رواية قلبي عدوك الفصل الثاني 2 بقلم رباب حسين



 رواية قلبي عدوك الفصل الثاني بقلم رباب حسين 


الأنطباع الأول يدوم. 

جملة قد تصيب البعض باليأس والآخر بخيبة الأمل.

كم من القلوب تأذت حين حكمت بعد أول نظرة... فخُدعت!

فالأنطباع الأول خداع... وأول نظرة كانت كفيلة تخط حكاية قلب صدق وعين شافت.

نكره الصورة وليس الشخص في حين نحب الإحساس وليس المضمون، واتضح أن الوهم زور الحقيقة وخدع الروح.


قد أصدرت العين حكمها حين رأتها بتلك الهيئة، في ذلك المخور؛ في مكان لا يشبه حقيقتها، وحين علم من هي حقًا كانت صدمته... أكبر. 

كم سمع عنها وعن أخلاقها وهدوءها، ولما لا... فهذه الملابس التي ترتديها الآن أمام الجميع تجعلهم يظنون أنها ملاك، ولكن هيهات؛ فا أنا بت أعرف كل شيء وأراكِ حقًا كما يجب أن أراكِ.


ظهرت ابتسامة متهكمة على وجهه وهو ينظر داخل عينيها، وكأنه يعلن أمامها: لقد عرفت حقيقتك الصادمة.

ثم نظر إلى عادل وقال: متقلقش يا عمي، أنين في عينيا، ديه أختي، وبعدين مفيش حد غيري هيخاف عليها ويعلمها الصح من الغلط.

شعرت أنين بالضيق من حديثه فقالت: مش محتاجة حد يعرفني الصح والغلط، أنا عارفاهم كويس.


تعجب عادل من حديثها فقال: مالك يا أنين بتتكلمي كده ليه؟ متضايقة من حاجة؟

هدأت أنين حتى لا يظن والدها أنها تعترض على الزواج، فقالت: لا يا حبيبي، خلينا في فرحتكم النهاردة، أنا فرحت أوي إنكم إتجوزتو بجد.

أمسك عادل يد سلوى وابتسم لها وقال: الصراحة القرار إتأخر كتير، بس قلت كفاية كده، وأكتر حاجة شجعتني إن آسر هيبقى معاكي وجنبك، مع إني عرضت عليه يدخل الكلية معاكي من بدري بس هو مقبلش، دلوقتي بقى مفيش مجال للرفض، أن زي والدك ولازم تسمع كلامي.

آسر: من زمان يا عمي بعتبرك أب ليا، خصوصًا إنك الوحيد اللي كنت بتهتم بيا من وأنا صغير، بس أعذرني أنا مكنتش قابل أدخل الكلية مع أنين عشان حسيت إن مصاريفها غالية شوية.

عادل: مفيش حاجة تغلى عليك يا آسر، كفاية أخلاقك، وبعدين أنت شاطر ومستواك حلو جدًا، لما تنقل في كلية أنين هتستفيد أكتر، وده أهم حاجة عندي مش مهم الفلوس.

سلوى: ربنا يخليك لينا يا حبيبي، بس أنا برده شايفة إن المصاريف كتير زي آسر.

عادل: خلاص بقى، ويلا نحتفل شوية، اطلعي يا أنين غيري هدومك والبسي حاجة تليق بالمناسبة عشان نتصور سوا.


أومأت له وصعدت إلى الطابق العلوي تحت نظرات آسر الذي قال همسًا: أما نشوف هتلبسي إيه يا شيخة أنين.


بدأت أصوات الموسيقى تتعالى، وأصدقاء سلوى وعادل يحتفلون بهما وهما يتمايلان معًا على نغمات الموسيقى.

وفي ظل ذلك الصخب، كانت تبدل أنين ثيابها وهي تشعر بقبضة قلبها الحزين، تتذكر نظرته لها، لم تكن فقط غضب بل كانت خيبة أمل. يحاسبها وهو المخطئ، وذلك المتعجرف، يقف أمام والدها ولا يزال يتحدث عن أخلاقها، يا له من متغطرس. 


في لحظة تحول ذلك الحزن إلى غضب بسبب آسر، نفضت تلك الأفكار من رأسها وارتدت ثوب أنيق وهادئ. 


وحين نزلت إلى أسفل؛ تعلق نظر آسر بها وهي تهبط أمامه، وارتسمت بسمة متهكمة على وجهه حين رأى ثوبها التي ترتديه، ثم اقترب منها ووقف أمامها بثقة وهو يضع كلتا يديه في جيبه وقال: يا سلام على البراءة، بس بجد عايز أهنيكي على قدرتك في التمثيل، أنا عرفت دلوقتي ليه ماما كانت بتتكلم عليكي كده، مسكينة ماما متعرفش حاجة. 

زفرت أنين أمامه بضيق وقالت: بص يا شاطر، عشان بس قعدتنا مع بعض مطولة شوية، خليك في حالك وأنا في حالي، وحتى لو جيت الجامعة عندي متتعاملش معايا خالص، خليك بعيد عني. اتفقنا. 

آسر: اه طبعًا، عشان مش عايزة حد يعرف البلاوي اللي بتعمليها برا، بس بعينك، عمي عادل موصيني عليكي، ومن هنا ورايح إنتي تحت وصايتي ولو عملتي أي حاجة مش على مزاجي هتلاقيني في وشك، ومن هنا ورايح مفيش بار ولا ديسكو، ولو عرفت إنك لسه بتروحي هناك استحملي بقى اللى هيجرالك، أنا مش طيب وغلبان زي عمي عادل خالص، تمام يا شاطرة. 

أنين: لأ مش تمام، والزم حدودك معايا، إنت صدقت إنك أخويا بجد ولا إيه؟!


انتبهت سلوى لهما، ولاحظت ملامح آسر وأنين غاضبة، فاقتربت منهما سريعًا وقالت: مالكم يا ولاد؟! فيه إيه؟ 

أنين: مفيش حاجة يا طنط، عن إذنكم.


ابتعدت عنهما تحت نظرات آسر ثم قالت سلوى: حصل حاجة يا آسر؟

آسر: البت ديه مستفزة جدًا، أنا مش فاهم إنتي كنتي بتشكري فيها قدامي كده إزاي؟! 

سلوى بتعجب: أنين! ليه عملت إيه؟ وبعدين إنتو لحقتو! ده أنت لسه شايفها من ربع ساعة، لحقت تعرفها! 

آسر: ربع ساعة إيه يا ماما بس، إنتي مش عارفة حاجة. 

عقدت سلوى حاجبيها وقالت : حاجة إيه اللي مش عرفاها؟

تنهد آسر وقال: هقولك بس عشان تبقي عارفة هي بتعمل إيه كويس وتحاولي تلحقيها من القرف ده، أنا لسه شايفها في ديسكو مع صاحبتها، وكمان كانت لابسة فستان مفتوح وقصير، وفيه واحد جيه أتخانق معاها وشكله كده كان صاحبها وسابته. 


كانت تستمع سلوى لما يقول وهي تفتح عينيها من الدهشة، ثم قالت: إنت متأكد؟! 

آسر: طبعًا، بس متقلقيش، أنا هعلمها الأدب، بجد عمي عادل ميستاهلش كده خالص، ومتقوليش حاجة لعمي مش عايزه يتضايق من حاجة.

سلوى: لأ طبعًا، معقول أقول حاجة زي ديه. 


ربت آسر على كتفها وذهب يتابع أنين من بعيد، أما سلوى فتبدلت نظرتها سريعًا وقالت بهمس: ده أنا هقول وهقول، ديه فرصتي وجات لحد عندي. 


كانت أنين تمسك بيد عادل وتحتفل معه، وبالرغم من ابتسامتها التي زينت وجهها البريء؛ كانت نظرتها حزينة، كانت كالمغيبة لا تشعر بما يدور حولها، تتذكر فقط زياد وهو ينظر إليها بتلك النظرة، وما يشغل عقلها الآن هو كيف تتعامل غدًا مع زياد وفي وجود آسر أيضًا، لتمتعض ملامحها فور تذكرها آسر، فالتفتت لتراه يراقبها من بعيد. 


أما هو، فبرغم ذلك الظن تجاهها إلا أنه لايزال يراها جميلة، وملامحها تستحوذ على عقله مسيطرة عليه بالكامل. 


انقضى اليوم، ورحل كل من بالمنزل، ثم صعد عادل مع آسر إلى الطابق العلوي، ووقف أمام أحد الغرف وقال: ديه أوضتك، جنب أوضة أنين وتقريبًا زيها بالظبط، العفش كله جديد، بس لو حابب تغير أي حاجة فيه قولي طبعًا. 

آسر بإعجاب: لا ديه حلوة جدًا يا عمي، بس لو هتضايق من وجودي أنا ممكن أرجع البيت وأقعد لوحدي عادي. 

عادل: إيه اللي بتقوله ده؟! هتضايق منك في إيه يا آسر، إنت ابني اللي أنا مخلفتوش، مش عايز اسمعك بتقول كده تاني. 

آسر بخجل: حاضر يا عمي. 


ربت على كتفه وغادر الغرفة، وحين أغلق الباب التفت ليجد أنين تدخل غرفتها، فاقترب منها وضمها إليه ثم قال: زعلانة مني يا حبيبتي؟

أنين: لأ طبعًا يا بابا، هزعل منك ليه؟ ربنا يسعدك يا حبيبي. 

عادل: عشان كمان الموضوع حصل فجأة. 

أنين: لا خالص يا بابا، أنا كنت واخدة بالي يعني من بدري. 

عادل: طيب ليه حاسس إنك زعلانة؟ 

أنين: لا... أنا بس تعبانة واليوم كان طويل أوي وبكرة عندي جامعة.

عادل: خلاص يا حبيبتي، أدخلي نامي وارتاحي. 


ثم قبل جبهتها ودخلت أنين غرفتها، بدلت ملابسها وجلست بالفراش، وكان هذا الوقت الذي بدأت تستوعب به ما حدث اليوم، فلم تستطع أن تكبح دموعها أكثر من ذلك، الحب الذي تمنت أن يكون أبد الدهر؛ انتهى بيوم واحد، بل لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تزرع بينهما مسافات وحدود من الصعب تجاوزها. 


بعد وقت، نامت أنين ودموعها تملء وجهها. 

________________


في الصباح، داخل غرفة عادل وسلوى، استيقظ ونظر إليها وهي لا تزال نائمة بين ذراعيه، تأمل ملامحها بهدوء، ثم مرر أنامله على وجهها.

فتحت عينيها ونظرت إليه، ثم ابتسمت وقالت: صباح الخير.

عادل: صباح النور يا عروسة.

نظرت سلوى نحو الساعة ثم قالت: صاحي بدري ليه؟! إوعى تقولي رايح الشغل!

عادل: لأ طبعًا يا حبيبتي، أنا بس هعمل كام مكالمة عشان نقل آسر، وبعدين هاخد حمام وأنزل نفطر مع الأولاد، آسر وأنين لسه ميعرفوش بعض كويس، وعايزهم يحسو إنهم بقو عيلة واحدة، عشان كمان أنين تتعامل معاه على الأساس ده.

نظرت سلوى إلى أسفل ثم قالت بتردد: بمناسبة أنين، أنا.... كنت عايزة أقولك حاجة.

عادل: قولي يا روحي.

سلوى: هحكيلك بس توعدني من غير عصبية ولا تعمل مشكلة معاها.

اعتدل عادل ونظر لها بتعجب وقال: هي قالت حاجة ضايقتك ولا إيه؟!

سلوى: لأ... الصراحة...

قصت له سلوى ما قاله آسر بالأمس بخصوص ذهابها إلى الملهى الليلي ولكن لم تخبره بشأن زياد، وبعد أن سمع عادل ما قالت ظهرت الصدمة على ملامحه، بل نهض وظل يجوب بالغرفة ويحدث نفسه بعدم استيعاب، ثم قال: أزاي؟! أنين بتعمل كده من ورايا؟! بنتي اللي بحلف بتربيتها تعمل كده؟

وقفت سلوى بجواره وأمسكت بيده برجاء وقالت: إهدى بس يا عادل، أنين لسه صغيرة، وإنت عارف إنها طيبة وساذجة، وأكيد واحدة صاحبتها ضحكت عليها وخليتها تروح معاها، وأنا قولتلك من بدري إنها لوحدها ومفيش أم بتوجهها، فا لو سمحت سيب الموضوع ده عليا أنا، مش عايزين البنت تفلت مننا ولا تفكر إنك اتغيرت معاها بعد ما أتجوزنا.

عادل: ده الحمد لله إنك موجودة، وآسر كمان أنا مطمن إنه هيبقى جنبها، معقول أنا قصرت في حقها بالشكل ده؟! إزاي مخدتش بالي ولا اهتميت بيها؟! ده غلطي من الأول.

سلوى: متلومش نفسك يا حبيبي، وبلاش تفكر كده خالص، مش إنت بتثق فيا؟ إدخل بس خد الشاور بتاعك وأنا هتصرف معاها بطريقتي، بنتي بقى وهعرف أرجعها لعقلها.


أومأ لها بحزن، ودخل إلى المرحاض، وتحولت ملامحها مرة أخرى وقالت لنفسها: كده المهمة سهلة خالص.


بعد وقت، نزلت أنين من غرفتها، ونظرت نحو طاولة الطعام، وجدتهم جميعًا يجلسون معًا، فاقتربت منهم وقالت: صباح الخير.

لم ينظر إليها عادل، وقال بضيق: صباح النور.

تعجبت أنين من هيئته فقالت: مالك يا بابا فيه حاجة مزعلاك؟

نظر إليها فوجد عينيها منتفخة، فقال: إنتي اللي مالك، كنتي بتعيطي؟!

أنين بتوتر: لأ... أنا بخير.

جلست بجوار سلوى، ثم رفعت عينيها نحوها وقالت: مبروك يا عروسة.

سلوى: الله يبارك فيكي يا نونة.

نظرت إلى آسر بضيق ولم تتحدث. 

عادل: صحيح يا آسر، أنا كلمت عميد الكلية بتاعتك، وقولتله على موضوع النقل ووافق، وتقدر تروح تسحب الملف.

آسر: معقول؟! أصل الترم فات منه وقت كنت فاكر أن الكلية مش هتقبل.

عادل: ما هو قالي كده، بس أنا وهو أصحاب فا عمل استثناء عشاني يعني، وكمان كلمت خالد العامري، هو شريك في الجامعة عند أنين، وقالي يجيب الملف النهاردة وأنا هكمل الإجراءات.

آسر بسعادة: مش عارف أقولك إيه يا عمي، بس أوعدك ابقى عند حسن ظنك.

أنين: أنا همشي عشان ألحق المحاضرة.

عادل: هتخلصي إمتى؟

عقدت حاجبيها قليلًا متعجبة من سؤاله، فهو لم يسألها من قبل، قالت: هخلص آخر سكشن الساعة ٥.

عادل: ٥ ونص تبقي في البيت.

أنين: أكيد يا بابا، ما أنت عارف إني بخلص وبرجع على طول.

لمحت ابتسامة آسر المتهكمة، ثم قال عادل: اللي بقول عليه يتنفذ من غير ردود كتير، ٥ ونص هكلمك لو لقيتك لسه برا متزعليش من اللي هعمله.


تعجبت أنين، ونظرت إلى آسر بشك، ثم أومأت له وذهبت.


ثم ذهب آسر إلى جامعته وقام بسحب أوراقه وذهب مباشرة إلى جامعة أنين، وحين دخل المكتب عند خالد العامري وقدم نفسه له، قام خالد بأخذ الملف منه، ثم أخبره بجدول المحاضرات الخاص به، وقبل أن يغادر وجد زياد يدخل المكتب، نظر له نظرة تحمل الكثير من الكبر، ثم سمع خالد يقول: تعالى يا زياد. 

زياد: معلش يا بابا بس كنت عايز أخد عربيتك وأنا مروح عشان عربيتي عطلت الصبح. 

خالد: البطارية برده. 

زياد: اه، وبعت للتوكيل خدها من هنا، وأنا عندي مشوار تبع الشغل وعايز عربية. 

خالد: خد المفتاح، وأنا هبقى أخد تاكسي.


ثم نظر زياد إلى آسر الذى بدا عليه الدهشة حين علم أنه زياد هو ابن أحد ملاك الجامعة، فقال: هو الأستاذ بيعمل إيه هنا؟

خالد: ده آسر الصفطي، طالب جديد معاكم وفي نفس شعبتك. 

نظر له زياد وقال بضيق: اه أهلًا. 

أومأ له آسر وقال: هستأذن أنا لو تسمح. 

خالد: اه اتفضل يا آسر. 


خرج آسر ولحق به زياد، ثم أوقفه قائلًا: إيه جي وراها الجامعة كمان. 

نظر له آسر بثقة وقال: اه، عشان بقت تخصني. 

ظهر الغضب على ملامحه، ولم يتحدث، ثم غادر من أمامه، وتوجه نحو المدرج، وجد صديقه يزن ينتظره وقال: يلا يا زياد، الدكتور هيدخل. 

زياد بضيق: طيب جي. 

أمسك ذراعه وقال: مالك يا زياد، من الصبح شكلك متضايق. 

زياد: مخنوق أوي يا يزن. 

زفر يزن وقال: لسه برده كلام البت سالي ديه مضايقك، ما أنا قولتلك البت ديه كدابة، وأنين بنت محترمة وكلنا عارفينها كويس، وأنا متأكد إن البت ديه عينها منك عشان كده بتحاول توقع بينكم. 

زياد: بس سالي طلع كلامها صح، أنا شفتها بنفسي يا يزن، رحت المكان الزفت اللي قالتلي إنها بتروح تسهر فيه، وكمان لقيتها واقفة مع شباب، أنا مصدوم من إمبارح، إزاي قدرت تخدعني كل ده، وليه بتعمل كده بجد؟! 

يزن بصدمة: مش ممكن، أنا مش مصدق لأ، أنين تطلع كده؟! هو مفيش غير البت صافي ديه هي اللي غيرتها كده. 

زياد: اه هي، كانت معاها هناك فعلًا. 

يزن: طيب تعالى بس يا صاحبي نحضر المحاضرة ومتزعلش نفسك، الحمد لله إنك عرفتها على حقيقتها قبل ما كنت تتعلق بيها أكتر من كده. 

زياد بحزن: ما اتعلقت واللي كان كان، يلا نحضر المحاضرة. 


دخلا معًا، وتلاقت أعينهما حين دخل المدرج، وأشاح كلًا منهما بنظره عن الآخر بضيق. 

بعد قليل، دخل آسر المدرج، وحين رأته صافي اقتربت من أنين التي لم تتحدث بكلمة واحدة منذ أن دخلت الجامعة وقالت: إيه ده؟! هو آسر بيعمل إيه هنا؟! 

أنين: اتنقل كليتنا. 

صافي بصدمة: وإنتي عرفتي إزاي؟

أنين بضيق: بعدين يا صافي، الدكتور دخل. 


جلس آسر خلفها مباشرة، وكأنه يراقب ما يحدث من بعيد، وزياد يجلس بالجهة المجاورة لها، وابتسم حين وجد أن كلًا منهما لا ينظر إلى الآخر. 

لا يعلم أنهما بريئان مما حدث، لا يعرف أن حبهما لبعضهما هو أنقى أنواع الحب، وقد هُزم على يد من لا يستحقون كلمة الصداقة. 


انتهت المحاضرة، وخرجت أنين وصافي، فلحق بهما آسر ووقف من بعيد يطالعهما وهما يجلسان بالخارج في انتظار موعد المحاضرة القادمة. 


قصت أنين ما حدث بالأمس لصافي، التي نظرت لها بصدمة تلو الأخرى حتى قالت: أنا حاسة إن آسر قال لبابا حاجة، بابا متغير معايا وبيكلمني وحش، ده مضحكش في وشي حتى. 

صافي: وليه يعمل كده؟ 

أنين: عشان شايف إني بكدب وإني مش كويسة، مش فارق معايا أصلًا آخر همي، أنا كل اللي مضايقني دلوقتي هو بابا. 


مر زياد من أمامها وحين رأته زفرت بضيق، ولاحظت صافي نظرته لها فقالت: هو بيبص كده ليه بجد؟! 

أنين بغضب: حقه، بجد حقه يشوفني أسوء بنت في الدنيا، وكله من البيه اللي عمال يراقبني من كل حتة ده. 

صافي: طيب، أنا هروح أتكلم مع آسر، يمكن يهدى ويفهم. 


ذهبت صافي نحوه، وقالت: مبروك النقل يا عم آسر. 

آسر: الله يبارك فيكي، مجتش من صاحبتك. 

صافي: ما تخف شوية يا آسر، وياريت متقولش لباباها حاجة. 

آسر: اه، هي بعتاكي عشان أعمل نفسي مش شايف اللي بيحصل صح، وبعدين أنا كفيل بيها من غير ما أقول لحد، وقوليلها لو غلطت حسابها عندي، وده كلام عمي عادل بنفسه. 


اقتربت منهما صديقة لصافي وقالت: المحاضرة اتلغت يا صافي. 

صافي: أحسن برده. 

تركها آسر وذهب نحو أنين وقال: يلا عشان أروحك. 

نظرت له أنين بضيق وقالت: لسه في محاضرة. 

آسر: اتلغت، واتفضلي على البيت معايا.

وقفت أمامه بغضب وقالت: مش هرجع معاك على البيت، ملكش دعوى بيا. 


وصل صوتها إلى زياد، الذي كان يراقب بصمت والغيرة تنهش صدره، فاقترب منهما وأمسك آسر من ذراعه وقال: هو إنت بتتكلم معاها كده ليه. 

نفض آسر يده وقال: وإنت مالك، قولتلك بقت تخصني فا ملكش فيه. 

أنين: أنا مخصش حد، ولو سمحتو أمشو إنتو الاتنين مش عايزة مشاكل. 

آسر: هو يمشي لكن إنتي هتيجي معايا، وإلا إنتي عارفة أنا هعمل إيه. 

زفرت أنين بضيق ولم تتحدث، فنظر لها زياد بحزن وقال: يا خسارة يا أنين، كنت فاكرك حاجة كبيرة أوي بس طلعت مغفل. 


تركهما وذهب، والحزن خيم على وجه أنين، وانسابت دمعة من عينيها، وحين رأى آسر دمعتها رق قلبه تجاهها دون أن يدرك السبب، لم يكن يعلم أنه يساعد في فراقهما، في جرح قلبها دون أن يشعر، وهذا بسبب ظنه السيء بهما. 

ترى... هل سيبقى ذلك الحب مواجهًا تلك المصاعب، أم أن هناك للقلب رأي آخر؟

الفصل الثالث من هنا

stories
stories
تعليقات