رواية لم يكن سندا لي الفصل الثامن عشر بقلم الهام شاهين
فاق أحمد من شروده من تلك الذكرى المؤلمة كانت دموعه تتساقط ندما وحسرة على تلك التي تحملته في جميع حالاته ثم هب واقفا وذهب باتجاه صورة زفافه المعلقة على الحائط وأخذ ينظر لها بلوعة قلب مكلوم على فراق رفيقة دربه التي طالما اهتمت به وحاولت اسعاده بشتى الطرق ولكنه بخل عليها بأقل ما يمكن تقديمه لها وهو الاهتمام والاحتواء.... نعم الان عرف وأيقن فداحة ما فعله في حقها وتمنى لو يعود به الزمن فيسقيها من حنانه ويغدقها بإهتمامه ليتها تعود فينسيها كل أحزانها وأوجاعها التي أذاقها إياها..... أوجاعها التي كان هو سببها ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يتحقق.
أحمد ببكاء وحسرة:« اه يا قمر يا ريت الزمن يرجع بيا تاني كنت عيشتك الفرحة اللي حرمتك منها... كنت حسستك بالاهتمام كنت احتويتك.... ااااه يا حبيبتي ما عرفتش قيمتك الا لما فقدتك وضعتى مني محدش خسران بسبب فراقك قدي كنت بتعامليني كأني ملك وانتي جاريته طول الوقت كنتى بتحاولي ترضيني دايما جاية على نفسك عشاني وعشان بناتنا وبيتنا... عشان حياتنا تمشي وتستمر لكن أنا كنت انسان أناني مش بفكر غير في نفسي وبس.... ااااه.. يا ريت الزمن يرجع بينا تاني... يا ريت تبقي موجودة في حياتي تاني هفضل اقول يا ريت، وانا عارف انه خلاص بقى مستحيل ترجعيلي او تسامحيني خلاص بقت حياتي فاضية خلاص هعيش وحيد ودا عقابي الوحيد اللي استحقه، اني اعيش لوحدي من غير ما تسامحيني وابقا مكروه من بناتي وشايل ذنب موتك.»
بعد عدة ايام من وفاة قمر ظل أحمد فيها حبيسا داخل شقته بدأ يشعر بالاشتياق لبناته فقد مرت أيام طويلة لم يراهم او يسمع أصواتهم، فقرر أن يذهب إلى منزل والد زوجته حيث تقيم بناته معهم منذ وفاة والدتهم.
هب من فراشه وأخذ شاور وارتدى ثيابه، ثم ذهب الى احدى المحلات التجارية وقام بشراء الكثير من الحلوى ليقدمها الى ابنتيه بعد ذلك توجه الى منزل والد زوجته ووقف أمام الباب حاملا كل ما لذ وطاب من الحلوى مترددا في أن يدق الباب، فكل ما كان يدور بعقله كيفية استقبالهم له، فهو يعلم أنهم يحملونه ذنب وفاة ابنتهم الوحيدة، ولكنه تشجع أخيرا ودق جرس الباب.
قامت رقية الابنة الكبرى لقمر بفتح الباب فتسمرت بمكانها مصدومة لرؤية والدها ظلت تنظر له، ولم تتحدث او تتحرك من مكانها.
أحمد:« ازيك يا رقية عاملة ايه يا حبيبتي؟ وحشتيني ايه مش هتسلمي عليا ولا ايه؟
رقية:« ببرود أهلا يا بابا ازيك عامل ايه اتفضل.»
نظر احمد لابنته بحسرة فقد لاحظ برودها في مقابلته وعدم اشتياقها له، فها هو يجني ثمار ابتعاده عن بناته فقد تحققت بالفعل مخاوف قمر التي طالما حذرته منها.
دخل أحمد الى الشقة واتجه الى الصالون ثم جلس كأي ضيف غريب، فقد فقد الحق في ان يظل كأحد أصحاب هذا المنزل، فقد هذا الحق بفقدان قمر.
أحمد:« رحمة فين يا رقية اندهيلها عاوز أشوفها أصلها وحشتني أوي.»
رقية:« رحمة نايمة دلوقتي عشان كانت تعبانة شوية.»
أحمد بفزع:«تعبانة! تعبانة مالها فيها ايه؟ وليه محدش قالي انها تعبانة.»
رقية بحدة قليلا:«والله حضرتك المفروض انت اللي كنت تسأل علينا مش العكس.»
أحمد محاولا تلطيف الجو بينه وبين ابنته:« طيب تعالي يا حبيبتي شوفي انا جايبلكم ايه.»
نظرت رقية إلى الأكياس ومحتواها ثم رفعت رأسها إلى والدها ونظرت له نظرة خالية من أي مشاعر.
رقية:«ايه الحاجات دي يا بابا هو حضرتك فاكرنا لسة صغيرين هتضحك علينا بشوية شيبسي وشوكليت احنا كبرنا كبرنا أوي يا بابا خلاص الحاجات دي مبقتش مهمة بالنسبالنا ثواني هنادي لجدو وتيتة.»
ثم تركته وذهبت باتجاه حجرة جدها لتستدعيه ليقابل والدها.
رقية:« جدو بابا قاعد بره مستني حضرتك.»
سمية بحدة:« وايه اللي جابه دا هنا له عين يجي بعد اللي عمله في بنتي.»
صالح:«اهدي يا أم مصطفى ده ضيف في بيتنا واحنا بنفهم في الاصول ما يصحش اللي انت بتعمليه ده حاولي تمسكي اعصابك شوية.»
سمية ببكاء:« امسك نفسي..... امسك نفسي ازاي؟ ده جالى برجليه انا لازم اواجهه بكل اللي عمله... اواجهه بكل اللي بنتي اتوجعت بيه وكانت يا قلب امها لما تيجي تحكيلي واقولها أتكلم معاه تقولي لا انا بس بفضفض معاكي، لازم اعرفه قد ايه هو كان قاهرها وراعبها منه قد ايه هو كان قاسي عليها قد ايه هو كان انسان اناني ما حافظش على النعمة اللي ربنا اديها له».
اندفعت سمية متجهة الى الصالون حيث يجلس أحمد وكان يلحقها زوجها صالح ورقية لكي يحاولا منعها مما تنوي فعله مع أحمد.
سمية بحدة وبكاء:« انت ليك عين تيجي هنا يا بجاحتك يا اخي تقتل القتيل وتمشي في جنازته.»
هب أحمد واقفا:«في ايه يا طنط سمية انا جاي آخد بناتي مش جاي اتخانق.»
سمية بصراخ:» بنات مين اللي جاي تاخدهم؟ انت ملكش بنات عندنا دول بنات بنتي قمر وبناتي انا.... انا اللي ربيتهم انت متعرفش عنهم حاجة انت اصلا متعرفهمش ولا هم يعرفوك انت فاكر انك ابوهم بجد انت مصدق نفسك فعلا انت مجرد اسم في شهادة ميلادهم عمرك ما كنت أب ليهم زي بالظبط ما مكنتش زوج وسند لقمر.... الأب هو اللي بيربي، هو اللي بيود ويسأل، هو اللي بيعلم، هو اللي بيزرع القيم والاخلاق في اولاده، الأب هو اللي بيحاجى على اولاده ويصاحبهم مش يرميهم لامهم تربيهم كأنه مش موجود، الأب هو دايما اللي يكون موجود باستمرار في حياة ولاده ما يخليهمش يحتاجوا لحد غيره لكن انت عمرك ما كنت اب او زوج يعتمد عليه انت عمرك ما كنت سند لقمر او بناتك.»
ثم اجهشت بالبكاء:«قمر....... قمر اللي انت كنت سبب في موتها..... قمر اللي ما شافتش يوم هنا معاك..... قمر اللي الدموع ما كانتش بتفارق عيونها..... قمر اللي الحزن كان مالي قلبها.»
أحمد بصدمة:« انا عمري ما أذيت قمر، وعمري ما كرهت بناتي بالعكس انا بناتي دول نور عيني وقمر انا ما قصرتش معاها في حاجة كل طلبات البيت او البنات كانت مجابة يبقى ليه بتتهميني الاتهام الفظيع ده؟»
سمية بصراخ:« ما قصرتش هو انت لما تجيب طلبات بيتك وبناتك يبقى انت كده اب وزوج! لا يا استاذ فوق ده واجب عليك انك تكفيهم وتجيب ليهم كل اللي يحتاجوه لكن انت فين كزوج لمراتك او اب لبناتك؟ للأسف مش موجود ودي النتيجة قمر ماتت وسابتك، وبناتك خلاص مش عاوزينك لانك كنت مجرد ضيف في حياتهم.»
أحمد بحدة:« لو سمحت يا طنط سمية كلامك ده هيعمل فجوة بيني وبين بناتي وانا مش حابب أعمل مشاكل أنا عاوز آخذ بناتي وأمشي من هنا.»
صالح:« اهدي يا سمية وانت يا أحمد وحدوا الله يا جماعة ميصحش كده، اللي انتم بتعملوه ده غلط مش المفروض البنات يسمعوا كلامكم ده.»
أحمد:« يعني عاجبك اللي طنط سمية بتعمله ده يا عمو صالح؟ انتم ليه محسسنى اني كنت وحش قوي مع قمر كده؟»
سمية:« محسسينك! لا يا بابا فوق انت فعلا كنت وحش معاها انت مكنتش تستاهل واحدة زي بنتي انت كنت عاوز واحدة تعاملك بنفس معاملتك لبنتي عشان تعرف ان الله حق انا بنتي شافت معاك المرار فاكر يا احمد لما بنتى كانت بتتعب كنت دايما بتقول عليها انها بتمثل انا مش هنسى وهي جايةليا في يوم مقهورة وكانت هتموت من صدمتها فيك لما انت دخلت عليها المطبخ وكانت واقعة على الأرض دايخة ومش قادرة تتنفس، فاكر يا احمد اليوم ده.... فاكر انت اتصرفت ازاي معاها؟ بصيت عليها ببرود وسبتها مهنش عليك حتى تسندها وتقومها اتعاملت معاها على انها حيوانة ولا تسوى كل اللي في دماغك دايما انها بتمثل مفكرتش انها ممكن تكون فعلا تعبانة وبتموت..... ايه يا اخي الجبروت بتاعك ده منظر بنتي في اليوم ده وهي بتحكيلي انا عمري ما هنساه وعمري ما هسامحك ابدا.... انا بنتي كانت شبه الأموات بسببك حسبي الله ونعم الوكيل فيك.... حتى امك واختك بنتي ما سلمتش منهم عمرهم ما نطقوا نطقة حق في بنتي دايما كانوا بيداروا شغلها عندهم ومساعدتها ليهم، حتى انت كمان كنت بتكذب في حق بنتي وتقول انها مش قايمة بواجبات بيتها!..... قمر اللي كانت الكل بيحلف بنظافتها وشطارتها كنت انت دايما مطلعها قدام الكل مقصرة في بيتك ده حتى بناتك لو كان واحدة حصل لها حاجة، اتجرحت، او تعبت كنت بتحملها هي الذنب وتتعامل معاها كأنها هي اللي عملت فيهم كده طول عمرها يا قلبي مستحملاك ومستحملة قهرتك ليها وحمل المسؤولية اللي فوق دماغها حتى مشاكل بناتك هي اللي كانت بتحلها مكنتش بتلاقيك جنبها بأي شكل لا هي ولا بناتك فاكر اول لما اشتغلت؟ كنت دايما بتضغط عليها ومحسسها بالتقصير وطول الوقت تهددها انك هتخليها تسيب الشغل مع انها كانت بتشتغل عشان تزود دخل البيت عشان ما تحسش ان بيتك ناقصه اي حاجة دايما كانت جاية على صحتها بتجري من الشغل للبيت لمذاكرة بناتك ومشاكلهم واهتمامها بيك اهملت نفسها عشان متحسش انها مقصرة في حقك لكن انت عمرك ما قدرتها ولا شكرتها بالعكس طول الوقت تحسسها بالذنب انا ذنب بنتي في رقبتك انت السبب في موتها انا عمري ما هسامحك ابدا.... ابدا.»
سقط أحمد مصدوما على أقرب كرسي فها هو الآن أيقن فداحة ما فعله بقمر وكيف أنه لم يكن يراعي مشاعرها كيف له ان يتحمل هذا الذنب الكبير؟ فهو لم ينفذ وصية رسولنا الكريم بها.... كيف له ان يقف بين يدي الله؟ كيف سيبرر معاملته لها؟ يا الله كم ظلمها.
سمية بحدة اكثر:« عارف الحسنة الوحيدة اللي كانت بنتي مستحملة عيشتك بسببها وكانت بترفض تسيبك؟ هو اخوك اللي كان دايما بيجبر بخاطرها ويراضيها ويحسسها بقيمتها كان بيعمل اللي المفروض انت تعمله كنت لما اطلب منها تسيبك عشان ترحم نفسها من الذل والقهر كانت ترفض وتقولي ابيه عادل بيعاملني كويس ويراضيني وبيهتم ببناتي مينفعش اكسره في اخوه ده ملاك يا ماما. ثم اشتدت في صراخها:« قوم يا أحمد امشي من هنا مش عاوزة اشوف وشك تاني اللي كانت بيني وبينك خلاص راحت.»
صالح وهو يحاول تهدئتها:« خلاص يا أم مصطفى كفاية كده الكلام ده معدش منه فايدة بنتنا راحت خلاص للي أحسن مني ومنك وهو اللي هيجيب لها حقها واللي انت بتعمليه ده غلط مينفعش تطردي أحمد من هنا مهما كان ده ابو احفادك ميصحش البنات تشوف أبوهم بيتطرد من بيت جدهم الأصول أصول يا أم مصطفى.»
سمية ببكاء:« أوصول أنا قلبي محروق على فراق بنتي وانت بتكلمني في الأصول أنا قلتها كلمة البني آدم ده مش هيقعد هنا لازم يمشي حالا وينسى خالص إن له بنات هنا هو متعبش في تربيتهم ولا يعرف عنهم حاجة يبقى خلاص ينساهم زي ما كان ناسيهم طول عمرهم.»
أحمد بحدة قليلا:«انا لحد دلوقتي مقدر اللى انتى فيه ومش عاوز ارد عليكي لكن بناتي انا هاخدهم يعني هاخذهم ومحدش يقدر يمنعني من كده.»
ثم وجه حديثه الى ابنته رقية التي كانت تقف وتشاهد كل ما يحدث وهي تبكي.
أحمد لرقية:« يلا يا رقية جهزي حاجتك انتى وأختك عشان نرجع بيتنا.»
رقية ببكاء:« اسفة يا بابا انا مش هسيب تيتة انا ورحمة عاوزين نعيش هنا ودي أصلا كانت وصية ماما لينا احنا حابين نفضل في البيت اللي ماما كانت بتحس فيه بالفرحة وبعدين حضرتك هتهتم بينا ازاي وانت حتى متعرفش عننا أي حاجة غير أسامينا؟ معلش يا بابا انا بعتذر لك بس احنا مش هنقدر نعيش في بيتك وماما مش موجودة فيه.»
شعر أحمد وكأن سكين طعنت قلبه فها هو بالفعل خسر بناته ها هي مخاوف قمر تتحقق وها هو يشعر بالندم فالآن أصبح وحيدا فقد خسر زوجته للأبد والآن خسر بناته خرج أحمد من منزل صالح دون أن ينطق حرفا واحدا خرج هائما يسير في الشوارع لا يعرف أين تسحبه قدماه حتى فوجئ بنفسه يقف امام قبر قمر وقف أمامها وأخذ يبكي بهستيريا.
أحمد ببكاء هستيرى:« اااااه.... يا قمر يا ريتني سمعت كلامك يا ريتني قربت من بناتي وحسستهم بحبي ليهم كل اللي قولتى عليه حصل يا قمر بناتى كرهوني وسابوني بقيت لوحدي يا قمر انا خسرت..... خسرت كل حاجة محدش حواليا دلوقتي اااااه..... يا قمر يا ريت الزمن يرجع بيا تاني كنت سمعت كلامك ااااااه يا قمر ااااااه.... يا رب.... يا رب محتاجلك تقف جنبي احساس صعب قوي اني ابقى لوحدي في الدنيا دي يا رب قويني ارجع بناتى لحضني وأقدر أخليهم يحبوني تاني.... يا رب أنا ندمان اوي ومحتاجك تقف جنبي انت اللي قلت يا رب« ادعوني استجب لكم» يا رب انا بدعيك من كل قلبي رد لي بناتي تاني يا رب.... يا رب.»
ثم وقع مغشيا عليه أمام قبر زوجته.
