رواية اربعة في واحد الفصل الثاني والعشرون
كان امين والد هشام يجلس في غرفته، ممددا جسده على سريره يستمع باستمتاع لصوت أم كلتوم القادم من جهاز الراديو الذي وبالرغم من قدمه ما زال يعمل جيدا، اليوم يوم أجازته الابتسامة تعلو شفتيه في تلك اللحظة كان يشعر بالراحة تغتره كليا، لا يحمل للدنيا هم، هذا حتى طرق الباب ودخل همه الأكبر في تلك الأيام
عدل هشام من نظارته وحياه كالمعتاد ثم ترجل وجلس أمامه بعد أن استأذنه بإغلاق الأغنية لأن لديه موضوعا هاما يجب أن يتكلمان فيه أخذ أمين نفسا عميقا في استعداد لسماع ما يتوقع السماعة، سيحادثه هشام عن قيس من جديد فلا موضوع يتكلم فيه هشام سوی قیس ولیلی مؤخرا.
أخرج هشام هاتفه من جيبه بثقة وبدون أي كلمة شغل التسجيل الذي سجلته سامية القيس: فهو وبالرغم من كونه لم يفعل معها شيء، لكنه تفوه بالكثير، تفوه بأنه كان ليفعل لو أنه لم يكن في
خطبة فتاة أخرى، وهذا إثبات كافي على أن قيس ليس بالفنى الحيد الذي يظنه والده.
اصتنت والده جيدا لتلك المحادثة حتى آخر كلمة بها، وعندما انتهت رفع عينيه لهشام وسأله من أين له بذلك التسجيل ؟
أجابه هشام بصدق، بأنه هو من أرسل القيس بتلك الفتاة كي يثبت له أن قيس وغد، لكنه فوجى بردة فعل والده الذي صاح في وجهه "يعني من الآخر كده أنت بعدله فتاة ليل عشان يزني معاها، صح كده؟ أنا فهمت صح ؟"
جف حلقه وابتلع لعابه ولم يمتلك إجابة فأكمل والده " يعني من الآخر كده قواد؟"
يعني أنت سايب كل حاجة وماسك في اللي أنا عملته ؟" نهض يصرخ فنهض له والده ورفع سبابته في وجهه قائلا بنبرة صارمة
"كلمة كمان وقسما عظقا ما مراعي إنك كبرت، وامشي غور من وشي، أنا مصدوم فيك، وبعدين الولد ما عملش حاجة، ما كلنا إتشاقينا وأحنا صغيرين، هنجلده يعني؟ أهو ربنا تاب عليه وأنت اللي بقيت بتعمل حاجات قذرة"
صك على فكيه بغيظ واشتدت قبضة يده على هاتفه حتى كاد يتفتت أرضا، لكنه أخفض رأسه بإذعان لوالده الذي حقا يهابه ولم يجرؤ على التفوه بحرف، ثم سارع بالخروج من الغرفة وصفع الباب خلفه، لكنه عاد بعد خمسة دقائق وفتح الباب على مصراعيه وصرخ
"طب قسما بالله الخطوبة دي ما هتتم إلا على جنتي وهي ركبت في دماغي بقي".
في مكان آخر كان أحمد يجلس بجانب أدهم على سريره، يشاهدون مسلسل "Friends" الذي أصر أحمد على مشاهدته بعد أن جاء يبيت مع أدهم الذي سافر جده وجدته للمزرعة للقضاء
أسبوع هناك
كانا قد انتهيا من الموسم الثالث حينما سأله أدهم "عشان" داليا ؟" فضحك وأوما له ثم نظر نحو الشرفة وتساءل لماذا لم تخرج داليا منذ الصباح ؟
ليجيبه الآخر بأنه لم يرها منذ بضعة أيام، وبالرغم من شك أحمد بأن أدهم معجبا بها أيضا لكنه انتبه لأن أدهم لم يكن يقلقه إختفائها هكذا، فقط هو الذي قلق وحك عنقه بتوتر وهو ينظر إلى الشرفة ثم عاد برأسه لأدهم ونكزه ليحته على تشغيل الموسم الرابع.
كان أدهم من هؤلاء الذين يتامون مبكرا عكس الآخر، الذي يقى مستيقظا لقبل الفجر التيه لصوت موسيقى خافتة يأتي من الخارج، ولم يلبث أن نهض بحذر عن سرير أدهم ويلتقط معطفه عن الكرسي لبقيه من البرد بالخارج ثم توجه نحو الشرفة، فتحها بهدوء وأخرج رأسه لينظر للجهة التي تقف فيها هي
اختين بجانب الباب فورا وراقبها جيدا عندما وجدها تتحرك بخفة على أنغام الموسيقى، تضع السيجارة في فمها، تسحب الدخان تزيل السيجارة وتنفخ الدخان على شكل حلقات وهي تتمايل بجسدها بدون توازن كانت تبدو منتشية وغير ثابتة للحد الذي جعله يظن أن تلك السيجارة في يدها تحوي نوعا من المخدرات
توقفت فجأة ورفعت يدها بالسيجارة تم الفتها في الشارع واخفضت رأسها نحو الأسفل وخينت وجهها بيديها، ولم يلبث أن سمع صوت نحيب مكتوم يختلط بصوت الموسيقى الخافتة في الخلفية
تناقلت أنفاسه وكأنه يختنق هو الآخر أثناء مراقبته لها في تلك الحالة، لم يكن يريدها أن تعرف بأنه رأها، لكنه لم يستطع أن يقف مكتوف الأيدي فقط يشاهدها تبكي ا لم يكن هو ابدا ذلك الشخص المشاهد، بل الذي يتحرك ويبادر ويأخذ الخطوة الأولى ....
أخذ خطواته البطيئة نحوها، وقف في آخر السور، عند أقرب نقطة تفصله عن سور شرفتها. انتبهت له فاستدارت ومسحت عينيها بسرعة ثم نطقت بنبرة متحشرجة "أنت هذا من امتى ؟"
" من ساعة ما كنت بترقصي " أجاب فقلبت عينيها وسخرت بصوت بالا "أنا ما بعرفش أرقص" فابتسم وأوما "أي أعمى هيشوفك هيعرف إنك ما بتعرفيش مش محتاجة توضيح يعني "
صمتت فأكمل متحاذقا فقط ليجعلها تمزح رغم أن من ضمن أولوياتي في البنت اللي هتجوزها
إنها تكون بتعرف ترقص، بس أنا متنازل عن الشرط ده خلاص"
أعطته ابتسامة مهزوزة على مزحته فتلاشت ابتسامته وطالعها بحزن
" بتعيطي ليه ؟"
" هو الإنسان بيعيط ليه ؟" تحاذقت عليه هي الأخرى
"عشان وحيد؟" اقترب أكثر من السور الذي يفصلهما أثناء مراقبة داليا
وممكن عشان يقدر يكمل " أجابت بجدية ورفعت إحدى حاجبيها لتكمل "تعرف أن البكاء بمثابة مسكن للألم ؟ علميا اكتشفوا إن لما بتبكي، ألامك بتتخدر ... وإن العياط وسيلة دفاع
ممتازة ؟"
"أنا عمري ما عيطت " أردف فضحكت ولا أنا بس كنت محتاجة مخدر، فغصبت على نفسي و عيطت."
استمع لكلامها بملامح ثم نظر لعلبة سجائرها الموضوعة على السور وعاد بعينيه لها هي السيجارة اللي كنت بتشريبها دي فيها حاجة ؟"
ضحكت ونظرت له بأعين ماكرة ثم نظرت حولها رغم أنهما بمفردهما تماما، واقتربت منه لتهمس
بضحكة مكتومة "لاد بس كان نفسي يبقى فيها. "
نظر لها بشك، تصرفاتها غريبة، لا تنتمي إلا لشخص منتشي، إنها تهتز في وقفتها حتى عينيها حمراوان الهالات السوداء تحيط بعينيها .. لو أقسمت له بالله الآن بأنها مستفيقة فلن يصدقها
" السيجارة دي كان فيها ايه ؟" استفهم بضيق وهو يمد يده ليلتقط علية سجائرها وفتحها
ليتفحص السجائر فوجدها عادية لا يوجد بها شيء مثير الريب، إذا ما هذا؟
فيها تبع، هيكون فيها إيه يعني " ضحكت بطريقة مربية فقطب جبينه ونظر لها يشفقة "طب مالك؟ كأنك مش صاحية ؟"
ضحكت و استندت على السور الذي يفصل بينهما وأشارت له بأن يعطيها أذنه فاقترب يتردد فوجدها تهمس " أصلي ما نمتش بقالي ثلاث أيام "
توسعت عينيه ونظر لها بصدمة، ما الذي يجري مع تلك الفتاة حقا بقد بدأ يشعر بالرعب عليها. والأسى على حالها
"ما نمتيش ليه ؟"
نظرت له في عيناه وخرج صوتها متحشرجا وكأنها على وشك البكاء مجددا "مش عارفة !"
ولم تلبث وأن أكدت وجهة نظره وبدأت بالبكاء مجددا، غصة ضربته في صدره، لم يكن يدري ما الذي يفعله ليخفف عنها؟ ما الذي يقوله وهو لا يدري ما الذي بها؟
راها ترتعش وهي تنظر ليدها وتتذمر بطريقة طفولية من بين بكاءها "إيدي سقعانة ..".
امتدت يده ليحيط بيدها وباليد الأخرى مسح بعض الدموع عن وجنتيها
"أنا معاك" همس لها ورفع يدها ليضع قبلة صغيرة على باطنها فوجدها تغمض عينيها رغما عنها
هاتي الكرسي ده واقعدي عليه " قال وهو يشير بعينيه للكرسي المبطن بالإسفنج المريحالموضوع على بعد سنتيمترات قليلة منها فسحبته إلى جانب السور وجلست وأسندت رأسها إلى الحائط باستسلام
رفعت عينيها تنظر إليه ممسكا بيدها محاولا تدفنتها بكامل جهده، تارة بالنفخ فيها وتارة بحكها بيديه، كان يعطي كامل اهتمامه ليدها الباردة، ابتسمت مع تحرك عينيه لها، نظراته المهتمة القلقة جعلتها تتوتر وتتكور حول نفسها على الكرسي ثم اغمضت عينيها لتهرب من أي شعور يؤلمها في تلك اللحظة.
ولم يمر عشرة دقائق حتى وجد يدها تنقل وتقع من يداه فأدرك بأنها قد نامت.
تأملها قليلا، جميلة، لكنها حزينة ومتعبة، لو أن هنالك وصفا للحزن فهو وجه دانياء
ولو أن هناك أمنية وحيدة له الآن فسيتمنى أن يقفز إلى شرفتها ويحشر نفسه بجانبها ثم يضعها ا في حضنه ليحميها من أي شيء يضرها حتى ولو كان الذي يضرها هو العالم.
امتدت يده لعلبة سجائرها وأخرج سيجارة، تفحصها بابتسامة جانبية، بالفراولة مرة أخرى ... لكنه لم يهتم ووضعها في فمه وأخرج قداحته ليشعلها، ثم بقى واقفا بجانبها يدخن السيجارة بهدوء متلذذا بمذاق الفراولة في فمه، انتبه لها ترتعش من جديد فخلع عنه معطفه ووضعه عليها برفق، غمغمت وخبلت نفسها أسفله فابتسم وألقى عليها بنظرة أخيرة وهو يطفئ السيجارة تم
تحرك مبتعدا.
فتحت عينيها في اليوم التالي عندما وقعت أشعة الشمس على وجهها، تلفتت حولها بدون فهم. ما الذي تفعله هنا في الشرفة ؟ هي لا تتذكر ما الذي قد جلبها إلى هنا بالأساس، كل ما تتذكره هو انها كانت ناعسة كثيرا ...
انتبهت للمعطف الموضوع عليها، لم يكن ينتمي لها، هذا المعطف رجالي
رفعته وتفحصته، قريته من أنفها، رائحة عطر رجولي ممتزجة برائحة سجائر، ولم تأخذ الكثير من الوقت قبل أن تنتبه للورقة الموضوعة على سور الشرفة وفوقها كوب زجاجي يمنعها من الطيران
النقطتها فوجدت مكتوب عليها بخط أنيق قد رأته من قبل وتعرف صاحبه الذي تعرفت على رائحته أيضا ( صباح الخير، يتمنى تكوني نمت كويس.)
امسكت بمعطفه و استنشقت رائحته من جديد، لقد كانت الرائحة المنبعثة منه جميلة ودافئة الدرجة أنها دفنت وجهها فيه واحتضنته مبتسمة.
قاطعها حمحمة ذكورية بجانبها فارتعبت وألقت بالمعطف بعيدا عندما وجدت أدهم يحدق فيها
وهو يحك عنقه
جاكت أحمد ده صح ؟ " تساءل بضيق فنهضت تحك عينيها "أنا مش فاكرة إيه اللي حصل امبارح .
"داليا، ممكن أقولك على حاجة ومن غير ما تسأليني ليه بقولك كده؟" قال وهو ينظر للأسفل نحو الشارع فصمتت ولم تجيب لكنه أكمل على أية حال " ابعدي عن أحمد".
ورغم غرابة الجملة التي قالها لها أدهم فهي لم تعطى لها بالا ولم تهز بها شعره، هل يظنها أدهم غبية ؟ لا تعرف من هو أحمد ؟ بلى ... إنها تعرفه جيدا، إنه أحمد.
كان أربعتهم مجتمعون في كافتيريا الجامعة، وعلى غير العادة جميعهم مشغولون بالمذاكرة. الإمتحانات تقترب، ورغم كونهم اتفقوا على خطة جديدة فإن تلك الخطة لن تنجح إلا لو اجتازوا الاختبارات.
هذا حتى وضع أحمد كتابه على الطاولة وأشعل سيجارته قائلا "كنت بفكر في موضوع سارة اللي عايزة أدهم يقابل أبوها، قدامنا حلين "
نفخ دخان الهواء من قمه وأكمل "يا يفركش معاها وتنهي الموضوع ده يا فيه واحد صاحبي في حقوق اسمه خالد، شبه أدهم تقريبا نفس الطول ونفس الدقن ولون الشعر والبشرة، تخليه يقابل دكتور مصطفى على أساس هو أدهم، كده كده سارة مش هتكون موجودة معاهم"
قبل أن يتكلم قيس وهشام سارع أدهم بالموافقة "أيوة حلو حكاية واحد تاني يقابل دكتور مصطفی ده، خليه هو يروح يقابله."
لكن هشام زجره استنی پس حلو إيه افرض خالد ده طلع عبيط وعك الدنيا وفضحنا ؟ "
ضحك أحمد ونفى برأسه وهو ينفخ الدخان من فمه مرة أخرى خالد عبيط ؟ خالد ده نسخة أحمد في حقوق، ده ما سايش بنت إلا لما علقها، ما عدا بنت واحدة علمت عليه .. ده خليفتي في الملاعب يا ابني!"
"خلاص يا أحمد أنت تخلي خالد ده يقابل أبوها لحد ما تتخرج وتتصرف .." ترجاه أدهم فأوماً الآخر وأطفأ سيجارته خلاص اعتبر الموضوع انتهى. "
فوجئوا قيس يسأل بعلو صوته "إحنا هنخطف دكتور مصطفى امت.... كمم هشام فمه وصرخ ا في وجهه هو الآخر بصوت عال " يلا قول للجامعة كلها إننا بنخطط لخطف دكتور مصطفى !"
طالعهما أحمد بإذبهلال وهو يلمس داخل فمه بلسانه وتمتم داعيا عليهما "ربنا يشلكم في لسانكم، قادر با کریم یا رب
وجد أدهم ينهرهما بصوت أعلى من صوتهما "يلا افضحونا، افرضوا حد سمعكوا وراح قال
لدكتور مصطفى ؟"
وضع أحمد السيجارة في طرف فمه واعلم أشياءه ونهض عن الطاولة وتركهم وهو يتمتم "حسبي الله ونعم الوكيل "
نظروا لبعضهم بدون فهم ثم نهضوا خلفه ليلحقوا به.
في المساء كانوا خمستهم يستندون على سيارة قيس المركونة بجانب الرصيف في وسط البلد أعطى أحمد سيجارة لخالد الذي كان وبطريقة مريبة يشبه أدهم شكليا، غير أن شخصياتهما لا تتشابهان في أي شيء
التقطها خالد منه وأخذ نفسا وأخرجه ثم تمتم "موافق، بس بشرط "
طالعة الأربعة بانتظار فأكمل وهو ينفخ دخانه فيه عندي دكتور مش طايقه، اسمه فوزي، بعد
التخرج عايز أضربه، هتيجوا معاي ."
لم يكمل جملته ووجد قيس يجيب بحماس " أنا جاي معاك يا أسطا، تعالى نضريه دلوقتي".
ضحك خالد ونفى برأسه "لا، بعد التخرج، موافقين ولا إيه؟"
أوما الثلاثة الآخرون مجبرون ووقفوا يشاهدون الطريق، مرت أمامهم فتاة ترتدي بنطال يكاد يتمزق على جسدها مع كم لا بأس به من مساحيق التجميل التي لطخت وجهها لتمحي ملامحها و ترسم بدلا عنها ملامح جديدة
لفتت أنظار خمستهم خصوصا أحمد وقيس وخالد لكن هشام علق عينيه على قيس الذي حمحم ورفع رأسه للسماء بسرعة وهو يحك عنقه ممثلاً بأنه لم ينتبه لذلك الفتاة ولا يريد النظر
"أيه؟ فيه حاجة تايهة منك في السما يا حبيبي؟" سخر هشام بغيظ
أنزل قيس عينيه وضحك وهو يضع يده على كتف هشام "لا ده أنا بغض بصري بس يا ابو نسب
" ولا بطل تقولي كلمة أبو نسب دي بتعصيني " صاح وهو يدفع يده بعيدا فابتسم قيس من جديد ورفع كتفيه ليجيب ببساطة "بس هتفضل أبو نسب برضه والجوازة مش هتتفشكل رغم
محاولاتك، زائد إن الخطوبة خلاص الخميس الجاي "
هتتفشكل بس اصبر، ولو ما الفشكلتش فأبشرك بجوازة سودة فوق دماغك.."
ضحك قيس من جديد وأوماً "ماشي يا خال العيال "
التيه خالد المناوشتهما تلك وتساءل "أنت متخطب ؟"
أوما قيس فضحك الآخر وهو يحرك رأسه ليغمز لفتاة أخرى "وإيه اللي جاي عليك من وجع القلب ده يا ابني ما تفكك وتشوفلك أوزة حلوة وخلاص "
وافقه هشام بسرعة "أيوة ما تفكك وتشوفلك أوزة يا حلوة يا بغلا"
لكن الآخر شبك ذراعيه أمام صدره وصمم "لا."
ضرب أحمد صدر خالد وسخر وأنت أخبار الأوزة اللي علمت عليك إيه ؟"
فقطب خالد جبينه وتذمر وهو ينفخ دخانه "ما تجيبليش سيرة البت دى، بعد بن بيقولوا هریت من أهلها تقريبا، فكك مش عايز أفتكرها "
قهقه أحمد عاليا ثم هم بفضحه أمامهم واستقراره بشأن هذا الموضوع مجددا، فهذا الموضوع هو أكثر ما يضايق خالد ويجعله يفقد أعصابه مش عيب عيب أوزة زي دي تعلم عليك ... يا خسارة تربيتي فيك."
أخفض خالد سيجارته وتنمر بطريقة طفولية "أنت ما تعرفهاش، دي بت قوية ومفترية." لكن أحمد نفى برأسه "لا، مهما تقول خلاص سمعتك كزير نساء بقت في الحضيض "
لكنه فوجئ بأدهم يميل عليه ويهمس في أذنه ساخرًا ما بلاش أنت يا بتاع داليا."
احتقنت الدماء في محله وتوتر و سكت مكملا سحارته حتى أنماها و الله يعقبها أيضا تم نظر
احتقنت الدماء في وجهه وتوتر وسكت مكملا سيجارته حتى أنهاها وألقى يعقبها أرضا ثم نظر لأدهم ودفعه بأن يتصل بسارة ويخبرها بأنه يريد مقابلة أبيها غذا في مقهى وأن يؤكد عليها بألا تاني لأنه يريد محادثة أبيها على انفراد.
ابتعد عنهم أدهم وأخرج هاتفه لبعد ما قد قال أحمد لكنه عاد بعد عشرة دقائق بملامح مستغربة وأعين متشتتة يخبرهم بأن سارة هي من توترت وقالت بأن أبيها مشغولا الآن بشأن وضع الامتحانات الطلابة
"ما ينفعش تسرق الإمتحان ؟ اقترح قيس فنقى هشام لا ده غش الغش حرام" فسخر الآخر " العش حرام وخطف الدكتور مش حرام؟".
بينما في مكان آخر سارعت سارة بالاتصال بصديقتها لتؤكد لها صدق نظرتها وثقتها الكاملة في أن أدهم رجل جيد فلما تجده هذه الأيام.
وفي مكان ثالث تماما، تحديدا في متجر للفساتين كانتا رحمة وليلي وخلفهما والدة ليلى ينتقلان من فستان لآخر، يحاولان إيجاد فستانا مناسبا لكلاهما
" يعنى هو كان لازم خطوبة دلوقتي الامتحانات قربت - " تذمرت ليلى فنكرتها رحمة "ما دام أبو العريس هو اللي هيدفع فخلاص اتخطبي وأنت ساكنة."
لكن قاطعما صوت رئين هاتف ليلى برقم غريب غير مسجل باسم، أجابته بابتسامة وفوجئت بأنها والدة قيس تقول بنيرة مستغلية دون حتى مقدمات انت اختارت الفستان ولا لسه؟"
توترت ليلى وقالت بصوت خفيض "إحنا في الأتيليه أهو يا طنط .."
وكان والدته أصابتها الصاعقة فقالت مندفعة " من غير ما تقولولي ؟ لا لا، خليك عندك ما تشتريش حاجة, قوليلي أنتوا فين أنا جيالكم عشان أشوف هتجيبوا إيه الأول، الفرح مليان ناس مهمين ورجال أعمال، لازم أشوف الفستان الأول"
قطبت ليلى جبينها لكنها لم تعترض وأجابت بنبرة راضخة لتعطيها العنوان ثم أنهت المكالمة و وقفت تنظر لوالدتها وصديقتها حتى تكلمت رحمة
الولية دي أنا مش مرتحالها، شكلها ولية فرشانة"
لكن والدة ليلى ريتت على كتفها وتمتمت بنبرة حنونة "معلش، عامليها بالحسنة واعتبريها في مقام والدتك يا بنتي الولد وأبوه كويسين وهي تلاقيها غيرانة على ابنها الوحيد .. نستحملها شوية وخلاص أنت مش هتقعدي معاها بعد الجواز وليك شقة ثانية"
مما جعل ليلى تبتسم وتومي
مرت ساعة قبل أن تظهر والدة قيس بمظهرها الأرستقراطي ومن خلفها ابنتها بلقيس الوسطى بين قيس وابنتها الكبرى المتزوجة، واللقاء بين العائلتين لم يكن وديا بل كان فاتزا من قبل
السيدة وابنتها
نظرت حولها بقرف الفساتين المعروضة ثم فتحت فمها تقول بطريقة مشمئزة "الأتيليه ده بلدي ايه القرف ده !"
نظرت ليلي لوالدتها لا تدري ماذا تفعل أو تقول فهمت أمها بالإجابة بدلا عنها "إحنا لسه بنشوف ما اشتريناش حاجة ."
تعالوا هنروح مكان تاني، بدل المكان المقرف ده أمرت وتحركت للأمام وهي تخرج مفاتيحسيارتها بتكبر الضيق واضح على ملامح ليلى والغضب على وجه صديقتها، لكن أمها حذرتهما هامسة "ماحدش فيكم يفتح بونه بكلمة، خلوا اليوم يعدي".
بعد خمسة ساعات وصل ثلاثتهم لمنزل ليلى، يحملون فستان مغلف رمادي اللون، بدى غاليا وفخما بشدة، لكن ليلى ألقته على الأريكة وجلست تبكي بجانبه فهو لم يكن ورغم جماله - من اختيارها.
في الغرفة المجاورة كان هشام يجلس أمام حاسوبه، ينظر للحساب المزيف الأنثوي الذي أنشأه للتو، باسم (مدام عزة) والذي وضع به صورة سيدة في الثلاثينات وجدها على الإنترنت، ضحك بداخله لأن هذا تحديدا ذوق قيس، فلو كان شخصا آخر لاختار صورة فتاة في العشرينات
بعث بطلب صداقة لقيس الذي تأكد بأن العلامة الخضراء تظهر بجانب اسمه من حسابه الأساسي، انتظر طويلا ولم يتم قبول الطلب، فقرر البعث له برسالة بها بعض الإيحاءات
الوضيعة في محاولة لإغوائه وانتظر .....
شاهد قيس الرسالة، تظهر العلامة الزرقاء بجانب الرسالة، وظهر أيضا الثلاثة نقاط الذين يتحركون ذهابا وايانا ليعلموه بأن قيس يكتب رسالة الآن أيضا توسعت ابتسامته وحك يديه بحماس وبدأ يتخيل أصوات مفرقعات الإحتفالات تضرب فوق رأسه
لكن كل ذلك تلاشى عندما جائته رسالة قيس أنا خاطب، وبلا يا بنت الكلب من هنا ..
