد بالك أنا محامية وبفهم في القانون كويس، المادة الثانية من الدستور بتقول إن لكل مواطن حق في المال العام، وبما إن ده مش مال أبوك يبقى مال عام وأنا مواطن يبقى ليا حق
في المال ده "
لم يفهم كلمة من الذي قالته فعقد حاجبيه وحاول عدم إظهار نفسه كلبي أمامها " حسنا ما الذي تريدينه ؟ "
هات عشرين جنيه أشتري بيها حلويات من الراجل اللي ماشي هناك ده ! " قالت وأشارت نحو أحد الباعة الجائلين
" عشرون جنيها !! " عقد حاجبيه فقلبت عينيها وسخرت " أنت شكلك بخيل وهتتعبني معاك والا ايه !! "
" هذا مبلغ كبير جدا من المال لأجل بعض الحلوى ! "
استوعبت الأمر فحاولت تصحيح مسار الكلام " طب خمسين قرش ؟ والا انتم عملتكوا إيه ؟ خمس هلاهيل طيب ؟ ولا أنتم بتتعاملوا بالشيكل زي اليهود والا حكاية أبوكم إيه !! انجز اديني الزفت الفلوس الراجل هيمشي !! "
نظر لها محمد ثم نظر إلى الخارج نحو البائع بتقزز ثم زمجر " لا، لا يبدو طعامه نظيفا، عندما ترجع سأجعل بلال يطبخ لك ما تريدين من حلوى. " ثم أمال عليها ليهمس في أذنها " كما أنني ساعطيك الكثير من الحلوى يا حلوتي. "
صعدت الدماء لوجهها فورا وأومات وهي تنظر بعيدا وهمست بداخلها " ده لو رجعنا سوا القصر يقى "
كان يتأملها تنظر بسعادة للشارع بابتسامة خافتة ثم مد يده في جيبه وأخرج بعض النقود ليقول " عائشة، ها هي العشرون عملة، يمكنك الاحتفاظ بهم. "
علقت عينيها على العملات ثم نظرت لوجهه بدون تصديق، هذه النقود ستساعدها في إيجاد طريقة للهرب ! ولم تستطع وصف سعادتها فسارعت بعناقه لتهمس " شكرا يا محمد. "
حاول إبعادها عنه يحرج وهو يهمس " لا تصح هذه الأفعال في العلن. "
ضحكت وابتعدت عنه، لا مانع من عناق أخير على أي حال.
بدأت بالتفكير في كيفية تنفيذ خطتها فنظرت له لتجده ما زال ينظر لها مبتسقا، سقطت ابتسامتها السعيدة عن وجهها وشعرت بالقباضة في صدرها وحمحمت " محمد أنا محتاجة أروح للحمام حالا. "
" حسنا، سنعود للقصر " قال وكان على وشك الصباح السائق العربة لكنها أوقفته " لا مش هقدر استحمل، نزلني عند أي جامع أرجوك بطني وجعاني جدا. "
اقترب منها وكوب وجهها بين يديه بقلق " ماذا أكلت "
" مش وقت ماذا أكلت دلوقتي خالص، وديني لأي حمام بالله عليك !! " قالت ممثلة نبرة باكية وهي تمسك ببطنها وتدبدب بقدميها على أرض العربة فأوما وصاح للسائق " جابر، توقف عند
أقرب مسجد. "
نظرت له وتفحصت ملامحه جيدا وكأنها المرة الأخيرة التي ستراه بها، كم بدي طيب ولطيف وسعيد ... تعرف أنه سعيد من تواجدها معه الآن لكنها على بعد خطوة واحدة من تحطيم تلك السعادة تماما، وكم بدى واثق بها وهي أيضًا على بعد خطوة واحدة من كسر ثقته كلها، كان ليصبح أفضل رجل قابلته لو أنه تخلى عن أفكاره الذكورية الشنيعة وعصبيته المبالغ فيها وعنفه ته تجاه أي شخص لا يروقه.
" تحدقين بي طويلا أخيرا لاحظت كم أنني وسيم ؟! " رفع حاجبه ومازحها فابتلعت لعابها وأومأت وهي تقبض على يديها التي ترتجف بقوة فنظر ليديها وتمسك بها
" بداك كقطعة من الثلج ! " همس وامتدت يده الأخرى الدافئة ليتمسك بيدها الأخرى وبدأ يحكهما بيديها بلطف محاولا نقل الحرارة لها حينما تابعت هي كل ما يفعله بقلب مضطرب
وأعين مترقرقة وعقل مشوش
توقفت العربة فجأة ليصبح السائق " سيدي، مسجد. "
