رواية عهد الذئاب الفصل الثاني 2 بقلم نون

 

رواية عهد الذئاب الفصل الثاني بقلم نون

الجروح التي لا تقتلك تجعل منك شبح لا يرحم والظلم الذي يُدفن في تراب الجبل ينبت يوماً ما خناجر في صدور الظالمين 

ساد صمتٌ داخل المقهى المهجور كأن الزمن قد توقف عند اللحظة التي سقط فيها كوب الشاي من يد الشيخ مهران. 

كانت النظرات بينه وبين بدر صراعاً بين عالمين

 عالم الأموات الذي عاد منه بدر وعالم الأحياء المرتعدين الذي يسكنه مهران.

كسر بدر الصمت وهو يمرر أصابعه على نصل خنجره وكأنه يداعب قط أليفاً 

منصور الهواري بنى قصره على جثث الناس يا مهران واليوم القصر ده لازم يتهد  حجر حجر

ارتجفت شفتا مهران وهو يحاول استجماع شتات نفسه

يا بدر النجع اتغير.. منصور مش بس معاه السلاح

ده معاه عزام 
وعزام ده غول والده العمدة سلمه زمام الأمور  والاتنين بقوا كفة واحدة في ميزان الظلم

 بلاش يا بدر
 الجبل اللي حماك السنين دي كلها اهرب فيه وانسى النجع

ضحكة بدر كانت مخيفة لم تكن ضحكة بشرية بل صوتاً أجشاً خرج من أعماق صدره

النسيان ده للي قلبه لسه فيه نبض 

 أنا قلبي اتفحم في الزنزانة اللي قعدت فيها 15 سنة وأنا مستني حبل المشنقة

 أنا الميت يا مهران.. والميت مبيخافش من القبور هو اللي بيحفرها لغيره

على الجانب الآخر كانت أنوار السرايا تخبو وتعود بذبذبات غريبة.

 منصور الهواري الذي كان يتباهى بجبروته منذ لحظات وقف في منتصف المندرة

 يمسك بمسبحته الكهرمانية التي كانت حباتها تصطدم ببعضها في توتر ملحوظ.

دخل عليه "عزام" العريس المنتظر شاب في الثلاثين عيناه تلمعان بطمع وغطرسة

 يرتدي جلباباً فاخراً وساعة ذهبية تعكس الضوء

إيه يا عمي؟ المزمار وقف ليه؟ والرجالة برا بتسأل 

كأن عواء الذيب اللي سمعناه ده كان إشارة حرب مش مجرد صوت حيوان

نظر إليه منصور بحدة وحاول استعادة وقاره الزائف

مفيش حاجة يا عزام.. شوية ريح ضربت في الجبل عملت الصوت ده

النجع ده ملكنا والذيب اللي كان فيه إحنا اللي كسرنا نابه من زمان

لكن زينة التي كانت تراقبهما من خلف الستائر لم تكن مقتنعة.

 قلبها الذي لم يعرف الزيف يوماً كان يدق بانتظام غريب

كأنها تسمع خطىً تقترب.. خطىً تعرفها جيداً رغم مرور السنين.

 كانت صغيرة حين غادر "بدر"، لكن صورته وهو يُساق بالحديد لم تفارق خيالها.

همست لنفسها
 لو كان الذيب مات يا بوي.. مين اللي عواه رج النجع كله؟

في المقهى قام بدر بلف لثامه مرة أخرى لكن هذه المرة لم تكن عيناه منكسرتين كما كانت قبل خمسة عشر عاماً. 

بدر
محتاجك تعرفلي حاجة واحدة يا مهران.. المخزن القديم اللي في غرب النجع لسه منصور بيخزن فيه سلاحه؟

مهران بذعر
إنت ناوي على إيه يا مجنون؟ ده عليه حراسة تقطع خبرك

بدر وهو يتجه نحو الباب بصمت

النهاردة فرح بنت الهواري.. والكل مشغول بالذبائح والمزامير. 

هخلي ليلتهم دي تبقى وليمة
بس مش للناس للغربان

خرج بدر وتلاشى في ظلام الليل كأنه شبح صعد من باطن الأرض

 توجه غرب النجع حيث تقع المخازن التي كانت يوماً ملكاً لوالده قبل أن يستولي عليها منصور بالتزوير والدم.

بينما كان الحراس عند المخزن يتسامرون ويضحكون

 شعر أحدهم ببرودة خلف عنقه
 لم يكد يلتفت حتى كانت يد  تكمم فمه ونصل بارد يلامس وريده.

بصوت يقطر سماً همس بدر في أذنه

روح قول لسيدك منصور
إن قابيل رجع.. بس المرة دى جاي ياخد روح الظالم 

ترك بدر الحارس يرتجف من الصدمة

 وقام بإشعال شعلة صغيرة ألقاها داخل كومة من القش المشبع بالبنزين بجوار المخزن.

 وفي لحظات انفجرت النيران لتضيء سماء النجع باللون الأحمر 

في السرايا وبينما كان منصور يرفع كأسه سمع صوت الانفجار الذي هز أركان البيت. 

ركض الجميع نحو الشرفات ليشاهدوا ألسنة اللهب تلتهم مخازن الهواري 

وفي تلك اللحظة ظهر خيال رجل يقف فوق صخرة عالية تطل على السرايا

 كانت النار خلفه تجعل ظله يمتد ليغطي القصر كله

ظل يشبه ذئباً عملاقاً يستعد للانقضاض.

التفتت زينة لوالدها الذي شحب وجهه وأصبح كالموتى

وقالت بصوت مرتعش
بدر ماماتش يا بوي.. الجبل رجعه عشان يحاسبنا

تعليقات