رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثاني 2 بقلم ميفو السلطان


 رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثاني 

 ارتمت ملوك فوق فراش أمها وصوتها يرتجف بلهفة.... 
ماما..فيه ايه مالك بصي.. بصي يا حبيبتي أنا نجحت هبقى دكتورة يا أمي خلاص التعب راح. هلبس البالطو وأعالجك بإيدي مش هنحتاج لمخلوق بعد النهاردة.. قومي يا ست الكل وشوفي بنتك ملوك عملت إيه الاولي ع المدرسه شايفه تعبنا خلاص ربنا هيفرحنا . 

فتحت الأم عينيها بصعوبة ونظرة الوداع تلوح في عيونها ابتسمت بوهن وهتفت بصوت يخرج بصعوبه.. 
ألف بركة يا قلب أمك.. أنا كدة اطمنت كدة أقدر أمشي وأنا مرتاحة. خلي بالك من إخواتك يا ملوك. أنا خلاص العمر خلص وربنا رحيم هيشيل عنكم عبء مرضي ومصاريفي. 

صرخت ملوك بانهيار وهي تحاول جذب يد أمها لتقوم.. 
بطلي بقه بتقولي إيه أنت كويسة والله هوديكي المستشفى حالا. هعمل المستحيل عشان تقومي. متكسريش فرحتي يا أمي. 

قبضت الأم على يد ملوك بقوة مفاجئة. وكأنها تضخ فيها وصيتها الأخيرة.... 
اسمعي يا قلب أمك.. الأجل حط نهايته وده ابتلاء ليكي وأنتِ قوية. إياكي يجي يوم وتفرطي في حقك زيي. إياكي يجي يوم ويتجبر عليكي راجل زي ما حصل فيا.. إياكي تموتي والناس واكلة حقك. خدي حقك ولو بتموتي. ولو رجليهم على رقبتك اكسري رجليهم وموتي بيها. الدنيا غيلان وأنتِ هتبقي لوحدك يا بنتي.. ملك خلي بالك منها.. هي مش زيك وهتعملك مشاكل عينك عليها يا ملوك أنتِ السند وأنت الضهر.

تعالت شهقات ملوك وهي تهز رأسها بالرفض... 
حرام.. بطلي تقولي كده.. حرام تسيبوني لوحدي الدنيا صعبة أوي يا أمي مش هقدر أشيل كل ده... بطلي تقولي كده هتبقي كويسه. 

ثبتت الأم نظرها في سقف الغرفة وكأنها ترى مستقبلا بعيدا وقالت... 
سايباكي لربنا أحن مني ومنك وسايباكي لقوتك.. ملوك..  الاسم ده مش من فراغ يا بنت بطني. هيجي يوم وملوك يتبصلها ويتمناها الغالي قبل الرخيص. هيجي يوم يا بنتي وروحي هتكون حواليكي وأنتِ مالكة الكل وراسك فوق الكل. ملوك بنت ليلي الغلبانة هتعرف الدنيا إن الملوك لما تقف محدش يقدر عليها.

أغمضت الأم عينيها ببطء وارتسمت على ثغرها ابتسامة نورانية... 
شايفة خير هيجي بعد وجع.. شايفة يا بنتي والله اصبري واحتسبي. أنا فيتاكي قوية محدش هيقدر عليكي.. سامحيني يا بنتي إني بوظت حياتكم مرضي كان السبب.

صرخت ملوك بمرارة شقت جدران البيت.. 
لا.. هو السبب..  هو اللي سابنا وغدر بينا هو السبب منه لله. 

همست الأم بكلماتها الأخيرة والروح تنسل بسلام:
خلي بالك من إخواتك.. أنتِ قدها.. أنتِ قدها..انت ملوك.. ملوك الهاشمي بنت ليلي الغلبانه اللي ماحد هيقدر عليها. 

شخصت بصرها كأنها تكلم أحدا... 

يا رب علي اد ما اديتني غلب اديها قوة. يا رب يقف المتجبر قدامها ينهز من قوتها يا رب ماتحكم عليها ظالم ولا عويل يا رب اديها واعطيها ومن نور الدنيا اسقيها.. يا رب ما  تحني لها ضهر.. لا تلين للي ما يصونهاش ولا تحن للي باعها في يوم بلاش. يا رب اجعل قوتها في صبرها وعزوتها في كرامتها ... قلبك غالي صونيه قلب الملوك للملوك يا بنت بطني... حقك عليا خلي بالك من اخواتك. فايتاكي غاليه يا غاليه. 

تراخت اليد الدافئة في يد ملوك وسكن الجسد تماما. ظلت ملوك تنظر إلى جثمان أمها بذهول شل حواسها قبل أن ينفجر الصمت بصراخ اخواتها صرخات مدوية هزت أركان البيت والحارة بأكملها. تجمع الجيران واتشح البيت بالسواد. 

كان المشهد مهيبا صرخات أخواتها كانت تشق المكان ظلت ملوك جاثية على ركبتيها يدها لا تزال تقبض على يد أمها الدافئة التي بدأت تنسحب منها الروح والحرارة بالتدريج. ولم يرف جفنها كأنها تحاول في تلك اللحظة أن تسحب آخر ذرات القوة من كف أمها قبل أن يبرد تماما.ومع كل صرخة مدوية تخرج من أفواههن كان قلب ملوك يزداد تحجرا. 

ومن سواد الفقد إلى سواد القلب..  في تلك اللحظة تحول قلب ملوك إلى قطعة من الجمر ثم انطفأ ليحل محله جمود غريب. 

ومع خروج الجثمان من باب البيت خرجت معه روح ملوك القديمة ولم تعد. سارت خلف النعش بخطوات جامدة لم ترتعش قدماها  كانت تنظر إلى الخشب الذي يحمل أغلى ما تملك كأنها تنظر أسراب. 
وعند القبر وحينما لامست ذرات التراب الكفن الأبيض شعرت ملوك بكل ذرة رمل تسقط فوق أمها وكأنها حجر يُوضع فوق صدرها ليغلقه للأبد. هنا اخيرا تجمعت آخر دمعه في حياه الملوك ولكن لم تسقط .. كانت ملوك تدفن آخر دمعة في عينيها تحت ذلك الثرى. 

أغلق الباب  على ثلاث فتيات توأمان في السادسة عشرة وصغيرة في الثانيه عشرة. جلست الفتاتان تنتحبان بمرارة بينما جلست ملوك في منتصف الغرفة. تنظر أمامها بجمود مخيف قلبها قد قُد من حجر لا تبكي ولا تدري لماذا جفت منابع دمعها. أحست غريزيا أنها لو استسلمت لدمعة واحدة ستنهار لو بكت ستكون أنثى ضعيفة تتلاطمها أمواج الأيام. 

اقتربت ملك التوأم منها احتضنتها وهي ترتجف... 
ملوك.. مالك؟ ما تخوفنيش منك أنتي عاملة كدة ليه؟انت مابتعيطيش ليه دي ماما. عيطي يا ملوك مالك ساكته.. أنا خايفة يا ملوك.. خايفة من الجاي ومن الدنيا اللي بقينا فيها لوحدنا.

نظرت إليها ملوك بعينين خاليتين من أي تعبير وهتفت بصوت  جاف... 
خايفة من إيه.. عشان بقينا لوحدنا.. ده أمر ربنا ولازم نقبله.. مفيش مكان للخوف يا ملك بعد كده .

قامت ملوك بجمود ونظرت لأختيها بصرامة... 
اسمعو.. من هنا ورايح البيت ده هيمشي بنظام وكل واحدة فيكم لازم تتصرف بمسؤولية. أنا مش هتهاون في أي غلطة. ومش هسمح للدنيا تدعكنا تحت رجليها.. إحنا اللي هنغلب الدنيا دي. وهنعيش ونكبر ونشق طريقنا وماحدش هيقدر علينا. 

اقتربت من الصغيرة احتضنتها بقوة مفرطة وكأنها تزرع فيها قوتها ثم أخذتهما ببرود آلي إلى غرفتهما وضعت كل واحدة في فراشها وقبلتهما قبلة الوداع للطفولة وتركتهما يصارعان وجع اليتم في صمت.

توجهت ملوك نحو النافذة ووقفت تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم تتخيل أين يقبع أبوها الآن؟ هل يضحك؟ هل ينام في حضن غريبة بينما بناته يعيشان القهر؟ ابتسمت بسخرية مريرة. 

العجيب حين فتشت في صدرها لم تجد قلبا رأت نفسها بلا مشاعر. حتى فاجعة موت أمها أصبحت كأنها سراب كأنها مشهد في فيلم سينمائي تشاهده من بعيد. أصبحت ملوك جثة بلا روح. فتاه قررت أن تتجرد من بشريتها لتتحول إلى آلة تنهش كل من يجرؤ على الاقتراب منها أو من أخوتها.

وقفت في عتمة الليل وعيناها تلمعان ببريق حاد وتمتمت لنفسها بعهد أخير.... 
بتقولي اعيط اعيط منين يا ملك. اللي كان بيحس فيا مات واندفن مع أمك.. من النهاردة ملوك مالهاش قلب يوجعها ملوك ليها مخ يخطط  وراس مابتنحنيش غير للي خلقها.. يا إحنا يا الدنيا يا ابن الهاشمي وهتشوف. 

تسللت ملوك من البيت والليل يرخي سدوله لم تكن تخشى  وحشة الطريق. فتاة في السادسة عشرة تسير بخطى ثابتة نحو المقابر وكأنها تذهب للقاء نفسها التي ضاعت هناك.

ارتمت فوق تراب قبر أمها وجلست صامتة كتمثال من رخام لأكثر من ساعة. قبل أن تمد يدها وتمسك بالتراب تفركه بين أصابعها بقوة وعنف كأنها تعجن قدرها الجديد.
همست بجمود.. 
روحتي يا أمي وأنتي بتوصيني.. روحتي وسايبة ملوك اللي كانت بتحس وعندها شويه مشاعر. دمعتي نشفت هنا يا أمي لأني ماعتش بحس ولا عت بعرف الحب شكله إيه.. الدموع للي بيخاف علي وليفه وانا ماعتش ليا وليف... 

كانت تجلس أمام القبر والريح تلطم وجهها  دموعها التي رفضت أن تنزل وكأنها تبحث عن العدل وسط التراب. خرج صوتها مخنوقا ..... 

بيقولوا مكنش ينفع تعملي كده إنت عملتي  كان لازم تبلعي القهر وتسكتي عشان يفضل. عشان القرشين وعشان منظركوا قدام الناس... صح بس هو اللي اختار يكسر ضهر بناته ويخليهم مسخره في بق الناس لما جاب الغريبة تقعد مكان أمي وهي لسه بتنازع الروح. اللي مابيحترمش شيبة مرضه مايستاهلش احترام عياله. ..  بيقولوا الراجل معذور لما مراته تمرض بيدور على حتة ست حقه. بس فين حق الست إللي بتموت في الأوضة اللي جنبه وهو بيحب جنبها  بيخش مابيقلهاش حتي إزيك.. ايه المبرر مايعادل بينهم.. 

.بيقولوا أبوكي مش جوزك أمك تتصرف.. بس إسمي كاتمه لما اتقهرت. أنا مكنتش بتهجم عليه يا أمي ولا بعلمه الأدب . وعمري ماهنته ويشهد ربنا.. كنت بفكره بيكي بحقوقك أنا كنت بصرخ بوجعك إنتي وإنت كاتمه مقهوره .. كنت بحارب عشان حقك وأنتي نايمة مريضة مش قادرة تنطقي وهو رايح يرمي نفسه في حضن عيلة قد بنته وناسي إن لحمه بياكله المرض والقهر.

ضربت علي قلبها بقهره... كنت برفض يقفل علي نفسه قوضه طول الليل يكلمها وسامعه هزاره وإنت جوا بتتقطعي. دا اللي اختشو ماتو.. مش قادر الساعتين يخش يقعدهم معاكي يطيب خطرك حتي. ليه كلبه فين العشره فين عدل ربنا فين... كان بيدخل باكياس سوده يخبيها بالدولاب وياخدهم وهو نازل طب بتجيبهم هنا ليه تقهرنا ليا.واليوم إللي ما هنساه لحد ماموت يوم ماكتي تعبانه وماسكه البرشام وبتقوليلو هات كوبايه ميه وهو بيشيت معاها لحد ماغمي عليكي والبيه ماسابش التليفون  . أسكت.. أعملها إزاي طيب انت عيانة تبقي عيانة ومقهوره. 

أخذت نفسا ثقيلا كأنها تعاتب روحها وتابعت... 
آه  كنت بقول لنفسي يمكن لو كنت سكت يمكن لو كنت كتمت ناري في قلبي وضحكت في وشه كان فضل.. بس سألت نفسي هو اللي بيحب بيتلكك على كلمة عشان يطفش؟ هو إللي بيحب بيغدر. اللي عايز يفضل بيفضل لو الدنيا كلها قايدة نار واللي عايز يهرب بيعمل من الكلمة باب يخرج منه وما يرجعش. ساعات بنقهر وأقول يا ريتني بلعت جزمة في بقي وسيبته يجي يرمي قرشين ويمشي أهو حتي كنتي تلاقي تمن الدوا ومتموتيش بحسرتك.. 

صمتت للحظة قبل أن تشتعل عيناها بقوة القهر:
بس أرجع وأقول اللي يبيع شرف مرضه ويبيع دم بنته عشان نزوه مكنش هيفضل لو عملتله صوابعي العشرة شمع. الأب اللي يبيع ضناه عشان كلمة يبقى ماكانش ناوي يشترينا من الأول. القهر الحقيقي مش في غيابه القهر إننا كنا بنحاول نتمسك بـ قشة فاكرينها سند. وهي كانت أول حاجة اتكسرت وسابتنا نغرق. القهر إنه كان انه باع الكل.طب أنا وحشه جاحدة أخواتي وانت ذنبكم إيه.. الغدار خدها سبب وذريعه يرمي لحمه. 

تحولت ملامحها لاشمأزاز.... والست اللي فاكرة إنها استغلت الموقف وخدت الراجل مبروك عليها بواقي راجل لأن الراجل اللي يفرط في مراته وعياله عشان نزوة بيبقى رخيص زي اللي اشتراه. نامي يا أمي وارتاحي بنتك مابقتش بتسمع لكلام حد بنتك النهاردة هي اللي هتحط القوانين.. والشرع اللي بيقول أصون أبويا هو نفسه اللي بيقول.. ولا تظلمون ولا تظلمون.. وهو إللي بيقول العدل . وأنا من النهاردة لا هظلم ولا هسمح لمخلوق يظلمني.

ثم نفضت تراب القبر عن يدها بقوة وقالت بلهجة حاسمة وكأنها تودع حياتها السابقة
خلاص يا أمي.. النهاردة أنا مابدفنش جسمك بس أنا بدفن معاكي آخر حتة  كانت فاضلة في قلبي . شفتك بتموتي قدامي وأنتي مستنية نظرة منه وشفت هو كان بيوزع حنيته على مين. من النهاردة مفيش راجل هيدخل حياتي يكسرني زي ما كسرِك ولا كلمة هتاخدني ولا قرشين هيذلوني. اللي يبيع عِشرة العمر عشان عيلة  مايستاهلش حتى الندم عليه. نامي وارتاحي بنتك خلاص مابقتش مستنية حد يطبطب . والراجل اللي يفكر إنه يكسرني هيفهم إن بنتك اتعلمت القسوة من أكتر واحد كان لازم يعلمها الحنية. العدل عند ربنا يا أمي.. أما هنا فبنتك هتاخد حقها بايدها. 
  عهد عليا قدام قبرك وفي عز ضلمة الليل مانا هخاف. مااللي دمعته بتتحبس جواه ويدوب القهر فيه.. قلبه بيموت.. وقلبي مات يا أمي. مش هسمح لصنف راجل يتجبر عليا ولا هخلي مشاعري تسوقني للهلاك زي ما حصل معاكي. مش هكون ضعيفة ولا هخلي حد يكسر عيني أنا وأخواتي.. هعيش ليهم وبس وده عهد الملوك يا أمي. 

قامت ملوك وكبشت من تراب القبر كبشه كبيره ثم أخرجت منديل ووضعته بداخله. ونفضت التراب عن ثوبها وتركت خلفها كل ذكريات الضعف وغادرت المقابر بجسد فتاة وروح مقاتل.

انطوت الصفحات وتحول البيت إلى صمت مطبق ينظم بدقة الساعات. دخلت ملوك كلية الطب بينما اتجهت ملك التوأم إلى الصعيد لتدرس في كلية التجارة. قاصدة المدينة الجامعية لتبدأ رحلتها الخاصة. أما الصغيرة فقد صاغها رب العباد بهدوء عجيب كانت نسمة رقيقة لكنها غير متزنة ومهزوزة من هول الفقد مصابه بتلعثم حاد ورهاب من البشر.. فاحتضنتها ملوك بسياج حديدي من الخوف والحرص فسكنت الصغيرة داخل ذلك السياج طوعا. تخشى الدنيا ولا تثق بمخلوق سوى أختها خوفا من طعنة غادرة لا تعلم من أين تأتي.

في المستشفى حين علم رئيسها بتفوقها ودخولها كلية الطب نقلها إلى قسم التمريض. ووضعها تحت يد أمهر الممرضات لتتعلم أصول المهنة قبل دراستها. رعاها أطباء الجراحه بعد علمهم بنيتها ورغبتها  وبدأوا يثقلون شخصيتها فهيا تمتلك جبروت انثي طامحه  معجبين بكفاح تلك الفتاة التي تدرس بيد وتطهر الجراح باليد الأخرى صامدة في وجه إعصار الحياة بمفردها.

سارت الحياة على وتيرة واحدة هدوء يسبق العاصفة ونظام صارم لا يقبل الخطأ.. ولكن هل ستترك الدنيا ملوك في سلام؟ هل ستكتفي الأقدار بما أخذته منها أم أن هناك لطمة أخرى ستغير حياة تلك الجميلة التي زهدت في البشر وقررت أن تعيش بقلب من حجر؟

لقد كانت ملوك تخشى غدر الزمان لكنها لم تكن تعلم أن الزمان يخبئ لها مواجهة مع قدرٍ لا يرحم.. حيث لا تُقاس قيمة الإنسان بما يحمله في قلبه بل بما يملكه في خزانته وسطوة اسمه.. مواجهة ستبدأ من هناك حيث تنتهي حدود الضعف وتبدأ إمبراطورية الجبروت.
..... 
نعود للوقت الحالي... 
في ركن قصي من صعيد مصر حيث تضرب الجذور في أعماق الأرض وتعانق السطوة عنان السماء تتربع عائلة الراوي عائله تمثل الارستقراطية الصعيدية الحديثة. هناك على أطراف مدينة الأقصر يمتد سلطانهم في أراض لا تحصيها العين ومزارع وشركات لا حصر لها. يسيطرون عليها من داخل قصر الراوي. ذلك الحصن الذي يُعرف بين الناس بـ قصر الأسياد. 

يترأس هذه المملكة الجد سعفان الراوي السيد الذي لا يُرد له أمر. يملك من الحكمة الكثير والتجبر الكثيرين . رحل أبناؤه سعيد وفضل إلى ذمة الله. وتركوا وراءهم إرثا من القوة والنفوذ. .. فسعيد ترك فتاتين شابتين وأطفالا صغار.

أما الحكاية الحقيقية فتكمن في أبناء فضل  فيمتلك أولئك الرجال الذين صاغتهم الأقدار من طينة  يمثلون الوجه المودرن لسطوة آل الراوي  ببدلاتهم الإيطالية الفاخرة  بأسلوبهم المعاصر. كانوا يعكسون جيلا لم يحبس نفسه في جلباب الماضي ولا لغتهم الدارجة  بل خرجوا للعالم بـ برستيج عصري وعقليات متفتحة على البيزنس والقانون. لكنهم بمجرد أن تطأ أقدامهم أرض الأقصر. ينفضون غبار المدينة ليعودوا جبالا صلبة لا تحكمها سوى كلمة الجد ولا تحركها سوى النعرة الصعيدية التي تجري في دمائهم كالنار.

كبيرهم عامر الراوي.. أسد العائلة وهشيمها
رجل تخطى الثلاثين لكنه يحمل هيبة تجبر القلوب على الارتجاف قبل الأبدان. هو  المستشار الفذ في هيئة قضايا الدولة والوحش الذي لا يُقهر في إدارة الأزمات. 
يمتلك  شموخا إذا دخل مكانا انحنت له الرؤوس تبجيلا لا خوفا فحسب فحضوره يطغى على الجميع. أخذ من أبيه العنفوان ومن جده الدهاء. لا يقبل أن يمسه أحد بكلمة أو يجرؤ مخلوقا على مخالفة أمره. يعيش في زمن الطبقية التي تضعهم اسياد فوق الكل. يمتلك من غرور الطاووس عزة تجعله يرى العالم تحت قدميه. فلا وقت للمشاعر في قاموسه ولا مكان للضعف في قلبه الذي غلفه بالحديد. 

ثم يأتي الابن الأوسط.. عمار الراوي.. الجبروت الجامح على النقيض من رزانة عامر. يأتي عمار ضابط الشرطة الذي يمتلك من السلطة ما يغذي نيران غضبه. سلالة الجحود المتجسدة برجل. يده تسبق عقله وعصبيته لا تعرف حدودا. متهور في قراراته  ويفرض سطوته دون حساب للعواقب . صنف خاص من كارهي النساء بعد أزمة هزت كيانه قديما. فقد الثقة في هذا الجنس تماما. المرأة في نظره ليست إلا رغبة تُقضى ثم تُداس بالأقدام لا ينظر لإحداهن إلا بعين الاحتقار والازدراء وقد وطّن نفسه على أن بيوم من الايام يتنازل وتكون ابنة عمه ليست إلا وسيلة للحفاظ على النسل وإنجاب الورثة.. ولا شيء غير ذلك.

وفي وسط هذا الجحود يبرز عمر الأخ الأصغر الذي نبت كزهرة رقيقة بين صخور القسوة.  قلب الجد  النابض شاب يشع حبا وحنانا في بيت لا يعرف إلا لغة القوة والسطوة. يعشق المشاعر الصادقة ويبحث عن الدفء في كل ركن. نافر عن أموال العائلة ونفوذها زاهد في صراعاتهم العقيمة. النسمة التي تلطف جحيم هذا البيت .  يمتلك من الرقة ما يجعله يبدو غريبا عن سلالة الراوي. 

كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء التوقيت المقدس لـ ديوان عائلة الراوي.  جلس الجد سعفان الراوي على مقعده الخشبي المحفور بدقة يداعب حبات مسبحته  بعينين صقريتين ترقبان الباب الخشبي الضخم. 

وفجأة ساد صمت مطبق وتوقف الجميع عن الحركة.. لقد وصلوا.

انفتح الباب ذو الضلفتين بعنف مقصود وكأن إعصارا قد ضرب المكان. دخل عمار الراوي أولا ببذلته العسكرية التي تزيد من عنفوانه الشرس. لم يكن يمشي بل كان يقتحم المكان بخطوات واسعة  مقتربا من الجد في مجلسه ملقيا السلام في هيبه إعصار اسود. 

دخل بعده مباشرة عمر الراوي النسمة الرقيقة التي تلطف جحيم عمار. كان يرتدي قميصا أبيضا بسيطا بنطلونا جينز يمشي بخفة  ابتسامة دافئة تزين وجهه الصبوح يلقي التحية بصوت خفيض حنين  على الجميع ويومئ برأسه بأدب جم متوجها مباشرة نحو جده ليقبل يده بحب جارف ثم جلس بجواره يثرثر وجده تزداد ابتسامته له كلما تحدث. 

على عتبة الباب اخيرا  وقف عامر الراوي وبدت القامة الفارهة وكأنها تسد عين الشمس. لم يقتحم عمار ولم يهرول كعمر.. بل وقف وقفة الملوك على عروشهم. يرتدي عباءة سوداء مطرزة بخيوط الذهب فوق بدلته السوداء المرسومه بعنايه عليه. 
ثبت نظره على الحضور نظرة باردة كالثلج ثاقبة كالسيف يزينها خط رفيع لندبة قديمة استقرت تحت عينه اليمنى كأنها وشمت كبرياءه. لم ينطق بكلمة لكن هيبته كانت تتحدث نيابة عنه. ساد صمت  حتى عمار الشرس تجمد مكانه واحترم حضور أخيه الأكبر.

تقدم عامر بخطوات موزونة صلبة قبل يد جده بوقار لا يخلو من الكبرياء ثم جلس على المقعد المخصص له بجوار الجد. 

دخلت الحجة فؤاده وعلامات الضيق مرتسمة على وجهها فما كان من سعفان إلا أن ضحك بخفوت وهو يعلم سيل الكلام القادم... 
آيوة.. خناجة كل يوم.. اتفضلي يا ست فواده دخلتك عارفينها يلا أهم اتجمعو ربنا ما يجعلنا خناجه جصدي عاده . 

هتفت فواده بمرارة وهي تضرب كفا بكف... 
أنت بتتمجلت يابا الحج. مشجعهم يعني. وكل واحد منهم كد ضلفه الباب فارد قلوعه ولا معبرني كني عدوتهم وإلا مرت أبوهم. اني عايزة أشوف عيال بتجري في الدار دي . أشاور أجيب العرايس لكن لا حد سامع ولا حد واعي.تلات رجاله ورد والجهر معبي جلبي دا حزن عليا. 

نظر سعفان إلى عمار بطرف عينه كاتما ضحكته وهو يستفزه... 
طب يا حاجه فعلا هما اتوخرو شويه وإللي كدهم خلف. اني معاكي يدي علي كتفك هااا.. إيه جولك يا حضرة الضابط. عينك ما جابتش على حد واصل.. هنفضل اكدة كتير؟

رفع عمار وجهه بغضب جحيمي وصوته يخرج  كالرصاص... 
هو أنتم ما بتزهجوش يا جدي السيرة دي مالهاش آخر؟

رد الجد بخبث... 
يا واد ما أنت لافف مع بنات البلد وسمعتك زي الطين الاسود.. ما تنجي لك واحدة تلمك. 

هنا رمى عمار الملعقة بعنف وهمّ بالوقوف صارخا... 
أنا هسيب لكم المكان كله... تشبع كلام و تريقه. 

في تلك اللحظة شق صوت عامر هدوء المندرة بنبرة باردة كالثلج لكنها لا تقبل الرد أو النقاش.... 
اجعد يا عمار.. جدك ما أذنش لك تفارج ولما يبقى يأذن ابقى جوم.

انصاع عمار رغما عنه وجلس مغتاظا يكز على أسنانه امتثالا لهيبة شقيقه الأكبر. مالت فؤاده برأسها وقالت بقهر... 
أهو عليه العوض في الوسطاني انهبل من المشي مع البنات ونسي حياته.. ينتجم منها ربنا البعيدة المحروجة إللي مرضته. 

صرخ عمار بانفجار... 
ما تبطلي بقه يا أمي فيه إيه؟

هتف عامر بحدة بسيطة ... 
عمااار.. صوتك.. وأمك.. 

التفت عمار لأخيه بذهول... 
أنت مش سامعها دي غنوة كل ليلة.. ده إيه الحرج ده. حد يتحمل اكده ماتعتبروني ميت بلا عيال بلا زفت. دا عيشه
زفت. 
هنا هتف عامر بنبره حاده فيها حذير.... 
سمعني كدة جولت إيه لأمك يا واد فضل؟

كتم عمار غيظه وصرخ بيأس... . 
ما جولتش زفت.. خلاص هنكتم. 

نظر عامر بجمود و فيها رجاء أكثر من أمره لأمه بنبرة أخف حدة... يا أمي من فضلك.. جفلي السيرة دي من فضلك إنت خابره مش كل شويه خرج .

هتفت فؤاده بدموع القهر... 

طب أجيب عيال منين لا كبير ولا صغير معبرني. 

تنهد عامر بثقل فانتهز عمار الفرصة ليوجه الدفة لأخيه الأكبر بسخرية... 
يلا.. أدي لعامر شوية إنت مابتجيش جنبه  اشمعنى أنا؟

ردت فؤاده بغضب... 
أديله منين... عامر... هو سيادة المستشار عاد بيعبر حد؟ خلاص كبر علينا أصلنا فلاحين وهو بقى بيه كبير عالي بيجعد مع البهوات . 

أحنى عامر رأسه بغضب مكتوم لكنه لم يرد فاحترامه لأمه خط أحمر لا يتجاوزه. أكملت هي... 
هتفضل اكدة يا كبيري عديت التلاتين وبتكبر وزهوتك هتروح.. ناجصك إيه؟ بيه وكبير ومعاك عزوة وسلطان وأني مجهورة.. تلات عيال زي الورد ومافيش روح في الدار يا مراري علي خلفتي. 

تدخل عمر بلين وحنان محاولا تلطيف الأجواء... 
ليه يا أمي أنا فين ما أنا معاكي أهو هتجوز واجبلك صف عيال .

نظرت إليه بأسى... 
أنت هو فيه زيك يا نسمة الدار بس أجول إيه.

سخر عمار مجددا... 
آيوة.. امسكي في الحزين ده. سيادة المستشار واهب حياته للقانون وأنا بخدم الوطن. 

هتفت فؤاده بسخرية لاذعة لعمار... 
والنبي ما نتش مكسوف..إني أصلا هجوزك ليه عشان تجيب لي واحدة تعضها صبح وليل؟

ابتسم عمار بسخرية مريرة.... 
عليكي نور.. أهو خليها بقه عند أهلها عشان ما تتعضش. 

ساد صمت مهيب في المندره نظر الجد لحفيده الأكبر عامر نظرة أبوية مغلفة بسلطان الجد وهتف بصوت لين.... 

سيبك من كل الرط ده. يا ولدي أنت أول فرحتنا وأول عكاز اتسندت عليه عيلة الراوي.. مستني إيه؟ سيبك من كلام أمك وحديتها عن العرايس في الدخلة والخرج. أنا عارف إنك مش أي واحدة تملا عينك ولا أي ست تنفعك. بس يا ولدي شوف حواليك.. ليه نافرين من الجواز كأنه طاعون. شوفلك بت حنينه طيبه تعيش.

وضع عامر فنجان قهوته ببطء شديد واعتدل في جلسته بوقار ونطق بكلمات باردة .... 

يا جدي كل شيء بأوانه ..أنا عايز ست بمواصفات خاصة. 

استدار بنظرة ثاقبة نحو عمار وعمر وأكمل بجمود:
الجواز يا جدي مش مشاعر وحب زي ما عمر بيحلم. ولا هو نزوة بنقضيها زي ما عمار فاكر.. الجواز ده شركة وعجد نفوذ ومجام وأهم حاجه المجام .. وأنا لحد النهاردة ماشفتش الست اللي تستاهل. اللي تكون حرم عامر الراوي تكون من عيله الأول أنا مابحبش العرايس اللعبة.. أنا عايز كيان يخضع ليا ويحترمني بس في نفس الوجت يكون له أصل والظاهر إن المواصفات دي مش موجودة أصلا. 
وقال بكبرياء طاووس... 
أنا لما بمشي في المحكمة المستشارين بيقفوا احتراما لـ هيبتي تفتكر هسمح لواحدة مجهولة النسب أو بنت راجل غلبان تيجي تهز الهيبة دي في بيتي؟ الست بالنسبة لي لازم تكون درع لبرستيجي مش غلطة اعتذر عنها قدام الناس. اللي يدخل دارنا لازم يكون من توبنا وإلا هيفضل طول عمره غريب.. والغريب ملوش مكان وسط الأسياد. عامر الراوي مابينزلش عينه للأرض.. أنا عيني دايما لفوج واللي فوج جليلين جوي. 

رفع حاجبه بسخرية ممتزجة بالكبرياء ونظر لجده قائلا. 
فلما تيجي الست اللي تجدر تخليني أبص لها مرتين من غير ما أحس إني بضيع وجتي.. ساعتها يا جدي هبقى أجيلك وأجولك هات المأذون لكن لحد ما ده يحصل خلوني في شغلي وحياتي. 

ضحك عمار بسخرية وضرب كفا بكف... سمعت يا جدي المستشار عايز تمثال متفصل على مجاسه وأني ماعايزش أصلا  يعني هنفضل عواجيز في الدار دي الحزين الصغير هو اللي هيملاها عيال. 

عمر بعدم اقتناع.... ربنا خلجنا واحد من طين يا عامر. الجلب ماعلهوش مالك إنت لو جلبك جابك هتدعس كلامك ده وافتكر كلامي. 

هنا عامر رفع راسه وبص لعمر بنظرة فيها استهزاء ممزوج بقسوة وكأنه بيسمع كلام طفل لسه بيحبي. ضحك ضحكة مكتومة باردة ماوصلتش لعينيه ورد بصوت هادي وواثق... 

الجلب اللي بتتكلم عنه ده يا عمر خليه للحكايا اللي بتتحكي في الروايات.. إحنا هنا في مملكة الراوي. والجلب اللي مابيمشيش على  الأصول ملوش مكان جوه صدورنا. إنت بتجول ربنا خلجنا من طين واحد؟ صوح.. بس الطين أنواع فيه طين بيطلع زهور مابتعيشش يومين وفيه طين بيطلع صخر بيسند جبال.. وإحنا يا ابن فضل صخور الأرض دي. 

قام عامر ووقف بكامل طوله فرد عبايته بهيبة طاغية وكمل كلامه وهو بيثبت عينه في عين عمر.. 

عامر الراوي جلبه مش ملكه جلبه ملك اسمه ومجام عيلته. بتجول لو جلبي جابني هدعس كلامي؟ تبقى لسه ماتعرفش أخوك الكبير يا عمر. أنا لو جلبي في يوم فكر يوطي عيني للأرض. أو يخليني أبص لواحدة أجل من مجامي.. والله لهكون أول واحد يقتلع جلبه ده من مكانه ويدوسه بمداسه جبل ما يخليني أغلط في حج شرفي. إحنا مابنتخلجش عشان نحب. إحنا بنتخلج عشان نسود.. وافتكر إنت كلامي ده عشان اليوم اللي هتسلم فيه جلبك لواحدة نكرة هيكون اليوم اللي هتخسر فيه أخوك وسندك.

أغمض سعفان عينيه وتنهد بوقار لا يعلم   أن هناك في يوم ما سيأتي  إعصارا قادما سيحطم أصنام عامر وعمار وأن الست التي يتحدث عنها باحتقار هي التي ستجعله يركع أمام كبريائها يوما ما.. 

تنهد الجد وقال... القدر مابيسألش يا عامر .. والوجعة اللي بتيجي على غرة هي اللي بتهد الجبال. 

صمت عامر وعيناه مصلبتان على الأرض وكأن القدر يجهز له اللقاء الذي سيقلب موازين آل الراوي جميعا.. لم يكن يعلم سيد القصر أن القواعد التي وضعها بصلفه ستتحطم على أعتاب امرأة لم تُخلق من ذهب كما يحلم بل صُهرت في نار المعاناة حتى أصبحت أصلب من صخور جبالهم.

وعلى الجانب الآخر من الحياة حيث لا مكان للغرور ولا وقت للمناظرات العقيمة حول الأصول.. كانت هناك مملكة أخرى تُبنى لكنها لم تُبن بالنفوذ بل بالصبر والعرق.

استمرت حياة ملوك على وتيرة واحدة  كانت تعمل في صمت وتقود سفينة البيت بيد من حديد وأوامرها لا ترد. وبمجرد تخرجها تعينت على الفور في نفس المستشفى لكفاءتها الشديدة التي شهد لها الجميع. ورغم تكالب الأطباء لخطب ودها والتقدم لها إلا أنها لا تقبل حتي فتح تلك السيرة ابدا رغم أنها عرض عليها الكثير وان تتنعم بكل أنواع الثراء ولكن هيهات الملوك لا تشتري. 

أما ملك فبعد تخرجها  وجدت وظيفة جيدة في أحد المكاتب الكبرى في الأقصر وكانت تأتي في إجازات قصيرة  بينما الصغيرة التحقت بكلية الآثار التي كانت تعشقها وتجد فيها نفسها. واستتبت لهن الحياة وبدأ الاستقرار يطرق بابهن. 

لكن الأقدار كانت تخبئ ما لا تشتهيه السفن. لاحظت ملوك بذكائها الفطري أن ملك بدأت تتغيب ولا تأتي للزيارة إلا نادرا. وكلما عاتبتها ملوك تحججت بضغط العمل وافتتاح فرع جديد للشركة. لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير.

عند ملك... كانت قد وقعت في شباك الحب. تعرفت على شاب من قلب الصعيد ثري يمتلك من الأطيان والاراضي ما لا يحصى. توطدت العلاقة بينهما بشدة وتعلق القلب بالقلب. وقررا أن يتوجا هذا الحب بالزواج. لم يكن ذلك الشاب سوى عمر الراوي قلب عائلة الراوي النابض الذي وجد في ملك الرقة والحنان التي يفتقدها في منزله الجاحد.

هنا عمر الذي لم يكن يهتم بسطوة أخوته أو نفوذ عائلته قرر أن يكسر القواعد لأجلها. كان يعلم أن عائلته شديدة لا تتهاون في مسألة النسب. لكنه قرر المواجهة ووعد ملك بالزواج الرسمي. وقرر أن يذهب لعائلته ليفتح معهم موضوع زواجه من تلك الجميلة التي خطفت لبه دون أن يدرك أن هذا القرار سيكون الشرارة التي ستشعل الحرب بين الملوك والأسياد. 

دخل عمر إلى المندرة اتجه نحو جده ذلك الحصن الذي يلوذ به دائما. انحنى بهدوء وقبل يده الدافئة وهو يهمس بحنيه صادقه..... 
كيفك يا جدي لعلك بخير وفي أحسن حال. 

ابتسم الجد وارتسمت على وجهه طيبة السنين.... 
بخير يا جلب جدك كيفك أنت وكيف شغلك. إيه مابتشوفناش ليه يا ولدي علي طول غايب . 

ابتسم عمر برقة....لاه يا جدي انا اهوه مجدرش أغيب عنك واصل.

جلس يفرك يده بارتباك كمن يحمل سرا ثقيلا. ففهمه الجد وهتف.... هات اللي في جلبك يا ابن فضل عايز إيه. 

ابتسم عمر بخجل... كنت.. كنت عايزك في حاجة يا جدي. 

ضحك الجد بوقار... يوووووه أخيرا هتطلب.. عايز كام من جنيه لمليون. دا أنا  في ديك الساعة لما عمر باشا يطلب مني زي الباقي. 

أمسك عمر يد جده وقبلها امتنان..... يخليك ليا يا جدي لاه فلوس إيه انا عايز حاجة تانية خالص.

هتف الجد باهتمام.... إيه هي يا ولدي. اطلب واتمنى.

سكت عمر لحظة وكأن قلبه يدق طبول الحرب ثم قال.... عايز أتجوز يا جدي.

بهت الجد وساد صمت ثقيل قبل أن ينطق بذهول.... إيه؟ تتجوز كيف ده؟ وبت عمك ندي اللي مفيش غيرها ليك.

هتف عمر بإصرار.... مالي بيها يا جدي ياخدها عامر ولا عمار أنا ماليش نصيب فيها.

حاول الجد تهدئته.... بس يا ولدي البت بتحبك ومنتظراك ومتعلجة بيك.

هتف عمر والصدق في عينيه.... واني جلبي اختار واحدة تانية. وماهاخدش غيرها لو حصل إيه. 

هتف الجد بنبرة هادئة....  براحة اكده يا ولدي ومين هي اللي خطفت جلبك ونسيتك الأصول. 

عمر بجديه.... واحدة معايا في الشغل أدب وأخلاج يا جدي. 

في تلك اللحظة دخلت أمه فؤاده والابتسامة تسبقها....  إيه يا حبيبي بتكلم جدك في إيه  اكدة. 

ارتبك عمر فضحكت الأم بحنان... هتخبي على أمك يا واد دا أنا عارفاك قبل ما تنطج. 

هتف الجد بنبرة قلقة... عاوز يتجوز يا فؤادة وعينه راحت لبعيد. 

بهتت ملامح أمه....  إيه كيف ده وندي؟ إزاي نكسر بخاطر بت عمك يا عمر. 

هتف عمر بمرارة.... مالي بيها يا أمي اني حبيت واحدة طيبه وغلبانه  وعايزها في الحلال. 

فجأة انشق سكون المكان بصوت قاس جمد الدماء في عروق عمر و......

تعليقات