رواية بقاء الفصل السابع عشر 17 بقلم رباب حسين

    


رواية بقاء الفصل السابع عشر بقلم رباب حسين 



كانت لحظة كافية بأن تنهي كل شيء، من يصدق أن مع ظهور الحقيقة التي اختبئت جيدًا بين الأيام؛ قد تكون نهاية الرحلة بينهما، وفين الوقت الذي تفاجأ الجميع بوجود قاتل آخر، لم يجعل ذلك صقر يتزعزع عن ثباته، ولكن كلمة واحدة منها كانت كافية بانتفاضته، كلمة الطلاق كانت هي الأقسى على قلبه، وحين شعر بإنه على وشك خسارتها كانت هذه بداية إعلان التمسك بها، وكأن كل الكبرياء والقوة التي بداخله انهارت تحت أقدامها، فهل سيستطيع أن يجعل ليل تعدل عن قرارها؟ أم لم يعد هناك فرصة له بقلبها. 


صمت ساد بالأجواء، قاطعه صوت الهلالي حين قال: تعالى معايا يا بركات عايز اتحدت معاك. 

ثم مر بجوار صقر وربت على كتفه وقال: اهدى يا صجر. 

ظل صقر ينظر إلى ليل، ثم حاولت الهرب من عينيه، وقع بصرها على نور التي تبكي في صمت وتتمسك بذراع زيد. 

زيد : خلاص يا نور بقى إهدي. 

نور ببكاء : مين اللي قتل بابا وحرمني منه وخرب حياتنا وقتل عمي عمر وعمل في خالتي كده؟! مين بيكرهنا أوي كده؟

اقترب صقر منها وجلس بجوارها وقال : أنا مقتلتش عمك يا نور. 

نور : عارفة ليل قالتلي، أنا مش شاكة فيك عشان ليل أكدتلي إنك مقتلتش، وأنا مصدقاها. 

نظر إلى ليل، هل حقاً دافعت عني؟! كم كنت أحمق وأنا لا أرى ما تحاولين فعله؟ 

لاحظت ليل نظرات صقر إليها فقالت 

ليل : نور تعالي معايا. 

جهاد : لع استني. 

نظرت إليها ليل وقالت جهاد : إنتي متأكدة من اللي عتجوليه؟

ليل : الورق مع ابنك تقدري تسأليه. 


ثم حاولت الذهاب فقالت

جهاد : استني يا بتي عاد. 

نظرت إليها ليل بصدمة؛ هل قالت بنتي؟! 

جهاد : خابرة إنك مستغربة بس اسمعيني، يمكن إنتي شايفني الست الجوية اللي معندهاش جلب، بس أنا مش إكديه، ولا كنت أفكر إني أعامل مرت صجر بالطريجة ديه، بس يا بتي حطي نفسك موكاني، أنا شفت زوجي بيموت جدام عنيا، وبعدين جالولي هنجيب اللي جاتوله يجعدو معاكي. 

ليل : أنا مقتلتش حد. 

جهاد : خابرة يا بتي بس زعلي على زين خلاني مش شايفة أنا بعمل إيه، بس اللي جولتيه وجعني يا بتي، وحسسني أد إيه جسيت عليكي، حجك عليا يا بتي. 


ذهبت وقامت باحتضانها ثم نهضت أحلام واحتضنتها أيضاً. 

أحلام : متزعليش مني عاد، حجك عليّ. وأعتبريني من أهنيه ورايح كيف أختك. 

ثم حتضناها وبكت ليل. 


جهاد : واه ليه البكي؟ عتخليني أبكي أنا كومان. 

وبكت جهاد إيضاً حزناً على ما فعلته بها. 


صقر : خلاص بقى يا ليل بطلي عياط، وأوعدك محدش هيضايقك تاني. 


لم تنظر إليه ثم تركتهم وأخذت نور من يدها وذهبا إلى غرفتها. دخلت نور الغرفة وقالت. 

نور : إيه ده الاوضة كئيبة كده ليه؟ 

ليل : عشان تليق على الايام اللي عشتها هنا. 

نور : واضح من إعتذارهم إنهم كانو متوصيين بيكي أوي. 

ليل : اه على الآخر بصراحة. قوليلي يا نور، هو جدي بركات خلاني أنا أتجوز صقر ليه وإنتي لا؟! 

نور : عشان وجعي أنا وصقر واحد، ولو كنا أتجوزنا كانت الجوازة مش هتكمل يومين، لكن إنتي وجعك مش زي وجعي يا ليل، أنا بابا مات وأنا ٩ سنين، وعمي عمر هو اللي رباني بعديه، وكنت بعتبره زي أبويا بالظبط، عايزاني أتجوز من اللي قتلو أبويا مرتين، لا وكنا شاكين كمان إن صقر اللي قتله، وبعدين ده كبير عليا أوي. 

ابتسمت ليل : صح معاكي حق. 


نور وهي تخفض صوتها : وبصراحة هو مرعب، ده مفيش حد في البلد كلها مش بيخاف منه، يلهوووووى عايزاني أتجوزه؟! أنا أصلا مش عارفه إنتي بتتعاملي معاه أزاي، ولما شفتك بتزعقي قدامه وكلمتيه أزاي تحت قدمنا كلنا أتصدمت، وصدمتي الأكبر إنه مفتحتش بقه معاكي، واضح إنه طب. 

ليل : طب في مين؟!

نور : في مين إزاي يعني؟ هو أنتي فكرك لو أي حد فكر يبص في عينه بس هيسيبه كده عادي؟! ده صقر الهلالي يا بنتي. 

ليل : لا فكرك ميروحش لبعيد، هو بيحب واحدة تانية. 

نور : واحدة تانيه؟ مين ديه وعرفتي منين؟

ليل : عشان خطبها إمبارح. 

نور : إنتي بتقولي إيه؟! صقر خطب! ده أنتو مكملتوش شهر جواز. 

ليل : ليه هو أنتي متوقعة إنه جواز حقيقي؟

نور : لا بس على الأقل توقعت إنه لما يقرب منك هيحبك، وحاسة أن توقعي صح. 

ليل : لا مش صح. 


أما بالأسفل كانت ابتسام تشعر بالتخبط، وطلبت من رفعت الرحيل، وصعدت جهاد مع أحلام حتى تستريح فحملها متعب جدًا، وظل بالأسفل صقر وزياد وزيد وحمزة. 

صقر : أنا متشكر يا زياد على إنك أقنعت ليل إنها تفضل هنا، وكمان عايز أعتذرلك على طريقتي معاك. 

زياد : حصل خير يا صقر أنا مقدر وضعك، كلنا كنا فاهمين غلط، الحمد لله أن ليل جت وكشفت الحقيقة، قدرت تعمل اللي محدش فينا قدر يعمله، لا وفي أقل من ٢٠ يوم. 

زيد : إحنا بس كنا محتاجين همزة وصل بينا وليل عملت ده. 

حمزه : صوح بس دلوك كلنا بخطر، لازم تحطو إيدكم بإيد بعض، وأهم حاجة تعرفو مين اللي عمل إكديه والسر ميطلعش برانا. 

صقر :صح وأنا مش هعرف أعمل ده من غير مساعدتك يا زياد وإنت يا زيد. 

زيد : الفكرة أن مفيش خيط حتى نمشي وراه. 

زياد : اه بس الظابط وعدني إنه هيحقق تاني، يمكن يظهر حاجة جديدة. 


صمت صقر وظل يفكر

حمزة : رحت فين يا صجر؟

صقر : تفتكرو حد من الخدم هو اللي سم عمي حامد؟

زياد : أيوة صح، أكيد حد من الخدم ساعده، لإنه ميقدرش يظهر هنا ويسمه بنفسه. 

صقر هو ينظر إلى زياد نظرة شك : اه، وخصوصاً إن الخدم هنا محافظين على أسرار البيت أوي. 

نظر له زياد وفهم ما يرمي إليه وقال : تعالى دوغري يا صقر متعودتش منك اللف والدوران، مش إنت يا كبير اللي تعمل كده. 

صقر : ما إنت فهمت أهوه. 

زياد : أنا عملت كده خوف عليها مش أكتر، بس إنت عرفت منين؟

صقر :مش مهم. 

زياد : لا مهم، إستحالة تكون ليل قالتلك. ليل متقدرش تبقى السبب في إذية حد، إنت سمعتنا صح؟

صقر : اه. 

زياد : كل الكلام؟

صقر : اه. 

زياد : يعني عرفت؟

صقر : ياريت شكي وشكك يطلع في محله. 

زياد : مش فاهم ليه عايزه يطلع صح؟

صقر : كده. 

زياد :لا أنا كده مش فاهم حاجة، معلش بقى فهمني. طيب رحت خطبت ليه؟

صقر : هصلح كل حاجة يا زياد بس ياريت هي تديني فرصة. 

زيد : إنتو بتقولو إيه متفهمونا. 

زياد : هفهمك بعدين. صقر كفاية كدة سيبها تمشي. 

صقر : لا مش هقدر. 

زياد : ليل مش هتسامح بسهولة يا صقر. 

صقر :عارف بس أنا صبور لأبعد حد واللي خربته هصلحه. 

تنهد زياد وقال : ليل مكانها مش هنا سيبها تشوف حياتها ومستقبلها. 

صقر : لما أتأكد الأول منها، لكن لو طلع كلامي صح يبقى مكانها هنا ومستقبلها هنا، معايا أنا وبس. 

حمزة : أنا جلت من وجت ما زعجت مع الحجة أم صجر إنها تهمك، بس مفهمتش ليه بتخطب غيرها. 

زياد : عشان يذلها. 


شعر صقر بالخجل وتذكر ما فعله بها،لم يستطع أن يغير تلك الأفكار أو يعترض، صمت ولم يجيب. 


خرج بركات والهلالي من الغرفة، ثم اقترب منهم بركات وقال. 

بركات : يلا يا ولاد نمشي. 

صقر : ما بدري يا حج بركات. 

بركات : لع يا كبير الوجت أتأخر. 

وقف صقر أمامه وقال : حج بركات، أنا عايز أعتذرلك عن طريقتي معاك لما جيت هنا، حقك عليا. 

ثم قبل رأسه نظر بركات إليه وقال

بركات : هجبل أسفك لما أشوف حفيدتي فرحانة معاك، مش عايز أشوفها أكديه مرة تانية، كفاية أنا خليتها تعيش العشية ديه، والله أعلم عملتو فيها إيه وصلها للحالة ديه. 

صقر : أوعدك أني هعوضها عن كل ده. 


أومأ له، ثم نزلت نور وأنصرفو جميعاً وعاد الخدم إلى المنزل مرة أخرى، وذهب كل من في المنزل إلى غرفته. 


ظل صقر يفكر ماذا يفعل مع ليل كي يصلح كل ما فعله، وهل هي تريد الذهاب حقًا ولا تبالي به فقط لتصبح مع الدكتور أحمد؟ جفى النوم عينيه، أصبح الآن يبحث عن إجابة أسئلته ولن تجيبها سواها، لذا قرر أن يتحدث معها. 


ذهب إلى غرفتها وفتح الباب

فوجئت بدخوله الغرفة، وكانت تستعد إلى الخلود للنوم، فنهضت وقالت وهي تزفر. 

ليل : ياريت بعد إذن حضرتك تخبط على الباب قبل ما تدخل. 

اقترب منها قليلاً وقال. 

صقر : أستأذن عشان أدخل لمراتي. 

حركت ليل عينيها بملل وقالت : مؤقتاً. 

صقر : قولتلك قبل كده مش هطلق، وطالما قلت كلمة أعرفي إنها هتتنفذ. 

ليل : إنت لسه متعرفش ومجربتش عنادي، وقلت همشي من هنا يعني همشي من هنا. 

صقر : طيب ممكن تسمعيني، أنا مش جي أتخانق. 

ليل : لا مش عايزة أسمع منك حاجة، وأتفضل عشان عايزة أنام. 

تنهد صقر يحاول أن يسيطر على غضبه، وقال: ليل لو سمحتي متستفذنيش، أنا أصلاََ عديت طريقتك معايا تحت قدام الناس عشان مقدر إللي مريتي بيه، بس لازم نتكلم. 

ليل : وأظن أني قولتلك قبل كدة أنسى إني أنفذ أوامرك تاني. 

تنهد صقر واقترب منها، ونظر في عينيها ثم قال : طيب بلاش نتكلم، جاوبي على سؤال واحد بس. 

أرتبكت ليل من نظرته، وبدأت تهدأ وتتأمل عينيه وهذه النظرة الجديدة بها، فقالت 

ليل : أسأل. 

صقر بتردد : عملتي إيه... في موضوع دكتور أحمد؟ 

عقدت ليل حاجبيها بتعجب وقالت. 

ليل : بتسأل ليه؟ 

صقر : أرجوكي جاوبيني، ريحيني وقوليلي، لأن الإجابة اللي هتقوليها هيترتب عليها حاجات كتير. 

شعرت ليل بالحيرة، لما هو مهتم؟! وظلت صامته تنظر إليه، لو تكن تتخيل أن تراه بهذه الهيئة، أيستجديها الآن لمعرفة فقط ما حدث مع دكتور أحمد؟! 


طال الصمت وصقر يتأملها، ويشعر بقلبه يتراقص داخل صدره، فحرك صقر يده تجاه شعرها، إرتدت ليل إلى الخلف فورًا، وظهر الخوف عليها، فظنت أنه سيجذبها من شعرها مرة أخرى.

أوقف صقر يده وقبضها بحزن، ثم أغمض عينه وقال بندم. 

صقر : أكتر حاجة ندمان عليها إني مديت إيدي عليكي، أوعدك إنها مش هتتكرر تاني أبداً. 

ليل : ومين قال إني هسمحلك بده تاني؟! إنت فاكر حاولت كام مرة وأترجيتك عشان تسمع إجابة السؤال ده؟ مع إنك مسألتوش، والغريب إنك لما سألته دلوقتي مش حاسة إني عايزة أجاوب عليه. 

صقر : بتحبيه؟

صدمت ليل من السؤال وارتبكت، ثم هربت بعينيها منه، لاحق صقر عينيها وقال

صقر : بصيلي و جاوبيني يا ليل.... بتحبيه؟

ليل : أظن ده شيء يخصني، ومش من حقك تتدخل في حياتي زي ما أنا مش بتدخل في حياتك، ولا بسألك عن حاجة. 

صقر : إسألي وأنا مستعد لأي إجابة. 

ليل : مش مهتمة. 

صقر : كدابة. 

نظرت إليه بغضب وقالت : لو سمحت بطل الكلمة ديه، أنا مش كدابة. 

صقر : أسف متزعليش، بس أنا مش مصدق إنك مش مهتمة. طيب ليه يوم قراية الفاتحة قعدتي برا في الجنينة ومطلعتيش أوضتك هنا؟

ارتبكت ليل ولم تجيبه، فابتسم صقر وقال : عشان كنتي زعلانة صح؟

ليل برتباك : هزعل ليه؟! أصلاً مش فارق معايا. 

صقر : ليل جاوبي بس على سؤال واحد وريحي قلبي.... بتحبيه؟

ليل : مش عايزة أجاوب، ولو سمحت أطلع برا

صقر وهو يتحكم بهدوءه : ياااااه عنيدة. 


بدأ صقر حقًا يتعرف على ليل التي لم يعرف عننا شيء، ومقابل هذا العند زاد تعلقه بها أكثر، هي فقط أثارت فضوله، ولكن ما شعر به حين وقف أمامها أكد ما كان يهرب منه، هو عاشق. 

أما هي، فتحكم بها كبريائها، فهي لم تنسى ما فعله معها ولن تسامحه على طلب الزواج من غيرها بسهولة. 

يبدو وأن صقر لايزال أمامه تحديات أكبر كي يحصل على إعتراف صريح بحبها. 

الفصل الثامن عشر من هنا


stories
stories
تعليقات