رواية جحيم عينيك الفصل السادس والعشرون والاخير
النهاية
موسيقى صاحبة وأضواء مبهرة وعروض مذهلة... حفل توديع العزوبية كان فريدا بحضور ضيا و يلتشن واراس وأوتور وبعض المقربين.
انطلق الحفل بمجرد وصول الزعيم، الذي توجه إلى منتصف صالة الملهى، التي أغلقت في وجه الزوار العاديين كما جرت العادة في الحفلات الخاصة.
الضحكات تتعالى هنا وهناك، والنكات الماجنة تتخلل المشهد، والمشاكسات بين لوكاس وأراس تضفي جوا مشحونا بالفوضى الممتعة.
احضر النادل صندوقا لأراس، ففتحه ببطء وأخرج فستان الزفاف الأبيض، فيما تغامز كل من ضيا وأونور ليمسكا لوكاس ويجبرانه على ارتدائه. اقترب أراس بمكر قائلا يحماس...
تريد أن تراني عروسا عانسا هااا.. الليلة ستكون أجمل عروس عرفتها تركيا وإسبانيا!"
صرخ لوكاس، الذي لم يتأثر كلنا بالمشروب بعد...
يا جماعة، أهكذا تعاملون العريس قبل ليلة من زفافه ؟! هذا ليس عدلا ... هذه خيانة ... قفل شيلاء أيها الزعيم "
ظل الزعيم يراقب المشهد بابتسامة باردة، وهو يحدسي مشروبه بهدوء، بينما حشر آراس رأس لوکاس داخل الفستان والبسه بمساعدة ضيا وأنور الذين كانا يضحكان بهستيريا.
قال اراس بسخرية...
"هذه هديتي التي وعدتك بها... حتى تحرم مناداتي بالعجوز مرة أخرى، أيها الإسباني اللعين ساصورك، وكلما سولت لك نفسك التشكيك برجولتي، سأرسل الصور المارسيلا وأخبرها أنك شاد"
انفجر الجميع بالضحك على منظر لوكاس، خاصة بعد أن أضاف له ضيا بعض الحمرة على وجنتيه. حملوه على أربع فوق أكنافهم، ورفعوه في الهواء مرارا وتكرارا، وهم يهتفون...
"تحيا العروس | تحيا العروس ! "
لم يكن الزعيم يبالي بما يحدث حوله، فقد كان محيطا من عدم تجاوب فاليريا معه، لأول مرة يقبلها ولا تتحرك مشاعرها نحوه، فقط كانت جامدة مستسلمة ودموعها السخية بللت لحيته وتذوق ملوحتها بين شفتيها.. هذا أثقل كاهله بالاحباط وملا قلبه سخطا على هذه الحالة ... اللعبة فقط
نهض بخطوات تقيلة، كأن كل خطوة تنقل الأرض تحت قدميه، متجها نحو البار، لم يلتفت للرقص، ولا للأصوات المدوية حوله الامبالاة واضحة في حركاته وسكناته...
اختار بعناية زجاجات المشروبات الفاخرة، يمزجها يصمت كتيب ليعد لنفسه كوكتيلا قويا، تقيلا كما تقل خيبته على قلبه.
عاد إلى مقعده، وهو يبتسم بفتور، وكان الابتسامة نفسها مرهقة من التعب النفسي، يراقب الفتيات يرقص، دون أن يترن انتباهه، وكأن الحفل كله مجرد خلفية صامتة لحالته الداخلية.
ارتشف من مشروبه ببطء، محاولا أن ينسى ذلكو الشعور المؤلم، لكن قلبه ظل مشدونا إلى مكان اخر إلى واحدة لم تعرف بعد حجم مكانتها في حياته.
خطوة خفيفة عبر ضجيج الحفل، حركة منقلة حضور أثقل من أي موسيقى أو ضحك حوله.
رفع رأسه ببطء، ووجدها تقترب، تتحرك بثقة رغم القناع الذي يخفي عينيها، تاركا لمحة عن زمرديتيها المتلألئتين.
دقات قلبه تسارعت بشكل لم يعهده منذ زمن أنفاسه صارت أقصر ثقيلة، منقطعة، وكأنها تكاد تكشف عنه أكثر من كلماته.
اقتربت منه بخطوات مثالية، كل خطوة تجعل الهواء حوله أكثر سخونة، وكل ميل من جسدها يزرع تونزا جديدا في عروقه.
القناء لم يخفها عنه، فكل تفاصيلها كانت مألوفة له طريقة وقوفها، انحناء كتفيها، حتى رائحة شعرها الكستنائي التي امتزجت باريخ الكحول والكوكتيل.
حين جلست أخيرا في حضنه توقف قلبه للحظة، ثم عاد ليخفق بقوة أكبر، وكأن كل شيء في داخله كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
هي تنفست يعمق، وشعرها الكستنائي يلامس صدره، يبعث شعورا غامضا بين الدفء والتحكم بين الإحباط والإثارة همس بصوت منخفض، لكنه قوي ومباشر....
"..? Did you come to stab me again, kitty"
اجابت بصوتها الناعم ...
No, but if I could go back in time, I wouldn't hesitate to stab you, to live what" "I lived it with you
في تلك اللحظة، شعر الزعيم بانفجار داخلي، لم تعد مجرد تلميحات أو إحساس كانت كلماتها. نبرة صوتها، الطريقة التي تتحدث بها، كل شيء أكد له أن ذاكرتها عادت.
ابتسم ببطء، لأول مرة منذ وقت طويل، بفتور خفي يحاول السيطرة على السيل العاطفي الذي اجتاحه لكنه لم يتمالك نفسه.
ادخل اصابعه بين خصلاتها، يستعيد بين أنامله ذلك الملمس الحريري الذي كان يوما ملاذه من العالم.
رفع عينيه نحوها ببطء، كمن يخشى أن تختفي أن رمشت عينه نظراته تحكي عن حب انتظر طويلا ليعود في لحظة كهذه.
كانت أمامه، حقيقة لا حلفا، بجسدها وذاكرتها... بكل ما ظن أنه فقده إلى الأبد. شعر كأن الروحالتي تاهت منه عادت تسكنه من جديد.
لقد اختزل العالم كله في عينيها، فهما وطنه وملجوه الأخير، بعد كل ما اجتازه من آلام وخيبات. لم يعد يريد من هذه الحياة شيئا سوى أن يبقى نبضها له وحده، وأن يجد في حضنها دفء المساء الذي حرمه القدر منه طويلا.
الله أنهكته المتاعب وشبيته الهموم وهو في عز عنفوانه، حتى صار يؤمن أن الحياة، مهما أغدقت عليه بالنعم، تظل بخيلة ان لم تمنحك حلا حقيقيا.
كانت ترتدي قناعا يخفي نصف وجهها، لكن لا شيء في العالم كان قادرا على أن يخفيها عن الذي يعرفها كما يعرف ليضه.
لم يتعرف عليها أحد سواه، ولا يمكنه أن لا يفعل، فحتى لو أعادت الأيام صياغتها، تبقى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يخطئها قلبه.
لقد ساعدها لوكاس على الحضور سزا لتفاجئه، وقد نجحت في ذلك
عندما ظهرت على المنصة، تذكر تلك الليلة التي حاولت فيها طعنه... يا السخرية القدرا فقد كانت الطعنة التي لم تقتله، بل أنعشت قلبه الميت بسهم من الحب، سهم لا ترياق له إلا الموت بين. يديها..
الآن فقط، بعد شهور من الفراغ والجمود، عادت إليها الحياة. كان رماد النسيان تناثر فجأة. وانبعثت منه تلك القطة العنيدة.... لتعيد إشعال النار في عروقه من جديد
قبل يوم، استيقظت على برد غريب يلامس جلدها، كأنها غريبة في جسدها قبل أن تكون غريبة في المكان، فتحت عينيها ببطء، قارتجف بصرها على سقف لا تعرفه.... جدران بلون باهت ورائحة عطر لا يشبه عطرها للحظة تحيل إليها أنها في كابوس تقيل، لكن الوخز في صدقها كان حقيقيا تماما.
مدت يدها إلى الجانب الأيمن من السرير... لا أحد لا حرارة جسده، لا أنفاس المعتادة، لا أثر
لذلك الأمان الذي كانت تستيقظ عليه كل صباح.
كان يجب أن تكون في جناحها الملكي، في حضن زوجها بعد ليلة رأس السنة التي ولدت فيها
وعود كثيرة ... لا هنا، في هذا الفراغ الموحش
جلست ببطء، نظراتها تتبع شظايا مزهرية مهشمة عند باب الغرفة، وكأنها شاهدة على شيء حدث هذا... شيء لا تتذكره بوضوح، تمتمت بصوت مرتجف وهي تحدق في النافذة المغلقة...
"كان هذا بالأمس."
كادت الدموع تخونها، لكنها أمسكتها بإصرار. لا وقت للبكاء، فالبكاء لا يعيد ما ضاع، ولا يرغم ما انكسر.
نهضت بخطوات متعثرة، تشعر كمن ولد لتؤه من رحم بارد، تلقيها الحياة في عالم لا تعرفه عارية من المعنى، تبحث فقط عن كف جنون وصدر دافئ يحميها من هذا الصقيع الداخلي.
التقطت الهاتف المرتجف بين أصابعها ضغطت على الرقم الوحيد الذي تثق به.
ارتجف صوتها بين همس وارتباك....
"ألو.... لوكاس ؟... أنا فاليريا، أرجوك لا تشعر أحنا بأنني المتصلة. ابتعد عفن حولك.... وأضع إلى جيدا"
كانت كلماتها قصيرة، لكنها واضحة وحازمة، كأنها بدأت للنو حرنا سرية ضد المجهول الذي لخطفها من حياتها السابقة.
في صباح اليوم نفسه، حطت بها الطائرة الخاصة رفقة ميرنا في مطار إسطنبول، بهدوء وسرية تامة، دون علم الزعيم.
كانت المفاجأة جزءا من خطتها الصغيرة لإعادة نبض دفين إلى قلبه الذي أضناه الفقد. رتب لوكاس كل التفاصيل، من لحظة خروجها من الطائرة إلى دخولها الملهى الليلي دون أن يلحظ
أحد وجودها.
والآن.... ها هي أمامه، بين ذراعيه.
كل ما أرادت قوله تبعثر في صدرها، آلاف الكلمات تتزاحم خلف شفتيها، تنشبت بالخروج ولا
تجد طريقا.
أرادت أن تعتذر أن تيرى أن تبكي، أن تقول له كم اشتاقت إليه... لكن قاموس اللغات خانها. واختلطت عليها مشاعرها قبل أن تنطق.
افتريت لتهمس بشيء ما، فأسكتها بقبلة رقيقة تذيب الجليد بينهما، قبلة حملت ألف حكاية موجلة
تم همس قرب أذلها بصوت مبحوح يقطر وجفا وحنيلا....
هذا ليس وقت الكلام قظني.. أجليه حتى إشعار لاحق"
أمسك بيدها برفق, كمن يمسك يطوق نجاته الأخير، وابتعد بها عن صخب الموسيقى والضحكات وضجيج الحفل، عابرا بها الممر الطويل الذي يقود إلى جناحه الخاص داخل الملهى.
كانت خطواته واثقة، بينما كانت خطواتها مرتبكة متوترة، لم تكن ذاكرتها أفضل حالا من قلبها المرتجف في تلك اللحظة، وهي تتأمل تفاصيل الغرفة التي تشهد على أول خيط من مصيرها الغريب.
تذكرت بوضوح مؤلم تلك الليلة البعيدة، حين اقتادها جودت إلى هنا ... إلى هذا المكان الذي
رسم القدر فيه خطوط حياتها بيد لا تعرف الرحمة.
كم هو عجيب أن تختزن الجدران ذاتها كل تلك الفصول المتناقضة...
هذا خافت و صرخت وكرهت، وهذا أيضًا بدأت القصة التي لم تجرؤ حتى على تخيلها.
من كان يصدق أن الرجل الذي سعت لتفرس خنجرها في صدره انتقاما لأبيها، سيكون فيما بعد صدرها الأمن وسبب حياتها ؟
أي عيب هذا الذي يجعل قاتل الأمس هو الحب الذي تتنفسه اليوم ؟
ما إن أغلق باب الغرفة عليهما، حتى انقض عليها بشغف وقلة صبر، ليحاصرها خلف الباب مز مجزا بشهوة عارمة ...
"اللعنة ... كم اشتقت لك ليتك تدركين ما فعله البعد بي.....
اللهم شفتيها بلهم، دون أن يمنحها فرصة للرد. كانت الرغبة قد قضت على آخر ذرة من تعقله. وهو يأخذها بتملك وقسوة.
لم يعطش للحب والجنس كما عطش في غيابها، ورغم ارتماء الحسناوات تحت قدميه، لم يشعر بكيانه ورجولته إلا معها.
الحرمان الذي عاشه في غيابها لم يكن جسديا، بل عاطفيا وجوديا، طيلة الفترة التي أمضاها معتقدا أنها هيتة، كان لا يشعر بوجوده.... كان فاقدا لذاته، فاقدا للذة الحياة، فاقدا لمعنى السعادة.
الآن، هو متعجل لنيل ما خرم منه، متعجل للشعور بمعنى الحياة، وبوجوده وكيانه، متعجل
للشعور بالكمال، أخيرا.
نزع قناعها ورماه بعيدا، ثم بدأ ينزع ثيابها بحركة سريعة، وهو لا يزال يصب أشواقه الحارقة على شفتيها. لم تملك أمام جموعه سوى الاستسلام، وتركه ليطفئ نار شوقه.... وشوقها.
حملها جاعلا ساقيها يحيطان خصره، ثم وضعها على حافة السرير. استلقت فائرة خصلات شعرها الكستنائي بفوضوية فوق الملاءات البيضاء، تتأمل صقره المنقوش على صدره، ذلك الوشم الذي طالما أخفاه عنها خشية أن تجرح مشاعره حين كانت فاقدة الذاكرة.
ابتسمت بعذوبة وهي تهمس بين أنفاس متلاحقة...
"ربما لو تركتني أرى هذا الوشم تتذكرتك على الفور، أيها الجبان "
كان يدفن وجهه في عنقها حين سمعها، فرفع رأسه مبتسما بسخرية خفيفة، ليفتح مافيها ببطن متعمد وهو يهمس بنيرة تحمل مزيجا من العتاب والرغبة...
من يملك بيتا من زجاج لا يرمي الآخرين بالحجارة ... إن نسيت، دعيني أذكرك بأنك قدمت لي نفسك على أنك أنسة."
اتسمرت عيناها فيه لوهلة ثم انفجرت ضاحكة بعدم تصديق ...
"لا ... غير ممكنا أنا قلت ذلك ؟!"
ابتسم بمكر صامت ومال بجسده نحوها حتى شهقت فجأة، مقوسة ظهرها ومعيدة رأسها إلى الخلف، حين اقتحم أنونتها دون مقدمات.
همس بخفوت لاهت...
"انسة إذا... تبا لحياتي"
كانا کشمعتين تحترقان من لهيب الحب بذوبان في بعضهما تحت ضوء خافت حتى أنهكا بعضهما، وبقيت أنفاسهما تختلط كانهما واحد.
فتحت عينيها على صدره لتحضته بسعادة، بينما لا يزال نائفا بعمق حين لم تجد استجابة منه. رفعت رأسها بتثاقل بعد ليلة حب ملتهب امتد إلى حدود الفجر، تاركا آثاره على جسدها الغض.
تأملت ملامحه الجميلة لدقائق قبل أن يفتح عينيه بكسل ويبتسم لها بحب، حين قالت...
"صباح الخير أيها الكسول"
قبل جبينها معترفا ...
"صدقيني، لم أتم هكذا منذ آخر ليلة قضيناها معا، أي منذ أكثر من سنة. أريد أن أعوض كل ما خرمت منه خلال تلك السنة السوداء، أن أنام ملء جفوني، أن أستنشق الهواء واملأ رئتي منه. أن تشق ابتسامتي الصادرة من قلبي عرض وجهي.
جذبها حتى تسطحت على صدره مطوقا إياها ...
"أريد أن أضاجعك حتى تجففي عروقي من منابعها، أن أتغزل بك حتى تنفذ كلمات الحب من المعاجم، اشتقت إليك ولا أعرف كيف أداوي شوفي لك أشعر أنني مهما فعلت لن أفلح في ردم تلك الحفرة التي أحدثها موتك المزعوم في قلبي "
هنا تر فرقت عيناها بالدموع، فهي تدرك جيدا ما يعنيه وتستطيع تخيله، ربما لو كانت مكانه، لماتت من الكمد والحسرة...
كيف حدث ذلك، ومن كان وراءه؟"
داعب فروة رأسها مننهذا...
ستعرفين كل شيء فيما بعد، لا أريد أن تفسد علينا صفو هذه اللحظات"
وضعت يدها مكان نبضه بحزن...
لكنني أريد ردم تلك الحفرة وسدها للأبد، أريد لجرحك أن يلتتم، حتى أرتاح، أنا لا أصدق حتى الآن مرور كل هذا الوقت بدونك كانني كنت في غيبوبة"
داعب خدها برقة مبتسما....
"أحبيني، فحبك كفيل بمداواة جراحي"
اقتربت منه لتطيع قبلة حميمة على شفتيه، ثم اعتلته كاشفة عن جسدها المتمايل، وبحركات دائرية تمايلت بإغراء...
"جولة أخرى قبل الفطور ستجعلك تلتهم البانكيك الذي سأحضره بنفسي"
اظلمت عيناه من الرغبة، فخصرها المتمايل عذب رجولته حقا، لينتفض جاعلا إياها تحته في
لمح البصر...
"لا أتناول المعجنات أيتها السمينة"
فضحكت بإغراء...
سيكون خاليا من الجلوتين"
رد بليرة مثيرة..
"سأفكر في معدتي بعد أن أشبع شيئا آخر"
في المساء، وصل يمان في سيارته الفاخرة رفقة فاليريا، إلى أحد أفخم فنادقه المطلة على بحر البوسفور.
لحظة توقف السيارة في المدخل الخلفي للفندق بعيدا عن الصحفيين والضيوف، رفعت رأسها التأمل البناء المزدان بأضواء ذهبية دافئة، تتلألأ على المياه المتموجة أسفل شرفاته
نفس الفندق الذي شهد زفاف سارة .... ولا تزال تتذكر تفاصيل لقائها بيمان في حمام النساء.
امسك يدها، مقبلاً اياها بخفة...
هل أنت مستعدة ؟
هزت كتفيها بتوتر وحيرة، ثم هست....
"لا أعرف... أخشى أن وجودي سيسرق الأضواء من العروسين"
ابتسم يمان بينما عيناه تنفقدان الوقت في ساعته...
"لهذا قدمنا مبكرا، لتري أفراد العائلة قبل بدء مراسم الزفاف... رغم ذلك، لا أضمن ألا تسرقي
الأضواء، فأنت زوجة الزعيم "
قلبت عينيها بطريقة مستفزة، محاولة إخفاء دقات قلبها السريعة...
"لا تنفك عن مدح نفسك وحشر اسمك في كل شيءا"
تجاهل تعقيبها، مكتفيا بابتسامة ساخرة، ورفع كتفه ليترجل عن السيارة.
الحارس فتح الباب لفانيريا لتلحق به، وخطواتها على الرصيف الرخامي تعكس صدى خافنا
يختلط بصرير عجلات السيارات الفاخرة الأخرى...
داخل الفندق، استقبلهم بهو واسع مفروش بالسجاد الفارسي الغني، تتدلى منه تربات كريستالية
تعكس الضوء على الجدران المزخرفة.
الروائح العطرية المنبعثة من مزهريات الياسمين والورد التضاعفت مع صوت خافت الموسیانی كلاسيكية، بينما كانت الممرات تصطف على جانبيها نقوش ذهبية وأبواب مزخرفة تؤدي إلى قاعات الاحتفال..
كل شيء ينبض بفخامة لا توصف، لكن قلبها ظل يرفرف بين رهبة اللقاء وحنينها لوجودها
بينهم من جديد .
استقلا المصعد إلى الجناح الخاص، حيث كان جميع أفراد العائلة في انتظار قدومهما، كانت أنستازيا أكثر من تحفنا للقاء كنتها المحبوبة، وتم تسعها الفرحة لدرجة أنها لم تستطع الجلوس فجابت الجناح جبنة وذهابا أمام ناظري هاندا، التي أبدت انزعاجها....
" يا إلهي أنت توتريننا هكذا ... هلا جلست ؟ "
تدخلت منار قائلة ....
"هي على هذه الحال منذ أن أخبرنا أراس بأن فاليريا على قيد الحياة، وأنها كانت مخطوفة طوال هذه المدة، صراحة، كلنا انصدمنا بالخير"
أضاف يلتشن باندهاش......
" المدهش في الأمر أنها ظهرت بالصدفة في الذكرى الأولى لوفاتها المزيفة.... لولا وجود يا ولا في مالطا، ما عرف أحد بأمرها "
ردت انستازيا بامتعاض.
"عليهم اللعنة... أفقدوا ابنتي صحتها وذاكرتها، وسلبوها حياتها كما سلبوا حياة ابني ... رياه، كم تعذب في غيابها كل شهر بمضي، كنت أمني نفسي بأن ينساها ويعود كما كان، لكنه كان يزداد حزناً ورفضا للحياة... ربما ترونه بينكم بارداً وقويا، لكنه كان في أضعف حالاته، وأشعر بالنار المستعرة في قلبه "
اقترب منها ضيا ليعانقها، حين بدأت تتساقط دموعها، وريت على ظهرها مواسيا ....
"المهم أن هذا الكابوس قد انتهى، وأنهما هنا أخيراً"
أوضح أراس، وهو يجلس في الجهة المقابلة ويدخن بهدو....
" لقد أوصانا بقدم التحدث أمام فاليريا عن تفاصيل وفاتها والجنازة التي أقمناها... فهي لا تزال
تحت تأثير الصدمة، بعد أن تذكرت من تكون "
سألت مدار....
هل ستحضر حفل الزفاف؟"
رد أراس....
"لا أظن.... إلا إذا حضرت متخفية، فالصحافة ستفجر خبر عودتها قبل أن تفكر في رواية مقنعة لما حصل .. كما أننا لم نبلغ الشرطة والجهات المعنية بعد، لهذا سيكون من الأفضل ألا تظهر في
حفل الزفاف"
ردت انستازيا باستهجان.....
"لماذا عليكم اختراع رواية مغايرة للحقيقة ؟"
نهض أراس من مقعده....
ليس كل ما هو حقيقي يصلح الإذاعه العامة .... كيف سنشرح موضوع الأكاديمية، مثلا؟ عزيزتي أريحي بالك من هذه التفاصيل واقضي وقتا ممتها مع كنتك"
اراس بحزم....
هنا دخل أونور ليخبرهم أن الزعيم وزوجته دخلا الفندق للتو، فوقف من كان جالسا، بينما نبههم
بهما ... مفهوم ؟"
"كما اتفقتا ... لا دموع، ولا أسئلة كثيرة... هناك عروسين في الغرفة المجاورة، ينتظران أن نفرح
وما كاد ينهي توصياته، حتى انهارت أنستازيا بمجرد رؤيتها فاليريا وهي تدخل مع ابنها، ليلعن أراس الطبع النكدي للنساء، كأنه لم يلقي محاضرة للتو في ضبط شلال العواطف.
لم تستطع أنستازيا حبس دموعها وهي تحتضنها، لقد أحبتها منذ أول لقاء بينهما وحتى قبل أن تعرف بعلاقتها بابنها. فكانت أكثر الأشخاص الذين افتقدوها حقاً، كان حضنا بين ام و ابنتها.
ولريس بين حماة وكنتها.
"ماما، اشتقت لك "
هكذا قالت مع عبرة مخنوقة.
لترد انستازيا ...
" وانا أيضا يا ابنتي "
بدت لهم مختلفة قليلاً مع الشعر المستعار الذي استعانت به الإخفاء هويتها، اقترب البقية ليتبادلوا العناق معها بود وفرح، غير أن دموع أنستازيا أصابتهم بالعدوى. فحاولت فاليريا
اخراجهم من حالة التأثر العاطفي هذه حين قالت بابتسامة عريضة ...
أين العروس ؟ أريد أن تنال حصتها من حفلة الدموع هذه"
التسأل أنستازيا بفضول وهي تمسح دموعها ...
هل ستحضرين الحفل ؟"
فردت فاليريا وهي تنظر إلى الزعيم الذي كان واقفا عند المدخل يراقب المشهد وهو يدخن
ببروده المعتاد.....
" ان لم يكن لدى الزعيم المبجل مانع ......
لبرد مازیا
" إن غيرتي مظهرك بحيث لا اتعرف عليك، ساعتها يمكنك حضور الحفل "
التبادله مزاحه...
" حتى لو تنكرت في زي المتسولين، ستتعرف علي، يكفي أن أجلس في نهاية القاعة لأرى لوکاس و مارسيلا وهما يرددان تذور الزواج أمام الجميع، وأغادر على الفور."
اكتفت فاليريا بالجلوس بعيدا وهي تشاهد العروسان يقبلان بعضهما بعد إعلان زواجهما، لتجلس منار بجانبها.
بدا وكأن كلاها عالقا في لسانها، تريد البوح به، لتقول بعد تردد.....
" أن أعتبر نفسي محظوظة كوني أجلس معك من جديد، لأعبر عن ما اعتمل في صدري وظل جائفا عليه طوال هذه المدة"
ابتسمت لها فاليريا بنعومة ...
"كلي أذان صاغية"
بنبرة حزينة، أقرت منار......
"أردت أن أعتذر منك في سهرة رأس السنة الماضية، لأنني ندمت على كلامي القاسي وتدخلي في حياتك الخاصة ... ما كان ينبغي أن أقول ما قلته ... لكنني لم أعتذر حينها. قلت مع نفسي. أمامنا أيام السنة بكاملها الأعتذر، أو ربما أترك النسيان يتكفل بحل الأمر... لكنني اكتشفت أن الأيام قد لا تمهلنا لتصحيح أخطائنا، وأننا عرضة للندم والحسرة إن أهملنا أولوياتنا... لهذا أريد أن تقبلي اعتذاري، فقد لا تمنحني الحياة فرصة مماثلة مستقبلا"
امسكت فاليريا يد منار وقالت بتفهم...
"أنا أسامحك من كل قلبي، لكن لماذا تقولين ذلك وكأنني لن أراك ثانية ؟!"
ردت مدار بارتياح.
"شكرا لك عزيزتي...
سكنت قليلا، تم استأنفت...
"لا أدري إن كان قد أخبرك أخي بأنني تزوجت في حفل ضيق، وسوف أسافر معه إلى كندا، لأنه
يعمل طبيبا هناك.....
ابدت فاليريا اندهاشها وفرحتها بالخير...
"هنيئا لك، وأتمنى لك السعادة من أعماق قلبي"
واستطردت مازحة لتخفيف الجو...
"ما قصتك مع الأطباء يا فتاة ؟ "
قبل نهاية الحفل، أخذها يمان إلى القصر لأنها شعرت بإرهاق جسدي وذهني، منذ أن استعادت ذاكرتها، والأحداث تتوالى تباغا، فكانت بأمس الحاجة للهدوء والراحة.
لكن دخولها إلى جناحها بعد عام كان دخولا مشحولا بالعواطف كل شيء على حاله، لم يتغير ديكور الجناح، حتى غرفة النوم بنفس الألوان والمفروشات من تلك الليلة.
همست فاليريا بينما يمان يحتضنها من الخلف....
"لا تقلى أنها بقيت هكذا طوال هذه المدة"
ابتسم قائلا...
"لا، لكن أردت أن تجديها كما تركتها منذ سنة ... أردت أن تكملي من حيث توقفت... أو بالأحرى
أن تكمل حياتنا معا من حيث توقفت "
قبل أن تقول شيئا، التفتت نحو المدفئة وصاحت بإنفعال حين تذكرت بفتة قطتها....
قطتي snow ... أين هي ؟ ماذا حل بها في غيابي؟ وماذا حل بصغارها ؟ لقد تركتها وهي حامل... يا حسرتي، لم أحضر ولادتها!"
المتم بالزعاج...
"تبا للأدوية."
لوهلة خاف عليها حين رأى دموعها الطفولية، لكن الطبيب نيهه من الأعراض الجانبية لتوقفها عن الأدوية التي كانت تتناولها وكانت نوبتها هذه أحد الأعراض...
" اهدئي، مسخك بخير وقد ملأت القصر بمسوخها الصغيرة... في أي لحظة ستجدينها تنفسحبقدميك بلا كرامة"
طبعا كان كادنا، فقد كانت عزاوه الوحيد في كل مرة يزور فيها القصر، لا يرى أحد شيحابتسامته إلا حين تأتي وتملأ الدنيا مواء، وتتمسح به كأنها تطالبه بإعادة صاحبتها...
واصلت بكاءها الطفولي بلا اكثرات لملامحة الحادة، لتضع رأسها على صدره، فما كان منه إلا أن عاتقها بحنان، محاولا تهدئتها، فهو يعرف لماذا كانت تبكي وكم هي بحاجة للبكاء على صدره التخفف عن نفسها.
همست بصوت مخنوق.
" لا تلمني بحق الجحيم.... إنها سنة لعينة كاملة بأيامها ولياليها، وأنا بعيدة عن حضنك "
بعد سنة ....
تحركت بخطوات مهرولة في الممز المؤدي إلى جناح الزعيم، وملامح القلق واضحة على وجهها. وما إن وصلت حتى لقيها رئيس الخدم بالحناءة احترام، مفسحاً لها الطريق للدخول إلى يهو الجناح، ثم إلى غرفة فاليريا.
هناك فوجئت بأن الغرفة امثلات بطاقم طبي كامل مولدات وطبيبات، ومعدات متنوعة، بل وحتى أجهزة مخصصة للعمليات الجراحية .... بدا وكأن المستشفى بكل ما فيه قد حط رحاله هناء
أطرقت رأسها للحظة، متذكرة أن فاليريا كانت قبل يومين فقط تعاني الاما طفيفة أسفل الظهر وانقباضات لا تكاد تذكر في بطنها المنتفخ، رغم أنها ما تزال في منتصف الشهر التاسع. لكن الطبيبة المشرفة أكدت أن تلك الانقباضات طبيعية، وتحدث عادة في أواخر الحمل، وأن موعد الولادة لم يحن بعد.
وبناء على ذلك، غادرت القصر لإحضار أغراضها الخاصة وتسوية بعض الأعمال، غير أنها لم تكد تبدأ بما كانت تنوي فعله، حتى وصلها اتصال من مارسيلا تخبرها فيه أن كنتها على وشك. الولادة.
حينها تركت كل شيء وجاءت على جناح السرعة إلى القصر فهي تريد أن تكون إلى جانبها.... وتمنحها كل الدعم المعنوي الممكن.
وما هي الآن تتفاجأ بهذا المشهد: ممرضات يحيطن بها من كل الاتجاهات، من نقيس ضغطها،
وأخرى تستمع إلى دقات قلبها وقلب جنينها.
اقتربت بقلب ملهوف نحوها، وانحنت تطبع قبلة حنونة على خدها، بينما امتدت يدها برفق فوق بطنها تتحسسها بحب وابتسامة متفائلة تحاول أن تخفي خلفها خوفها الحقيقي عليها .... فهي الابنة التي لم تلدها، بكرها التي تخوض لأول مرة ألم المخاض العسير الذي سيحطم عظامها رويداً رويداً حتى النخاع، ويشقها حتى آخر ذرة فيها، ليفسح الطريق الحياة جديدة. وروح تنبعث من روحها إلى الوجود.
قالت بلهجة دافئة تحاول أن تبت الشجاعة في قلبها ...
"يبدو أن حفيدي المشاكس مل من المكوث في بطنك... ويريد الخروج."
ورغم الاضطراب الذي يضرب عليها، بقيت فاليريا صامدة، وابتسامتها لا تفارق شفتيها.....
"لا أستغرب ذلك ... فمنذ شهوره الأولى وأنا أشعر به كفراشة محبوسة داخل جرة مغلقة، تبحث عن طريق للخروج "
لكن اضطرابها الحقيقي كان بسبب المفاجأة التي لم تكن في الحسبان.
قبل ساعتين فقط .... كان كل شيء هادئاً. كانت تجوب غرفتها بطمأنينة، تتحدث في الهاتف مع
زوجها البعيد الاف الأميال عنها في مهمة عمل.
كانت تخبره عما فعله الشوق بها خلال الساعات التي غاب فيها عن عينيها، وتستعجله في العودة خوفاً من أن يفاجتها المخاض وهو بعيد.... فلا يشهد ولادة ولي عهده المنتظر، ولا يحمل طفه بين ذراعيه لحظة خروجه إلى الدنيا.
لكن احلامها انقطعت حين شهقت فجأة بعينين متسعين، وقم فاغر من الصدمة، إذ شعرت بدفء غريب ينزلق تحتها نظرت إلى الأسفل بذهول .... لقد نزل ماء الجنين.
تسمرت في مكانها، واتعقد لسانها، بينما كانت تسمع يمان يناديها من الهاتف بلا جواب. كرر النداء بالحاج وخوف، حتى تمكنت أخيراً من النطق ....
"يمان... تمزق الغشاء... نزل ماء الجنين.... سألد وانت بعيد عني "
جاء صوته ها دلا، محاولاً احتواء ذعرها ...
"حسنا اجلسي على أقرب مقعد... تنفسي يعمق .... فقط اهدني "
فعلت كما قال، تنحسس بطنها البارز وقلبها يخفق كطائر مذعور...
"يمان.... أنا أحتاج إليك.... أرجوك عد"
رد بصوت دافئ ثابت يحمل كل القوة التي افتقدتها في تلك اللحظة ...
سأعود.... فقط كوني قوية كما عهدتك "
أخبرتها الطبيية أن كمية السائل المتبقية حول الجنين ما تزال كافية لانتظار الانقباضات حتى نهاية اليوم، مع ضرورة إبقاء المراقبة الطبية لصحة الجنين تجنباً لأي عدوى محتملة بعد تمزق الغشاء. وفي حال تأخر المخاض الطبيعي، ستضطر الطبيبة لتحفيزه عبر ابرة خاصة للتحريض
على الولادة.
مرت الساعات ببطء تقبل، وبدأت الانقباضات تدق أسفل ظهرها كجرس إنذار بقربها أكثر من لحظة الولادة ... ثم تحفت فجأة، لتمنحها فسحة صغيرة من الاسترخاء، وتعيد لها القدرة على السؤال للمرة العاشرة ربما، عن الزعيم...
فتومئ لها انستازيا بابتسامة متفائلة...
"سيصل قريباً، لا تقلقي "
كانت تقولها لتنشد من أزرها، وهي تعلم أن هذه الكلمات وحدها لا تكفي
تعلم انستازيا علم اليقين أن العالم كله، لو اجتمع حولها، لن يسد الفراغ الذي يتركه غياب زوجها عنها في هذه اللحظة.
وجوده وحده كان كفيلاً بمسح الارتباك من ملامحها الذابلة، وتبديد الخوف الذي يشتعل خلف ابتسامتها المتعبة، فالأمومة حدث جلل، لا تناله المرأة الا يشق الأنفس، وبلوغ الروح عليات
الحلق.....
وقد كانت فاليريا في أضعف حالاتها، لكنها ككل أنثى توشك على الولادة، ستستمد قوتها من مكان خفي لا تعرفه ... قوة يزرعها الله في قلب كل أم لتحتمل ألما يضاهي الاحتراق حتى الموت.
ومع ذلك..... كانت ترفض كل اقتراحات الطبيبة لولادة أسرع وأسهل، وحتى بدون ألم. كانت
تؤمن أن الألم يطهر الأرواح، ويمنح للتضحية معنى، وللأشياء قيمتها.
لكنها، مع كل انقباضة، كانت تجزم أنها الأسوا... وأنه لا يمكن أن يأتي بعدها ما هو أشد منها، ثم
ياتي ما هو اشد.
وصل موكب الزعيم إلى القصر، وما إن ترجل حتى لمح لوكاس يهرول نحوه.
سأله الزعيم بسرعة قبل أن يقترب منه ....
هل شرفنا ولي العهد؟"
اجابه لوکاس بابتسامة ساخرة....
" إنه ينتظر أن تقف في طابور المستقبلين قبل أن يأتي "
لم ينتظر الزعيم المزيد بل رمى معطفه على وجه لوكاس و تجاوزه وهو يلعنه، وما إن تزع لوكاس المعطف عن رأسه حتى باغته اراس برمي معطفه هو الآخر قائلاً...
"أريد أن أرى هذه الابتسامة البلهاء حين تصبح أباً."
عقد لوكاس حاجبيه صارخاً يتأفف...
" اللعنة ! هل أشبه شفاعة المعاطف !؟"
كان دخول الزعيم جناحه أشبه بدخول ملك عصره... طول فارع خطوات رصينة، وملامح حادة لا تهتز.
استقبلته انستازيا بفرح كبير...
الحمداً لله على سلامتك يا بني."
قبل بدها بمحبة، فربتت على كتفه وهي ترى اللهفة التي قاضت على صوته حين قال...
"هل هي بخير؟ "
ورغم شفقه بالأبوة، إلا أن سلامة " قطته المتمردة" تأتي دائماً على رأس أولوياته. ابتسمت انستازيا مطمئنة .....
"بالنسبة لامرأة على وشك الولادة، فهي بخير. تنحظر بشوق معانقة ابنها... وقبل ذلك معانقتك أنت. إنها محبطة قليلاً لغيابك "
أوما لها بفهم، ثم اتجه مباشرة إلى غرفة فاليريا، وما إن لمحته حتى الفرجت أساريرها كأنما رأت خلاصها من الوجع الطاحن.
خلع سترته واقترب منها، ليتحني هامساً قرب أذنها ...
"هوني عليك حبيبتي ... أنا هذا ".
داعب وجنتها ثم وجه كلامه الطبيبة...
"كم سيدوم هذا؟"
أجابته الطبيبة براحة وابتسامة...
"لم يبق سوى القليل، وفي أعقد الأحوال ستلد قبل الفجر."
زفرت فاليريا بضيق...
"أريد أن أنتهي من هذا ... أشعر أن قواي تخور، أرجوك الفعلي شيئاً."
ابتسمت الطبيبة وهي تربت على كتفها ...
"عليك أن تتحلي بمزيد من القوة ... من أجل طفلك. أنت تبلي جيداً حتى الآن."
فاوما لها الزعيم بمغادرة الغرفة مع من كانوا فيها لبعض الوقت، فأذعنت على الفور، ثم قام من أمام فاليريا، وهو يرمي ربطة محرزا عنقه من أزرار القميص العليا.
جلس خلفها يطوي أحد رجليه ليحيط بطنها بذراعه وهو يهمس بصوت شجي وحنون....
قريبا ستحملينه بين ذراعيك وتنسين كل ما مررت به.... سيملأ حياتك بهجة بمجرد أن تنظري إلى عينيه الجميلتين "
كانت تستكين لكلماته العذبة وتبتسم وهي مغمضة العينين تتخيل تلك اللحظة التي طالما انتظرتها منذ أن اكتشفت وجود روح داخل أحشائها، لكنها سرعان ما تلاشت ابتسامتها لتلتفت إليه برأسها في عبوس طفولي...
حتى الآن لم تخبرني عن إحساسك كونك ستصبح أيا... يوم علمت يحملي كانت ردة فعلك باردة، ونظراتك فارغة ... كأنك لم ترغب به، بماذا كنت تفكر حينها ؟"
ابتسم ساخرا وهو يتأمل شفتيها الملتويتين وحاجبيها المقطبين، فهمس قرب أذنها بمكر...
"كنت أفكر كيف سأمنع شياطيني عنك طيلة حملك "
مرر يده على بطنها واسترسل في الحديث...
"ملاك صغير بعث من السماء ليحميك من عربدة شياطيتي بك ساعة أشتهي ذلك... كنت مضطرا لأن أكون مؤديا ولطيفا وتقليديا لدرجة الغثيان، كبقية الأزواج المملين، وهذا أزعجني كثيرا.... أزعجني أنني لا أستطيع أخذك العالمي بمتعة مميتة"
داعب خذها بشفتيه دون أن يقبلها لتسمعه يسألها سؤالا داعب مشاعرها بشكل ساخر
" ألم تشتاقي الشياطيني ؟"
وقع كلماته وبخة صوته أخذاها العالم آخر، بعيدا عن تلك التقلصات البغيضة والأوجاع المميتة لتتسع ابتسامتها وتفرح شفتيها عن ابتسامة زينتها حمرة الخجل على خديها.
ولم عليها أن تنكر؟ فقد اشتاقت لها حقا ... اشتاقت للانطلاق بلا قيود إلى عالمه المجنون، لكنها تعلم انه كان يخاف عليها وعلى جنينها، وكانت تشعر به يبذل مجهودا لكي لا يلبي رغبته المتوحشة في حبس أنفاسها بقبلاته الدامية.
التقول وهي تعض شفتها السفلي....
بلى ... وأكثر مما تتصور
نظر إليها بصمت طويل، عمرزا يده على طول ظهرها يدلكه لتسترخي ويخف ألمها قليلا.
صمت أعقبه يوح في منتهى الرقة لم تحظ به منذ أن أخبرته عن حملها، فتكلم كانه يحدث
" حين علمت بحملك لم أستطع ترجمة مشاعري وإظهارها.... وجود روح تخصني داخلك زاد من تعلقي بك وخوفي عليك، لكن في الوقت نفسه شعرت بالغيرة من وجود مخلوق صغير، كلما كبر بداخلك كبر حبك له و عظمت مكانته في قلبك على حسابي .... وأنا لا أريد ذلك، لا أريد أن أتقاسم حبك واهتمامك ودلالك مع أحد حتى لو كان طفلا من صلبي.
يقولون إن الأم تتعلق بابنها بمجرد أن تعلم بوجوده داخلها، حتى قبل أن تراه... أما الأب فلا يشعر بمشاعر الأبوة إلا حين يحمله بين يديه ويشم رائحته ويشعر بيده الصغيرة تمسك اصبعه بقوة"
كم كانت سعيدة بلحظة البوح هذه ... كانت أكثر شيء احتاجت سماعه منه.
التبتسم محاولة إخفاء الألم الذي تتصاعد حدته شيئا فشينا...
"أحب صغيري حبين ... الأول لأنه ابني وأنا أمه، والثاني لأنه منك .... يحمل دمك وجيناتك، وربما سيحمل طباعك ووسامتك... أنا أحبه لأنك وال."
سكنت فجأة دون أن تستطيع إكمال كلامها، لتغمض عينيها وهي ضاغطة على أسنانها في محاولة لكنم صرخة ألم قطيع قد انفجر في أسفل ظهرها كبركان ثائر.
الم انتشر وتخلل عظامها كأنها تتكسر وتسحق في أن واحد.... ألم رهيب كمارد لعين بخرج من أطرافها، ممزقا كل إنش فيها، لتطلق صرخة مدوية وهي تقبض على يده بكل قوتها كأنه حبل نجاتها.
صرخة اهتز له قلبه الجبار وتألم بمرارة مكتومة، لكنه مسح على شعرها بقناع صارم و بارد، شادا على يدها..
"تحملي .... يقي القليل يا قطتي المتمردة"
نهض من جانبها وضغط على زر الاستدعاء، وما هي إلا ثوان حتى دخل الفريق الطبي ليقوم مباشرة بقياس ضغطها، وبمجرد معاينتها، أمرت الطبيبة بالتجهيز للولادة فوزا.
فانحنى الزعيم إلى قطته، رافعا رأسها إليه وهو ينظر إليها نظرة عميقة قال فيها الشيء الكثير. قبل أن يهمس لها ....
"أنت أقوى امرأة عرفتها في حياتي .... صارعتني وتمكنت من إثبات نفسك... ثم منحتني الحياة
بعدما كنت ميتا، هذا الذي أنت فيه ستتخطينه بنجاح كما كل العقبات، وستمنحين الحياة
لطفلك كما منحتها لأبيه من قبله .....
طبع قبلة على جبينها ليبتعد عنها تحت أنظارها الرائعة من الألم، مغادرا الغرفة، ليسمع صرخة أخرى استقرت كطعنة مميتة في قلبه، كنمها كما يكتم كل شيء بنجاح، وأغلق الباب خلفه مرتديا قناع البرود في مواجهة أفراد العائلة المجتمعين بترقب وانتظار الصرخة ولي العهد
المنتظر.
الحب والألم ثنائية غريبة ... كلما عظم أحدهما عظم الآخر، تولد الأمومة من رحم الألم والمعاناة.
كأنها ملاك يواكب رحلة الوليد منذ أول صرخة حياة له، فتربطه برباط وثيق مع أمه ... رباط لا
يفسح ولا ينحل إلا بموت الأم.
بخصلات مبعثرة على الجبين والخدين ومبتلة من العرق، وأنفاس منقطعة، وعينين غائرتين....
نظرت القطعة لحم صغيرة توضع على صدرها، سرعان ما انبعثت منها صرخة جعلت شفتيها
المرتجفتين تتبسمان لسماعها .
" انه صبي جميل وقوي.... مبروك سيدتي"
لمسته بحنان وحضنته بين ذراعيها لتقطع الطبيبة الحبل السري لم تدرك كم من من الوقت حتى حملوه عنها بعيدا، لتنطق بوهن ...
" إلى أين تأخذونه ...؟"
فردت الطبيبة مطمئنة اياها ...
"سوف ينظفته ويلبسته نيابه.... ثم يعيدته إليك"
هنا أعادت رأسها باستسلام، لتغمض عينيها وتغيب عن وعيها للحظات.....
كيف يمكن للسعادة أن تختزل في مخلوق صغير لا يتجاوز بضعة كيلوغرامات... صغير تتهافت
إليه القلوب قبل الأيدي، وتتابعه أعين العائلة وكان الزمن توقف عند أنفاسه الأولى؟
إنه ابن الزعيم .... ملك البرود والقسوة، الرجل الذي ترتعد أمامه صفوف من الجنود. أيعقل أن يخرج من صلبه ملاك بأعين تقطر براءة، ورقة قادرة على إذابة أقسى الصخور؟
قالت إيلا بحماس مكتوم، وكأنها اكتشفت كنزا...
" انه يشبهك، فاليريا"
فرد ضيا ساخرا، رافعا حاجبيه...
"ألا ترين الهيبة تتسرب منه؟ إنه ابن أبيه.... حتى في نومه "
قهقهت مارسيلا وهي تحدق في وجه الرضيع ...
"أشتهي تقبيل حدوده الكرزية .... وشفتيه الصغيرتين!"
صاحت انستازيا فيهم، ملوحة بيديها ...
"أبتعدوا قليلاً! دعوا الصغير وأمه يتنفسان!"
لكن فالبريا، التي كانت تحضنه قرب صدرها، ابتسمت بلطف...
لا بأس.... هو يحب أن يحاط بالدفء."
ورغم أنها طلبت منهم التراجع، إلا أنهم لم يبتعدوا امتثالاً لأوامرها، بل لأن الزعيم دخل أخيرا. لحظة دخوله سكنت الهمسات خطواته ثقيلة ثابتة، وكل الأنظار تبعته حتى وقف أمام السرير.
عيناه غلقنا على الصغير... لا تحيدان عنه.
ثم امتدت يده التي اعتادت القسوة ولامست خد فالبريا برقة نادرة...
"الامومة تليق بك "
كانت فاليريا ترى في عينيه رغبة مكبوتة .... رغبة لم يجرؤ أن يعلنها أمام الآخرين، يريد أن يحمل ابنه.
فشجعته مبتسمة وهي تنظر للصغير...
"هيا صغيري... حي والدك "
فمدت الطفل نحوه، بينما هو يرمقها بنظرة تحذير يعرف معناها الاثنان فقط، نظرة تقول لا
تلعبي معي الآن.
لكنها ابتسمت بمكر خفيف وهي تهمس ...
ها هو ابنك... في حضنك أخيراً"
كان حجمه ضئيلاً في يديه الكبيرتين، وكأن العالم كله انكمش في هذا الجسد الصغير. ورغم ذلك لم يسمح لأي أحد أن يرى ارتجافة يديه، ظل محافظاً على بروده، حتى وهو يقبل
وجنة الصبي بحرص شديد.
تم همس باسم لم يتوقعه أحد...
اهلا بك بيننا، دافيت"
عم الصمت .... ثم الاندهاش.
فاليريا حدقت به بعينين متسعتين، لم تصدق أنه اختار اسم والدها... الاسم الذي لم يعطها رأياً فيه حين لمحت له سابقاً.
لكن الآن.... نطق به.
فاضت الدموع من عينيها بلا إرادة.
وارتفع صوت المهنئين في الغرفة ....
بينما كانت هي تنظر إلى رضيعها وزوجها وتهمس في سرها ...
"دافيت أوزينش"
السبب ما، قرب الزعيم إصبعه لهم الصغير، تحرك الأخير برأسه وشفتيه الصغيرتين باتجاه
اصبعه ياحنا عنه. ثم رفع حاجبيه بخبث قائلاً....
فاليريا، أعتقد أن فاروق جانع ويريد الرضاعة "
ردت أنستازيا بهدوم .....
"الرضع يفتحون أفواههم لأي شيء يمر بالقرب من شفاههم، لذلك لا أعتقد أنه جائع، وإلا لكان
قد يكي أولا"
ابتسم الزعيم باقتضاب وقال .....
لن تخسر شيئا إن حاولنا معه ...
فما كان من الجميع إلا أن خرجوا تباغا، لمنح فاليريا بعض الخصوصية.
مدت يدها لتأخذه، غير أن الزعيم ابتعد بالصغير عنها، وجلس على أريكة مريحة ممددا رجليه، لا يزال يحتضن ابنه بحنان بينما ظلت عيناها الجاحظتان تتبع خطواته باستغراب...
يا له من ماكر... لقد جعلهم يغادرون الغرفة فقط ليستفرد باينه "
"أليس جالغا كما قلت ؟"
سألت، لكن الزعيم رد دون أن يلتفت إليها...
"لا إنه نائم الآن"
استنكرت..
"لماذا قلت ذلك إذاء"
تنهد معينا رأسه بتعب دون أن يزيح عينيه عن صغيره....
"لأعيش شعور الأبوة بهدوء "
كانت هذه آخر كلماته، قبل أن يغوص في عينيه البريتتين، بينما وقفت فاليريا ببطء، تتقدم
بخطوات حذرة ومتأنية، تتجد الزعيم قد غاب في نوم عميق من التعب، وابنه نالم بهدوء
وسلام بالقرب منه.
ابتسمت بخفة وقالت في سرها...
"انظروا لمن قال إنه يغار من ابنه... ربما أنا التي يجب أن تغار"
بعد ثلاث سنوات......
نزلت فاليريا إلى الحديقة بكامل أناقتها، حيث كان الزعيم يقرأ جريدته الصباحية مع فنجان القهوة، لتصدم حين رأت دافيت ممسكة بقطتها من ذيلها ويحمل شوكة الطعام في اليد الأخرى.
محاولا أن يطعنها بها وهو يضحك باستمتاع ويصيح بصوت طفولي...
"...متح... متح"
فجرت التشرع منه الشوكة يغضب...
دافيت أقلت القطة، سوف تعضك "
صاح من جديد غير عابي...
"..متح... متح "
انتزعت أخيرا ذيل Snow من قبضته الصغيرة، فبدأ يصدر صوت بكاء مزعج، وضرب قدميه
الصغيرتين بالأرض احتجاجا على حرمانه من لعبته المسلية.
"كم مرة على أن أكررها؟ اسمها Snow يا صغيري، وليست بمسخ !"
قوس شفتيه الكرزيتين ليزيد من استدارة خديه المنتفخين كقطعتي مارشميلو لذيذتين، مما أثار في نفسها رغبة لتقبيلهما وفرصهما.
"هيا... دعنا نتصالح يا صغيري..."
لكن اللنيم حرك رأسه رافضا، تم قام من الأرض وجرى نحو أبيه ليشتكي له من أمه التي منعته من غز القطة المسكينة.
لقد تكهنت بأنه نسخة عن والده منذ أن كان في بطنها، حيث لم يتوقف عن الحركة والركل الدرجة أنها كانت تستيقظ ليلا على ركلاته.
وتكهنها كان في محله ربما يشبهها شكلاً بشعره الكستنائي وعيونه الخضراء، لكن طباعه كانت من نصيب يمان
لا تتوقف جدته عن المقارنة بين سلوك حفيدها وردود فعله الطفولية والمضحكة، مع سلوك وردود فعل ابنها حين كان صغيرا، حتى أنه ورث عن أبيه غضباته وأسلوبه في الاحتجاج ... لكن
ان پرت ازدراء القطط عن والده، هذا حقا يقل العقل
وضع الجريدة ليحمل صغيره إلى حضنه، مصغياً إليه بانتباه كبير، وهو بيت شكواه بحروف متقطعة، وملوحاً بيديه الصغيرتين في الهواء تارة، ومشيراً باصبعه نحو أمه التي وقفت تنظر اليهما بسخط.
ليلتفت إليها الزعيم...
" لماذا أشعر أن هذا المسخ أهم من ابنك ؟ الولد يغار منه، وهذا لا يعجبني... مشاعر أبني المرهفة وسلامته النفسية أهم من بزينة القطط التي تمتلكينها ... أليس كذلك أيها البطل ؟"
فصاح الصغير بمرح، كأنه فهم كل كلمة من والده. لترد فاليريا ساخرة...
" أو حقا ... تتكلم وكان الصغير لم يرث جيناتك العظيمة .... ألا ترى أن هذا السفاح اللطيف
مشيرة للصغير يتلذذ بالغاضتي كما تفعل انت ؟"
وضعت يدها على بطنها برجاء...
"أرجو أن يكون الذي في بطني أنثى، حتى ترت طباعي الملائكية وأخلاقي السمحة لتفهمني وتحس بي ... لدي شعور قوي بأنها فتاة"
فضحك يمان ملء شذقيه، كأنه سمع نكتة ...
توقفي عن عقد آمال لن تتحقق... بطنك تحوي ابني الثاني، حدسي القوي لا يخيب.. وأخبرتك مراراً أن تفحصي جنس الجنين حتى لا يخيب ظنك بعد أشهر من الانتظار"
ردت با متعاض
" على كل حال، أنا على أعتاب شهري الأخير، وستعرف حدس من منا هو القوي"
ثم اقتربت من الصغير لتصالحه بقبلة صغيرة على خده، فلم تبقه براءة الأطفال على موقفه الأول، ليمد يديه طالباً منها أن تحمله كعربون صلح، لتفعل ذلك يحب كبير، حضنته وشمت رائحته الطيبة.....
" أخ ... كم أعشق رائحتك يا صغيري "
في تلك اللحظة جاءت العربية لتأخذ الصغير، فأبدت فاليريا استياءها من تركه وحده.
أرادت العربية تبرير ما حصل، لكن الزعيم قاطعها....
"أنا طلبت منها أن تحضر قبعته الشمسية"
فأخذت العربية الصغير تستأذن لأخذه إلى غرفته.
التفت الزعيم إليها فاليريا التي كانت تتبع العربية بعيونها، قائلا...
"فلنذهب لايد أن أونور على أعصابه الآن"
ردت مبتسمة...
"طبيعي... فهذا يوم مهم بالنسبة له.... لقد طال انتظار المسكين، وأخيراً سيخطب ايلا"
سحبها برفق لتقع في حضنه ...
"أراك أكثر حماسا من إيلا نفسها "
باعيت لحيته الخفيفة بحب....
"إيلا هي أختي التي لم تنجبها أمي رحمها الله .... أحزن لحزنها وأفرح لفرحها ...". تنهدت بعمق ثم أكملت ...
"حمداً لله أنها استطاعت تجاوز محنة أخيها، الذي كان سندها في الحياة، والآن هو نزيل دائم في مصحات معالجة الإدمان.... كلما اقترب من الشفاء، يعود أسوأ مما كان عليه .... على الرغم مما فعله بي، فأنا أسامحه حقاً لأنه دفع ثمن فعلته غالياً... وأنا ممتنة أنك لم تخير والده وأخته بما فعله حتى لا يحزنا عليه ويخجلا من فعلته "
هز رأسه يتفهم، ليطبع قبلة على شفتيها وهو يداعب بطنها....
"فلندهب وتخطب لذلك الوعد قبل أن أغير رأيي... فشكلك البيضاوي هذا يتير في رغبة شديدة
المضاجعتك "
فضحكت من عبارة الشكل البيضاوي...
بيضاوي ؟ لقد تبنيت عبارة خالتي الشهيرة
ليرد بسخرية ...
" من الجيد أنني لم أتبنى أفكارها النيرة في مشروع مصنع العربي ... تيا كلما أتذكر اقتراحها وهي تضع قدماً على الأخرى أمامي أندم لأنني لم أضع رصاصة بين عينيها، لحسن حظها أنها عادت إلى المانيا"
هذا انتفضت الجينات الجورجية في عروقها لتدافع عن خالتها في مجال تنمري بامتياز.... لا هي سكنت و استسلمت، ولا هو أوقف تهكمه المستفز أمام أنظار أراس الذي دخل الحديقة للتو.
فقاطع شجارهما بيأس...
"أقسم بحياتي، اينكما أعقل منكما ...
تمت بحمد الله
