رواية عهد الدباغ الفصل الثامن والعشرون
ساد الصمت للحظة، وتبادلت النظرات بين الحاضرين في دهشة.. ارتفع حاجب محي قليلًا وهو ينظر إليه باستغراب، بينما تساءلت إجلال بخفوت عن سبب هذا الطلب المفاجئ فأجابها:
حضراتكم عارفين إنى بشتغل بالسفارة خارج مصر، ومش معقول هبقي أنا عايش بلد ومراتي فى بلد تانية.
نظر إلى يارا لحظة قصيرة قبل أن يكمل:
وكتب الكتاب هيخليني بسهولة أقدر أطلع لها أوراق إقامة وتبقى معايا.
ساد صمت قصير بعد كلامه، كأن الجميع يفكر في منطقه... هز محي رأسه ببطء سائلًا:
يعني أنت ناوي تسافر قريب.
أجابه:
أيوه… إجازتي قربت تخلص تقريبًا، ولازم أرجع خلال أيام.
التفتت الأنظار نحو يارا التي كانت تجلس بصمت، تشعر بثقل العيون الموجهة إليها... حاولت أن تحافظ على هدوء ملامحها رغم الارتباك الذي تسلل لقلبها، تشعر بأن الكلمات سقطت على أذنيها كصاعقة... نظرت إلى نديم بذهول، كأنها تحاول أن تفهم ما الذي دفعه لقول ذلك الآن... ولما لم يُخبرها سابقًا...
ابتلع نديم ريقه بصعوبة حين التقت عيناه بعينيها... رأى الصدمة واضحة فيهن والعتاب أيضًا، فعرف أنه أخطأ كان لابد يمهد لها الأمر مسبقًا
لكن يارا شعرت ليس فقط بالمفاجأة بل بالغضب تحكم بها وبرد فعل لم تنتظر ونهضت فجأة من مكانها، حتى إن صوت احتكاك المقعد بالأرض قطع ذلك الصمت الثقيل...تحدثت وهي تنظر إليه مباشرة، وصوتها ثابت رغم الارتجافة الخفيفة التي خانته:
ممكن نتكلم شوية...فى البلكونة لوحدنا.
تبادل الحاضرون النظرات سريعًا، ثم أومأ محي بصمت، بينما قالت إجلال محاولة تخفيف التوتر:
أكيد لازم تتكلموا.
تحرك نديم خلفها إلى الشرفة الصغيرة الملحقة بالصالة. أغلقت يارا الباب خلفهما، ثم استدارت إليه بسرعة، وعيناها تمتلئان بما كانت تحاول كتمانه منذ دقائق وتحدثت بغضب:
كنت ناوي تقولّي إمتى...ولا قولت أحطها قدام الأمر الواقع.
تنهد ببطء، مرر يده فوق شعره قبل أن يجيب: كنت هقولك... والله كنت هقولك.
ضحكت بخفة ساخرة، هزت رأسها غير مصدقة: إمتى؟ بعد ما اتفاجئ ألاقي نفسي لازم أوافق قدام العيلة كلها...مفكر بكده إنى هوافق بسهولة.
ـ يارا...
قالها كي يبرر، لكن قاطعته بحسم:
لا، رد عليا الأول... إنت من إمتى واخد القرار ده... ومن إمتى مرتب إنك تسافر وأنا معاك... أنا آخر واحدة تعرف.
اقترب خطوة منها، لكنّها تراجعت فورًا، فثبت مكانه وهو يشعر أن المسافة الصغيرة بينهما أصبحت أكبر بكثير.
أنا ماخدتش القرار لوحدي... أنا بس...
صمت لحظة، ثم أكمل بصراحة: ـ
أنا خوفت.
رمشت بعينيها بدهشة قائلة: ـ
خوفت.. حوفت من إيه.
أجابها بتوضيح:
خفت أقولك فترفضي... أو تبعدي... أو ترجعي تقولي إننا لازم نستنى. وأنا معنديش وقت أستنى يا يارا... إجازتي بتخلص، ولو سافرت من غير ما أرتبط بيكِ.. هفضل كل يوم خايف أخسرك.
للحظة، ارتجف شيء بداخلها وهي تسمع نبرة صوته... لأول مرة بدا ضعيفًا، مرتبكًا، وصادقًا كأنه لا يملك تلك الثقة التي يظهر بها دائمًا.
لكنه أكمل وهو ينظر إليها مباشرة: ـ أنا بحبك... ويمكن أكتر من اللازم. لدرجة إني أول ما حسيت إن ممكن حد ياخدك مني، أو إن الظروف تبعدك عني مرة تانيه، فكرت بشكل أناني... فكرت إني أتجوزك بسرعة وخلاص.
تسارعت أنفاسها، وشعرت بالاختناق من ثقل المشاعر والكلمات معًا... وتفوهت بحِدة قليلة:
وكتب الكتاب عندك يبقى كده... قرار تاخده لوحدك وتفاجئني بيه.
أغمض عينيه لثانية، ثم قال بهدوء:
لا... وعشان كده أنا غلطان.
ساد الصمت بينهما للحظات، لا يُسمع فيها سوى صوت أنفاسهما والضوضاء الخافتة القادمة من الداخل.
ثم رفع عينيه إليها من جديد وقال بصوت أخفض:
عالعموم بعتذر ولو إنتِ رافضة... أو محتاجة وقت... قولي. وأنا هتحمل. لكن ما تبعديش عني.
ارتعشت أصابعها بجوارها، ونظرت بعيدًا عنه نحو الحديقة أسفلها، تحاول أن تلتقط أنفاسها. كانت غاضبة... مرتبكة... لكن الجزء الأصعب أنها لم تكن تريد أن ترفضه... وذلك أخافها أكثر.
ظلت صامتة لثوانٍي طويلة، تشبك أصابعها ببعضها وهي تحدق بعيدًا عنه، كأنها تبحث عن إجابة هناك...
كانت غاضبة منه... من طريقته، من أنه وضعها أمام الأمر الواقع، ومن أنه لم يمنحها فرصة لتفكر أو تستوعب... لكن خلف كل ذلك، كانت تعرف شيئًا واحدًا... لو سافر وتركها هنا، ستقضي كل يوم تتساءل إن كانت ستخسره.
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت خافت متردد:
ماشي...
التفت إليها بسرعة، كأنه لم يصدق ما سمعه: يارا...
رفعت يدها توقفه قبل أن يقترب أكثر، ثم نظرت إليه بجدية قائلة:
ماشي موافقة... بس ده مش معناه إني موافقة على اللي عملته. أنا زعلانة منك... جدًا.
هز رأسه فورًا، وكأنه مستعد لقبول أي شيء مقابل تلك الكلمة قائلًا بسمة:
من حقك.
أومأت برأسها قائلة:
ومن حقي كمان مايتفرضش عليا قرار يخص حياتي بالطريقة دي تاني.
_ أوعدك مش هيحصل مرة تانية.
ظلت تنظر إليه لحظة، تحاول أن تعرف إن كان يعني ما يقوله فعلًا... ثم قالت بتنهيدة: ـ
أنا موافقة... عشانك. وعشان... أنا كمان مش عايزة تبعد.
لأول مرة منذ بدأ الحديث، انفرجت ملامحه قليلًا، وخرج النفس المحبوس من صدره. اقترب منها ببطء، هذه المرة منتظرًا رفضها... لكنها لم تتراجع.
مد يده بحذر وأمسك يدها بين كفيه، كأنها شيء يخشى أن يفلت منه.
مش هخذلك... والله ما هخذلك.
ابتلعت ريقها وهي تشيح بوجهها قليلًا حتى لا يرى ذلك الارتباك الذي اجتاحها،..كذالك سحبت يدها من يده.. بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة لم يستطع إخفاءها...
وفي الداخل، كان الجميع ما زال ينتظر بقلق.
فتح نديم الباب أولًا، ثم دخلت يارا خلفه... رفعت إجلال رأسها نحوهما بسرعة، بينما سأل محي بترقب:
خير.
نظر نديم إلى يارا لحظة، وكأنه يمنحها حق الإجابة.
ترددت لثانية، ثم قالت بهدوء حاولت أن تخفي به اضطرابها:
موافقة.
ما إن نطقت الكلمة حتى تبدلت الوجوه من التوتر إلى الراحة... شهقت إجلال بشعور قلق،او بالاصح شعور صعب،أن تبتعد عنها إبنتها الوحيدة،لكز لن تفسد سعادتها...كذالك ابتسم محي وهو يهز رأسه.
بينما نديم... فلم ينظر إلى أحد.
كان ينظر إليها فقط، وكأنه لا يرى سواها...
تنحنح محي وهو يعتدل في جلسته، ثم قال بنبرة عملية بعدما هدأ التوتر قليلًا:
خلاص... مدام اتفقتوا، يبقى نحدد ميعاد.
قال نديم دون تردد، كأنه كان مستعدًا لتلك اللحظة منذ البداية:
نكتب الكتاي بعد بكرة.
ساد الصمت ثانية، لكن هذه المرة كانت الصدمة أكبر.
رفعت إجلال عينيها إليه بسرعة:
بعد بكرة؟!
حتى يارا التفتت إليه بذهول، بينما قال محي بعدم استيعاب:
بعد بكرة إيه يا ابني ده كتب كتاب مش مشوار.
أجاب بهدوء رغم نبرة الاعتراض حوله:
يا عمي أنا قولت لحضراتكم إجازتي قربت تخلص... وكل يوم بيضيع هيأخر السفر والإجراءات. كتب الكتاب بسيط، والأهالي موجودة، وبعدها نعمل الفرح بمجرد ما تخلص أوراق الاقامة.
إعترض محي كذالك إجلال التى قالت
بس لازم نجهز... لازم نلحق نجيب حاجات، ونبلغ اهالينا.
تدخل نديم سريعًا:
مش عايز أي تعب على حد. كتب كتاب وسط العيلة بس، والباقي بعدين.
التفتت الأنظار مرة أخرى إلى يارا... لكنها هذه المرة لم تبدوا مصدومة بقدر ما بدت مرهقة ومتوترة من سرعة كل شيء... شعرت وكأن الأرض تتحرك أسرع منها، وكأنها لم تحصل حتى على فرصة لتلتقط أنفاسها.
اقتربت منها إجلال وربتت على يدها بحنان: إيه رأيك يا حبيبتي.
نظرت يارا إلى نديم... كان يراقبها بصمت، وفي عينيه شيء بين الرجاء والخوف، كأنه يخشى أن تتراجع الآن...
خفضت عينيها للحظة، ثم قالت بهدوء:
اللي تشوفوه.
ابتسم نديم ابتسامة صغيرة مرتاحة، بينما قال محي بعد تنهيدة طويلة:
خلاص... كتب الكتاب بعد بكرة.
ثم أشار بإصبعه نحو نديم محذرًا بنبرة نصف جادة:
بس من هنا لحد اليوم ده، مفيش قرارات مفاجئة تانية.
خرجت ضحكة خافتة من إجلال، بينما هز نديم رأسه بطاعة:
حاضر يا عمي.
لكن يارا لم تضحك.
ظلت جالسة في مكانها، تستمع إلى حديثهم عن المأذون، والملابس، ومن يجب إبلاغه... بينما قلبها يخفق بعنف داخل صدرها.
❈-❈-❈
فى شقة محسن الذي حين رأي إسم رابيا على الهاتف، نهض وخرج من الغرفة فتح الإتصال، لكن سُرعان ما خفق قلبه بقوة من نبرة رابيا المُستغيثة.. هرول سريعًا الى الشقة فتحها ودلف الى غرفة النوم.. لوهلة تصنم حين رأي رابيا تجلس على الفراش تضع يديها فوق ركبتيها تنحني بجذعها للأمام تقوس جسدها، وجهها غارق بالعرق والالم مرسوم علي وجهها... سرعان ما فاق من ذلك وتوجه نحوها بلهفه وضع يده فوق كتفها سائلّا:
مالك يا رابيا.. كنتِ كويسه من شوية.
أجابته وهي تحاول السيطرة على الألم:
معرفش فحأة حسيت بألم زي تقلصات وإنقباضات فى بطني، وإتصلت عالدكتورة بالت لى لو زادت تعالى لى المستشفي... أه...
انهت حديثها بتلك الكلمة التى أفزعت محسن فلم ينتظر وحملها سريعًا... فى البداية كادت تعترض خوفً عليه:
بلاش تشليني أنا هقدر أمشي.
نظر لها قائلًا
بلاش إعتراض... خلينا نروح للدكتورة بسرعة.
استسلمت لحمله لها،.
اثناء نزولهوكان بردهة المنزل إجلال وفاروق اللذان إقتربا بقلق،سألت إجلال:
مالها رابيا،كانت كويسه.
أجابها محسن بتسرُع:
معرفش، لازم أخدها عالمستشفي.
نظرت إجلال بقلق قائلة:
هاجي معاكم...
قاطعها فاروق قائلًا:
خليكِ إنت يا ماما عشان الضيوف وهروح أنا معاه.
على مضض وافقت إجلال بينما ذهب معهم فاروق.
بعد قليل أمام إحد غرف المشفي
كان محسن يسير بالممر يشعر بقلق، ذهب فاروب نحوه قائلًا:
تعالى إقعد دلوقتي الدكتورة تطلع تطمنك.
نظر له محسن قائلًا:
الدكتورة غابت أوي.
غصبً ابتسم فاروق قائلًا:
دي مبقلهاش ربع ساعة.، تعالى إهدى وأقعد، وإن شاء الله خير، قبل كده وهي حامل كان نفس التعب تقرييًا.
نظر له محسن قائلًا بنفي:
لاء مكنتش بتبقي كده.. أنا..
قاطع حديثه خروج الطبيبة إقترب منها سائلًا:
خير يا دكتورة، رابيا..
قاطعته ببسمة عملية:
رابيا بقت بخير، الحمد لله مفيش شئ خطير، التقلصات دي بسبب ضغط نفسي، واضح إنها عايشة ضغط نفسي، أنا إدتها مهدأ مالوش تأثير عالجنين... كمان لاحظت شوية ضعف علقت لها محلول، ومجرد ما المحلول يخلص تقدر تخرج من المستشفى، وياريت بلاش تعيش ضغط، ده بييأثر عالحمل.. تقدر تدخل لها.
اومأ محسن، كذالك فاروق الذي تبسم حين لم يستطع محسن الإنتظار ودلف سريعًا الى الغرفة... حتى لم يشكر الطبيبة..
دلف محسن الى الغرفة نظر نحو الفراش كانت راقدة تُغمض عينيها.. تنحنح ونطق إسمها بلهفة:
رابيا.
فتحت عينيها... سرعان ما جلس جوارها على الفراش، مد يده ومسك يدها حاوطها بقبضتيه قائلًا:
حاسه بايه دلوقتي.
نظرت نحو يدها المختفية بين يديه قائلة:
الحمد لله التقلصات إختفت والدكتورة طمنتني عالجنين.
صمتت للحظة ثم أخفضت وجهها قائلة بنبرة إعتذار:
معليشي أكيد إضايقت، إنها حاجة بسيطة وأنا..
إبتسم وقاطعها حين وضع يده على فمها قائلًا!:
المهم إنك بخير إنتِ والجنين، بناتك محتاجينك،اكيد هما السبب بلاش تضطغطي على نفسك.
بخفوت رفعت وجهها ونظرت له كأن حديثها ليس سؤال تريد جوابه …بل كانت تبحث في ملامحه عن شيءٍ أعمق من الإجابة، عن إحساس يطمئن قلبها المرتبك.
همست بصوت خافت، يكاد لا يُسمع:
وأنت… كنت قلقان عليّا فعلًا... ولا بس علشان الجنين.
توقف للحظة، كأن السؤال باغته، تشابكت نظراته معها، وهدأت ملامحه فجأة… ثم شد على يدها برفق، وقال بنبرة صادقة خالية من المزاح:
كنت قلقان عليكِ إنتِ… قبل أي حد.
ارتعشت أنفاسها قليلًا، واتسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها، بينما أكمل وهو يمرر إبهامه فوق كفها:
رابيا… إنتِ مش بس أم عيالي…
صمت لحظات بداخلها تتمني أن يُكمل ويخبرها أن لها مكانة خاصة..
صمتت هي الإخرى، لكن عينيها امتلأتا بشيءٍ لم يكن حزنًا… ولا فرحًا خالصًا، بل مزيجًا مؤلمًا بينهما...حين إستطرد حديثه:
لازم تاخدي بالك من صحتك وتبطلي تضغطي على نفسك،لازم تبقي قوية... أنا بحب الست القوية زي ماما كده.
سحبت يدها ببطء من بين يديه، ليس رفضًا… بل ارتباكًا، ثم قالت بصوت متردد:
بس أنا… مش حاسة إني قادرة أكون قوية زي عمتي.
اقترب أكثر، صوته هذه المرة كان أهدأ… وأقرب:
ومين قالك إني عايزك قوية زي عمتك...
أنا عايزك على طبيعتك… حتى لو ضعيفة.
نظرت له طويلًا، وكأنها لأول مرة تراه بهذا الوضوح… ثم تمتمت بعقلها:
طب ولو ضعفي ده…سببه إنى بحس أنك بعيد عني.
نظر لها بصمت ليتها تفوهت وأخبرته بأي شيء، لكن قطع نظراته طرقًا على باب الغرفة ثم دخول فاروق مُبتسمً يقول:
أنا خلصت حساب المستشفى، ماما إتصلت عليا وكانت هتجي، قولت لها إن مالوش لازمة، مجرد ما المحلول يخلص هنرجع البيت.
أومأ محسن كذالك رابيا التى لاحظت بسمة محسن، ليست المرة الأولى التى ترا منه لهفة عليها، لكن ربما تود بعض الكلمات، تدل على فحوى الافعال... فالكلمات أيضًا لها مصداقية ومفعول... عيب محسن الصمت، وهي الأخرى الصمت مرضها المزمن.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
دلفت عهد الى الشقة، شعرت بريقها كأنه يجف، رغم عدم عطشها، لكن ذهبت الى المطبخ جذبت قنينة وإحتست القليل مازال حلقها جاف،جلست على إحد المقاعد،وضعت يدها على الطاولة أمامها ثم إتكئت عليها برأسها...تذكرت قبل وقت قليل حين كانت ذاهبة الى المطبخ،تسمعت صدفة على حديث الخادمات مع بعضهن
"الدار دي زي ما تكون منحوسة،وقدمها نحس عالحريم،الست رابيا مفيش مره تبقي حامل وتعدي فترة حملها بسلام...حتي الست فرح الله يرحمها إتلضت فى المرض،والله زي ما تكون لعنة بجد..،رغم كانت داخلة الدار زي الوردة،بس يعيني المرض مقتها ونهاها،يعني إبنها إتيتم وفاروق بيه فى البداية حسيت إنه حزين عليها، بس زي أمي ما كانت تقول، الراجل بيحزن تلات أيام بس وبعدها بينسي ... كويس إن اللى إتجوزها تبقي أختها، أهي حنينة على إبنها مش بيقولوا" الخالة والدة"رغم اللى لاحظته إن مكنش بينهم وفاق قبل كده، كانت زيارتها شبة معدومة، بس ها هو ده القدر، هقولك سر...
نهتها الخادمة الأخرى كي تكف عن الثرثرة:
حرام تقولى كده،كل شيء قدر من ربنا،هي كدة الدنيا مش كاملة لحد"
مازال حديث الخادمات يتردد برأسها، شعرت بإختناق ودموعها تسيل... خرجت من المطبخ، ذهبت نحو غرفة ياسين، نظرت نحو الفراش كان غافيًا، رغم برودة الطقس لكن شعرت بسخونة فى جسدها... ذهبت نحو شُرفة بالردهة تطل على خلفية المنزل... بمجرد أن فتحت الزجاج، شعرت بهزة برودة لكن لم تتأثر بها، ظلت واقفة، سابح عقلها فى الا شيء، لاشيء يتردد فى عقلها سوا أن أمامها صورة من بعيد تسكن الظلام... فرح التي تبتسم.
بينما دلف فاروق الى الشقة، شعر بهواء بارد يتسرب فى الشقة، نظر نحو تلك الشُرفة، راي عهد تقف تزم يديها على جسدها، تعجب من وقفتها تلك وكاد يتحدث، لكن تراجع، وذهب الى غرفة النوم، جذب دثار صغير، وذهبت نحو الشُرفة، ألقاه على جسدهت ثم إلتف خلفها...
إرتجف جسدها شهقت... حين شعرت بدثار ثقيل يوضع فوق كتفيها كذالك يديه تلتف حول جسدها بالدثار يضمها لجسده من ظهرها، وضع قُبلة على جانب عنقها هامسًا:
واقفه هنا ليه الجو برد.
ارتعشت أنفاسها أكثر، ليس من البرد وحده، بل من دفء صوته القريب، ودفء صدره الملتصق بظهرها... أغمضت عينيها للحظة وهي تشعر به يشد الدثار حولها أكثر، كأنه يريد أن يحجب عنها برد الليل كله...
همست بصوت متقطع:
مكنتش حاسة...
مال برأسه قليلًا، أنفه يلامس خصلات شعرها، ثم قال بنبرة هادئة تحمل عتابًا خفيفًا:
واقفة لوحدك والبلكونة مفتوحة... إفرضي تعبتي.
ابتسمت رغم ارتجافها، ووضعت يدها فوق يده الممسكة بالدثار حولها، تشعر بخشونة أصابعه ودفئها:
كنت بفكر بس.
لفها ببطء حتى أصبحت تواجهه، وبقي الدثار ملتفًا حولها وبينهما... كانت عينيها مبللتين بشيء لا تعرف إن كان بسبب الهواء البارد أم من ذلك الضعف الذي أصبح يتوغل منها أمامه.
رفع يده يزيح خصلة شعر عن وجهها، ثم سألها بهدوء:
في إيه شاغل عقلك.
هزت رأسها نافية، لكنها لم تستطع النظر بعيدًا عنه... كان قريبًا أكثر مما ينبغي، وقريبًا بالقدر الذي يجعل قلبها يضطرب دون رحمة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم جذبها إليه مرة أخرى، يضمها بين ذراعيه وهو يقول بصوت منخفض:
مهما كان اللى شاغل عقلك... متوقفيش لوحدك كده تاني. البرد ملوش أمان... وأنا ماليش طاقة أشوفك بتتعبي.
دفنت وجهها قليلًا بصدره، كأنها وجدت أخيرًا المكان الوحيد الذي تستطيع أن تترك فيه كل ذلك الثقل الذي فوق قلبها.
مرّت لحظات صامتة، لا يُسمع فيها سوى صوت الهواء بالخارج، ودقات قلبها التي كانت تهدأ تدريجيًا بين ذراعيه..
ثم رفعت وجهها نحوه ببطء، وعيناها تبحثان في ملامحه، قبل أن تتفوه بسؤال:
رابيا.. عملت إيه.
اجابها:
رابيا هنا فى البيت، رجعنا من شوية الدكتورة قالت التقلصات بسبب ضغط عصبي.
تنهدت وهي تضم الدثار قائلة:
ضغط عصبي، غريبة أنا بشوف رابيا طول الوقت هاديه.
أجابها وهو يزم طرفي الدثار:
الدكتورة قالت كده، ممكن الهدوء يكون نسبي.
- الهدوء نسبي
وهل ما بداخلها من صراع ليس ضغطً عصبيًا عليها، صفن عقلها للحظات ثم تنهدت وهي تنظر أمامها:
تعرف أوقات كتير بخاف.
عقد حاجبيه بخفة، ويده ارتفعت تمسح برفق على ظهرها:
من إيه.
ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت خافت:
من كل حاجة حلوة... كأنها ممكن تروح فجأة... بقيت بخاف أقرب من حد... ممكن يسيبني ويمشي، زي..
صمتت تتلألأ الدموع بعينيها.. نظر إليها طويلًا، وكأن كلماتها أصابته في مكان لا يتحدث عنه أبدًا...غص قلبه... رفع يده ووضعها على وجنتها الباردة، يدلكها بإبهامه برفق.
رفعت عينيها إليه فورًا... تفوه بصدق:
أنا موجود... يا عهد.
اهتز شيء داخلها مع كلماته، وشعرت بغصة صغيرة في حلقها. حاولت أن تبتسم، لكنها فشلت، فاكتفى هو بأن جذبها أقرب، حتى لم يعد بينهما أي مسافة...
أسند جبينه إلى جبينها، ثم قال بنبرة أهدأ:
ولو الدنيا كلها بردت... أنا هفضل الدفا بتاعك.
أغمضت عينيها، وابتسمت أخيرًا، بينما ضمته بذراعيها كأنها تخشى أن تتركه، وهو شدها إليه أكثر، ثم أبعدها برفق قائلًا:
يلا ندخل جوه... قبل ما نتجمد إحنا الاتنين.
أمسك يدها، ولم يتركها، حتى بعدما دخلا إلى الردهة وأغلق الباب خلفهما.
ما إن دخلا الغرفة حتى لف الصمت المكان، صمت دافئ هذه المرة، يختلف عن برودة الشرفة ووحدتها...
أغلق الباب بقدمه دون أن يترك يدها، ثم التفت إليها. كانت لا تزال تلف الدثار حولها، وخصلات شعرها تتحرك فوق وجنتيها، بينما عيناها معلقتان به بصمت...
اقترب منها ببطء، ثم رفع يده يمررها على وجنتها برفق، كأنه يتأكد أنها بخير فعلًا سائلًا:
لسه بردانة.
هزت رأسها بخفة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة قائلة:
لا... خلاص دفيت.
ابتسم هو الآخر، تلك الابتسامة الهادئة التي تظهر منه لها دائمًا، ثم جذبها من يدها حتى جلست علي آريكة بالردهه، وجلس أمامها على ركبته للحظة، ينظر إليها كأنها الشيء الوحيد الذي يراه... قائلًا بصدق:
عارفة إيه أكتر حاجة بتخوفني
نظرت له بدهشة، فتابع بصوت منخفض:
إنك تزعلي... وتبعدي عني.
ارتجفت شفتيها قليلًا، ثم مدت يدها ولمست وجهه برفق كادت أن تتحدث وتخبره أنها كانت بعيدة عن محيطه لسنوات لكنه...
أمسك يدها وقبّل باطنها قبلة طويلة، ثم تحدث بنبرة أمر:
يبقى اتعلمي... لأنك مبقتيش لوحدك.
شعرت بعينيها تمتلئان بالدموع، لكنها ضحكت بخفة وهي تحاول أن تخفيها قائلة:
إنت بقيت تقول كلام يخوف أكتر من البرد.
ضحك بهدوء، ثم نهض وجلس على الآريكة جذبها معه، حتى اصطدمت بخفة بصدره. ضمها مرة أخرى، هذه المرة أهدأ، وأقرب، ويده تتحرك فوق ظهرها في طمأنينة.
أصبحت بين ذراعيه، تستمع إلى دقات قلبه، بينما هو يهمس قرب أذنها:
تعرفي وأنا صغير كنت متعلق بجدتي أوي،كانت صحتها جامدة.. بس فجأة راحت صحتها ومرضت أسبوع بالظبط... روحت المدرسة ولما رجعت لقيت البيت زحمة أوي وستات لابسه أسود مكنتش فاهم، بس زي عادتي كنت متعود اروح لها أوضتها... وقتها منعوني أدخل لها، مكنتش فاهم ليه.. لحد ما ماما قالت لى إنها إتوفت، مكنتش فاهم أزاي مش معقول الفراق سهل كدة... بس من وقتها نزلت أشتغل مع بابا فى المدابغ... كان قلبي جرئ، ومازال.
لوهلة تبسمت قائلة:
يعني قلبك جرئ ولا معندكش فى الشغل مجاملات... عشان كده أطلقوا عليك "الملك"
ضحك قائلًا:
بابا هو اللى أطلق عليا الإسم ده.
رفعت راسها تنظر له سألة:
ليه... عشان إسمك فاروق... بس متنساش إن فاروق آخر ملوك مصر وإتــــــــــ
لم تكمل الكلمة.. جذبها من رقابتها يلتهم شفتيها بقُبلات...
تقبلتها، حتى أنها إستكانت من دفئ يده على عنقها... ترك شفتيها عاد يضمها.. رفعت يدها بطرف الدثار، بمغزي أن يلتف معها بالدثار... فعل ذلك وأخذ طرف الدثار، وقام بلفه وضمها ثم تمدد الإثنين على الآريكه... تخلت عن النظر له ونظرت نحو زجاج الشرفة
عيناها تائهتان هناك… وكأنها تهرب من شيءٍ بداخلها...
شعر بحالة الشرود، فضمها إليه أكثر، ذقنه استقر فوق رأسها، وصوته خرج منخفضًا، هادئًا:
سرحتي في إيه.
تنفست ببطء، ولم تنظر له، فقط همست:
فيك… وفي اللي قولته.
صمت لحظة، لم يتوقع إجابتها، تسأل بنبرة أخف:
وحكمك إيه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل لعينيها، وتحدثت:
إنك… مش قاسي زي ما بتبين.
مرر يده فوق ذراعها بحركة بطيئة، وكأنه يطمئنها دون كلام، ثم تحدث:
القسوة دي… كانت شغل، مش طبع.
التفتت له أخيرًا، عينيها تحملان تساؤلًا صريحًا..
نظر لها طويلًا… قبل أن يرفع يده يزيح خصلة شعر سقطت على وجهها، وقال بهدوء صادق:
دلوقتي…إنت آخر حد ممكن أقسى عليه.
خفق قلبها بعنف، فخفضت عينيها سريعًا، لكن هذه المرة لم تبتعد… بل اقتربت أكثر دون وعي...
همست بصوت مهتز قليلًا:
وفين الجرأة اللي كنت بتقول عليها.
ابتسم، ابتسامة تحمل ثقة وهدوء في آنٍ واحد، ثم قال:
لسه موجودة… بس بقت تختار إمتى تظهر.
نظرت له، وكأنها تتحداه دون كلمات، فاقترب قليلًا، لكن هذه المرة لم يُقبلها… فقط ظل قريبًا، أنفاسه تلامس وجهها...
سكنت بين يديه.. وكأن كلماته أصابت نقطة حساسة بداخلها… ثم أغمضت عينيها للحظة، تستند إليه أكثر...
تصلّب جسده لثانية، قبل أن يضمها أكثر، هذه المرة بحماية واضحة، وقال بصوت منخفض جدًا:
يبقى اتعودي.
فتحت عينيها ببطء، تنظر له… لكنه لم يبتسم هذه المرة، بل كان جادًا بشكلٍ غريب.
أكمل بهدوء:
لأني مش ناوي أختفي من حياتك.
توقفت أنفاسها للحظة… وكأن كلماته لمست خوفًا قديمًا بداخلها...
ظلت تنظر له، تبحث في عينيه عن أي تردد… أي احتمال للتراجع… لكنها لم تجد.
همست بصوت خافت، يحمل حذرًا واضحًا.. كذالك بعض من الدلال
ما تقولش كلام إنت مش قده يا فاروق.
رفع يده ببطء، ووضعها وجنتها إبهامه مر بخفة فوق بشرتها، وتفوه بنبرة ثابتة:
أنا طول عمري قد كلامي… بس يمكن أول مرة مبقاش حريص في كلامي.
سحبت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول تهدئة قلبها، ثم تسالت:
حريص… ولا خايف.
سؤالها كان مباشرًا… صادقًا… وموجعًا في نفس الوقت.
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تُخفِ عمق نظرته، وإجابها:
الاتنين.
سكت لحظة… ثم أكمل بصوت منخفض:
خايف أخسرك… وحريص إن ده ما يحصلش.
ارتجفت عيناها قليلًا، وشعرت بشيءٍ يلين داخلها… شيء كانت تحاربه منذ البداية...
حاولت تبتعد قليلًا، لكن يده التي كانت حولها لم تمنعها… فقط ظلت موجودة،
نظرت له مرة أخرى، وقالت بصدق:
طب لو أنا اللي مشيت.
هذه المرة… لم يبتسم.
تصلبت ملامحه قليلًا، وكأن الفكرة نفسها لم تعجبه، ثم قال بهدوء يحمل حزمًا:
مش هسيبك تمشي.
تجمدت مكانها، لم تفهم كلماته فورًا، فاقترب قليلًا، وأكمل بهمس:
يعني لو بعدتي… هرجعك...
ولو ضعفتي… هقوبكي..
ولو خفتي… هفضل جنبك لحد ما الخوف يروح.
انكسرت نظرتها، وارتبكت أنفاسها، بينما أكمل بنبرة أهدأ:
أنا مش داخل حياتك صدفة أو عابر يا…
توقف عند اسمها، وكأنه يتذوقه قبل أن ينطقه، ثم قال بهدوء:
أنا داخلها علشان أفضل.
سقطت دمعة خفيفة من عينها دون أن تشعر… فمد يده سريعًا يمسحها، لكنه لم يعلق.
همست بصوت مهزوز:
أنا مش سهلة يا فاروق.
رد فورًا، دون تردد:
وأنا مش مستعجل.
نظرت له بدهشة خفيفة… فابتسم أخيرًا، تلك الابتسامة الهادئة التي تحمل وعدًا ضمنيًا، وقال:
خدي وقتك… بس خديه وإنتِ معايا.
سكنت بين ذراعيه مرة أخرى، هذه المرة دون مقاومة… وكأنها أخيرًا قررت تتوقف عن الهروب.
في تلك اللحظة… لم يكن هناك صراع، ولا خوف…
فقط بداية شيءٍ حقيقي… هادئ… لكنه عميق ربما يكفي ليغيّر كل شيء.
❈-❈-❈
بعد يومين
وقفت يارا أمام المرآة في غرفتها، تحدق في انعكاسها بصمت. كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون هادئ، وحجابها منسدلًا حول كتفيها، بينما بدت ملامحها جميلة... لكنها شاحبة قليلًا...
دخلت إجلال الغرفة وهي تحمل علبة صغيرة من القطيفة، اقتربت منها ثم فتحتها أمامها... في الداخل استقرت شبكة رقيقة وأنيقة. تقوهت:
نديم بعتها من الصبح... وقال لازم تلبسيها النهارده.
ظلت يارا تنظر إليها لثواني، ثم مدت يدها وأخذتها بصمت.
وقبل أن تضعها، سمعت صوت سيارة تتوقف أسفل المنزل... وبعدها بدقائق، دوى جرس الباب.
تجمدت يدها للحظة فوق العلبة، بينما التفتت إجلال نحو الباب سريعًا وهي تقول بابتسامة متوترة:
أكيد نديم وأهله وصلوا.
شعرت يارا بانقباض في معدتها... فجأة صار كل شيء حقيقيًا أكثر مما ينبغي... لم يعد مجرد كلام أو اتفاق... نديم هنا، بالخارج، ومعه الجميع...
اقتربت إجلال منها وضعت العُقد حول عنقها بنفسها، ثم عدلت لها حجابها وهي تنظر إليها بعينين دامعتين قليلًا قائلة:
ربنا يسعدك يا بنتي.
لم تعرف يارا ماذا تقول، فاكتفت بهز رأسها بصمت.
في الخارج، كان صوت الترحيب والحديث يتعالى شيئًا فشيئًا. صوت محي، ثم صوت رجل آخر يبدو أنه والد نديم، وضحكة خافتة خرجت من إحدى النساء...
بعد دقائق، فُتح باب الغرفة دون طرق خفيف، وأطلت رابيا تبتسم بحماس:
يارا عمي محي بيقولك انزلي... المأذون وصل.
شعرت بأن قلبها هبط فجأة...
نظرت إلى نفسها في المرآة مرة أخيرة، ثم أخذت نفسًا طويلًا تحاول به أن تثبت ارتجافها... أمسكت إجلال بيدها برفق، وضغطت عليها مطمئنة، ثم خرجتا معًا.
ما إن دخلت يارا إلى الغرفة حتى خفتت الأصوات للحظة... كان الجميع ينظر إليها...
رأت المأذون يجلس إلى جانب محي، وبعض الأقارب حولهم... ثم وقعت عيناها عليه...
كان نديم يقف قرب النافذة، يرتدي بدلة داكنة بسيطة، وشعره مصفف بعناية... وما إن رآها حتى ثبتت عيناه عليها تمامًا، كأنه نسي كل من حوله...
توقفت خطواتها دون أن تشعر.
كان ينظر إليها بطريقة أربكتها أكثر... ليس لأنه مُغرم فقط، بل يشعر أنه غير مصدق أنها أصبحت فعلًا هنا... وأن بعد دقائق ستصبح فى حيز زوجته...
اقتربت إجلال بها حتى جلست على المقعد المقابل، بينما جلس نديم على الطرف الآخر من الطاولة، دون أن يبعد عينيه عنها.
تحدث المأذون بعد أن فتح أوراقه:
بسم الله نبدأ.
أجاب محي: ـ اتفضل يا شيخنا.
بدأت الكلمات تتردد من حولها... الاسم، اسم الأب، قيمة المهر... لكنها كانت تسمعها كأنها تأتي من بعيد. لم تشعر بنفسها إلا حين نطق المأذون اسمها وقال:
موافقة يا عروس.
ارتفع قلبها إلى حلقها... ساد الصمت للحظة، وكل العيون عادت إليها من جديد.
نظرت إلى نديم...
فوجدته ينظر إليها بنفس تلك النظرة... نظرة رجل ينتظر كلمة واحدة، ويبني عليها عمرًا كاملًا.
ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت خافت لكنه واضح:
موافقة.
كأن كل ناقص داخل نديم في تلك اللحظة... اكتمل...
أغمض عينيه للحظة قصيرة، ثم زفر أنفاسه ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم يستطع إخفاءها...
ردد المأذون الكلمات التالية، ثم التفت إلى نديم:
وأنت يا أستاذ نديم... موافق.
أجابه فورًا، دون لحظة تردد:
موافق.
خرجت ضحكة خافتة من بعض الجالسين، بينما ابتسم المأذون وهو يكمل إجراءات عقد القران بعد دقائق، دفع بالدفتر نحوهما:
اتفضلوا... الإمضا.
مد نديم يده أولًا، وقع اسمه بخط ثابت، ثم دفع الدفتر نحوها.
نظرت يارا إلى اسمها المكتوب أعلى الصفحة...صورتها وصورة نديم... للحظة شعرت أن يدها لا تتحرك. كانت تعرف أن مجرد توقيع واحد سيفصل بين ما كانت عليه... وما ستصبحه... لحظات ترقُب قبل أن تلقطت القلم أخيرًا، وضعت توقيعها وبصمتها...
ما إن انتهت حتى علت الزغاريد في المكان، فانتفضت قليلًا على صوت إجلال وهي تضحك بدمعة تتلألأ حبيسة فى مقلتيها وهي تضمها، بينما صافح محي نديم بحرارة...
بينما نديم... فلم ينتظر.
نهض من مكانه واتجه إليها مباشرة... توقفت أنفاسها حين وقف أمامها، ثم انحنى قليلًا
جذب يديها وضع قُبلة، ثم رفع رأسه قائلًا:
بحبك يا يارا.
من الجيد أن الجميع إنسحب من الغرفة الآن والا كان ظهر إنهيار غرورها وثقتها فى نفسها أمامهم،مثلما سقطوا أمام نديم.
❈-❈-❈
بغرفة المكتب
نظر محي لثلاثتهم بعصبية قائلًا بغضب:
دي تالت مناقصة ندخلها ونخسرها... لازم تعرفوا مين الشخص الخفي اللى بيدخل يسحب المناقصات، بسهولة كدة.
تبارد كنان فى الرد قائلًا بسذاجة:
هدي أعصابك يا حج محي... بعدين الدنيا دوارة... سيب حاجه لغيرك.
نظر له محي وفكر للحظات ثم تفوه:
إخفوه عن وشي، أنا ممكن أخنفه دلوقتي.
ضحك كنان ببرود قائلًا:
إنت مش فارق معاك المناقصات أنا عارف إنت مضايق ليه، عشان البت يارا إتكتب كتابها،وخلاص هتتجوز وتغور من البيت...وتروح بيت جوزها ونرتاح من رخامتها..ومش هسمع أفلام رعب تاني،تروح ترعب جوزها...أنا عارف البت دي لها مكانه كبيرة أوي فى قلبك، غيران إنها هتحب غيرك.. بس أحسن أنا كنت خايف تعنس، وتوقف حالي جنبها.
نظر له محي لحظات بتفكير ثم تحدث بوعيد:
الدور عليك يا حلو، وأختارت لك العروسة كمان.
