رواية اربعة في واحد الفصل السابع والعشرون
خرجت ليلى من باب منزلها لتجد فيس ينتظرها في سيارته أمام المدخل، ابتلعت لعابها ورفعت عينيها نحو النافذة تلقي بنظرة متوترة إلى والدتها التي شجعتها بابتسامتها الواسعة، ترجلت نحو سيارة قيس وهذه المرة هي قد جلست بجانبه مباشرة.
ابتسم لها فور دخولها لسيارته وإغلاقها الباب خلفها ثم ألقى نظرة سريعة عليها من أعلى إلى أسفل، لكنه على عينيه على شفتيها، توترت و جمجمت لظنها بأنه ينظر لشفتيها لكنها فوجئت به يقطب جبيته ويقول بنبرة صارمة وهو ينتشل منديلا من العلبة الموضوعة أمامه
" امسحي الزوج دم"
نظرت له بدون فهم فأكمل "امسحي الروج قولت، حطي في البيت براحتك، وأحنا برا لا "
التقطته من يده يتردد ونفذت ما قال مع عبوس على وجهها، ألقت بمنديلها جانبا ونظرت أمامها وهي تشبك ذراعيها أمام خصرها بضيق، هذا حتى مد يده بعلبة هدايا مغلفة بورق أحمر لامع
"دي ليك " قال وهو يشغل محرك السيارة وينطلق بها ارتسمت ابتسامة على وجهها وتناست
غضبها منه ثم نظرت للعلبة بفضول "ايه دي؟"
ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه ورفع يده يحك جانب قمه وهو يجيب "فستان، بس للبيت .. مش بتاع خروج."
شكرته ليلى بنبرة فرحة وهي تحاول فتح العلبة لكن الآخر أوقفها مخبرا إياها بأن تفتحها عندما تعود إلى المنزل فأزعنت له ووضعتها جانبا.
كان يقود سيارته عندما أخبرها نروح مطعم ناكل، إيه رأيك ؟ " فوافقته بدون أي اعتراض. امتدت يده لمشغل الأغاني وضغط على الزر فصدح صوت المغني في السيارة بصوت ليس بالعالي ولا بالخفيض.
كانت أغنية لعمرو دياب، اصتنت ليلى جيدا لكلمات الأغنية وأنكمشت على نفسها وقد توردت وجنتيها من الخجل في حين كان قيس يقود بهدوء وعلى محياه ابتسامة خافتة.
نظر نحوها نظرة خاطفة فسارعت هي بالنظر من النافذة هاربة من عينيه، قضم شفتيه مانغا ضحكة من الظهور وعاد بعينيه إلى طريقه، خجولة، تعجبه.
بتحبي عمرو دياب؟ " تساءل بعد فترة من الصمت قاصدا فتح محادثة بينهما رغم أن الصمت بينهما كان لطيف معنى بأجواء شاعرية
نفت برأسها وهي تنظر للأسفل نحو يديها فسأل من جديد " بتسمعي لمين؟"
"ما بسمعش أغاني " اجابت بنبرة خفيضة فعقد حاجبيه واستفهم وهو ينظر لها ثم يعيد نظره للطريق "ليه ؟!"
"أصلها حرام."
زم شفتيه معا وشعر بالغرابة حقا "بس أصل الموسيقى لطيفة يعني وبتدينا مشاعر حلوة .. مش شايف فيها حاجة تدعو إنها تكون محرمة !"
بس حرام" صممت فقلب عينيه ونظر للجهة الأخرى وامتدت يده نحو مشغل الأغاني ليغلقها على مضض وأمضى باقي الطريق مزعوجا كل حقا، ما السيئ في هذه الأغاني اللطيفة؟ لم يشغل أغنية تحمل معاني سيئة، بل كانت أغنية جميلة وهادئة ورومانسية!
"أنت اتضايقت ؟" تساءلت هي بعد فترة من وجومه فنفى برأسه على الرغم من ملامحه التي تصرح بنعم..
"أنا عايزة مصلحتك وخايفة عليك " تمتمت بحزن وفوجئت به يفرمل فجأة ويركن السيارة جاننا ثم حرك رأسه لها متكلفا بجدية
"بصي يا ليلى، أنا مدرك ومستوعب إنك متدينة ومن أسرة متحفظة، وأنا حابب ده فيك لأني اصلا طبعي غيور، بس أنا ما يحبش التشدد والتزمت .. يعني خدي الحياة بطريقة أبسط من كده، أنا مش شخص متدين ولا محافظ بس هحاول أواكب ده معاك عشان نبقى مناسبين بعض فياريت أنت كمان تحاولي تواكبيني عشان تلاقي أرض مشتركة بينا، أنا حبيت أقولك كده عشان أنا شخص مباشر ما يحبش ألف وأدور وما بحبش حد يفصلني من مودي"
ولم ينتظر ردها وحرك المفاتيح ليشغل السيارة مرة أخرى وهذه المرة هو كان يقود بطريقة أسرع مع إبقاء ملامح وجهه المتجهمة والصمت القاتل بينهما في حين كانت هي تنظر له من وقت لآخر بتوتر وضيق ... ما الذي فعلته ليغضب هكذا؟
إنه عصبي كثيرا كما أخبرها في يوم مقابلتهما، لم يكن يكذب حقا بشأن ذلك ....
امتدت يدها نحو مشغل الأغاني وضغطت على زر التشغيل فعادت الأغنية بصوت هادئ من جدید، تفاجئ بهذا الفعل كنيزا وسقطت انعقادة حاجبيه ونظر للمشغل ثم لها وشعر بنفسه بهذا كثيرا وعادت ابتسامته من جديد.
تنفست هي الصعداء عندما لمحته يبتسم وعاد ليقود بهدوء مرة أخرى.
حسنا .. لقد اكتشفت شيئا جديدا به اليوم، إنه عصبي لكنه يهدأ بسرعة وهذا سلاح ذو حدان، لا تعرف كيف ستؤثر هذه الصفة عليهما في المستقبل لكنها أحبت كونهما سويا وتستطيع معرفة ردات فعله، عکس خطيبها السابق الذي لم تكن ترى منه سوى حروفا مكتوبة في الواتساب، أما عن لماذا سمح لها والدها بالخروج معه بمفرديهما ؟ فيبدو أن قيس قد كسب ثقة والدها ووالدتها بقوة، اعترض هشام في بادئ الأمر لكن مع موافقة والدها لم يمتلك غير الموافقة مرغقا بعد أن سمعته يتصل بقيس في غرفته ويهدده بأنه سيقتله ويشرب من دماءه لو تجرأ ووضع يده عليها أو فعل لها أي شيء لا يعجبه، ضحكت بداخلها كثيرا عندما سمعت تلك المكالمة بينهما .. هي
تحب هشام كثيرا، وتحب كيف أنه يتصرف وكأنها أغلى شيء له.
كانت وبشكل أو آخر تعلم أن هشام في مكان ما الآن يقضم إظفره وهو يتصفح هاتفه من حين إلى آخر منتظرا أية مكالمة استغاثة منها بأن قيس قد اختطفها ويريد بيعها كأعضاء بشرية ريماء
وكان توقعها صحيح، فهشام يجلس الآن مع أدهم في شرفة غرفته أمام طاولة يقبع عليها الكثير من الكتب والملازم، ويحاولان المذاكرة، غير أن أدهم يشخبط في دفتره برسومات سخيفة والآخر يهز ساقه بدون راحة وهو يعض في جلد شفتيه الحمراء بالفعل ويمسك بالقلم وهو يهزه فقط.
فوجئوا بصوت أنتوي ساخر يأتي من الجهة الأخرى بقى دي أشكال هتذاكر أصلا!"
التفت هشام للخلف ليجد داليا تدخن سيجارتها بهدوء وهي تنظر امامها فنطق بطريقة فظة " بقولك ايه يا ست كخة روحي شوفي أحمد فين وفكك مندا"
طب ما تروح تشوف أنت رحمة الأول، أنا سمعت إنها عاجباه " سخرت فنهض بسرعة عن
الطاولة وتوجه لها بأعين يتطاير منها الشرر "إيه ؟!"
توقع أن تخاف منه مثل الجميع، لكنها رمقته بطريقة باردة وأزالت سيجارتها عن فمها ثم نفخت دخانها في الهواء واعطته ملامح متحدية جعلت الآخر يصك على فكيه ويزمجر "خدي بالك من الكلام اللي بتقوليه معايا"
فسخرت "خد بالك أنت عشان مش أنت لوحدك اللي يتعرف تحدف ديش، المرة الجاية هتخبط فيا مزعلك "
"ما طبيعي تبقى دي أخلاقك، متوقع إيه من اختيار أحمد يعني ؟ " سخر لكنه أصطدم بها تجيبه "طز فيك وفي أحمد"
ثم ضحكت وهي تضع سيجارتها في طرف فمها أثناء عودتها إلى داخل غرفتها.
استدار هشام لأدهم فوجد الآخر يضحك، لكنه توقف فور أن رمقه هشام بتلك النظرة القاتلة. حمحم واعتدل في جلسته ومثل الجدية لكن فور جلوس هشام أمامه من جديد كان قد بدأ يضحك من جديد وهو يحاول عض شفتيه لمنع نفسه من إصدار أي صوت
" هو الواد أحمد صابها ليه ؟ تصدق بالله ؟ هي تستاهل أحمد فعلا وهو يستاهلها، يا أخي سبحان الله لا يقين على بعض بشكل غريب، الإثنين توكسيك وهيكفروا سيئات بعض " تكلم هشام وعلى
جديد
طالعه هشام بتفحص ملامحه واضحة للغاية، أدهم لا يروقه ما قد قاله
"مالك؟ أنت معجب بالبت دي ولا ايه؟"
رفع أدهم عيناه ببطء وهو يبتلع لعابه ثم سارع بالنفي "لا طبقا يا ابني ... أنا وهي مش شبه بعض "
كتاب، انت قولتلي قبل كده إنك مصاحبها عشان أنت وهي شبه بعض جدا وبتحبوا نفس
الحاجات ومتوحدين في بعض "
ابتلع لعابه من جديد ولاحظ هشام تفاحة آدم تتحرك في عنقه، لكنه قطب جبينه وزمجر بأسلوب هجومي " يعني ايه متوحدين؟"
"أدهم، ما تغيرش الموضوع !"
صمت الآخر ثم نظر له بأعين قلقة حزينة وزم شفتيه بضيق وهو يقول بنبرة منخفضة "مش عارف ... بس مافيش حاجة ممكن تتم بيني وبينها أيا كان أنا حاسس بايه جدي وجدتي مستحيل هيوافقوا عليها عشان هي مطلقة، دي حتى جدتي حذرتني من دلوقتي وقالتلي أقطع علاقتي بيها عشان فكرت فيه بينا حاجة، فأنا بعتبرها صديقة وبس .. ما يمنعش إنها حلوة وشخصيتها جذابة وبينا حاجات كثير مشتركة، بس زي أختي يعني ."
أوما هشام بتفهم ثم تساءل " وأحمد سابها عشان كده؟"
نفى أدهم برأسه ثم ركز على دفتره محاولاً إغلاق تلك المناقشة بينهما، فهو لا يريد الخوض في محادثة محورها مشاعره مؤخرا لأنه بالفعل بات لا يفهم نفسه .. لا يعلم ما الذي يشعر به نحو سارة ولا داليا ولا أية فتاة قد تقترب منه في تلك المرحلة ... لكنه كان يعرف شيئا واحدا ويكاد يكون متأكدا منه، أنه سينتهي بمفرده في النهاية.
وصلا قيس وليلى إلى المطعم الذي قد انتقاد الآخر، مطعم كلاسيكي يبدو أن الوجبة فيه بمقام راتب شهر من مرتب والدها، ولقد كانت تحاول أن تخبره بأنهما ليس عليهما أن يأكلا هنا وليوفر نقوده لشيء مهم، لكنها سرعان ما تذكرت أن قيس ووالديه وضعا مختلفا عنها، وأن هذه الأشياء لا تهمهم حقا ...
نظر قيس للنادل وبدأ بالطلب "بص عايز شربة سي فود وجمبري مشوي وسلطة. و ..." نظر نحو ليلى بتفكير، طالعها من أعلى الأسفل بتفحص ثم عاد برأسه للنادل وأكمل " ومكرونة.
لبشاميل ومحشي وبانيه وستيك "
توسعت عينيها وكانت ستتكلم لتسأل إن كان هذا الطعام لها أم لا لكنه أكمل
" والحلو ليا أنا سلطة فواكه، وليها مولتن كيك بالشوكولاتة، وزود الشوكولاتة على قد ما تقدر يعني، وياريت تحط فوقهم مكسرات وأيس كريم.
طالعته ليلى بصدمة، من سيأكل كل هذا الطعام ؟
انصرف النادل وعاد قيس بابتسامة واسعة لها وغمر " إيه؟ نفسك في حاجة ثانية ؟ أطلبلك
بسبوسة ؟"
"لا لاا كفاية كده، ده كده كثيرا"
اوماً ورمى لها بنظرة لعوبة وهو يهمس "أنا قولت كده برضه، ما ينفعش بسبوسة تأكل بسبوسة. طب ايه رأيك في كثافة ؟"
احمرت خجلا و نفت براسها بإحراج و جلست بصمت تنظر لأي مكان متفادية أعين قيس المعلقة عليها ولا يحيد بنظره يمينا أو يسازا، لدرجة أنها بدأت تتوتر حقا من نظراته تلك حتى تكلم
"إيه مالك ؟ أنت عمرك ما خرجت مع حد قبل كده؟"
نفت برأيها ونظرت للأسفل فقضم شفته السفلى باستمتاع "ما هو ده اللي عاجبني فيك، بس بصي، أنا يحب الخروج وكده فاتعودي بقي "
ابتسمت وأومات وهي تمد يديها التشبكهما أمامها على الطاولة، لكنها جفلت بصدمة عندما وجدت يده تلمس يدها، طالعته بأعين متوسعة وسحبت يدها فوزا لكنه مثل وكأنه يلعب في المزهرية الموضوعة على الطاولة وابتسم ابتسامة ماكرة قائلا "حلوة الفازة صح ؟"
"أه .. أه حلوة . " أجابت بتقطع فاقترب وهمس "مش أحلى منك يا قمر، عليا الطلاق أنت أحلى مزة شوفتها."
تصيغت وجنتيها ونظرت له بذهول، عليا الطلاق ؟ مزة؟ من هذا ؟!
قيس، لو سمحت أنا ما بحبش الإسلوب ده" قالت بطريقة صارمة متوقعة بأنها ستضعه عند حده لكنها فوجئت به يضحك ويغمز لها "طب يتحبي أنهي أسلوب يا عسل ؟"
"ما يحبش أي أساليب يا قيس ولو سمحت خط حد بينا في الكلام، أنا مجرد خطيبتك "
أه وممنوع أقول لخطيبتي إنها مزة؟ أقول لواحدة من الشارع يعني ؟ "
"لما أيقى مراتك ابقى قول ! " تذمرت وشبكت يديها أمام صدرها فارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه " بعد الجواز أقول؟ لا، نحن رجال أفعال لا أقوال "
"قصدك ايه ؟ "
قصدي يعني أحدا مخطوبين وهتتجوز بعد الامتحانات قبلاش تحبكيها أوي، عشان ما تقفلينيش منك، ثم إلي ما قولتش غير إنك مزة ! "
" هي مزة دي شوية ؟"
اه شوية، اومال لو قولتلك شفايفك صاروخ هتعملي إيه؟"
سقط فكها وشعرت بضربات قلبها تعلو وبديها تبرد لكن الآخر سارع بالتحدث "أنا قولت (لو) يعني أنا ما بقولش إن شفايفك صاروخ !"
ظلت على نفس حالتها ترمقه باذيهلال فتوتر وحمحم "مش قصدي إنها وحشة هي صاروخ فعلا .. بس أنا ما قولدش "
ضحكت رغما عنها وضربت جبهتها بالطاولة وهي تتمتم "استغفر الله العظيم".
جاء الطعام وشرعا في الأكل، كان قيس يراقبها جيدا وهي تأكل، ومن حين إلى آخر يخبرها بأن تأكل أكثر لكنها قد امتلئت ولم تستطع الإكمال مما جعل الآخر يترك طعامه وينظر لها بضيق كملي أكلك، خلصي الأطباق دي كلها "
" مش قادرة!"
وجدته يمسك بشوكتها ويضع فيها قطعة كبيرة من المعكرونة ثم غرسها في فمها فجأة "كلي يا حبيبتي، الأكل مفيد للصحة."
جحظت عينيها وحاولت التملص منه لكنها لم تستطع فمضغت ما في فمها وابتلعته وهمت لتتكلم لكنها اصطدمت بقطعة لحم كبيرة تحشر في فمها
نظرت له بأعين باكية وتذمرت "أنا شبعت "
"لا أنت شكلك خاصة كده وهفتانة، فمش هنقوم إلا لما تخلصي طبقك كله، ولا عايزة ولادنا بيجوا مرضانين ؟"
اخفضت رأسها يحزن و همست بتردد "بس أنا مش خاصة !"
"لا أنت خاسة، اسمعي متي ... شكلك هفتان كده وزي ماتكوني ما بتاكليش كويس، وشك أصفر
من قلة الأكل."
شكلها في نفسها ونظرت للطعام بتردد و همست "بس أنا بأكل كويس ."
"يا حبيبتي يعني هو أنا هضرك؟ ده أنا عايز مصلحتك، الأكل هيخليك أجمد
"أحمد ؟ " استفهمت فابتلع لعابه وحمحم قصدي قوية يعني، هيديك صحة."
الا مش قادرة يا قيس خلاص ."
طالعها يحزن وأوما مرغمًا لكنه سرعان ما ابتسم وتمتم "جمعة، عشان يبقى فيه مكان للمولتن كيك والايس كريم".
عادت ليلى إلى منزلها تمسك ببطنها وتتحرك بصعوبة، قابلها هشام الذي فتح لها الباب وبدأ يتفحصها بغضب راقبها جيدا ثم اقترب منها مز مجزا بصوت خفيض
بت، أنت ماسكة بطنك ليه ؟ الواد ده عملك ايه؟ قوليلي عملك ايه وبطنك واجعاك ليه ؟"
"هشام، أنا مش ناقصاك أنت كمان " صاحت ليلي في وجهه ودفعته بعيدا ثم رمت بجسدها على أقرب كرسي وأمسكت ببطنها "أكلني نص المطعم منه الله.".
بعد ساعة كانت ليلى قد هدأت وأمسكت بعلبة الهدايا لتفتحها بفضول، قابلتها رائحة عطر جميل فور نزعها للغطاء وبالداخل لمحت القماشة الشيفونية السوداء مدت يدها بسرعة لتلتقط ذلك الفستان الذي اتضح انه ليس بفستان بل بشيء آخر قد جعل الدماء تصعد لرأسها، ثم ألقت به في العلبة وهي تعض على شفتيها وتنوي رميه في وجهه عندما تراه، لا تفهم ما الذي يحاول قيس فعله بالضبط؟ لكن أيا كان ما يفعله فهي لم ولن تقبل به.
دخلت والدنها تسأل بفضول عن الهدية فأرتها ليلى لها وأخبرتها بأنها ستتشاجر معه كي يتعلم بأن هذه الأشياء غير مقبولة، لكن والدتها جعلتها تتراجع عن هذا بعد أن أعجبها ذوق قيس وتبينها أن هذا الثوب غاليا بشدة ولن يكون من الجيد إرجاعه له، وأقنعتها أنهما سيتزوجان بعد الإمتحانات .. فما الداعي ؟
في مكان آخر كان مراد يقف في الشرفة عاري الصدر منذ الساعة، يشرب سيجارة وينظر نحو شرفة غادة يتحدي يرى الضوء يصدر منها، ويكاد يكون متأكد بأنها قد رأته بطريقة ما، لكنها لم
تخرج حتى الآن.
بينما في الشقة المقابلة له، وقفت غادة أمام والدتها وهي تزمجر "شايفة قلة الأدب ؟ واقف سلبوتة تاني في البلكونة، والمرة دي أراهنك إنه عاملها عددا فيا ! سيبيني أطلع أهزقه السافل
الحيوان ده."
تمسك والدتها بيدها وترجتها من جديد "يا بنتي حرام عليك مش عايزين مشاكل "
"اوعي يا ماما هو فرحانلي بشعر صدره، والله لأطلع أمسح بكرامته الأرض، دفعت يد والدتها وتحركت مندفعة نحو الشرفة بعد أن وضعت حجابا على رأسها.
فور خروجها كان قد أشعل سيجارة أخرى، تجاهلها وركز على سيجارته لكنها صاحت "أنت يا معدوم الإحساس أنت، يكون في علمك، لو ما دخلتش ليست حاجة والله لأكون طالبالك البوليس "
استند على سور الشرفة بذراعيه ونفخ الدخان من فمه وسخر " اطلبيه، نمرتهم مية اثنين وثلاثين، قوليلهم واقف سلبوتة."
یا .. همست من تحت أنفاسها وبدأت تبرطم ببعض الشتائم في عقلها فرمقها الآخر بتحدي ولم تملك سوى ضرب سور الشرقة بقدمها ثم الهرولة لداخل بيتها بعد أن صفعت باب الشرفة بقوة.
قطب الآخر جبينه وهمس لنفسه "بت عايزة تتربي".
كان أخيه في الغرفة المجاورة يجلس على سريره أمام حاسوبه المحمول في مكالمة فيديو مع شيماء التي عاد إليها بعد أن رجعت هي تعتذر له عن نشرها لصورهما معا رغم تحذيراته لها بالا
تفعل.
"وحشتنی یا مودی - همست بدلال وهي تلعب في شعرها فضحك الآخر بطريقة ساخرة وازال السيجارة عن فمه أنت هتصيعي عليا يا شيماء، ما أنت مقضياها!"
بس انت غيرهم يا مودي وبعدين لو غيران عليا ما ترتبط !"
تسرء، فكك من الموضوع ده. خليها كده أحسن ... وريني بقي لابسة إيه؟"
ابعدت الفتاة هاتفها قليلا ليظهر ما ترتدي، ثم همست له بطريقة مانعة "ما قولتلك البيت قاضي يا مودي، ما تبجي
قلب عينيه وتذمر "شيماء، قولتلك مليون مرة أنا مش هعمل كده ... أنا أخرى أنت عارفاه كويس "
" و يعني انت عايز تفهمني إنك هتفضل كده؟ ولا أنا اللي مش عاجباك؟"
قولتلك مش هعمل كده إلا بجواز" قال وهو يضع السيجارة في جانب فمه فضحكت ضحكة
رقيعة وتمتمت "طب ما تيجي نتجوز."
"لا أنت عارفة إني بحب سلمى ومش هتجوز غيرها.
"عايز تفهمني إنك هتتوب يعني يا مودي؟"
ضحك وهو يرجع يظهره إلى السرير وغمز لها هو إيه دخل الجواز بالتوبة؟ بعدين انت قبيلة النهاردة وماسكة في صيرة الجواز والإرتباط ليه من امتى ده يعني!"
أصلي زهقت من القرف ده ونفسي أستقر .. وبصراحة، أنت أكثر واحد بحبه"
كان سيجيب لكن والدته فتحت الباب فجأة سارع بإغلاق حاسوبه لكن والدته كانت بالفعل قد المحت فتاة ترتدي قميص نوم أحمر تظهر على الشاشة من خلال المرأة الموجودة في ظهر
سريره المقابل للباب مباشرة.
اعتدل في جلسته وهو يبتلع لعابه ويحك ذقته بتوتر وخوف أثناء مراقبته الملامح والدته المتجهمة.
جلست أمامه و نظرت له ثم للحاسوب وتساءلت عما كان يفعل لكنه نفى أنه كان يفعل أي شيء. ورغم تصميم والدته هو أصر على موقفه حتى يأست ونظرت له يحزن
هي دي سلمى اللى قولتلي عايز تتقدملها ؟"
سارع بالنفي فوزا وبدأ بالمدافعة عن سلمى "سلمى مين يا ماما اللي بتشبهيها بواحدة شمال سلمى دي ضفرها برقبة أي واحدة .. دي حتى اتحجبت وبطلت تخرج معايا وبقت تحفظ قرآن"
" ويتخونها ليه يا ابني ليه تمشي مع الأشكال دي ؟ حرام عليك هتنقطني !"
صمت وأخفض رأسه وكأنه لا يجد إجابة ليقولها، فنهضت الأخرى عن سريره وهي تضرب بكفيها معا وتدعو الله بأن يهديه ويرحمه برحمته، راقبها أحمد حتى خرجت ولم يهتم ثم فتح حاسوبه من جديد ... وجد شيماء ما زالت موجودة، وجهها بدى عابشا، وعندما سألها عما بها قالت بأنه لا يوجد أي شيء، ثم أكملا مكالمتهما الوضيعة التي يستحي المرء عن ذكرها حتى، وبعدها أغلق
حاسوبه ثم أغلق النور وتعدد بجسده على السرير ثم أغمض عينيه بدون الشعور بأي ذرة ندم أو تانیب ضمیر نحو سلمی او داليا أو شيماء أو أية قناة قد مرت عليه في حياته.
لكنه لم يدري أن شيماء كانت قد استمعت لمحادثته مع أمه، وبأنه لقيها ب (شمال) ولهذا فقد كانت عابسة طوال الوقت ولم تكن تطيق وجهه حتى رغبت بأن تشتمه بالمقابل، فهو أيضا شمال في نظرها، لكنها أرغمت نفسها على إكمال مكالمتهما حتى تسجلها له، ولم تنتظر الصباححتى التبعث بذلك المقطع إلى صفحة سلمى على الفيسبوك .. لأنها إن كانت سيئة حقا وليست بظهر سلمى، فهو أيضا وغذا ولا يستحق سلمى بطهارتها تلك، سلمى يجب أن تعرف حقيقته
جيدا قبل أن تنغرس معه في زيجة ستتسبب بقتلها على قيد الحياة.
