رواية لم يكن سندا لي الفصل السابع عشر 17 بقلم الهام شاهين

 


 رواية لم يكن سندا لي الفصل السابع عشر بقلم الهام شاهين


بعد مدة من الزمن وصل والد قمر ووالدتها وعمتها حنان واخوتها الثلاثة الى المستشفى اخذ مصطفى يركض في طرقات المشفى سابقا اياهم ليصل الى العناية المركزة حتى يقوم بوداع شقيقته وتوأم روحه صديقة طفولته وابنته التي اعتنى بها وها هو الان يقف امام باب العناية واضعا يده على المقبض ولكنه لم يستطع فتح الباب، فكيف له ان يراها وهي ممددة طريحة الفراش فاقدة الروح، كيف له ان يراها وهي فاقدة الإبتسامة التي كانت تنير حياتهم، كيف له ان لا يسمع ضحكاتها التي كانت تملأ حياتهم، هي لم تكن شقيقته فقط ولكنها كانت ابنته نعم تصغره بقليل ولكنه كان يهتم بها ويرعاها كان هو من يقوم بتربيتها وكأنها طفلته المدلله استطاع أخيرا فتح الباب ودخل الغرفة بخطى متثاقلة. كان احمد يجلس بجوارها ماسكا يدها بين يديه وتتساقط دموعه بحسره على فراقها، اقترب مصطفى منهما، فابتعد احمد عنها تاركا المجال لمصطفى ليستطيع وداعها جلس مصطفى بجوار قمر وأمسك يدها باحدى يديه وبدأ يمسح على وجهها بيده الاخرى وتتساقط دموعه بغزارة على وجهه.

مصطفى بحزن وأسى:« كده يا قمر هنت عليكى تسيبيني، قدرتي تبعدي عني يا قلب اخوكى، بس انا زعلان منك انتى كده خلفتى وعدك معايا فاكرة وعدك يا قمر؟ كنتى دايما تقوليلي انا اللي هذاكر لاولادك يا مصطفى انا اللي هعلمهم زي ما انت كنت بتذاكرلي فاكرة؟ خلفتى وعدك ليه؟ بعدتي عني ليه؟ كده تحرقي قلبي وتوجعيني. اااااه يا قمر... هتحمل بعدك ازاي؟ انتى مش اختي بس انتى بنتي..... بنتي اللي ربتها على ايدي.

فراقك هيحرقنا كلنا يا نوارة حياتنا اااااه صبرنا يا رب.... انا لله وانا اليه راجعون اااااه يا قمر فراقك ناااار بتحرق قلبي يا نور عيني ربنا يرحمك ويجعلك عروسة في الجنة يا حبيبتي.»

ثم قام وقبل جبينها وهو يبكي بهستيريا بعد لحظات دخلت باقي العائلة الى غرفة العناية وحينما رأت سمية ابنتها الوحيدة ممدده جثة هامدة على الفراش لا حياة بها فصرخت صرخة مدوية احرقت بها قلوب كل من حولها واتجهت مسرعة نحوها واخذتها بين احضانها واخذت تبكي بجنون غير مصدقة انها فقدت وحيدتها وحبيبة قلبها.

سمية:« ااااه يا ضي عيني يا عمر امك يا حبيبتي ااااه يا خساره شبابك يا قلب امك سيباني ورايحة ليه؟ هيبقالي مين بعدك يا حبيبتي؟ ليه تكسريني بفراقك يا ضنايا؟ اااااه يا رب.... يا رب صبرني.... يا رب صبرني على فراقها.... يا رب.» 

كان صالح والد قمر يقف مذهولا غير مصدق ان ابنته الوحيدة التي كانت تضفي الفرحة على قلوبهم لم تعد موجودة بالحياة كان ينظر لها ولا يرى غير ذكرياتها معهم كيف كانت تضحك وتملأ البيت بالسعادة والسرور أين هي الان من هذه السعادة؟ فقد اصبحت جسد بلا روح، اما شريف ويوسف وحنان فحدث ولا حرج فكانوا يبكون قمر التي فارقت الحياة وكأن حياتهم انتهت ولم يعد بها بقية كان الكل يعيش اصعب اللحظات فقد فارقتهم الاخت والصديقة والحبيبة والابنة، قد فارقتهم الطيبة والحنان.

اقترب  مصطفى من والدته وضمها بين احضانه وقام بابعادها عن قمر واخذ يربت على ظهرها بحنان محاولا تهدئتها.

مصطفى ببكاء:«اهدي يا امي لله ما اعطى وما اخذ انا لله وانا اليه راجعون ادعيلها يا حبيبتي هي مش محتاجة مننا دلوقتي غير الدعاء قادر ربنا يصبرنا على فراقها. 

سمية وهي تجهش بالبكاء:« قمر يا مصطفى... قمر راحت خلاص.... ااااه يا قلبي.... ما فرحتش ولا اتهنت عاشت شايلة هم الدنيا بيت، وعيال، وزوج رامي عليها الحمل لوحدها بنتى ضاعت مني يا مصطفى اختك راحت خلاص.»

ثم توجهت بالنظر الى احمد الذي كان يقف في احد اركان الحجرة يشاهد لوعة فراق قمر ويبكي هو الاخر واتجهت نحوه كنمر جريح.

سمية بحدة:«  انت السبب انت اللي قتلت بنتي ذنب بنتي في رقبتك روح منك لله حسبي الله ونعم الوكيل فيك ربنا يوريني فيك يوم بحق حرقة قلبي على بنتي ربنا ينتقم منك ضيعتها وضيعت شبابها ما شافتش  معاك يوم حلو ولا عمرها اتهنت معاك خدتها وردة مفتحة وشمعة منورة طافتها وطفيت فرحتها ركبتها الهم والقهر شيلتها اكثر من طاقتها ذنب بنتي في رقبتك يا احمد عمري ما هسامحك في اللي عملته في بنتي وحرقة قلبي عليها ربنا يوريني فيك يوم روح منك لله.... منك لله.... حسبي الله ونعم الوكيل فيك.» 

اتجه شريف ومصطفى مسرعين نحو والدتهم وقاموا بجذبها بعيدا عن احمد الذي لم يستطع الرد عليها مراعاة لشعورها ولصدمته هو الاخر.

مصطفى:« خلاص يا امي ما لوش لازمة الكلام ده هي راحت خلاص للي احسن مننا كلنا وهو اللي هيعوضها عن كل اللي عاشته وشافته ربنا يرحمها ويصبرنا.» 

شريف موجها حديثه الى احمد:« يلا يا احمد تعالى معايا نخلص اجراءات المستشفى.»

ثم نظر في اتجاه قمر وعلى وجهه علامات الحسره والحزن.

انهى شريف واحمد اجراءات المشفى وقاموا بنقل جثمان قمر وتم دفنها بمقابر عائلتها كما كانت توصيهم بعد صراع بين احمد ومصطفى فاحمد لم يكن راضيا على دفنها في مقابر عائلتها ولكن مصطفى اصر على تنفيذ وصية اخته فكانت دائما توصيه انها  اذا وافتها المنية تدفن في مقابر عائلتها ولا يتركها في مقابر عائلة زوجها فهي لم تسعد معه في حياتها ولا تريد ايضا ان تكون معهم بعد وفاتها قام احمد ومصطفى وشريف بالاستعانة ببعض الاشخاص المتخصصين لتجهيز سرادق كبير كما هي العادة في القرى لاستقبال المعزيين في موت قمر جلست والدة قمر وحنان والحاجة كريمة وهالة في الجزء الخاص للنساء من السرادق حيث كان نساء القرية يقدمون واجب العزاء في المغفور لها قمر كانت سمية تجلس وسط النساء تبكي ابنتها وتنوح عليها بكلام يبكى القلب على فراق هذه الفتاة الرقيقة الطيبة التي خسرت شبابها في لحظة اما الحاجة كريمة وهالة فكانوا يشعرون بالخجل الشديد فتلك الفتاة لم تقدم لهم ولولدهم غير كل خير ولكنها لم تحصل الا على عدم الاهتمام وعدم مراعاة مشاعرها والاهمال مما جعلها تبدو اكبر سنا من سنها وها هي فقدت حياتها الان كما فقدت روحها من قلة الاحتواء. 

جلست حنان بجوار سمية تربت على اكتافها وتحاول تهدئتها حتى لا يحدث لها شيئا. 

حنان ببكاء:«اهدي يا سمية ووحدي الله هي راحت للي خلقها دي كانت امانة عندك وربنا حب يسترد امانته هنعترض يعني ادعيلها يا حبيبتي بلاش تعذبيها في قبرها هي مش محتاجة غير دعواتنا.»

سمية بحرقة:« اااااه.... قلبي محروق قوي يا حنان خلاص مش هشوف قمر تاني دي كانت هي اللي دايما تسال عليا وتكلمني وتودني كانت مالية عليا البيت وحياتي كلها، كانت دخلتها عليا هي وبناتها كأنها عيد.» 

حنان:« ان شاء الله ربنا يجعلها من اهل الجنة ويعوضها عن اللي عاشته في حياتها والحمد لله ربنا بيقطع من هنا ويوصل من هنا واهي سايبه بنتين ربنا يحميهم ويعوضك فيهم خير ويبقوا سند ليكي بدل مامتهم اللي حرقت قلوبنا على فراقها.» 

سمية ببكاء اكثر:«عمر ما حد هيعوضنى عن بنتي حتى لو بناتها، اللي قال اعز الولد ولد الولد ده ما بيفهمش حاجة، انا مفيش عندي اعز من بنتي حتى لو بناتها انا احبهم اه وافديهم بروحي لكن عمرهم ما هيبقوا اعز عندي من ضنايا اللي راحت مني بسبب ابوهم حسبي الله ونعم الوكيل فيه هو السبب مش مسامحاه دنيا وآخره.» 

بعد قليل وصلت ياسمين صديقة قمر وهي تبكي بهستريا  واتجهت نحو سمية وارتمت بين احضانها. 

ياسمين ببكاء:« قمر راحت فين يا طنط سمية؟ كده تسيبني وتمشي؟ احنا ما اتفقناش على كده، قمر هتوحشني اوى يا طنط مين هيسال عليا دلوقتي؟ مين هيكلمني ويسمع شكوتي غيرها؟ دي عمرها ما قالت لحد لا على حاجة، عمرها ما زعلت حد، الكل في الشغل بيحبها وبيحب ابتسامتها اللي دايما كانت ما بتفارقش وشها دي كانت كتلة طيبة ماشية على الارض.

هم ليه الطيبين بيمشوا بسرعة كده؟ هم البنات فين عاوزه اشوفهم؟»

حنان: «البنات مع اولادي يا حبيبتي عندي في البيت مينفعش يقعدوا في العزاء بعد العزاء هاخدك عشان تشوفيهم.» 

ظل الجميع يبكي وينوح حتى انتهى العزاء فكان يوما شاقا على الجميع ذهب بعدها كل شخص الى منزله جلست سمية في صالة منزلها تبكي فراق ابنتها وجلس بجوارها صالح يحاول تهدئتها كما كان يجلس اخوة قمر الثلاثه يملأهم الحزن على فراق اختهم الوحيدة.

صالح:« خلاص بقى يا ام مصطفى هيجرالك حاجة متعمليش في نفسك كده عارف ان فراقها صعب بس ده قضى ربنا وما نقدرش نعترض اهدي ووحدى الله وامسكي نفسك متنسيش قمر سايبلنا امانة لازم نراعيها ونحافظ عليها ولا انتى مش قد شيل الأمانة دي ومش ناوية تنفذي وصية بنتك؟»

سمية:« بنات قمر دول حتة منها وعمري ما هفرط فيهم وابوهم ده مش هيطول ظافر عيلة منهم دول بناتي انا وانا اللي هربيهم زي ما ربيت امهم دول خسارة فيه هو ما يستاهلش واحدة منهم ربنا يقدرني واربيهم احسن تربية.»

مصطفى:« متقلقيش يا امي بنات قمر دول في عينينا كلنا احنا اللي هنربيهم زي ما قمر وصتنا واحنا كمان اللي هنجوزهم دول عوض ربنا لينا عن فراق قمر.»

يوسف ببكاء:« قمر هتوحشني قوي يا مصطفى.»

شريف:« اهدى يا يوسف وخليك راجل لما انت تعمل كده ابوك وامك يعملوا ايه؟»

يوسف:« فراقها صعب قوي يا شريف مش مصدق انها خلاص راحت وسابتنا وما عادتش موجوده.» 

مصطفى:« احنا لحد دلوقتي منعرفش ايه اللي حصل بينها وبين احمد خلاها تخرج في اليوم ده ويحصل لها اللي حصل.»

صالح:«اللي حصل ما حدش يعرفه غير قمر الله يرحمها واحمد واحنا من يوم ما قمر دخلت المستشفى ما قعدناش مع احمد ولا اتكلمنا معاه.»

في منزل احمد وقمر كان يجلس احمد على الاريكه باهمال موجها نظره الى صورة زفافه هو وقمر ويتذكر تلك الليلة وما حدث بينه وبين قمر.

قمر:« احمد عاوزه اتكلم معاك شوية لو سمحت.»

احمد:« خير يا قمر في ايه؟»

قمر:«كنت عاوزاك تنزل معايا نشتري شوية حاجات للبنات.»

احمد:«بقولك ايه انا ما ليش في الكلام ده شوفي انتى عايزة فلوس ايه وانزلي هاتي اللي انت عاوزاه لكن انا ما بنزلش مع حد.»

قمر بحدة:« قليلا يعني يا احمد هو انا كل اما اكلمك في حاجة تخص البيت او البنات تقولي ما ليش فيه اومال مين اللي ليه فيه؟ دول بناتك يا أستاذ المفروض تهتم بيهم مش كفاية انك عامل البيت زي الاوتيل جاي تنام وبس يا احمد انت مش موجود في حياة بناتك بأي شكل، البنات مش حاسين بأبوتك ليهم يا ريت تقرب منهم شوية وتحسسهم انك بتحبهم وخايف عليهم ومصلحتهم تهمك.» 

احمد بحدة:«ومين قالك اني مش بحب بناتي يا ست هانم؟» 

قمر:«الحب مش كلام يا احمد كونك مش مهتم بيهم ولا بتسال عنهم ولا تعرف هم بيحبوا ايه او يكرهوا ايه  دا مااسموش حب يااحمد انت بعيد اوى عن بناتك انا بحاول اقربك منهم لكن انت اللى رافض مفكر ان انت طالما موفر ليهم طلباتهم يبقى كدا خلاص تقدر تقولى انت اخر مرة قعدت  مع بناتك امتى او فسحتهم او جبت ليهم هدية تفرحهم طبعا مش هتعرف ترد لانك اصلا مش بتدي ليهم من وقتك انت كل وقتك لعيلتك وبس واحنا اخر اهتماماتك.»

احمد:«بقولك ايه هو انتى عاوزه تعملي مشكلة وخلاص وبعدين (خيركم خيركم لاهله) مش ده كلام رسولنا الكريم.» 

قمر:« هو انت بتفسر الدين على كيفك اهلك هنا المقصود بيها زوجتك واولادك اما اهلك دول صلة رحم تودهم وتسال عليهم وتساعدهم لو محتاجين لكن مش تديهم وقتك كله واحنا كأننا مش موجودين في حياتك وبعدين انا مش بطلب منك حاجة ومش عاوزة منك اي حاجة انا بس مش عاوزة بناتك تعتبرك في يوم من الايام مجرد ضيف في حياتهم وتفقد اهميتك عندهم.»

احمد:« قمر مش قصة كل يوم تيجي تقوليلي الكلمتين دول انا زهقت وقرفت.»

قمر بصراخ:«يا شيخ حرام عليك والله انا اللي زهقت وقرفت كفاية بقا طب انا مش فارقة معاك وقلت ماشي ما بتحبنيش وبالنسبالك مش اكتر من خدامة في بيتك وقلت ماشي لكن بناتك ذنبهم ايه ما تبقاش موجود في حياتهم ولا تعرف عنهم حاجة اخواتك واولادهم لو احتاجوك في لحظة بتبقى عندهم لكن ولادك يوم ما بيحتاجوك مش بيلاقوك تقدر تقولي بنتين زي دول يعتمدوا على مين لما انت مش في حياتهم على فكرة انت اللي هتندم مش حد تاني لما تكبر وما تلاقيش حد من بناتك حواليك انت اللي هتندم، لما تتمنى يوم تقعد مع بنت من بناتك وهم اللي يرفضوا لانك مجرد ضيف في حياتهم انت اللي هتندم، انت بعد عمر طويل مش هتلاقي اللي يفتكرك وهتفقد اهم حاجة وصانا بيها رسولنا (وولد صالح يدعو له) خليك فاكر كلامي ده كويس وحطه حلقة في ودانك لانك هتعرف قيمته كويس بس بعد فوات الاوان.» 

احمد:«تصدقي انك قليلة الذوق ومش محترمة بتفولي عليا عاوزاني اموت انتى اصلا اللي بتكرهي بناتي فيا بطريقة كلامك دي يا شيخة انتى عيشتك بقت تزهق.»

قمر:« انا يا احمد انا اللي بكره بناتك فيك انا بتمنى اموتك والله حرام عليك طول عمرك ظالمني روح يا شيخ ربنا يسامحك والله ما حد زهق من عيشته غيري انا... تصدق بالله انا ما عدتش قاعدالك فيها انا هرجع بيت اهلي وبناتك عندك ربيهم وخليهم يحبوك وانا هبعد عن حياتكم نهائي.»

ثم تركته وخرجت ودموعها تغطي وجهها تمشي في الشوارع على غير هدى حتى اصطدمت بها سيارة وسقطت غارقة فى دمائها. 

تعليقات