رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل التاسع عشر
الاستغناء: هو صرخة قاسية في وجه رُكام من الاحتياجات التي لم يُشبعها أحد لنخبرها بأننا اكتفينا بأنفسنا و لم نعُد في حاجة إلى توسل إجابة أو استجداء طمأنينة.
إنه اللحظة التي يتسيد فيها الإنسان حياته بعد معارك ضارية خاضها شريدًا في جميع المنافي ليُدرك بعدها أنه الوطن الوحيد لنفسه و اللاجيء الذي لا ملجأ له سواها. في الاستغناء تتعلم الروح كيف تخيط جراحها بأنين صامت، و كيف تحول عبراتها إلى غيثٍ يروي تلك الندبات التي يعج بها الصدر لتُذهِر قوة و عنفوان.
الاستغناء ليس موقف! بل هو نهج جديد في الحياة يحول الشخص من تابع إلى مُستقل لا يقيده فقد و لا يرغمه احتياج.
فسلاماً على من أشبعونا احتياجاً حتى جف حلقِنا من فرط النداء؛ فاليوم لن نستجديكم مُجدداً، فقد أسدل الكبرياء ستائره خلفكم، وتعلمنا بفضل خذلانكم كيف يكون عز الاكتفاء.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ عايزة اتكلم مع حضرتك شوية. ممكن؟
هكذا تحدثت أشجان إلى سعاد التي ابتسمت وهي تقول:
ـ طبعًا. اتفضلي. بس اقفلي الباب بالمفتاح..
فعلت أشجان ما طلبته منها و تقدمت لتجلس أمامها و هي تقول بنبرة جامدة:
ـ دلوقتي حضرتك قولتيلي أن نبيلة بتحطلك حبوب منع الحمل، وانا اتأكدت من دا، و مقدرة جدًا انك نبهتيني لحاجة زي دي. بس أنا متأكدة انك عارفة حاجات كتير عن نبيلة، و حابة اعرف كل حاجة منك..
سعاد بجمود:
ـ أنا قولتلك اللي يخصك..
أشجان بحدة طفيفة:
ـ كل حاجة في البيت هنا تخصني. أنا واحدة منه. أنا مرات كبير العيلة دي. أظن من حقي أعرف أيه اللي بيحصل حواليا..
سعاد بسخرية:
ـ مرات الكبير دا مش مجرد لقب. مرات الكبير دي مهمة تقيلة أوي عليكِ للأسف.
أشجان باستنكار:
ـ نعم!
تداركت خطأها قائلة:
ـ أنا مقصدش أقلل منك. بس المفروض كونك مرات الكبير تكوني عارفة كل حاجة مش مستنية من واحدة قعيدة مبتتحركش من مكانها هي اللي تقولك. سهام الله يرحمها كانت بتعرف دبة النملة في القصر. أنا طبعًا مش قصدي أقارن بينكوا…
قاطعتها أشجان بجفاء:
ـ سهام بالنسبالي مش مثال ناجح اقتدي بيه، و أيًا كانت طريقتها فهي فشلت. وانا مش ناوية اعمل زيها، و لو شايفة أني اجند الخدامين عشان يتجسسوا على الناس و ينقلولي أخبارهم دي طريقة تليق باللقب اللي حضرتك شيفاه تقيل عليا دا، فدا أسلوب رخيص أنا شيفاه ميليقش بيه.
سعاد بتقريع:
ـ خلاص سيبي الناس تلعب بيكِ الكورة..
أشجان بجفاء:
ـ ولا هسمح بدا، و بعدين أنا عايزة أسألك سؤال. هو أنتِ ليه مقولتيش لخالد أن أخته بتحط لمراته حبوب منع الحمل؟ مش بردو خالد دا اللي جوز بنتك و حافظ على بناتها بعد ما خرجوا من هنا مكسورين الخاطر؟
سعاد بانفعال:
ـ نفس السبب اللي خلاكي مقدرتيش تقوليله. معنديش دليل. هو أنتِ مفكرة أن الخدامة اللي بتساعد نبيلة هتعترف عليها! كان اللي قبلها عملوها.
انتبهت أشجان لحديثها وقالت باستفهام:
ـ هو كان في بلاوي قبل كدا تانية!
تداركت سعاد خطأها لتتحمحم قائلة:
ـ متدخليش في اللي ملكيش فيه، و متخلينيش اندم اني نبهتك، و بلاش تتصرفي بتهور عشان مترجعيش تندمي
أشجان بجفاء:
ـ أكيد أن في حد هيندم في البيت دا بس مش هيكون أنا…
انهت جملتها و توجهت إلى الخارج ورأسها يكاد ينفجر من شدة التفكير، فالجميع هنا لا يُستهان به. الجميع يجب عليها أن تحذر منه. الوحيدة التي لا يحذر منها أحد هي! ولكنها الآن شبه متأكدة من أن سعاد تعلم بما فعلته نبيلة بسهام.
رفعت رأسها إلى الأعلى لتقرر أنها يجب أن تغير هذا الحال، فتوجهت إلى داخل القصر الذي يحوي الأفعى التي سممت حياتها لتخبرها الخادمة أنها في غرفتها، فذهبت رأسًا إلى هناك و قامت بطرق باب الغرفة لتسمح لها نبيلة بالدخول والتي تفاجئت حين شاهدتها لتقول بنبرة ساخرة:
ـ مش معقول! جاية تطمني عليا مخصوص!
أشجان بهدوء وهي تتقدم من مخدعها:
ـ في الحقيقة أنا مش محتاجة اطمن عليكِ أنغ عارفة انك كويسة.
استغربت نبيلة حديثها لتستفهم قائلة:
ـ اومال جاية ليه؟
صمتت أشجان لثوان قبل أن تقول بنبرة ساخرة وهي تتربع أمامها على السرير الضخم:
ـ أنا قبل ما اتجوز خالد عشت عشر سنين مع يهود. شوفت كل أنواع الظلم اللي في الدنيا. لحد ما قابلت خالد. بعد ما اتجوزت خالد عرفت يعني أيه حياة، و معنديش استعداد اخسره. او بمعنى أصح مش هقدر اعيش لحظة واحدة من غيره.
رفعت نبيلة حاجبها ساخرة لتُتابع أشجان قائلة:
ـ باختصار خالد هو الحياة بالنسبالي، والحياة من غيره موت. عشان كدا أنا معنديش حاجة أخسرها غيره، فخلي بالك. أنك لو مبعدتيش عن حياتي انا معنديش أدنى مشكلة اني أقف بعلو صوتي واعمل زي ما عمر عمل، و أقول مين قتل سهام.
برقت عيني نبيلة من حديثها لتُتابع أشجان بنبرة شخص ذاق الموت مرة ولن يحتمل الثانية:
ـ الناس اللي عايشة بره دي. بقى عندها قابلية تصدق عنك أي حاجة، و في مثل عندنا في الحارة بيقول العيار اللي مبيصيبش يدوش. يعني حتى لو أنا معنديش دليل في إيدي، فأنا هزرع بذور شك كفيلة أنها تخلي خالد الوتيدي يقلب الدنيا عاليها واطيها لحد ما يوصل للحقيقة، و أظن أن في غيري عارفها، و شاهد عليها.
لم تتخيل نبيلة أن تسمع ذلك الحديث من فم أشجان تلك الفتاة التي ظنتها ورقة شجر يمكن لرياح شرها اقتلاعها بسهولة من غصنها، ولكنها الآن تقف أمام قطعتين من الزمرد يلمعان بقوة و كأن كثرة الضغط ولد بهم قوة لا تقهر.
ـ دا احنا اطورنا اوي، و بقينا نعرف نهدد و نتكلم وصوتنا علي.
تجاهلت نبضات الخوف بصدرها و قالت بتحذير:
ـ لا لسه صوتي معليش، و نصيحة ليكِ بلاش يعلى. عشان لو علي هخلي الوتايدة يسمعوه واحد واحد، ولو خالد مصدقنيش كمال هيصدق. عمر هيصدق، و لو دول مصدقونيش. أنا واثقة أن عز الدين بيه هيصدقني. ألف سلامة عليكِ يا نبيلة..
أنهت حديثها و نصبت عودها لتغادر تحت أنظار نبيلة المدهوشة و لم تكن أشجان أقل اندهاشًا منها، فهي لا تتخيل أنها أقدمت على ما فعلته، ولكنها كانت مصيبة في حديثها، فهي لن تقوى على خسارته، فهي تعني هلاكها، وحين تهلك فلن يكون هناك ما يمكن أن تبكي عليه، فالمحاربُ إن فقد كل شيءٍ صار هو والسيفُ نَصلاً واحداً لا يُقهر.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ 🩵
★★★★★★★★★
تفرقت عينيها ما بين والدها الذي ينتظر إجابة تُرضيه و كمال الذي كان يناظر انهيارها بقلق لم تُخفيه عيناه على الرغم من جموده و والدتها التي كانت تطالعها بتحذير قبل أن تقول بنبرة حزينة:
ـ تعالى نقعد يا أبو أشجان بس و نتكلم. طبعًا بعد أذن سوزان هانم.
سوزان بجمود:
ـ اسمي الحاجة سوزان يا حاجة رضا، و البيت بيتكوا طبعًا اتفضلوا.
تقدم عزام و بجانبه كمال الذي مر من أمامها ليستقر على أحد المقاعد وجلس عزام في مقابلته و رضا في المنتصف ليمد عزام يده إليها و هو يقول بحنو:
ـ تعالي يا آسيا يا بنتي اقعدي جنبي..
الحنان في صوته حرك رماد الألم في صدرها لتمتليء جفونها بالعبرات ولكنها قمعتها بشق الأنفس لتتوجه و تجلس بجانبه، فبدأ عزام بالحديث قائلًا:
ـ عايز اسمع منك أنتِ عايزة أيه؟
سحبت قدرًا كافياً من الهواء داخلها حتى تجعل نبرتها ثابتة و حين بدأت بالحديث تفاجئت من رضا التي تدخلت في الحديث قائلة بلهفة:
ـ عايزة جوزها و بتحبه بس زعلانه منه و أي واحدة في مكانها هتاخد على خاطرها منه، و مش هي بس احنا كمان يا كمال يا ابني. زعلانين منك. مكنش العشم ولا دا كان وعدك لينا انك تحافظ على آسيا و تحطها في عنيك..
برقت عينيها من حديث والدتها لتهتف بانفعال:
ـ أنتِ كمان بتعاتبيه! و جوز مين اللي أنا عايزاه؟!
رضا بتحذير:
ـ متعليش صوتك، و اسمعي كلام اللي أكبر منك.
تدخل عزام محذرًا:
ـ اسكتي يا رضا. أنا بتكلم مع بنتي، وعايز اسمع منها.
رضا باندفاع مُزيف و نبرة ذات مغزى:
ـ عنيا يا خويا. أنت بس متعصبش نفسك. أنت عندك القلب، و احنا محتاجينك..
برقت عيني آسيا و ناظرتها بسخط من ذلك الحديث الذي تتقصد به إضرام نيران الذنب بداخلها و التأثير على قرارها ليلتفت عزام ناظرًا إلى آسيا التي شاهدت ذلك التوسل في عينيه و نبرته وهو يقول:
ـ آسيا يا بنتي. أنا اتكلمت مع كمال زي ما وعدتك، و الراجل كان صريح معايا، و اعتذرلي على اللي حصل بينكوا أول مرة، و قالي أنه فعلًا بيحبك، و عرف قيمتك، و دا اللي خلاه يرجع تاني و يطلب يتجوزك.
لاحت ابتسامة متهكمة فوق شفتيها وهي ترمقه بسخط قبل أن تتشدق ساخرة:
ـ دا بجد! والله جناحات كمال بيه طرفت عيني!
كانت نظراته تثير حنقها فهي ترى الاتهام بهم و كأنه يراها مذنبة دون أن يلتفت لأفعاله النكراء! تدخلت رضا هاتفة بحدة:
ـ بطلي طولة لسان، و بلاش كدا أبوكي بيفهمك و بيوجهك للصح. محدش يرضى بخراب البيوت أبدًا.
رمقتها آسيا بنظرة ساخطة، فقد كانت تُضيق الخناق عليها بطريقة لا تُحتمل، ولكن الأكثر من مؤذي هي نظرات والدها الذي يبدو عليه مؤيدًا لحديثها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها التوسل:
ـ بابا لو سمحت أنا محتاجة اتكلم معاك لوحدنا..
زجرتها رضا بحدة، ليتدخل كمال قائلًا:
ـ حاج عزام. أنا حابب اتكلم مع آسيا كلمتين و بعد كدا هسيبكوا تتكلموا براحتكوا. عشان أنا ورايا شغل مينفعش يتأخر عن كدا.
عزام بنبرة يغزوها الأمل أن يستطيع إقناعها:
ـ وماله يا ابني.
في هذه اللحظة شعرت بالخذلان الذي كان وقعه في قلبها كبيرًا، فقد كانت تتمنى لو أنه استمع لها أولًا، ولكنه مثل والدتها يريد منها التغاضي عن خيانته النكراء لذا قررت الوقوف بمفردها أمام طغيان الحياة كما تعودت دائمًا، فهي الشخص الوحيد الذي يمكنها الاستناد عليه كلما اشتدت عليها الأزمات لا تجد لها وطن سواها.
نصبت عودها و توجهت إلى غرفتها وهو خلفها لتستدير ناظره إليه، فوجدت عينيه على سلة القمامة التي تتوسطها صورته التي زينت غرفتها ذات يوم، فلاحت ابتسامة ساخرة على شفتيه ولكنه لم يعلق لتهتف هي بنبرة يشوبها الحسرة:
ـ جنب الصورة دي بالظبط أنا رميت كل مشاعري ناحيتك..
ـ شاطرة.
أجابته كانت مُختصرة، و نبرة جافة فأخذت تناظره وكأنها ترى شخصٌ غريب عليها و مخيف في آنٍ واحد. ملامحه تبدو موحشة، تقاسيمه ازدادت خشونة بشكل أرهبها و عينيه تحملان تعابير غامضة لا تُجيد قراءتها. لا ينفعل ولا يصرخ بل يلازمه صمتٌ غريب لا يتناسب مع حالة الفوضى و الألم الذان يعج بهما صدرها لتهتف بحدة و نبرة تحترق ألمًا:
ـ اسمعني بقى. الفيلم اللي حاصل بره دا مش هيخليني أتراجع عن قراري و لا حتى افكر مجرد تفكير اني اغيره، فياريت بهدوء كدا تطلقني.
كان مُستندّا بجسده الضخم على طاولة خشبية تتوسط الجدار المقابل لها واضعًا يديه في جيوبه يطالعها بجمود شابه نبرته القاطعة حين قال:
ـ مش هطلقك يا آسيا.
جموده أيقظ نيرانًا هوجاء بداخلها لتهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ يعني هتخليني أعيش معاك غصب عني؟!
رمقها باستخفاف قبل أن يقول بتقريع:
ـ هو أنتِ ليه مبتفكريش غير في نفسك؟!
لإنها لم تجد من يفكر بها هكذا أرادت القول، ولكنها لن تُعري ألمها أمامه لذا هتفت بعنفوان:
ـ عشان محدش يستحق أفكر فيه غيرها.
كمال بجفاء:
ـ ولا حتى والدك ؟
آسيا بحدة:
ـ اديك قولت والدي أنا. يبقى ميخصكش، و معنديش مشكلة أطلع اقوله أنت طلقتني ليه.. حتى لو هيموتني.
حدجها بنظرات الخسة قبل أن يقول بقسوة:
ـ بردو بتفكري في نفسك وفي اللي هيعمله فيكي بس تأثير دا عليه هيكون ازاي مفكرتيش. مفكرتيش لما يعرف بعمايلك هيكون إحساسه أيه و شكله ايه قدامي؟!
شعرت بأنها تُحاصر في بؤرة الخزي، وهي التي لم تفعل ما يُدنس ثوبها لتهتف بحرقة:
ـ أنا معملتش حاجة لكل دا..
انتصب عوده و طغى جسده الضخم وهو ينتفض هاتفًا بحدة أفزعتها:
ـ عملتي ..
تراجعت إلى الخلف خوفًا رغمًا عنها، ولكنها سرعان ما تمسكت بثباتها مرة آخرى وهي تهتف بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
ـ ماشي. عملت. اللي عندكوا اعملوه..
كمال بشراسة يصحبها التحذير:
ـ اللي عندك أنتِ اعمليه. بس لو قررتي تتكلمي مع والدك ياريت ميكونش في حضوري. عشان متحرجيهوش قدامي. أنا بصراحة اشفقت عليه اني اقوله.
آسيا باستنكار و نبرة مُلتاعة:
ـ ليه بقى أن شاء الله ؟ هو حضرتك شوفتني في مشهد مُخل ولا حاجة!
كمال بقسوة وهو يقترب ليمسكها بقوة من ذراعيها يهزها بعّنف:
ـ لا مش مُخل. هو مُخزي. واحدة رايحة تعاتب حبيبها الأولاني وهي على ذمة راجل تاني! ايه رأيك فيه؟ مشهد يدعو للفخر صح؟ طبعًا بالنسبة لواحدة عايزة تلم الكل حواليها! واحد معاها والتاني استبن صح!
كانت انامله تقسو عليها بطريقة مؤلمة، فصرخت وهي تنتفض بين يديه:
ـ لا مش صح. رؤوف عمره ما كان حبيبي. رؤوف ابن عمي وبس.
خلع عنه قناع الجمود و صرخ من تحت أنفاسه:
ـكذابة، وأنتِ عارفة دا. حبتيه ولا لا؟ ورمتيه لما لقيتي اللي احسن منه! اللي هيعيشك في مستوى أعلى و أهو بالمرة تنتقمي من اللي أذوكي.
كز على أسنانه بقوة أحدثت صوت أفزعها ليُتابع وهو يقول باحتقار يشوبه الألم:
ـ كذبتي عليا و أنتِ في عز انهيارك. كذبتي و قولتيلي انك روحتيله عشان هو اللي كان جنبك في أصعب أوقاتك. أنت اكتر إنسانة كذابة شوفتها في حياتي
كانت تنتفض بين يديه، وهي ترى في عينيه أشياء مروعة و اتهامات لم تحتملها مما جعلها تهتف بانفعال:
ـ أنا مكذبتش. هو دا اللي حصل فعلًا…
ـ اسكتي…
قاطعها وهو يهزها بعُنف ليتركها حتى لا ينفلت زمام الأمور من يديه، فالتفت إلى الجهة الآخرى يعطيها ظهره، لتشعر بأنها واقعة تحت طائلة ظلم لا تحتمله مما جعلها تصرخ مستنكرة:
ـ طب لما أنا وحشة كدا. عايزني افضل مراتك ليه؟
التفت يحدجها بقسوة تجلت في نبرته حين قال:
ـ انا حر.
آسيا بحدة:
ـ لا مش حر. لما يبقى الموضوع يخصني يبقى مش حر. دي حياتي وأنا اللي ليا حق أقرر أنا هعمل فيها أيه
كمال بجفاء:
ـ أنا فعلًا كنت سايبك تقرري حياتك، وكنت راجع وناوي اكمل في حياتي بعيد عنك. بس أنتِ مدتنيش فرصة. قابلي بقى ..
اغتاظت من إجابته التي احرقتها لتهتف بغضب:
ـ والله! تصدق انك بجح.
اقترب منها خطوتين تراجعت على إثرهم أربع ليهتف بتحذير خطر:
ـ لسانك لو طول عليا تاني هقطعهولك.
لم يكن أمامها مفر من الحرب، فالاستسلام لم تعرفه بحياتها لذا هتفت بقهر:
ـ أنت مفكر انك هتجبرني أعيش معاك! ولا تكونش مفكرني هربيلك ابنك!
كمال بقسوة:
ـ ربي نفسك الأول. ابني دا أنتِ مش هتقربي منه.
نالت قسوته منها لتجتاحها نوبة ضعف ضارية فهمست بنبرة تئن وجعًا:
ـ أنا ازاي كنت بحبك في يوم من الأيام؟!
ضيق عينيه وهو يتحدث بنبرة يختلط بها الألم مع الاستنكار:
ـ أنتِ شايفة انك بتعرفي تحبي يا آسيا؟!
نحت جميع أوجاعها جانبًا و قررت أن تراه من نفس البؤرة التي يحتجزها بها لتقول بنبرة جافة ساخرة:
ـ و هو أنت شايف انك تستحق تتحب يا كمال!
كلاهما كان يحمل نَدبة غائرة خلفها الآخر، بعد أن زرعا كلاهما درب الآخر بالأشواك، فبدا المشهد من بعيد كخصمين في ملحمةٍ وقودُها الكبرياء، يتراشقان بنظراتِ الثأر و الكراهية، بينما في أعماقهما. كان ثمة طفلان يرتجفان شوقاً لعناقٍ واحد يلملمُ شتات أرواحهم المعطوبة و يرتق صدوع القلوب التي أرهقها كثرة الجفاء.
ـ هتطلعي دلوقتي تقولي للناس اللي بره أننا هناخد فرصة تانية و نشوف إذا كانت الحياة بينا هتستمر ولا لا.
هكذا تحدث بجفاء قابلته بالرفض المطلق:
ـ مش هقول..
كمال بتحدي لا يُبشر بالخير:
ـ تمام. وريني هتقولي ايه. مانا دلوقتي اتأكدت انك مبيفرقش معاك حد..
ارتجف قلبها ألمًا تغاضت عنه وهي تهتف بقسوة:
ـ صح. أنا واحدة ملهاش أمان و أنت اللي ما شاء الله عليك. ملاك بجناحات. مش واحد خاين اتجرح من واحدة راح جري اترمى في حضن واحدة تانية على طول.
كمال بسخرية:
ـ وجعك اوي اللي أنا عملته! عمومًا لو شوفتي لورا كنتِ عذرتيني.
طعنة نافذة سددها ببراعة إلى قلبها الذي انشطر إلى نصفين، ولكن هناك عقلًا تعلم أن لا يقبل الإهانة و اعتاد على القتال ولو كان في النزع الأخير لذا تحدثت بنبرة ساخرة تتنافى مع الألم الضاري الذي يتبلور بوضوح في عينيها:
ـ أمممم. لا مانا متخيلة. ماهو عشان تنسى آسيا أنت محتاج واحدة خارقة عشان تقدر تعمل دا.
لم يتوقع ثباتها ولا قوة إجابتها التي تتنافى مع ذلك الألم العظيم الذي يراه في عينيها التي اكتظت بالعبرات ولكنها واصلت إدهاشه حين قالت بطريقة درامية قاصدة السخرية منه:
ـ بس واضح أنها معرفتش تعمل دا، و الدليل أنت قدامي أهو و بتجبرني أعيش معاك. معنى كدا أن العظيمة لورا فشلت في مهمتها.
بغض النظر عن كل شيء فهي دائمًا تنجح من النيل منه حتى لو لم يُظهِر ذلك ولكن كلماتها نالت من كبريائه و بشدة مما جعله يحاول إخفاء ذلك حين قال ساخراً:
ـ خليكي احلمي كدا. يمكن الأحلام دي تريحك..
آسيا بعنفوان إمرأة كسرها العشق، و أحياها الكبرياء:
ـ أنت اللي بتحلم. لو مفكر انك كدا انتقمت مني و كسرتني، فأنت غلطان. أنت انتقمت فعلًا لكن أنا عمري ما بتكسر، و خلي بالك. أنت مبقاش ليك. لكن بقى عليك كتير أوي.
كمال باستنكار:
ـ و ايه بقى اللي عليا؟ و عليا لمين؟
آسيا بحقد يتوجه الألم:
ـ أنا اللي بقيت مديناك دلوقتي يا كمال بيه. أنت مقابل غلطة واحدة ليا. طلقتني ورمتلي حتة ورقة و سافرت، و لما رجعت. عملت المستحيل عشان اخليك تسمعني و رفضت، مديت إيدك عليا و هنتني، دا كله كوم و خيانتك ليا كوم تاني. خليك فاكر الرصة دي بقى. عشان هندمك عليها ندم عمرك.
انتفض قلبه صارخاً بحقائق لم تُنطق بعد، ولكنها لم تترك له الفرصة للحديث حين تابعت بقسوة:
ـ و اوعى تفكر تديني الأمان. أظن أنت عرفت اني مهما حصل و مهما عدى وقت مبسبش حقي، و المرة دي احنا مع بعض على نور، و كل واحد شايف التاني على حقيقته..
كان يود لو يخبرها بما يجول بصدره، و يضعها أمام ما اقترفته يداها، وهو يهزها بعُنف صارخًا بأنها ماهي إلا عشقًا مسموم اغتال حياته، ولكن تلك العبرات التي تدحرجت من مقلتيها على غفلةٍ منها اخرسته ليمد يده و يجذب أحد المحارم الورقية يناولها إياها وهو يقول بجمود:
ـ ابقي امسحي دموعك دي عشان صعبتي عليا.
نفضت يده وهي تقول بوعيد من اعماق قلبي مكلوم:
ـ بكرة تصعب عليا أنت كمان متقلقش.
تجاوزته وهي تتوجه إلى باب الغرفة تمحو عبراتها ثم غادرت تقف أمام والديها ليسمعها يقول:
ـ أنا و كمال اتفقنا أننا هندي نفسنا فرصة و نشوف الدنيا هتودينا لحد فين؟
كانت سوزان صامتة فقط نظرات لائمة تجاه كمال الذي كان يقف أمام باب الغرفة ليتجمد الجميع حين سمعوا زغرودة مدوية من رضا التي كانت الفرحة لا تسعها دون النظر إلى قلب ابنتها المذبوح أمامها لتنظر إليها آسيا مبهوتة لا تصدق ما تراه تنظر اليها وكأنها ترى شيء خارق للطبيعة، لتتقدم رضا منها وهي تحتضنها و تقول بحبور:
ـ يا ألف نهار أبيض. أيوا كدا ارجعي لعقلك، وفرحي قلوبنا..
على عكس سوزان التي رأت بعينيها أنها مرغمة بل و مقهورة على أمرها، ولكن ليست كل القلوب تعرف كيف تشعر، هناك الكثير ممن يقوم بوظيفته وهي ضخ الدماء أما المشاعر، فهي لغة غير مفهومة بالنسبة له..
رن هاتف كمال الذي كان يتابعها و رغمًا عنه شعر بالشفقة عليها من أم كهذه ليستدير إلى الخلف وهو يجيب خالد الذي هتف بنبرة آمرة:
ـ تعالى دلوقتي حالًا على القصر.
كمال بقلق:
ـ في أيه يا خالد ؟
خالد باختصار:
ـ لما تيجي هتعرف…
التفت إلى الخارج وهو ينظر إلى عزام قائلًا:
ـ معلش يا عم عزام أنا مضطر امشي، و متقلقش على آسيا أنا على اتفاقي معاك.
عزام بابتسامة بشوشة:
ـ اتفقنا يا ابني، وانا هاجي ازوركوا و اطمن على آسيا و أنها مرتاحة و مش زعلانه لسه.
كانت صامتة تريد الصراخ بهم جميعًا حتى يتركوها و شأنها، فقد كان والدها آخر صخرة كانت ترتكز عليها، ولكنه خذلها، وهي خذلت نفسها حين تأثرت بحديث والدتها و حديثه وخشيت أن تتحدث و تكون سبب لحدوث أي مكروه له، ولكنها فرقت أنظارها بينهم وهي تقسم بداخلها أن تجعل الجميع يرى ماهي قوتها قبل أن تغادرهم جميعًا دون راجعة.
ـ أنا همشي دلوقتي، و هعدي عليكِ بالليل عشان نروح سوى..
حدجته بنظرة ساخرة لم ينتظر لمعرفة ما سيليها ليغادر وهو الآخر يحاول النجاة من عينيها التي يتماوج بهم الألم و الكره معًا، فلم يعُد يملك من الصبر ما قد يمكنه من الصمت، دون أن يهتز أوصال البناء من صرخاته.
اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم، فرج همي ويسر أمري، وارحم ضعفي وقلة حيلتي، وارزقني من حيث لا أحتسب. 🩵
★★★★★★★★
كانت في طريقها إلى الداخل لتستمع إلى تلك الضحكات القادمة من غرفة خالد مما جعل الغضب يجتاح أوردتها حين تعالت أكثر، فتعرفت إلى صاحبتها والتي لم تكُن سوى زينة! لتقدح عينيها شررًا وهي تتوجه إلى الباب لتفتحه دون أن تطرقه، فوجدت خالد يجلس خلف مكتبه و زينه تجلس في المقعد المقابل من الجهة الآخرى لتعتلي نظرات الثنائي الذهول من جانب زينة و الترقب من جهة خالد، ولكنها لم تُعير ذلك اهتمام بل تقدمت وهي تحاول رسم ابتسامة جميلة فوق شفتيها حين قالت بنبرة ناعمة:
ـ إيه دا يا حبيبي أنت مش لوحدك! أسفة مكنتش اعرف..
تبدلت الأدوار ليكُن الذهول من نصيبه حين رآها تلتف لتقترب منه، وعينيها تتوسلانه بألا يردها خائبة أمام تلك المرأة التي لم ترتاح لها، ولكنه تدارك الأمر حين قال:
ـ تعالي يا أشجان. دي زينة مش حد غريب..
كانت عينيها مُعلقة على زينة بطريقة غريبة وكأنها تستنكر وجودها، فكان للأمر وقعًا مدويًا عليه، فهو الآن يرى جانبًا آخر من شخصيتها. جانبًا أكثر جنونًا و إندفاعًا من تلك الشخصية الهادئة التي تتسم بها، و لسبب ما، فقد راق له ما يراه، فأراد أن يشاركها لعبتها، فقام بمد يده يحاوط خصرها و يقربها منه ليجذب انتباهها كليًا، فالتفت إليه في نظرة ممتنة، يملؤها الاعتذار و الأسف، ولكن زينة لم تمهلهم الوقت للإستغراق في هذه اللحظة لتهتف ساخرة:
ـ طيب يا خالد شكلنا مش هنعرف نكمل موضوعنا! نبقى نتكلم وقت تاني..
لم تمهله أشجان الفرصة للحديث إذ قالت باندفاع:
ـ ليه كدا ؟ تقدري تتكلمي قدامي عادي…
زينة بمرح يشوبه الخُبث:
ـ لا للأسف مينفعش.
تعاظم الحنق بداخلها حتى كادت أن تبكي وهي تلتفت إلى خالد قائلة بتحدي:
ـ مينفعش يا خالد؟
رغمًا عنه كان على وشك الضحك على مظهرها الطفولي و هذا الغضب المُتقد في مقلتيها، ولكنه قمع جميع انفعالاته تحت ستار من اللامُبالاة التي تجلت في نبرته حين قال:
ـ لو مش هتملي من كلامنا عن الشغل تقدري تستني..
أشجان بنبرة قاطعة:
ـ مش همل..
نصبت زينة عودها المُغري لتقول بخفة:
ـ أنا كدا كدا عندي ميعاد كمان ساعة يدوب البس و هفكر في اللي قولتلي عليه و هرد عليك في أقرب وقت. عن اذنكوا.
قالت جملتها وهي تضحك بمرح في وجه أشجان الذي كانت رياح الغيرة تثور بداخلها فصار وجهها بحراً هائجاً يموج الغضب في تقاسيمها كمد طوفاني يكتسحُ هدوء ملامحها ثم يرتد جزراً ليحفر في عينيها أخاديد التحدي والوعيد التي شيعت زينة إلى الخارج غافلة عني حبتي البندق التي كانت تشملها بنظرات مشتاقة حد الجوع، ولكنها لم تخلو من الانبهار مما حركه رماد الغيرة في بركانها الخامل، لتشهق بعُنف حين جذبتها يداه لتسقط جالسه بين ذراعيه و ضربات قلبها الهائجة تضرب ضلوعها بقوة آلمتها ليسلبها قربها الكبير منه أنفاسها التي علقت في رئتيها حين سمعت نبرته الخشنة وهو يقول:
ـ أنتِ ايه حكايتك بالظبط؟
لم تسعفها الأحرُف للحديث، فهي لم تتخطى المفاجأة لتجرفها نوبة شوق كبير اصطدمت بسد منيع وهو ذلك الجُرم الذي ارتكبته ظاهريًا في حقه.
كان يتألم تارة لأجل الشوق، وتارة لأجل جرحه الذي لم تضمده بعد، و لكن سكوتها حول الأنين إلى غضب تجلى في نبرته حين قال:
ـ سكتي دلوقتي! لما أسأل أنا بتسكتي! نارك هديت دلوقتي، فخلاص بلعتي لسانك صح! طيب تقدري تمشي لو معندكيش كلام تقوليه..
أدار رأسه للجهة الآخرى لتمتد كفوفها تُعيد رأسه إليها مرة آخرى وهي تقول بلهفة:
ـ لا عندي.
لا ينكر أنه تأثر و بقوة بلمساتها، و احتضان كفوفها لوجهه، ولكنه نجح في التحكم في جميع انفعالاته لتصُب في بوتقة الجمود الذي تجلى في نبرته حين قال باختصار:
ـ سامعك..
كان كليهما يعلم أنها لن تتحدث، و لكنها فعلت بطريقة آخرى حين قالت بحزن و بنبرة يائسة:
ـ هو أنت صعب تسامح أوي كدا ! يعني اعتبرها غلطة..غلطة صغيرة مني.
خالد بنبرة حادة يتسيدها الاستنكار:
ـ صغيرة!
بكل مرة تحاول تصليح الأمر يفسده غبائها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها الانفعال:
ـ صغيرة أو كبيرة يا خالد. دي أول مرة اعمل حاجة تضايقك،و على فكرة بقى . أنا عندي استعداد أسامحك على أي حاجة.
خالد بنبرة صادقة حد الألم:
ـ كلام. اللي أيده في الميه مش زي اللي إيده في النار..
أشجان في محاولة لمراضاته:
ـ خالد أنا عارفة اني غلطت اوي، وانك اتوجعت بس والله أنا…
صمتت ليحاول حثها على الحديث في محاولة أخيرة منه للوصول إلى سبب مقنع يمكنه أن يصلح ما أفسدته فعلتها:
ـ أنتِ ايه؟
على الرغم من تهديدها لنبيلة، ولكنه لن تقدر على التنفيذ في الوقت الحالي على الأقل، لذلك عجزت عن إجابة عينيه مما جعلها تهتف بتعب:
ـ يا خالد أنت صعب اوي..
خالد بتحذير لم تخطئ في فهمه:
ـأنتِ مشوفتيش مني أي صعب لحد دلوقتي ؟
ـ هتعمل ايه يعني؟
ـأنتِ عايزة ايه دلوقتي ؟
هكذا هتف بنفاذ صبر، فقد وصل إلى طريق مسدود معها لتهتف هي بانفعال:
ـ متضايق اوي أني بتكلم معاك!
خالد بحدة:
ـ متضايق من مراوغتك اللي ملهاش اي تفسير غير انك معندكيش حاجة تقوليها. أو يمكن عندك و مش عايزة تقولي. بس خليكِ فاكرة أن الموضوع مبقاش مرهون برغبتك في الكلام.
هوى قلبها بين ذراعيها من حديثه لتهمس:
ـ يعني ايه ؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ يعني أنا اللي مش عايز اسمع منك حاجة، و ياريت تتفضلي دلوقتي عشان عندي شغل.
أدركت أن هذا الحديث لا جدوى منه، فهو صلب لا يتزحزح وهي مهما فعلت لن تستطيع أن تجعله يتجاوز تلك المنطقة الملغمة بينهم لذا نصبت عودها وهي تهتف بغضب يائس:
ـ طب بمناسبة الشغل تحب انادي على الست زينة وانا خارجة!
تجاوز غضبه حدود المسموح لذا حذرها من مغبة التمادي حين زمجر قائلًا:
ـ أشجان! بلاش تطولي في الموضوع دا أكتر من كدا.
ستبكي حتمًا لذا قالت بشفاة مُرتعشة:
ـ اللي تشوفه يا خالد…
أنهت جملتها و غادرت تحاول قمع عبراتها لتترك خلفها بركان ثائر سينفجر في وجه الجميع…
يا رب، بك استعين وعليك أتوكل، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل لي مشقته، وارزقني من الخير كله أكثر مما أطلب، واصرف عني كل شر🩵
★★★★★★★★★
ـ هو أني ممكن أعرِف أنت ليه بتخرچ و بتسيب المحمول بتاعك اهنه؟
هكذا تحدثت نجاة بغضب وهي تنظر إلى رحيم الذي كان يتأهب لإرتداء ملابسه، ليُجيبها باختصار:
ـ مالك ومال تلافوني. أسيبه ولا آخده ايه مشكلتك أنتِ؟
شعرت بالحرج من حديثه لتهتف بنبرة يشوبها التوتر:
ـ افرض. حوصول حاچة، و اتچبرت اكلمك و لا أنت مش عايزني اكلمك ولا من أساسه!
التفت رحيم يناظرها بصمت لم يدوم طويلاً إنما قطعه قائلًا:
ـ انچبرتي تكلميني!
كان الشوق للأمان فوق ضفة صدره يقرضها من الداخل، و لكنها تتخبط في كل الدروب التي تعج بالأشواك من كل حدبٍ و صوب مما جعلها تهتف بتلعثم:
ـ أيوا، واني هكلمك أرغي وياك! اني هكلمك لو حوصول حاچة مثلًا!
أخذ رحيم يتقدم منها بخطوات سُلحفية وهو يقول بنبرة رحيمة:
ـ و لما مش هتتحدتي وياي هتتحدتي ويا مين؟
أخذت تتراجع للخلف أمام تقدمه وهي تشعر بدقاتها تتقاذف بقوة داخلها لتخرج نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ واتحدت وياك ليه؟ هو . هو أنت نفذت وعدك ليا؟
رحيم باختصار وهو يقف على مقربة منها يغوص في عينيها الجميلتين:
ـ نفذت.
ضي بلهفة :
ـ لقيت أمي ؟
رحيم بنفي وهو ينظر بترقب إلى داخل عينيها:
ـ لاه. بس بدور عليها. متجلجيش. جريب أوي. هوصلها. بس وقتها أنا اللي هطلب و أنتِ اللي هتنفذي..
ضي بخوف جعل الحروف تتأرجح فوق شفاهها حين قالت:
ـ هتطلب أيه؟
مد رحيم يده ليُعيد خصلة من خصلاتها إلى خلف أذنيها وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ هتعرفي وقتها. اللي عايزك تعرفيه دلوقتي أنها سيبالي أمانة عندك و أني عايزها.
توقف النبض في أوردتها من حديثه لتحاول المراوغة قائلة:
ـ أ. أمانة أيه ؟
مد يده في حركة مباغتة يجذبها ليلتصق ظهرها بصدره و تعانق خصرها ذراعيه القويتين، وهو يغرز أنفه بين تجويف رقبتها هامسًا بنبرة اسكرها العشق:
ـ أنتِ عارفة زين يا ست البنات. مش هاخدها غصب و أنتِ عارفة، بس لازمن تعرِفي أن العشق حاچة والواچب حاچة تانية. اوعاكِ تحطيني في اختيار ما بينهم.
أنهى جملته و لثم ذلك العرق النابض في رقبتها بحنو وهو يرى تأثير حديثه على قلبها و جسدها، فهو يريد الشيء الوحيد الذي تملكه في هذه الحياة
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» 🩵
★★★★★★★★★
ـ إيه دا الحبايب كلها متجمعين هنا!
هكذا هتف عمر وهو ينظر إلى كُلًا من خالد ياسر و كمال و رحيم و يزيد الذي هتف ساخرًا:
ـ أهو العزول جه أهو…
ـ عزول في عينك يا دكتور إلا ربع أنت!
هكذا تحدث عمر ليهتف يزيد ساخرًا:
ـ اسمها متر إلا ربع، و أنا الحمد لله متر و ربع، بس معلش أنا عارف انك خدت شالوط في مشاعرك خلى صواميل المخ تفوت.
تعالت الضحكات على حديث يزيد ليتدخل خالد قائلًا بخشونة:
ـ عايزين نتكلم في الجد. بيتهيقلي كفاية عك و تهريج لحد كدا..
انتبه الجميع إلى حديثه ليقول ياسر باستفهام:
ـ عك إيه يا خالد في أيه ؟
خالد بحدة:
ـ في أن كل واحد فيكوا غرقان في مشاكله الشخصية و ناسيين أن في عيلة مفروض انكوا رجالتها و واجب عليكوا تحافظوا على الاسم اللي عاملكوا هيبة وكرامة وسط الناس..
اعتدل كمال في جلسته وهو يقول باستفهام:
ـ هو حصل أي يا خالد؟
زجره خالد بحدة:
ـ دورك جاي متقلقش.
التفت نجاة ياسر هاتفًا بحنق:
ـ حضرتك ناوي تفضل متبهدل كدا لحد امتى! فكرك انك لما ترفض تاخد فلوس أبوك دي عزة نفس! دا غباء يا ريس!
ياسر بغضب:
ـ يا خالد اسمعني.
قاطعه خالد بنبرة قاطعة:
ـ أنت اللي هتسمعني. أنت كدا بتعاقب مين؟ و ايه دخل ورثك وحق أبوك بتارنا مع الكلب دا! ما الكل في العيلة عرف أنه مظلوم، و عرفنا عدونا حضرتك هتفضل سايق في دور العوج دا لامتى!
ياسر بألم:
ـ يعني يا خالد اتمتع بالفلوس و أبويا مش مرتاح في تجربته وحقه لسه مجاش!
خالد بخشونة:
ـ وهو بهدلتك دي هتفرحه في تربته! اسمعني يا ياسر. مينفعش حد فينا يبقى ضعيف. احنا في وقت لازم نكون في عز قوتنا و اتحادنا. عشان اللي جاي صعب..
كمال بنفاذ صبر:
ـ ما تقول في أيه يا خالد؟ قلقتنا..
خالد بتهكم:
ـ الأول خليهم يباركولك. مش بردو بقيت أب!
ـ
بهتت ملامح الجميع من حديث خالد الذي ناظره بحنق وهو يتذكر ما حدث منذ نصف ساعة
ـ بتقول ايه يا كمال!
هكذا تحدث خالد بصدمة قابلها كمال بالجمود حين قال:
ـ اللي سمعته يا خالد. أنا عندي ابن..
خالد بحدة:
ـ أنت عبيط ولا مش سامع كلامك! هو في حاجة اسمها كدا؟!
كمال بغضب:
ـ ايه اللي مش مفهوم في كلامي يا خالد؟
سخر خالد بنبرة حادة:
ـ عشان الطبيعي انك ترتبط و تتجوز وتخلف، و كدا أنا اختصرت تفاصيل كتير معرفش ايه موقعك منها؟
كمال بجمود:
ـ وبما انك عارفها فأنا اختصرت ذكرها و قولتلك اني خلفت، و دا المهم..
خالد ساخرًا:
ـ في سنة واحدة عملت كدا دا! اتخطيت اللي حصل، وعرفت واحدة ارتبطت بيها، و اتجوزتها و خلفت كمان! دا انت خارق بقى!
اغضبته سخرية شقيقة وتعرية أمور لا يريد الخوض بها لذا قال بحنق:
ـ بلاش الكلام دا يا خالد!
زمجر خالد مُحذرًا:
ـ مش أنت اللي هتقولي أقول ايه و مقولش ايه؟ و بعدين تعالى هنا معلق المشانق لبنت الناس ليه لما انت كنت مقضيها هناك!
كز كمال على أسنانه غضبًا وهو يقمع الكثير من الكلمات التي لا ينبغي لها أن تُقال مما جعل خالد يقول بجفاء:
ـ اركنلي كل العك دا على جنب و خلينا نركز في المهم. بس قبل ما نعمل كدا خليني اقولك اني في يوم من الأيام كنت مشفق على آسيا بسبب اللي عملته فيك، و واثق اني هشوفك في نفس الموقف بردو..
عودة للوقت الحالي
صاح عمر بذهول:
ـ مين دا اللي بقى أب! هي آسيا لحقت خلفت امتى!
يزيد باندفاع:
ـ يمكن باضت أنا ايش عرفني؟!
ياسر مُحذرًا:
ـ بس يا ابني أنت وهو. كمال أنت اتجوزت واحدة تانية غير آسيا ؟
كمال باقتضاب:
ـ أيوا…
عمر بصياح:
ـ يخربيتك دانتا دبابة فعلًا. جرحك لحق لم امتى!
تمتم يزيد متهكمًا:
ـ هتلاقيها ردته عالبارد مبياخدش وقت..
عمر بتحسر:
ـ حتى الدبابة عمل موف أون. دا محدش خاب غيري باين..
تدخل خالد مُعنفًا:
ـ كويس انك عارف انك خيبت، و خيبتك تقيلة..
تمتم يزيد ساخرًا:
ـ تقيلة قد دماغه طبعًا.
ـ ايه يا خال! مش هتبقى أنت و أختك عليا.
خالد بحدة:
ـ عيب لما تبقى دكتور و قد الحيطة و اهزقك. أظن أنت عكيت بما فيه الكفاية. بس لازم تعرف ان مفيش حد هيلملم وراك. أنت مبقتش العيل الصغير اللي هتطلع تجري على خوالك و هما هيحلولك مشاكلك. احنا دلوقتي محتاجينك تحل معانا المشاكل.
تدخل ياسر قائلًا:
ـ كلنا معاك يا خالد. بس نفهم في ايه؟
و أضاف عمر مؤكدًا:
ـ أكيد كلنا معاك.
و هتف كمال باقتضاب:
ـ أنا مبقاليش من العيلة دي غيركوا، فأكيد أنا معاكوا في أي حاجة.
و صاح يزيد هو الآخر:
ـ أنا مع الوحش في أي حاجة. ان شالله أشيله الشنطة..
تحمحم خالد قبل أن يقول بخشونة:
ـ مبدأيًا الكلام مش هيكون هنا، وقبل ما احكيلكوا في أيه لازم تعرفوا حاجة مهمة. أن طول ما كل واحد في وادي بالشكل دا احنا سهل نتكسر، و خصوصًا في الوقت دا.
تدخل رحيم الصامت من أول الحديث:
ـ احنا عمرنا ما ننكسر يا خالد.
خالد بعنفوان:
ـ أنا واثق يا رحيم. على الأقل طول مانا عايش.
تبادل الاثنين النظرات قبل أن يقول رحيم:
ـ يالا عشان نروحوا مشوار مهم…
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ وَالهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ 🩵
★★★★★★★★★★
كانت أشجان تجلس في الغرفة الكبيرة لتتفاجيء بالخادمة ترحب بأحدهم و تقوده إلى الداخل لتجد نفسها وجهًا لوجه أمام غنى و بجانبها هيام، هتفت مرحبة:
ـ أهلًا و سهلًا. اتفضلوا..
لم يكد يُجيبها أحد حتى شاهدت نبيلة القادمة من الخلف و بجانبها هايدي، وقد كانت نظراتهم كالأعيرة التي أضافوا لها كاتم الصوت، و من ثم تلتهم ضي التي كان وجهها مُغبر و جامد لتشعر أشجان بالصدمة من هذا الجمع، و كذلك غنى التي اقتربت تعانقها وهي تقول:
ـ هو في ايه؟
أشجان بخفوت:
ـ معرفش.
لم تكد تُنهي جملتها حتى سمعوا صوت شجار قوي قادم من الخارج ووووو
