رواية النغم الحزين الفصل السادس عشر 16 بقلم فاطيما يوسف

 


رواية النغم الحزين الفصل السادس عشر  بقلم فاطيما يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

دخلت عيد ميلاد "مريم" صاحبتها وهي في قمة شياكتها، كانت واقفة وسط الحفلة بهدوء لافت، لابسة بليزر أزرق أنيق على هيكول أبيض مديها حضور راقي ومختلف عن الكل، طرحتها السودة متلفة حوالين وشها بطريقة مرتبة، ومكياجها ناعم مبرز ملامحها من غير مبالغة، حركتها الخفيفة وثباتها كانوا بيقولوا إنها واثقة من نفسها، ووجودها لوحده كفاية يخلي العيون تتشد لها،
جت صاحبتها من وراها وهي معجبة جداً بالأوت فيت بتاعها وقالت بانبهار:
ـ واو، مين القمر ده يا ناس، وأنا عمال أقول كل الشباب اللي في الحفلة عينيهم على مين وكلهم منبهرين بواحدة طلتها ولا طلة القمر أتاريكي طلعتي أنتِ!
وكملت التعبير عن إعجابها بالطلة اللي تخطف الأنظار وهي بتمسكها من إيديها وبتلففها حوالين نفسها زي الفراشة وبتغمز لها بشقاوة:
ـ بجد مش هقول غير كلمة واحدة يا دوك؛ الصمت في حرم الجمال جمال، بجد قمر وتبهري.
ابتسمت لها بهدوء يشبه ملامحها الجميلة وغمازاتها كانوا كفيلين يدوبوا أي حد يبص لها وقالت لها:
ـ بطلي بكش عاد، مش للدرجة داي يا بنتي، أني عادية جداً، بس أنتِ دايماً هتحبي تمجديني شوي علشان صاحبتي وهتحبيني.
لسه هتنفي كلامها لقت والدتها بتشاور لها بإيديها فاستأذنت منها وقالت لها إنها هترجع لها تاني، أما هي اختارت مكان هادي وفي إيديها كوباية العصير بتبص لها بسرحان وبتبص على المجتمع اللي حواليها، لأن "مريم" من عيلة مبسوطة جداً وواضح من الفيلا اللي عايشين فيه كبيرة وواسعة، البسمة مرسومة على وشها بالعافية كعادتها وفي لحظة سمعت صوت مألوف ليها وعارفاه كويس من ورا ضهرها بيسألها:
ـ يا ترى ليكي عندي كام كوباية شاي وقهوة يا دكتورة؟
للحظة سهمت شوية قبل ما تلتفت له، وقلبها بيدق بعنف جواها، وخايفة تكون بتحلم، أو إنها بقت موهومة، أعصابها كلها اتفككت من بعضها لحد ما اتدورت وهي مغمضة عيونها بتشم ريحة العطر اللي عارفاها كويس، أخدت نفس طويل وفتحت عيونها اللي سهمت بصدمة لما شافته وهو واقف قدامها لابس بدلة شيك جداً وهيئتة تدل على إنه في مكانة جامدة، قلبها كان بيدق دقات سريعة وجسمها كله اتفكك من بعضه وبقت واقفة مش مستوعبة إنه واقف قدامها بطلته المختلفة كلياً عن ما كانت تعرفه، أما هو حالته متفرقش عن حالتها، كان بيصارع المرض وهو بيحلم بيها في ضياعه وعقله الباطن كان بيصارع الموت علشان يرجع لها، قرب منها ومد إيده ليها وهو بيشبع عيونه الولهانة بملامحها:
ـ ازيك يا "مهرة" "النعمان"، وحشتيني قوي.
لسانها كأنه متربط، عيونها هي كمان كانت بتتشبع من ملامحه وتغيير شكله، كأنه نجم أو أمير خارج من الأساطير ببدلته الجامدة جداً، ووسامته وشعره المهندم، وحتى طريقة كلامه ونظراته فيها شموخ وقوة مش نفس النظرات اللي كانت حافظاها بقلبها قبل عيونها، لسه هتنطق جت أخته من وراه وهي بتمسك دراعه بمرح كأنها بتقبض عليه وقالت له بمشاغبة:
ـ امسك حظابط "يونس" إيه يا اسطى لحقت تتعرف عليها وتضحك لها وتسبل لها كمان كانوا بيعلموكم كده في كلية الشرطة ولا إيه يا حضرة الرائد "يونس".
هنا "مهرة" انصدمت وهي بتسمع الاسم واللقب وقلبها بدأ يدق بعنف جواها من الصدمة وهي بتبرق بعيونها الاتنين و"نعمان" بلع ريقه بالصعوبة وكان بيبص لها بخوف من اللي جاي من نظراتها اللي فهمها كويس وترجمها من قبل حتى ما تتكلم وغمض عيونه وقال لأخته وهو بيجز على أسنانه:
ـ يخرب عقلك يا شيخة امشي من قدامي حالاً قبل ما أفقد أعصابي عليكي يا مفرقة الجماعات أنتِ.
سابتهم هم الاتنين وجريت من قدامهم وهي بتحاول تكتم دموعها وشهقاتها بالعافية وهو ما استناش ولا ثانية جري وراها لحد ما لحقها كانوا بعدوا عن أجواء الزحمة لعيد الميلاد مسكها من دراعها وهو بيستعطفها وبيترجاها:
ـ استني يا "مهرة" أنتِ فاهمة غلط بالله عليكِ ما تمشيش وتسيبيني أنا ما صدقت إن أنا لقيتك وشفتك قدامي بعد الوقت ده كله أرجوكِ ما تسيبينيش وتمشي.
"مهرة" شدت دراعها منه بعنف وقوة ما كانش متخيلها وهي بتبص له بصدمة ودموعها سبقوا كلامها وهي بتعاتبه:
ـ لا الاسم اسمك ولا الشكل شكلك ولا أنت "نعمان" اللي أني عرفته، أنت مين بالظبط يا أكبر خدعة عشتها في حياتي؟! أني ما عرفتكش أنت توهتني، أنت ادتني درس العمر يا "نعمان" قصدي يا حضرة الرائد "يونس" "نعمان" "الهلالي".
كان الهوا حواليهم كأنه نار قايدة، رغم برودة الليل اللي بدأت تنزل على جناين الفيلا، بس أنفاسهم كانت بتحرق كل حاجة. "مهرة" كانت واقفة بتترعش، مش من البرد، لكن من صدمة هزت كيانها كله، كانت بتبص لـ"يونس" وكأنها بتشوفه لأول مرة، ملامحه اللي كانت حافظاها "حتة حتة" دلوقت بقت غريبة عليها بالبدلة الشيك دي وباللقب اللي نزل على ودانها كأنه صاعقة. "يونس" كان ماسك دراعها بقوة، بس مش قوة قسوة، دي قوة غريق بيحاول يمسك في آخر خشبة ممكن تنقذه من الموت، عيونه كانت بتلمع بعشق مدفون  وبلهفة مرعبة، وكأنه عايز يخبيها جوه ضلوعه عشان ما تهربش منه تاني بعد ما شافها بمعجزة.
"يونس" قرب منها أكتر، وصوته طالع مخنوق، ممزوج بوجع الرصاصة اللي لسة أثرها في صدره وبالشوق اللي كواه شهور:
ـ "مهرة" من فضلك إيدك اسمعيني، أنا ما صدقت التقينا وسط الزحمة دي، الدنيا كانت ضلمة في عيني وأنا بعيد عنك، والطلقة اللي خدتها في صدري مكنتش بتوجع قد وجع غيابك عني. أنا "يونس"، حبيبك "يونس" اللي كان بياخد من عينيكي القوة، والله العظيم ما كان بإيدي، أنا كنت في مهمة ميري، أرواح ناس ورقاب بلد كانت متعلقة في رقبتي، ومكنش ينفع أنطق بحرف عن حقيقتي لأي حد، حتى أنتِ يا "مهرة"، مكنش ينفع أعرضك للخطر بسببي، افهميني بالله عليكي ومتظلمنيش! شغلانتنا دي صعبة جداً والأوامر فيها إجبار مش اختيار.
"مهرة" شدت دراعها منه بعنـ.ـف وكرامة خلتها تتنفض زي الصقر اللي اتغدر بيه، وبصت له بعيون غرقانة دموع بس فيها نظرة عتاب ووجع يهد جبال، وقالت بصوت مكسور بس حاد :
ـ أفهم إيه يا حضرة الرائد؟ أفهم إنك عيشتني في وهم كبير اسمه "نعمان"؟ أفهم إنك كنت بتضحك عليا طول الشهور دي وأنت لابس وش مش وشك، واسم مش اسمك؟ اللي يحب يا "نعمان" يثق، واللي يثق ميبنيش قصر رمل على كدبة كبيرة واصل، أني حبيت "النعمان" الغلبان، حبيت الشخص اللي كان بيسرح في ملكوت ربنا وبياكل عيشه بعرقه، مطلعتش أنت هو! أنت دلوك واحد غريب عني، واحد ببدلة رتب ولقب ومكانة، وأني مهحبش الغرباء واصل، ولا هقبل أكون مجرد مهمة في حياتك خلصت وقت ما عوزت.
وكملت وجعها وهي بتبص للناحيه الثانيه:
ـ كيف رايدني اتقبلك واني عشقت واحد تاني خالص يا حضرة الرائد ؟
"يونس" حط إيده على قلبه، مكان الوجع ، وحس إن جرحه اتفتح تاني بس المرة دي بنصل كلامها، الدموع نزلت من عينه وبقى بيترجاها بضعف مكنش يتخيل إنه يوصله قدام حد:
ـ والله ما كنتي مهمة، أنتِ كنتي الحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتي المزيفة وقتها! يا "مهرة"، "نعمان" مكنش كدب، "نعمان" ده كان حتة مني، كان الروح اللي بتتنفس فيا لما بكون بعيد عن السلاح والدم. أنا "يونس" اللي عشقك بجد، والله العظيم صورتك كانت في جيبي فوق قلبي والرصاصة دخلت فيها هي قبل ما تدخل فيا، مكنتش بتفارقني ثانية واحدة. فكري فينا، فكري في كل كلمة قولناها لبعض، هل كانت بتمثيل؟ هل لمسة إيدي ليكي كانت خدعة؟ أنا هو "يونس"، وهو "نعمان"، وهو اللي بيموت فيكي دلوقت ومستعد يضحي بعمره عشان تسامحيه.
"مهرة" ضحكت بمرارة، ضحكة وجع خلت "يونس" يحس إنه بيغرق أكتر، مسحت دموعها بضهر إيدها وهي بتبص له بتحدي ووجع قلب ملوش آخر، وقالت له بطريقتها الرزينة اللي بتوزن الكلام بالذهب:
ـ الثقة يا بن "الهلالي" زي الازاز، لو انشرخ مهيرجعش واصل كيف ما كان. أنت خدعتني، وخدعت قلبي اللي سلم لك مفاتيحه، ولو كنت واثق في حبي ليك، كنت جيت وقلت لي أني "يونس" و"نعمان" دي قناع، كنت هقف جنبك وهشيل سرك في قلبي وانت خابر زين إن مهرة الحناوي هتحفظ سرك لآخر نفس في عمرها بس أنت استصغرتني،
خوفت مني ولا خوفت عليا؟ مهتفرقش! المهم إنك خبيت. أني حبيت ملامح تانية، وشخصية تانية، وهيبة تانية غير اللي واقفة قدامي دلوك. إزاي عايزني أتأقلم على واحد معرفوش؟ إزاي هصدق إنك دلوك مش لابس قناع جديد؟ أنت متوهتنيش بس، أنت موتت "نعمان" جوايا، والـ"يونس" اللي قدامي دي ملوش مكان في قلبي.
"يونس" حاول يمسك إيدها تاني بس هي رجعت لورا خطوة، كأنها بتبني سور عالي بينها وبينه، فنطق بصوت مبحوح من كتر الألم واليأس:
ـ حرام عليكي يا "مهرة".. أنتِ بتـ.ــقتليني بالبطيء بكلامك ده! أنا رجعت من الموت عشانك، كنت بهذي باسمك وأنا في الغيبوبة،  أنا مستعد أعمل أي حاجة، مستعد أسيب الدنيا كلها واعمل أي حاجة ترضيكي ، مستعد أرجع "نعمان" بتاع زمان لو ده اللي هيرضيكي. بس متقوليش إني ماليش مكان في قلبك، أنا عارف إنك لسة بتحبيني، وعارف إن عيونك دي لسة شايفة فيا حبيبها. اديني فرصة واحدة بس أثبت لك إني "يونس" اللي بيحبك أكتر من "نعمان" اللي إنتي متخيلة إنه حد تاني.
"مهرة" بصت له نظرة أخيرة، نظرة كان فيها وداع مر وقاسي، ورغم إن قلبها كان بيتقطع ونفسها تترمي في حضنه وتنسى كل حاجة، بس كرامتها  كانت أقوى من أي شوق، وقالت له بكلمات تقيلة وقاطعة:
ـ الفرص خلصت يا حضرة الرائد وقت ما حتى الأسامي اتغير والحقيقة ظهرت من لسان غير لسانك. أني مكنتش محتاجة بطل يحميني، كنت محتاجة راجل يصدق معايا. أنت ملكش ذنب في شغلك، بس ليك ذنب في قلبي اللي كسرته. مع السلامة يا "يونس"، ومبروك عليك حياتك الجديدة ولقبك الجديد، أما "النعمان" فـ أني دفنته بيدي الليلة داي، ومهعوزش أشوف وشك تاني واصل، عشان كل ما هشوفك هفتكر الكدبة اللي عشتها وصدقتها.
سابت "يونس" واقف مكانه، جثة بتتنفس، عينه متبتة في أثرها وهي بتبعد، وحاسس إن روحه بتتسحب منه بجد المرة دي. "مهرة" كانت بتمشي وهي بتجر رجليها بالعافية، دموعها نازلة زي الشلال بس راسها مرفوعة لفوق، كانت بتعيط على "نعمان" اللي مات، وعلى "يونس" اللي مالحقتش تعرفه، وعلى قلبها اللي انكسر ليالي متعرفش عددها في غيابه عنها الغير مبرر ليها في ليلة كان المفروض تكون ليلة عيد.
"يونس" مستحملش كلامها اللي زي السكاكين وهي ماشية وسايباه، نسي الدنيا، نسي الحفلة، ونسي كل كل حاجة ومش شايف غيرها ، وجري وراها كأنه طفل خايف يضيع في زحمة الموالد. مسكها من دراعها ولفها ليه بعنف ممزوج بلهفة عاشق مكسور، وسحبها لحضنه بقوة مكنتش قادرة تقاومها، لف دراعاته حواليها كأنه بيحبسها جوه ضلوعه، كأنه بيقول للدنيا كلها إن دي ملكه ومش هتخرج من الحصن ده تاني أبداً. "مهرة" في الأول اتخضت، وحاولت تزقه بإيدها الصغيرة وهي بتضرب في صدره بقوة، ضربات عشوائية مليانة قهر وغل، بس في نفس الوقت كانت أصابعها بتتشبث بقميصه، كأنها بتستنجد بـ"يونس" من الوجع اللي عمله فيها "يونس" نفسه، ودموعها نزلت غرقت صدره ، وصوت شهقاتها بقى هو السيد في المكان المقطوع اللي وقفوا فيه بعيد عن عيون الناس.
"يونس" كان دافن راسه في كتفها، بيشم ريحتها اللي وحشته بجنون، وصوته طالع مكتوم ومبحوح من كتر الصدق:
ـ اضربي يا "مهرة".. اضربي وطلعي كل غلك فيا، أنا عارف إني جنيت في حقك، وعارف إن الوجع اللي سببتهولك ميتداواش بكلمتين. بس والله العظيم غصب عني، أنتِ كنتي حياتي، وحياتك أنتِ كمان كانت على المحك. لو كنت نطقت بحرف واحد، لو كنتي عرفتي أنا مين وشغال إيه، كان زمان الغدر طالك قبلي. أنا كنت في حرب، مكنتش في فسحة يا "مهرة"، والسر اللي خبيته كان هو الدرع اللي حاميكي من غير ما تعرفي. مكنتش عايز ارجع لك في صندوق، كنت عايز ارجع لك "يونس" اللي يستاهلك، بس القدر كان أسرع مني، والرصاصة سبقت رجوعي ليكي.
"مهرة" رفعت راسها وبصت له بعيون غرقانة دموع، عيون فيها كمية قهر تخلي الحجر يلين، وصوتها كان بيقطع القلب وهي بتلومه بمرارة :
ـ رصاصة إيه ودرع إيه يا ابن "الهلالي"؟ إنت سبتني سنة بحالها، سنة كاملة وأني باكل في روحي، بموت في اليوم مية مرة وأني مش عارفة لك طريق ولا عنوان. مشيت من غير ما تقولي إنت رايح فين ولا جاي منين، سبتني تايهة بين السما والأرض، بسأل حتى نجوم الليل عنك وبدعي ربنا يردك ليا وأني معرفاش أصلاً ليك مكان ولا عنوان! إنت كنت أول حب في حياتي، أول راجل أفتح له باب قلبي اللي كان مقفول بمية قفل، دخلت وسكنت وربعت، وبعدين حرقت البيت كله وخرجت. إنت كسرتني كسرة ماليهاش جبر واصل، وادتني درس العمر في إن الحب دي كذبة كبيرة، وإن اللي تدي أمانها لراجل يُبقى بتحكم على نفسها بالإعدام.
"يونس" مسك وشها بين كفيه، بيتمسح في دموعها بكف ايديه بلهفة وحزن، وعيونه بتستعطفها:
ـ أنا هشيل ذنبك ووجعك ده طول عمري يا "مهرة"، ومستعد أقضيه كله تحت رجليكي بس تسامحيني. أنا عشت السنة دي في جحيم، نصها الاول وانا في مهمة صعبة ونصها التاني وأنا في غيبوبة بين أيادي الله مكنتش بعرف أنام غير وصورتك تحت راسي، كنت بكلمك في خيالي وأنا في الغيبوبة وأقولك استحملي يا "مهرة"، "يونس" راجع لك وهيعوضك عن كل دقيقة خوف. أنا والله هعوضك عن كل دمعة نزلت من عينيكي دي، هخليكي تنسي إن كان فيه يوم اسمه وجع. أنتِ مش بس حبيبتي، أنتِ الروح اللي رجعت لي لما كنت بين إيدين ربنا. بلاش تقفلي قلبك في وشي، أنا ماليش مكان أروحه غيرك، ولا ليا حضن يلمني غير حضنك ده، من الاخر مش هتنازل عنك أبدا مهما يكون.
"مهرة" زقت إيده تاني ونشفت دموعها بقوة، ورجعت ملامحها تتصلب بالعناد القوي اللي مبيعرفش ينحني، وبصت له بنظرة أخيرة باردة جمدت الدم في عروقه:
ـ العوض ده ميبقاش بعد ما الروح تطلع يا "يونس". إنت قفلت قلبي ناحية الرجالة كلهم، مش بس ناحيتك. علمتني إن الوشوش خداعة، وإن اللسان ممكن ينطق شهد وهو شايل خداع ووهم. إنت شايل ذنب قلبي اللي عذبته معاك ليوم الدين، وشايل ذنب كل ليلة قضيتها وأني بنوح كيف الأرملة على واحد عايش ومفكرش في واحدة مقهورة متعرفلكش عنوان ولا أهل ولا أرقام ، ملكش عندي واصل غير الكلمتين دول؛ "النعمان" مات، و"يونس" "الهلالي" دي معرفوش، ولا عوزت أعرفه. ابعد عن طريقي يا حضرة الرائد، وكفاية لحد إكده واصل، عشان أني مبقتش أطيق ريحة الكذب حتى لو كانت متغلفة بريحة حبك المزعوم ده.
"مهرة" لفت ضهرها ومشيت بخطوات سريعة، خطوات كانت بتهرب بيها من قلبها اللي لسه بينادي عليه، ومن ضعفها اللي كان عايز يرميها في حضنه تاني. "يونس" وقف مكانه، كأنه شجرة مقطوعة الجذور، رفع إيده ومسح على شعره بعصبية وقهر، وحس إن الهوا ضاق في صدره لدرجة الاختناق. بص في أثرها وهي بتختفي وسط زحمة الجنينة، وصرخ بصوت مكتوم بس مليان عزم ووجع هز أركان المكان:
ـ مش هسيبك يا "مهرة"! والله ما هسيبك لو السما انطبقت على الأرض! أنتِ بتاعتي، وهتفضلي بتاعتي، وهخليكي تسامحيني غصب عن الدنيا كلها! "يونس" "الهلالي" مبيخسرش معاركه، وأهم معركة في حياتي هي أنتِ، ومش هسلم فيكي أبداً مهما حصل ومهما كان التمن!
"مهرة" مالتفتتش، كملت طريقها والدموع بتغسل وشها، بس الكلمة فضلت ترن في ودنها زي الجرس، وعارفة إن الصراع اللي جاي بين جبروت "يونس" وعناد "مهرة" هيكون أصعب من كل اللي فات.
                ******
كانت قاعدة جنبه وملامحه حزينة قربت منه وسألته:
ـ مالك يا "سند" أنا حاساك متغير من بقالك شوية على طول مهموم وحتى البسمة ما بقتش ألمحها على وشك عايزة أفهم حالتك دي أفسرها بإيه احكي لي اللي مضايقك؟
كان مهموم بسبب بنته وبسبب أسلوبها وكمان بسبب "نغم" وحزنها الدايم حتى وهي معاه وبين إيديه مش بيشوف غير لمعة الحزن مهما حاولت تداري وسألها بضيق:
ـ أني نفسي أفهم بقى لنا سنة متجوزين ليه رافضة نروح لدكتورة نسا علشان أشوف سبب تأخير الحمل دي كلاته؟
بلعت ريقها بصعوبة وبقت واقفة قدامه مش قدرة تتنفس وهي شايفة الغضب نابع من نظرات عيونه، وقالت له أي أسباب:
ـ ونروح للدكتورة ليه يا "سند" أني وأنت زين ومخلفين قبل سابق، الموضوع يعني...
وكملت وعيونها زايغة:
ـ موضوع نفسية وهرمونات متلخبطة من وقت جوازنا واحنا في مشاكل بسبب أخوك وكمان كملت بحادثته ورقدته في المستشفى وحالته اللي ما يعلم بيها غير ربنا.
برق عيونه بغضب وسألها:
ـ طب أني اللي أنقهر على أخوي، مالك إنت برقدته وتعبه، نفسيتك تتأثر ليه يا هانم؟
وبصوت عالي زعق لها:
ـ ردييييييي علي.
"نغم" اتنفضت مكانها من صرخته اللي هزت جدران الأوضة، وحست إن الأرض بتميد بيها، وصوت ضربات قلبها بقى أعلى من صوت رعد الشتا نفسه، حاولت تداري خوفها اللي مسيطر عليها بسبب كلام أهل البلد عنها واللي حماتها مش بتبطل توصله لهم، وزاحت نظرها عنه لبعيد، بتبص لأي حاجة في الأوضة غير عيونه اللي كانت بتطق شرار، وقالت بصوت مهزوز وهي بتحاول تجمع شتات نفسها المبعثرة:
ـ جرى إيه يا "سند"؟ واه عاد ليه العصبية والصوت العالي دي من مفيش، أني مكنتش أقصد إن نفسيتي تعبت عليه هو، أني قصدي إن الدار كلها مكهربة، والغم راكبنا من كل ناحية، وأنت طول الوقت وشك مقلوب وعقلك مش معانا واصل. الحمل رزق من عند ربنا، وساعة ما يأذن هنحمل من غير دكاترة ومن غير لف ودوران، بس أنت اللي مستعجل وعايز تخلق مشكلة من مفيش، كأنك مستني لي غلطة عشان تطلع فيا غضبك ووجعك على اللي حواليك فيا وأني والله هتحمل منك كل وجع إلا الشك يا "سند".
"سند" قرب منها خطوة واحدة، بس الخطوة دي كانت كفيلة تخلي الهوا يهرب من صدرها، وبص جوة عيونها بنظرة فاحصة كأنه بيقرأ اللي ورا جفنها، ومسك دراعها بضغط خفيف بس فيه ملكية وقسوة مستترة، وقال بنبرة هادية ومرعبة في هدوءها، وهو بيفسر خوفها من "سمير" للتفكير فيه طول الوقت حتى لو كان التفكير ذات نفسه خوف:
ـ متلفيش وتدوري معاي يا "نغم"، أني خابر لوع الحريم زين، وخابر لما الواحدة تحب تهرب من الحقيقة بتعمل إيه. أخوي "سمير" رقدته واعرة، بس أنتِ من وقت ما دخل المستشفى وأنتِ مش معاي خالص، عينيكي دايماً سارحة في الفراغ، وكل ما أجيب سيرته وشك يصفر ويدبل كيف الورقة الناشفة، أني راجل ودمي حامي، ومش هسمح لمرتي إنها تفكر في غيري حتى لو كان أخوي اللي من دمي، فـ قولي لي اللي في راسك دلوك، إيه اللي شاغل بالك وخلاكي هترفضي مرواحك للدكتور؟ هل هو الخوف من بكرة، ولا قلبك لساته فيه بقايا من خوف الماضي اللي أني قلت إنه اندفن وانتهى؟
"نغم" شدت دراعها منه بقوة، ووشها احمر من كتر القهر والوجع، وحست إن السكاكين بتقطع في روحها من اتهامه الظالم اللي بيلمس جرح هي بتحاول تخبيه حتى عن نفسها. بصت له بعيون غرقانة دموع بس فيها لمعة غضب وتحدي، وقالت بصوت كأنه طالع من قاع المحيط:
ـ إنت هتقول إيه يا "سند"؟ إنت هتشك فيا واصل؟ كيف تفكر فيا أكده وأنت خابر "نغم" زين وعارف إنها مهتخونش الأمانة حتى في خيالها؟ أني مرتك، وشايلة اسمك، وواقفة جنبك في المرة قبل الحلوة، ودلوك جاي تشكك في إخلاصي ليك عشان شوية أوهام رسمتها في دماغك؟ "سمير" أخوك وأبو ولادي، والواجب بيقول إننا نزعل على اللي حُصل وياه وأنت خابر زين إن قلبي مش أسود علشان أشمت في قهرة حد وخصوصي لما يكون أبو ولادي، مش تقعد تفتش في نواياي وتتهمني بالباطل.
دورت وشها للناحية التانية وكملت والرعب والخوف من اللي بتعمله من وراه وإنها هي اللي مانعة الخلفه بنفسها وإنه يأثر عليها وتعترف قصاده باللي عملته:
ـ الخلفة داي بأمر ربنا، ولو إنت مش واثق فيا يبقى جوازنا دي كان غلطة من الأول، وقعدتي في الدار داي ملهاش لزمة لو هعيش تحت سيف شكك وقسوتك.
"سند" ضحك ضحكة مكتومة مليانة مرار، ومسح على وشه بعصبية وهو بيلف في الأوضة كيف الديب المحبوس في قفص، وحاسس إن فيه نار بتنهش في قلبه ومش قادر يطفيها. وقف قدام الشباك وبص للفراغ، وصوته كان مليان غيرة وحرقة تفتت الصخر وهو بيكمل كلامه:
ـ متعمليش فيها الضحية يا "نغم"، أني مش عيل صغير هتضحكي عليه بكلمتين، أني شايف وعارف كل اللي بيحصل حواليا. "سمير" كان طليقك، وأني خابر إنه كان بيحوم حواليكي كيف الغراب قبل ما يتكسح، وخابر إنك كنتي بتخافي منه وبتهربي، بس دلوك ليه الخوف اتحول لشرود؟ ليه الهروب اللي أنا لمحته في عينيك كل لما أجيب موضوع الخلفه بقى هو عنوان أيامنا؟ لو كنتي بتحبيني بجد وواثقة في رجولتي، كنتي جيتي وقلتي لي يلا بينا للدكتورة عشان نملى الدار عيال تملى علينا دنيتنا، ونكتم بيها الألسنة اللي هيجيبوا في سيرتنا، بس أنتِ بتهربي، والهروب دي ملوش غير معنى واحد عندي، وهو إنك خايفة تربطي نفسك بيا بطفل يخليكي محبوسة في ذمتي للأبد، كأنك مستنية فرصة عشان تهربي من السجن دي.
"نغم" ارتمت على طرف السرير، ودفنت وشها بين إيديها وانفجرت في بكاء يقطع نياط القلب، بكاء فيه ظلم وفيه حيرة وفيه أسرار متقدرش تنطق بيها دلوقتي أبداً، صوت شهقاتها كان بيملى المكان، وبدأت تتكلم وهي بتشهق بالبكاء وكأنها بتعاتب القدر اللي حطها في الموقف الوحش ده بين أخين وبين نارين:
ـ ظلمتني يا "سند".. ظلمتني وقطعت قلبي بكلامك اللي زي الرصاص. أني مبهربش منك، أني بتهرب من الوجع اللي حوالينا، بتهرب من نظرات أمك اللي مش سايباني في حالي، ومن كلام الناس اللي مهيرحمنيش واصل، ما يمكن ربنا مأجل الخلفة دلوك وفي وسط الغم دي علشان هتبقى حمل تقيل عليا وعليك وأمان الطفل هيبقى صعب، وأني كنت عايزة الدنيا تهدى شوية عشان الطفل دي يأجي يلقى ضحكة مش عويل ودموع. لو إنت شايف إني بتهرب عشان خاطر "سمير"، يبقى إنت متعرفنيش، ومتعرفش إن "نغم" لو كرهت مهترجعش تحن واصل، و"سمير" مات بالنسبة لي من وقت ما مد إيده عليا زمان. اتقي الله فيا وفي غيرتك اللي هتخرب بيتنا بيدك.
"سند" قرب منها تاني، وقعد قدامها، ومسك إيدها المرتعشة وباسها بقوة، بس نظرة الشك في نظراتها وخوفها اللي مش مفهومين بالنسبة له مكنتش لسة فارقت عيونه بالكامل، وحس بصراع داخلي بين حبه ليها وبين كرامته اللي بتنحر فيه. همس بصوت ممزوج بالرجاء والقوة في وقت واحد:
ـ أني محبتش حد في الدنيا داي كد ما حبيتك يا "نغم"، وأنتِ خابرة إنك النفس اللي بتنفسه، بس الغيرة نار مبيحسش بيها غير اللي قلبه محروق. أني عايز طفل منك يثبت لي إنك ملكي، إنك نسيتي خوفك من الكل ومبقتيش شايفة غيري. لو كنتي صادقة في كلامك، يبقى بكرة هنروح للدكتورة، وهنقطع الشك باليقين، وهنبدأ علاج لو فيه حاجة، عشان الدار دي تنور بحتة منك ومني. متكسريش بخاطري يا "نغم"، ومتخليش الشك يدخل بينا أكتر من أكده، عشان لو دخل.. مهيخرجش غير والبيت دي مهدوم على روسنا إحنا الاتنين، ووجع القلوب مش بالساهل يا بت الناس.
"نغم" رفعت راسها وبصتله بنظرة انكسار يوجع، ومسحت دموعها وهي بتحس إنها محاصرة بين نار غيرته وسرها اللي مش قدرة تنطق بيه، وهزت راسها بالموافقة وهي حاسة إنها بتمضي على حكم إعدامها. سكتت وهي بتبص في عيونه اللي كانت بتدور على صدق تاه في زحمة الأحداث، وعرفت إن المواجهة الجاية عند الدكتورة هتكون هي القشة اللي يا تقوي بيتهم، يا تهده فوق دماغ الكل وعلشان كده لازم تبطل الحبوب.
كانت "دعاء" واقفة في بلكونتها، الهوا البارد بيخبط في وشها بس مكنتش حاسة بالبرد، لأن جوه عروقها كان فيه نار جديدة بدأت تسري وتدفي جسمها اللي كان متلج لسنين. العلاج اللي بدأت تاخده مع الدكتور بدأ يغير كيمياء جسمها، وبدأت تحس بدقات قلبها وهي بتتسارع لما تلمح خيال "سند" في البيت، وبقت تشتاق له بلهفة مكنتش تعرفها قبل كده، لهفة خلتها تقف تراقب بلكونة "نغم" اللي قصادها، وتشوفهم وهما قاعدين مع بعض بيضحكوا ونظرات عيونهم لبعض كانت زمان بتشوفها عادية، بس دلوقت بقت بتفهم إن النظرات دي وراها رغبة وشوق وجوع للحب، وإحساس الغيرة بدأ ينهش في قلبها لأول مرة، خصوصاً وكلام حماتها "رابحة" بيرن في ودنها زي الجرس، وهي بتحذرها إن "نغم" هتسحب البساط من تحت رجليها، وهتاخد "سند" وولادها وتخليها خيال مآتة في الدار، فقررت إنها لازم تتحرك وتسترد مكانتها كأنثى قبل ما تكون أم.
طلعت "دعاء" موبايلها وبإيد بتترعش من التوتر والشوق اللي مستجد عليها كتبت رسالة لـ"سند" وقالت فيها:
ـ وحشتني يا "سند".. مشتاقة لحضنك ولقربك النهاردة أكتر من أي وقت فات، محتاجاك جنبي ومستنياك تنور أوضتي وتسكن قلبي اللي مابقاش ينبض غير باسمك، متغيبش عليا يا أبو "مازن".
حست براحة غريبة بعد ما داست إرسال وجربت مشاعر جديدة عليها لأول مرة كأنها رجعت عيلة مراهقة، وكأنها رمت حمل تقيل من فوق كتافها، وقعدت تستنى الرد وهي بتتخيل ملامح وشه لما يقرأ الكلام ده، مكنتش تعرف إن القدر بيلعب لعبته، وإن "سند" في اللحظة دي كان بيصلي في أوضة "نغم"، والموبايل كان محطوط على الكومودينو جنب "نغم" اللي عيونها وقعت على الشاشة اللي نورت بالرسالة، وبمجرد ما قرأت الاسم والكلام، الدنيا اسودت في عينيها والغيرة ضربت في دماغها زي الصاعقة، وحست إن فيه إيد خفية بتعصر قلبها وهي شايفة ضرتها بتنافسها في أغلى ما تملك.
"سند" خلص صلاته وسلم، والتفت لـ"نغم" لقاها واقفة وشها محقون بالدم وعيونها بتطق شرار، وماسكة الموبايل في إيدها كأنها ماسكة قنبلة موقوتة، فقامت ووقفت قدامه وقالت بصوت مخنوق من كتر الغل والغيرة اللي قادت نار في قلبها:
ـ اتفضل يا سي "سند".. خد الموبايل وشوف "دعاء" بعتالك إيه! إيه اللي جرى في الدنيا يعني عشان "دعاء" تبعت كلام زي ده وهي عارفة إن الليلة ليلتك اهنه؟ إيه اللي اتغير وخلاها تشتاق وتحن بعد السنين داي كلاتها وهي كانت غير أكده واصل طول حياتها؟ أني عايزة أفهم إيه اللي بينك وبينها دلوك، وإيه اللي خلاها تتجرأ وتبعت رسالة بالشكل دي وأنت معاي وفي أوضتي، رد عليا يا "سند" وريح قلبي اللي هيوقف من كتر القهرة والغيرة اللي أول مرة أجربها دلوك.
"سند" بص لها بهدوء، وأخد الموبايل من إيدها ببرود يحرق الأعصاب، وقرأ الرسالة وهو بيرسم ابتسامة مكر صغيرة على طرف شفايفه، وبدأ يبص لـ"نغم" من تحت لتحت وهو شايفها قايدة نار ومش طايقة نفسها، وحس بمتعة غريبة وهو بيشوف غيرتها عليه بالشكل ده، فبدأ يلبس جلابيته وهو بيستعد للخروج وقال بنبرة فيها تشويق ولعب بالأعصاب عشان يزود نارها أكتر:
ـ جرى إيه يا "نغم"؟ واه عاد، إيه اللي جرى في الدنيا؟ "دعاء" مرتي وليها حق عليا زي ما أنتِ ليكي حق، والرسالة دي معناها إنها بدأت تفوق لنفسها وتعرف قيمة جوزها، مفيش داعي للغيرة اللي هتاكل قلبك داي، أني راجل وليا بيت تاني، ولازم أعدل بيناتكم وأراضي الكل. أني دلوك قايم أشوفها محتاجة إيه، وأطمن عليها وعلى ولادي اللي في حضنها، خليكِ أنتِ هادية أكده وما تكبريش المواضيع عاد لغاية ما أرجع لك، والغيرة مهتفيدش واصل في الوقت داي، بالعكس، دي هتزود الشوق عندي لـ"دعاء" اللي بقالها كتير غايبة عني.
"نغم" وقفت قدامه ومسكت في صدر جلابيته بلهفة وخوف، وسألت بفضول وحرقة خلت صوتها يترعش وهي بتبص في عيونه اللي مليانة مكر:
ـ قولي يا "سند".. أني ولا هي؟ مين فينا اللي ساكنة قلبك بجد؟ هل "دعاء" دلوك بقت أحلى في عينك بعد ما بدأت تتغير كيف ما حكيت لي قبل سابق؟ أني هموت من التفكير ومن الطريقة اللي بتتكلم بيها عنها، كأنك بتقول لي إنها بقت في كفة وأني في كفة تانية خالص. رد عليا وريحني، هل حبك ليها دلوك بقى أكتر من حبي؟ ولا إنت بتلعب بأعصابي عشان تشوفني وأني محروقة وغيرانة؟ أني مش هسيبك تمشي غير لما تقولي إيه اللي حاسه ناحيتها دلوك واصل.
"سند" مسك وشها بين إيديه وباس راسها بحنية وهو لسة محافظ على ملامح المكر في عيونه، وقالها بكلمات موزونة عشان يلعب على نقطة الأمومة والغيرة في وقت واحد:
ـ يا "نغم"، "دعاء" دي أم ولادي، السند اللي شالت اسمي وخلفت لي العزوة اللي بتباهى بيها وسط الناس، وليها معزة خاصة مهيقدرش حد يمسها. الحب مقامات، وكل واحدة منكم ليها مكانها، بس "دعاء" دلوك محتاجاني، وأني ميرضنيش أكسر بخاطرها وهي بتبدأ رحلة جديدة في حياتها. خليكِ واثقة في نفسك وفي مكانتك عندي، بس متبقيش طماعة وعايزة تاخدي كل حاجة لنفسك. أني هروح دلوك، وخليكِ أنتِ مع رواياتك لغاية ما أشوف آخرة الشوق اللي هب عند "دعاء" دي إيه.
سابها "سند" وخرج من الأوضة وهو بيضحك في سره، وراح لبيت "دعاء" اللي كانت مستنياه على نار، وبمجرد ما دخل، لقى "دعاء" بشكل تاني خالص، لابسة ومجهزة نفسها وبصت له بنظرة فيها أنوثة وطلب مكنش بيشوفه فيها عمره ولا مرة، وقربت منه بدلع وبدأت تلمس إيده وهي بتقول بصوت ناعم ومبحوح من أثر العلاج والمشاعر الجديدة:
ـ نورت أوضتك يا "سند".. أني مكنتش مصدقة إنك هتيجي بالسرعة دي. أني حاسة إني مولودة من جديد، حاسة بمشاعر في جسمي وفي قلبي مكنتش فاهمة معناها، بس دلوك عرفت إني كنت محرومة من جنة قربك. أني النهاردة مش بس أم ولادك، أني مرتك اللي مشتاقة لك وعايزة تحس بيك وتعرف إنها لسة ست مرغوبة في عينك. قرب مني يا "سند"، ومتحرمنيش من الإحساس اللي بدأت أدوق طعمه الأيام دي لأول مرة في حياتي.
"سند" مكنتش مصدق التغيير اللي حصل لـ"دعاء"، وحس بجمالها وأنوثتها اللي بدأت تتفتح كيف الوردة، فتجاوب معاها بكل مشاعره وبدأ يديها حقوقها ويرضيها بحب وشوق حقيقي، وفضل معاها وقت طويل بيحاول يعوضها عن سنين الجفاف والبرود اللي عاشوها سوا. وفي وسط القعدة دي، موبايله رن برسالة تانية، بس المرة دي كانت من "نغم"، مكتوب فيها:
ـ أنا بحبك ومقدرش أستغنى عنك يا "سند"، قلبي واجعني وأنا قاعدة لوحدي في البلكونة وبشوف ضلك في أوضتها، وحشتني قوي والحزن ساكن عيوني وأنت بعيد عني، متتأخرش علي.
ومع الرسالة إيموشن زعلان، خلى "سند" يبتسم وهو عارف إنه ملك قلوبهم هما الاتنين.
خرج "سند" للبلكونة يشرب سيجارة ويهدي أعصابه، وبص ناحية بلكونة "نغم" لقاها قاعدة لوحدها وماسكة روايتها بس عيونها متعلقة بيه وببلكونة "دعاء"، فابتسم لها ابتسامة نصر وشوق، وفجأة خرجت "دعاء" وراه وهي لابسة قميص نوم شيك، وقربت منه بدلع لافت، ومسكت إيده وشدته لجوه وهي بتبص لـ"نغم" بتحدي وقالت بصوت مسموع:
ـ تعالى يا "سند".. الجو بره برد عليك، وأني مجهزالك مفاجأة تانية جوه، متسيبنيش لوحدي عاد.
"سند" دخل معاها وهو مستسلم لدلعها الجديد، و"نغم" كانت قاعدة قصادهم حالتها ما يعلم بيها غير ربنا، الغيرة والقهرة كانوا بيقطعوا في قلبها وهي شايفة "دعاء" بتسحب منها "سند" في ليلة مكنتش تتخيل أبداً إنها هتحصل بالشكل ده.
            ********
كان السكون مغطي الدار، والظلام مالي الأوضة إلا من نور القمر اللي داخل من ورا الستارة، و"شيماء" كانت غرقانة في نوم متقطع، كوابيسها دايماً بتبدأ بضحكة "علي" وتنتهي بكسرة قلبها. وفجأة، شق السكون صوت رنة تليفونها، رنة غريبة خلت قلبها يقف من الرعب، مدت إيدها بإيد بترتعش وسحبت الموبايل، لقت رقم غريب مش متسجل، ففتحت الخط وهي بتنهج من الخوف، وقبل ما تنطق بكلمة واحدة، سمعت الصوت اللي بيطاردها في صحيانها ومنامها، صوت كان فيه نبرة ضياع ولهفة غريبة ومخيفة في نفس الوقت، كأنه واحد بيغرق وبيحاول يمسك في الهوا.
ـ "شيماء".. متقفليش، أبوس إيدك اسمعيني للآخر. أنا ضايع يا "شيماء"، الدنيا ضلمت في وشي من ساعة ما بعدتي، وعرفت دلوك إني فعلاً حبيتك، حبيتك بجد مش كيف ما كنت فاكر. وحشني صوتك، واحشني البراءة اللي كنت بشوفها في عيونك، أني محتاجك في حياتي يا "شيماء"، محتاج النقاء اللي فيكي يغسل القذارة اللي في روحي، متسيبنيش للضياع دي وأني معايزاش غيرك بجد.
"شيماء" حست إن الدم غلى في عروقها، وقعدت على السرير وهي بتجز على سنانها، وصوتها طلع مخنوق بالدموع والغضب:
ـ أنت محتاج تتعالج يا "علي".. إنت مريض نفسي ولازم تشوف دكتور يشوف لك حل في مرضك النفسي اللي إنت فيه دي. إنت فاكر إني هصدقك تاني؟ إنت فاكر إن الكلمتين دول هيمسحوا اللي عملته فيا؟ إنت كسرتني ونهيت كل ذرة أمان جواب لأي شاب، ودلوك جاي تمثل دور العاشق الولهان؟ إياك تتصل بالرقم دي تاني، وإياك تفتكر إن "شيماء" الهبلة لسة موجودة، إنت قتـلتها بإيديك يوم ما غدرت بيها.
"علي" اتنهد تنهيدة طويلة مليانة وجع مصطنع أو حقيقي ونطق بصوت مرتعش:
ـ أني عارف إني غلطت، وعارف إني حيوان، بس أنا أول مرة أقابل بنت زيك، بريئة ونقية للدرجة دي، وده اللي خلاني أتجنن وأعمل اللي عملته. أنا محتاج أتغير على إيديكي يا "شيماء"، محتاج فرصة واحدة أثبت لك فيها إني بقيت بني آدم جديد. ساعديني أطلع من الحفرة اللي أني فيها، أني فعلاً ضايع ومحتاج يدك تسندني، الحب اللي بيناتنا مش سهل ينتهي بكلمة، أني عارف إنك لسة بتحبيني، وعارف إن قلبك الطيب دي مش هيقدر يقسى علي للآخر.
"شيماء" ضحكت بمرارة وصوتها كان بيقطع القلب وهي بترد عليه بمنطق الست اللي اتوجعت في كرامتها:
ـ الحب مابيديش الأمان يا "علي".. والست لو فقدت الأمان من الراجل، عمرها ما هترجع تحس بيه تاني حتى لو كانت بتموت في هواه. أني خايفة منك، خايفة من نظراتك للبنات في الجامعة، خايفة من طريقتك اللي بتبين إنك عمرك ما هتتغير، إنت لسة بتكلم دي وبتضحك لدي، وعايزني أصدق إنك هتتوب على يدي؟ إنت بتوهم نفسك، الحب اللي بيناتنا مات واتدفن تحت تراب الغدر اللي زرعته، والفرصة اللي بتطلبها داي غالية قوي، وأنت أرخص بكتير من إنك تاخدها.
"علي" نبرة صوته اتغيرت وبقت فيها مكر ومواجهة مستفزة وهو بيحاول يقلب الطاولة عليها:
ـ أنتِ غيرانة يا "شيماء".. الغيرة اللي في صوتك دي بتقول إنك لساتك هتعشقيني، وإنك رغم كل العيوب اللي شايفاها فيا، مقدراش تهربي من حبي. أنتِ عشقتي "علي" بكل سواده، وعارفة إن مفيش راجل هيملا عينك غيره. الرفض اللي بتواجهيني بيه ده هيخليني أتمسك بيكي أكتر، وبيعرِفني إنك الإنسانة اللي تستاهل أحارب عشانها. أني مش هسيبك، وكل ما هترفضيني، هحبك أكتر، وهفضل وراكي لغاية ما ترجعي لحضني تاني، لأنك ملكي يا "شيماء"، وبس.
"شيماء" حست بحزن شديد وقفلت السكة في وشه وهي بتبكي بحرقة، ورمت الموبايل بعيد عنها كأنه حشرة مقززة. فضلت تعيط لغاية الصبح، وبمجرد ما لقت فرصة، راحت لـ"نغم"، كانت محتاجة تفتح قلبها لحد يحس بيها. قعدت قدام "نغم" ووشها كان شاحب وعيونها وارمة من كتر البكا، وبدأت تحكي لها بصوت متقطع عن تهديدات "علي" ليها، وعن الصور اللي معاه، وعن الخوف اللي بقى بياكل في روحها كل ما تفتكر إن "سند" ممكن يعرف في يوم من الأيام.
"نغم" أخدتها في حضنها وهي بتطبطب عليها بوجع، وقالت لها بنبرة خوف وحذر:
ـ اهدي يا "شيماء".. اهدي يا خيتي. الكلب ده لازم نلاقي له حل، بس إياكِ تضعفي قدام كلامه، دي ذئب وعارف إزاي يلعب بمشاعر البنات. التهديدات دي سلاحه الوحيد عشان يخليكي تحت طوعه، بس إحنا لازم نكون أذكى منه. "سند" لو عرف الدنيا هتتقلب، بس إحنا هنحاول نحل الموضوع ده من غير ما حد يحس، بس أهم حاجة إنك تقطعي كل خيط بيوصلك بيه، وتعرفي إن اللي غدر مرة، يغدر ألف، والستر من عند الله وحده.
"شيماء" بصت لـ"نغم" بضياع وقالت لها:
ـ أني خايفة يا "نغم".. خايفة يجي يوم وألقى نفسي مفضوحة قدام الكل. أني كرهت نفسي وكرهت الحب بسببه، وحاسة إن ماليش مكان في الدنيا دي بعد اللي حُصل. هو بيحاول يحسسني إنه بيحبني، بس أني مبقتش أثق في خيالي، ومبقتش عارفة أصدق مين ولا أروح فين.
كلامهم انتهى بـ"شيماء" وهي غرقانة في حضن "نغم"، والاتنين شايلين هم تقيل، و"علي" من الناحية التانية واقف بيمسح على شعره بوجع حقيقي وندم بدأ يتسرب لقلبه، بس ندم متأخر وقاسي، وكل ما "شيماء" بتبعد، نار حبه ليها بتزيد، وقرر إنه مش هيسيبها تضيع منه مهما كان التمن.
*******
كانت "نغم" قاعدة في ركن الأوضة، ماسكة التليفون وإيدها بترتعش وهي بتسمع صوت "مهرة" اللي بيمثل لها بر الأمان وسط الأمواج اللي بتخبط فيها. "نغم" كانت بتنهج وصوتها طالع مخنوق بالعبرات، والغيرة كانت واكلة قلبها وهي بتفتكر ليلة "سند" مع "دعاء"، وقالت لـ"مهرة" بوجع وحيرة تفتت الصخر:
ـ يا "مهرة".. أني خلاص صبري نفد، النار اللي قايدة في جوفي من غيرتي عليه من "دعاء" مهتنطفيش واصل. "دعاء" اتغيرت يا خيتي، بقت وحدة تانية خالص، بقت بترمى شباكها على "سند" وعايزة تسحبه مني بحجة العيال وبحجة إنه هيوحشها. وأني واقفة محلك سر، خايفة من بكرة، وخايفة "سند" يعرف موضوع حبوب منع الحمل اللي باخدها كل ليلة من وراه. أني بموت من الرعب لو فكرت للحظة إنه ممكن يكتشف إني بحرمه من العيل اللي بيتمناه، بس أني كمان خايفة على ولادي، خايفة "رابحة" تنفذ تهديدها وتاخدهم مني لو خلفت من "سند".
"مهرة" سمعتها بهدوء وحكمة، واتنهدت تنهيدة طويلة فيها لوم وحب في نفس الوقت، وردت عليها بصوتها الرزين اللي بيحط النقط على الحروف بصرامة:
ـ يا "نغم"، أني مش قدرة أفهم أنتِ ليه بتعملي في نفسك وفي "سند" أكده؟ خوفك دي ملهوش أي مبرر واصل، وخصوصاً بعد اللي حُصل لـ"سمير" وحادثته الوعرة داي، الدكاترة بيقولوا إنه احتمال كبير ميمشيش على رجليه تاني، يعني مفيش خوف عليكي ولا على العيال. أنتِ غبية يا "نغم" لو فاكرة إن الحبوب دي هتحميكي، أنتِ كدة بتضيعي "سند" من يدك وبتقدميه لـ"دعاء" على طبق من فضة. "دعاء" دلوقت بقت ست طبيعية وبقت بتتحجج بالعيال عشان تقرب منه، وأنتِ بالحبوب داي بتقفلي الباب اللي ممكن يربطه بيكي للأبد.
وكملت بوجع وهي بتحط إيديها على قلبها:
ـ الحب يا "نغم" مهتلقاش بسهولة في الزمن داي، وأنتِ شفتي العذاب ألوان على يد "سمير"، و"سند" دي راجل مفيش منه اتنين، والراجل اللي زيه عمره ما هيسمح لحد ياخد ضناه من حضن أمه مهما كانت قوة "رابحة" أو غيرها.
"نغم" بدأت تقتنع بكلام "مهرة"، ودموعها نزلت وهي بتحس بمدى غلطها في حق الراجل اللي صانها وحماها، وقالت بصوت مهزوز:
ـ بس "رابحة" حلفت يا "مهرة"، قالت لي بالحرف إنها هتقدم على حضانة العيال لو خلفت من "سند"، وأني مقدرش أعيش من غيرهم دقيقة واحدة. أني بين نارين، نار حبي لـ"سند" ورغبتي إني أرضيه، ونار خوفي على ولادي اللي هما حتة مني. أنتِ شايفة إن "سند" بجد هيقدر يقف قدام أمه ويحمي ولادي منها؟ أنتِ شايفة إني لازم أوقف الحبوب داي دلوك فوراً؟
"مهرة" ردت عليها بقوة وثبات خلت "نغم" تحس بالثقة بتسري في عقلها من جديد:
ـ "سند" راجل بكلمة واحدة، الكل بيعمل له ألف حساب، و"رابحة" نفسها مهتقدرش تكسر كلمته لو وقف في وشها وقال "العيال دول ولادي". قوي قلبك شوية يا "نغم" ومتبقيش ضعيفة واصل، "سند" مفيش زيه في الدنيا، ولو ضاع منك بسبب الحبوب والكدب ده، مش هتسامحي نفسك العمر كله. ارمي الحبوب داي يا "نغم"، وتوكلي على الله، وخليكي أنتِ السكن والوطن لـ"سند" قبل ما "دعاء" تملى الفراغ اللي أنتي سيبتيه بجهلك وخوفك.
قفلت "نغم" السكة مع "مهرة" وهي حاسة بزلزال جوه قلبها، وقررت في لحظة قوة إنها تنهي اللعبة دي للأبد. الغيرة كانت بتغلي في عروقها، فدخلت الحمام وبإيد حازمة مسكت شريط الحبوب، وفي غفلة من أمرها ومن كتر التوتر، رمته في باسكت الزبالة بتاع الحمام من غير ما تداريه، وخرجت وهي ناوية تخلي الليلة دي ليلة العمر لـ"سند". دخلت أوضتها واتشيكت ولبست قميص نوم أحمر حرير كان بيبرز جمالها وأنوثتها، وحطت برفان من اللي "سند" بيحبه، ووقفت قدام المراية تظبط ملامحها وتداري أثر البكا بابتسامة دلع ونعومة.
أول ما "سند" دخل الأوضة، اتفاجئ بمنظر "نغم" اللي كان بقالها فترة مكتئبة ووشها مقلوب، لقاها واقفة في أبهى صورة، والابتسامة مرسومة على شفايفها بدلال يدوب الصخر. "سند" استغرب وسألها وهو بيقرب منها بإعجاب وحب:
ـ إيه الجمال ده كله يا ست البنات؟ أني قلت "نغم" نامت وزعلانة، أتاري القمر كان مستني ينور لي الليلة. جرى إيه يا "نغم"؟ إيه السر في التغيير المفاجئ دي؟
"نغم" قربت منه بخطوات ناعمة، ولفت دراعاتها حوالين رقبته وهي بتهمس في ودنه بدلع ورقة خلت أنفاسه تضيق من الشوق:
ـ السر هو إنت يا "سند".. أني اكتشفت إني مقدرش أعيش من غير رضاك، وإن الليلة داي هي ليلتنا إحنا وبس. انسى أي غم وانسى أي زعل، وأني النهاردة ملك إيديك، وهعيشك ليلة ولا ألف ليلة وليلة عشان تعرف إن "نغم" هي اللي في القلب وبس.
وفعلاً، عاشوا ليلة مليانة حب وشوق، ليلة خلت "سند" ينسى كل همومه ويرتمي في حضن "نغم" اللي كانت بتدلع عليه بكل ما تملك من أنوثة. وبعد ما تعبوا ونامت "نغم" نوم حالم وجميل والابتسامة لسه على وشها، قام "سند" قبل الفجر بشوية عشان ياخد شاور ويصلي الفجر. دخل الحمام، وهو بيحلق دقنه لقى مكنة الحلاقة قديمة ومبتشيلش كويس، ففتح باسكت الزبالة عشان يرميها، وفجأة عينه لمحت حاجة غريبة.. شريط حبوب مرسوم عليه علامة هو عارفها كويس قوي، لأن "دعاء" كانت بتاخد زيه شريط "منع حمل".
"سند" اتسمر مكانه، والدم هرب من وشه، ومسك الشريط بإيد بترتعش من الصدمة والقهر. العواصف كلها اجتمعت قدام عيونه في لحظة واحدة، وفهم اللعبة اللي كانت "نغم" بتلعبها السنة دي كلها، فهم إنها كانت بتحرمه من العيل بإرادتها وهي بتدعي إن الموضوع نفسية. خرج من الحمام وعيونه حمرا كأنها جمر نار، ووقف في نص الأوضة وبص لـ"نغم" اللي كانت نايمة في سلام، وصوته طلع بصرخة هزت أركان البيت كله، صرخة رعبتها وصحتها من أحلى أحلامها وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصل:
ـ "نغغغغغغغغغغغغغم!!!"
قامت "نغم" مخضوضة وبصت لـ"سند" لقت الشريط في إيده، وحست إن روحها بتتسحب منها وهي شايفة نهايتها في عيونه اللي كانت بتنطق بالموت والخذلان.


stories
stories
تعليقات