رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم هند رفاعي


 رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل الرابع والعشرون 

سقط الهاتف من يد خالد ولفت الدنيا برأسه و خارت قدماه وأنهارت قوته تماما، سقط على الأرض لا يقوى على الحراك حاول خالد أن يعتصر ذاكرته ليتذكر صورة مريم في ذلك اليوم.

حاول أن يتذكر آخر مرة رأى وجهها.

آخر مرة نظر في عينيها.

آخر مرة سمع ضحكتها.

آخر مرة أرتوى بابتسامتها.

حاول أن يتذكر كل ما مر به من لحظات بينه وبين رفيقة عمره. وسأل نفسه

هل هذه النهاية ؟

هل فعلاً لن يراها ثانيا؟

اخر فرصة له ليسمع صوتها الحنون.

لم يستوعب عقله ما يحدث، ازدحمت الذكريات واللحظات في عقله، رفع كفيه ومسك رأسه لعله يمنعه من التفكير. بدأ يهز رأسه نافيا يعنف رافضا واقعه المؤلم.

سمع محمد صوت هاتف خالد برن و رای ابيه دخل غرفته ليتلقى الاتصال، دخل محمد غرفته ودتر أخيه عمر في فراشه وجلس على سريره وأنقبض قلبه فجأة. جال بخاطره أن الإتصال الوارد الأبيه متعلق بأمه، خرج من غرفته وتوجه لغرفة أبيه ووجد الباب مفتوحاً، طرق على الباب ودخل وذهل عندما رأى ابيه جالس على الأرض ووجه شاحب.

نادي محمد أبيه ولكن خالد لم يجبه جلس محمد على الأرض بجانب أبيه وهز كتفه نظر له خالد بعيون زائفة ولم يجبه هر محمد كتف أبيه بشدة وناداه.

"بابا. بايا مالك؟ في أيه؟"

نظر خالد لابنه وعاد لواقعه وأجابه.

"هه ؟"

بايا في أيه ؟ ماما جرى لها حاجة ؟"

تلفت خالد حوله ووقف أخذ مفاتيحه وهاتفه وقال.

خلي بالك من أخواتك، أنا رايح مشوار مهم "

خرج خالد من غرفته وتبعه محمد

رايح فين يا بابا؟ في أيه ؟ ماما جرى لها أيه؟ "

توقف واستدار خالد والتفت لمحمد مسكه من كتفيه ونظر في عينيه وقال.

"خد بالك من أخواتك. أنت رجل البيت، فاهم ؟؟

أوماً محمد برأسه. فتركه خالد وخرج من المنزل، أخذ محمد مصحفه وجلس يقرأ القرآن ويدعو الله أن يحفظ له والداه.

قاد خالد سيارته بأقصى سرعة مسموح بها. أراد أن يصل في أسرع وقت ويتأكد بنفسه أن تلك الجنة ليست المريم حبيبته، لا يمكن أن تتركه مريم هكذا، لا يمكن أن تكون حياته معها انتهت. في لمح البصر.

مر بخالد شريط حياته مع زوجته منذ اللحظة الأولى التي التقى بها حتى اختفت من أنظاره ليلة زفافه بالهام أمثلأت عينيه بالدموع وغشت على رؤيته.

أنتبه خالد من ذكرياته على صوت بوق إحدى السيارات المواجهة، تفادي السيارة على آخر لحظة. وقف سيارته بجانب الطريق ونزل منها، وقف لعدة دقائق يلتقط أنفاسه ويستجمع شتاته.

تمتم ببعض الأدعية وأستغفر ربه وأستأنف رحلته وهو يردد ما يحفظه من القرآن ليهدأ قلبه ويصفى ذهنه.

وصل خالد القسم الشرطة وأخبرهم بأسمه وبسبب حضوره قابله أحد ظباط الشرطة وأخيره بأن متسكع حاول بيع خاتم بنفس المواصفات المذكورة في بلاغ خالد عن سرقة مجوهرات زوجته، شك الصائغ فيه بسبب عدم وجود فاتورة بيع معه وأيضا لوجود نفس الخاتم في نشرة وزعتها عليهم الشرطة من شهرين.

طلب الصالغ من المتسكع العودة في وقت لاحق لغلو ثمن الخاتم وبلغ الصانع الشرطة التي القت القبض على المتسكع عندما عاد ليأخذ باقي الثمن المتفق عليه مع الصانع.

بعد الضغط على المتسكع، أعترف بأنه وجد الخاتم ملقى في أرض زراعية في منطقة متطرفة اعتاد على التواجد فيها وتعاطي المواد المخدرة.

بتفتيش المكان الذي ذكره المتسكع وجدوا جنة مدفونة لإمراة في عمر مريم وترتدي ملابس كالتي بلغ عنها خالد وقتلت في نفس وقت اختفاء مريم بالتقريب.

عرض الظابط الخاتم والملابس على خالد وتعرف عليها خالد على الفور بأنها ملابس زوجته

مریم و خانمها.

أخبر الظابط خالد أنها تبدو جريمة سرقة وقتل وحاول السارق التخلص من الجنة بدفنها في ذلك المكان المهجور وسقط الخاتم منه أثناء هروبه من المكان يباقي المجوهرات.

سمع خالد كل هذه المعلومات وفصل نفسه عن الواقع تماما كأنه يسمع قصة فيلم أو رواية بوليسية. لم يتخيل للحظة أن تكون الجثة التي يتحدث عنها الظابط لزوجته والرفيقة عمره.

ظهر خالد متماسك وصلب وأخذ الخير بهدوء وتوازن عجيب ولكن ما سمعه وكان كالسكين طعن في قلبه عندما أخبره الطبيب الشرعي في المستشفى قبلما يتعرف على الجثة أن المقتولة كانت في الأسبوع السادس من حملها، وأن سبب الوفاة دفتها حية بعد طعنها في منطقة البطن طعنتين.

عاد خالد خطوتين للوراء واستند على الحائط خلفه أقترب منه الطبيب وأسنده، قدم له الطبيب كوب ماء ورفضه خالد.

دخل خالد ثلاجة الموتى وقدمه مترددة لا تريد أن تطيعه وتدخل ذلك المكان، أقترب من الجنة المسجاه وبيد مرتعشة رفع عنها الغطاء رأى وجه القتيلة وستر وجهها على الفور بالملاءة.

وضع يده على عينيه وأهتز جسده بالبكاء المكتوم، سأله الظابط هل تلك الجنة لزوجته مريم.. هر خالد راسه نافيا وقال بين شهقات بكاءه

لا ده مش مريم، به مش مراتي "

هرول خالد خارجاً من المكان ومن المستشفى كلها . فقد شعر بالإختناق وبرائحة الموت تزكم أنفه، تنفس بعمق لحظة خروجه من المستشفى.

شعر خالد بالإرهاق، فقد استنفذ كل طاقته في التماسك حتى يتأكد من مصير زوجته جلس على سلالم المستشفى ودفن وجهه بین کلیه

رفع خالد رأسه عندما لمس أحدهم كتفه. وجد الظابط يسأله عن حاله. وقف خالد ومسح وجهه من العرق والدموع، وأجاب الظابط بانه بخير.

عاد خالد مع الظابط القسم الشرطة لينهي الإجراءات ويستلم خاتم زوجته، أخبره الظابط أنها تبدو عملية سرقة واختلف السارقان على الغنيمة فقتل إحداهما شريكته التي كانت ترتدي ملابس مريم.

أخبره أيضا أن احتمالية العثور على زوجته حية صارت شبه منعدمة، فالتفسير الوحيد لوجود مجوهرات مريم وملابسها مع هؤلاء المجرمين إنها قتلت أو خطفت وإلا كانت مريم عادت المنزلها مادامت جردت من أي كل ما تمتلكه.

عاد خالد للقاهرة وعقله يصدق ما أخبره الظابط. فإذا كانت مجرد سرقة عادية كانت عادت مريم لزوجها ولبيتها ولاولادها لن تتركهم كل هذه الفترة مهما حدث.

ولكن قلبه كان يصرخ فيه ويقول أن مريم على قيد الحياة ولم تمت.

أراد خالد أن يستريح من صراع أفكاره. فقرر الذهاب لشقة مريم. لم يقوى على الحديث عما عاشه الساعات القليلة الماضية مع أحد أراد أن يختلي بنفسه ويستجمع شتات عقله، فدخل شقته وجد أولاده يشاهدون التلفاز، ألقى السلام وتوجه لغرفته.

استوقفه عمر ونادى عليه وجري إليه يحتضنه حمله خالد بحنان وقبله، نظر له الصغير ببراءة وسأله عن أمه لمعت الدموع في عين خالد بلغ خالد ريقه بصعوبة وأنزل ابنه، نظر خالد الأسيل

وقال

أسيل خدي أخوك وروحي عند ماما إلهام "

وقف محمد ونظر لوالده يحدة وقال.

"إحنا لينا أم واحدة بس ماما مريم مراتك اللي ما تعرفش عنها حاجة"

نظر خالد المحمد نظرة رجاء وقال.

"محمد. أنا والله لا في حيل ولا نفس أتكلم. أرجوك مش عاوز اتخانق دلوقت"

شعر محمد بألم أبيه فقال لأخته.

خدي عمر وروحي الشقة الثانية يا أسيل"

تنقلت نظرات اسيل لأخيها وأبيها وأخذت بيد أخيها الصغير وخرجت، دخل خالد غرفة نومه

وتبعه ابنه وسأله.

في أيه يا بابا؟ ومشوار أيه اللي روحته من الصبح وراجع تعبان كدة ؟ "

"أرجوك يا محمد. أنا مش قادر أتكلم. سيبني دلوقت"

نظر محمد بشفقة لأبيه وقال.

حاضر سؤال واحد بس ممكن ؟

جلس خالد على السرير وخلع حذاءه وقال.

"اتفضل أسأل يا محمد"

"ماما جرى لها حاجة ؟ "

وقف خالد على الفور وأقترب من ابنه وحضنه بشدة وقال.

" إن شاء الله لا بإذن الله ماما كويسة "

خرج محمد من حضن أبيه وقال.

"إن شاء الله أسيبك ترتاح "

تركه محمد وأطفأ الأنوار وأغلق الباب وأرتمي خالد على السرير وفر من واقعه وغاص في نوم

استيقظ خالد وتلفت حوله في الغرفة وجد الظلام نشر جناحيه على الدنيا، جلس خالد وظهرت صورة الجنة التي لم تفارق عينه من وقتما راها في الصباح، أغمض عينيه واستعاذ بالله من الشيطان نزل من السرير وتوجه للحمام ليستحم ويغسل ذكرى ذلك اليوم الصعب من عقله.

خرج خالد من الحمام وأتصل الجاسر وطلب حضوره وقف صلى فروضه التي فاتته أثناء نومه. جلس بعد الصلاة يدعو الله ويقرأ القرآن حتى سمع جرس الباب خرج من غرفته وتلفت في الشقة وجدها خالية فظن أن أولاده في الشقة الأخرى مع الهام ومحمد نائم في غرفته.

فتح خالد الباب واستقبل صديق عمره وأجلسه في الشرفة وجلس بجواره، با در جاسر بالسؤال وقال.

في ايه يا خالد؟ حصل ايه؟ شكلك مش مظبوط"

"أسكت يا جاسر النهاردة أصعب يوم مر علي في حياتي "

ليه بعد الشر؟"

عارف كنت فين النهاردة؟"

"فين؟"

"كنت في المشرحة بأتعرف على جنة."

"أيه؟"

سمعا الإثنان صوت تهشم اكواب زجاج خرج خالد من الشرفة ووجد محمد واقف في الصالة أمام صينية ملقاة على الأرض وبعض الأكواب الزجاجية المحطمة.

رفع خالد نظره توجه اینه و وجده شاحب الوجه قطع الصمت سؤال محمد الأبيه.

"ماما مانت؟"

أقترب خالد من ابنه على الفور وأجابه.

"لا، ماما ما ماتنش، ماما لسة عايشة، وهترجع لنا قريب باذن الله "

أمال جثة أيه اللي يتتكلم عنها ؟"

ده البوليس طلب مني أشوف جنة كانوا فاكرين انها لمريم لكن الحمد لله مش هي: ماما لسة

عايشة ما تخافش"

نظر محمد للأعلى لأبيه بعيون دامعة وسأله.

بجد يا بابا؟ ماما عايشة"

أوما خالد برأسه وقال

"أيوة يا حبيبي ماما لسة عايشة، ما تغلقش عليها."

يا رب يا رب تكون عايشة وترجع لنا بقى علشان بجد وحشتني قوي"

احتضن خالد ابنه وقال.

"وأنا كمان وحشتني قوي."

عندما شعر خالد أن محمد هذا قليلا اخرجه برفق من حضنه وقال.

"محمد حبيبي ممكن تدخل غرفتك دلوقت علشان عاوز اتكلم أنا وعمو جاسر "

اوما محمد برأسه وقال.

"حاضر"

التبع خالد ابنه ينظره حتى دخل غرفته وأغلق بابه، دخل خالد وجاسر الشرفة وجلسا معا سال

جاسر خالد وقال.

" يعني الجنة طلعت لواحدة غير مريم"

ايوة الحمد لله مش قادر أوصف لك يا جاسر كنت حاسس بأيه لما دخلت المشرحة ولا لما

اتصلوا بي الصبح وقالوا انهم لقوا جنة"

معلش يا خالد الحمد لله انها مش مريم"

"الحمد لله "

لكن ايه اللي خلاهم يفتكروا إن الجنة ده بتاعة مريم؟"

اصل كانت لابسة لبس مريم ومعها مجوهرات مريم"

اتسعت عيني جاسر وسأله.

"ازاي؟"

قص خالد ما حدث بالتفصيل منذ استقباله للمكالمة فجر اليوم.

معقول يا خالد كل ده حصل لك النهاردة، طيب ما اتصلتش بي ليه علشان اكون معك في

موقف زي ده؟

يا جاسر انا دماغي ما كانتش في انا كنت مخيط في ثلاث عربيات الصبح، انا ما كنتش دريان بالدنيا."

ريت جاسر على ظهر صديقه وقال.

اصبر يا خالد، ربنا يفرج كربك يا رب"

اختنقت الكلمات في حلق خالد وقال بصوت مرتعش و مهزوز

يا رب يا جاسر يحسن أنا خلاص مش قادر كل يوم بيعدي علي وأنا مش عارف حاجة عنها بيقتل الامل جوابا كل الشواهد بتقول لي اصدق الظابط إن مريم خلاص مش هترجع تاني، لكن

عقلي مش قادر يستوعب الفكرة خالص.

"مش قادر أتخيل حياتي من غيرها مش قادر أعيش وأنا مش عارف حصل لها أيه وعايشة، لا ميتة"

طاطاً خالد رأسه وعلا تحيبه نظر له جاسر بشفقة وقال.

مش كدة يا خالد احمد علشان أولادك انا عمري ما شوفتك كدة. ده حتى يوم موت طنط

و عمو ما عملتش كدة، وكنت وقتها صغير

يا جاسر، ماما وبابا ماتوا واتدفنوا وارتاحوا من الدنيا ده ربنا يرحمهم ويغفر لهم ويكونوا في مكان احسن من هنا.

لكن مريم مش عارف مصيرها ايه مش عارف عايشة ولا مينة ولا في حالة أوحش من الموت.

فكرة انها ممكن تكون مخطوفة في مكان مرعوبة يتجنني

" أو لما افكر في حالتها وخوفها لما المجرمين دول سرقوها واخدوا حتى هدومها.

"إحساسي إنها في مكان محتاجة لي وانا بعيد عنها وعاجز أساعدها.

فكرة أن ممكن يكون في حد بيجبرها على حاجة هي مش عاوزاها.

"كل الأفكار والظنون ده هتخلي دماغي تنفجر"

"خالد حسب اللي انت حكيته عن مريم انها إنسانة قريبة من ربنا كانت محافظة على الصلاة وحافظة القرآن، يعني أكيد ربنا مش هيسيبها أبدا. واكيد هيفرجها قريب عليك وعليها ويجمعك بها "

یا رب یا جاسر يا رب

" إن شاء الله لكن تفتكر ازاي لبس مريم و مجوهراتها وصلت للناس ده، ولو فعلا سرقوها ليه ما

بلغتش البوليس ولا رجعت ؟"

"ما أعرفش، ما أعرفش حاجة خالص"

دخل يوسف المستشفى وتوجه لغرفة الطبيب المعالج وسأله بعد القاء السلام.

" اخبارها ايه؟"

"المريضة في الغرفة 214

قدرنا نظيط السكر، ونظرها بدأ يرجع بالتدريج لكن هتحتاج نظارة ضروري، والكدمات

والكسور اللي في جسمها خفت خالص "

"الحمد لله كويس اوي كدة. لكن يا ترى الكلمت أو قالت أيه حاجة ؟"

هر الطبيب رأسه نافيا وقال.

"للأسف لا لسة ما تعرفش أي حاجة عنها، وحالتها النفسية زي ما هي ما اتغيرتش "

" والحل يا دكتور ؟"

ده مش شغلنا هنا بقى، ده محتاجة مستشفى نفسية، لأن الانهيار العصبي اللي عندها مزمن ومحتاجة علاج طويل تقريبا الصدمة التي تسببت في حالتها ده كانت شديدة أوي على عقلها

أنه يستوعيها "

لكن يا دكتور ده يقالها شهرين متقعد قد ايه تاني لغاية لما تتكلم "

الله اعلم. ده قرارها هي وطول ما هي ساكنة كدة مش قادرين تحدد المشكلة ولا قادرين نحلها. "

طيب والحل يا دكتور "

"أدعي لها، مفيش في ايدينا غير الدعاء"

"ربنا يشفيها يا رب يخفف عنها "

تعليقات