رواية جريمة الفيوم الفصل الثاني بقلم محمود الأمين
الورقة كان مكتوب فيها إن ليلى كانت حامل في أربع شهور، يعني معنى كده إنها مش حامل من معتز أخويا.. مسكتي للورقة والصدمة اللي كنت فيها خلت معتز يلاحظ، وشد مني الورقة وبص فيها. أمي كانت واقفة مش فاهمة حاجة، وأنا كنت عاجز أفهمها هو في إيه بالظبط.
معتز فضل ماسك الورقة وباصص فيها شوية، وبدأت دموعه تنزل لوحدها، وبص لماما وقالها:
_ ليه؟!.. عملت فيّ كده ليه؟!.. أنا عملت إيه وحش؟ جاوبيني، هي عملت فيا كده ليه؟!
= اهدى يا معتز، وصلي على النبي.. هو إيه اللي مكتوب في الورقة دي؟ ما تفهموني!
أخدت أمي على جنب وفهمتها. أمي كانت بتسمع الكلام وهي مصدومة، وما حدش فينا كان مستوعب البنت دي عملت كده ليه!
وقتها معتز اتصرف تصرف غلط، وراح عند بيت أهلها وعمل لها فضيحة قدام الشارع كله. كان ماسك في إيده التحليل اللي بيثبت الحمل ومدته، والناس اتلفت حواليه عشان تسمعه. فضل يتكلم ويصرخ لحد ما وقع من طوله، وده اللي أنا عرفته من الناس اللي كانت بتحكي في الشارع. لكن عرفت كمان إن اللي قومه وأخده معاه هو عنتر، وده واحد تقدر تقول المنطقة كلها عارفاه إنه بيشرب.
بعد شوية، فاق معتز في بيت عنتر، وكان بيسأل: أنا فين؟.. أنا إيه اللي جابني هنا؟!
وقتها رد عليه عنتر وقال:
_حمد لله على السلامة يا زميلي، قلقتني عليك يا عم.
= إنت مين؟.. وأنا بعمل إيه هنا؟!
_ الله!.. لا ده أنا أزعل منك كده يا زوز! معقول مش عارفني؟.. هو في حد في المنطقة كلها ما يعرفش مين هو عنتر؟
= معلش، حقك عليّا.. إنت أكيد عارف اللي أنا بمرّ بيه، وما بقتش فاكر أي حد ولا فاكر أي حاجة.. أنا يا دوب فاكر اسمي بالعافية.
_ ليه يعني كل ده؟!.. عشان واحدة باعتك ما تستاهلش؟ إنت راجل لازم تستحمل، وما ينفعش تقع قدام الناس كده.. عيب. اسمع، إنت هتقعد معايا هنا كام يوم، وأنا هنسيك كل اللي فات. هخليك ما تحسش بأي حاجة وتنسى، بس إنت قول أمين، وأنا عينيّا ليك يا زميلي.
= أنا ماليش في السكة بتاعتك دي يا عنتر، إنت عارف أنا كنت بشتغل إيه.. شغلانة محترمة وباكل اللقمة بالحلال. بس هي الدنيا كده، ممكن تديك كل حاجة وبعدين ترجع تاخدها مرة واحدة.
_ هتقعد بقى تقول كلام المسلسلات والأفلام ده؟!.. اللي لا بيقدّم ولا بيأخّر؟ طيب أديك كنت شغال شغلانة محترمة وبتاكلها بالحلال واتجوزت.. إيه اللي حصل؟ نصبت عليك يا عيني، وأخدت اللي وراك واللي قدامك، وخليتك على الحديدة. اسمع كلامي، وأنا أخليك تعيش في دنيا غير الدنيا.. مش هتحس بحاجة، وهتنسى كل همومك ومشاكلك.
= وده إزاي بقى؟!.. عندك مصباح سحري؟
_لا يا أبو دم خفيف.. أنا عاوزك تشرب السيجارة دي وتدعيلي حتة، إنما إيه هتكيفك!
= أيوه بس أنا...
_ما بسش يا عم، اشرب!.. هو في حد واخد منها حاجة؟
...
ودي كانت أول مرة يشرب فيها الهباب ده.
بعد يومين، رجع البيت تاني، ما كانش عارف يصلّب طوله من الوجع اللي في جسمه. سندته ودخلته أوضته عشان يرتاح، ولما سألته كان فين، قال إنه كان عند واحد صاحبه. وأنا ما حبيتش أطوّل في الكلام وسبته على راحته.
لكن من اليوم ده معتز اتغير، وبدأ يخرج ويغيب بالساعات، ومحدش يعرف عنه حاجة. وللأسف كان بيروح للي اسمه عنتر، وأنا عرفت الكلام ده متأخر.
لحد ما في يوم راح عند عنتر كعادته، واتكلم وقال:
_ عاوزين نغير الصنف بقى يا عنتر، أنا باجي لك كل يوم وبنشرب من نفس الصنف.. عاوزين حاجة أقوى من كده، تعدّل الطاسة كده وتخليها فل!
= الله!.. إنت بقيت تقول “تعدّل الطاسة” كمان؟ لا واضح إنك بدأت تفهم لغتنا وبتتعامل بيها.. عاش يا زميلي!
بس أنا مش هقولك على صنف جديد.. معايا حاجة أتقل حاجة، وأنا واثق إنك مش هتعرف تبطلها. بس المرة دي مش هنشرب سجاير، دي حاجة ما تترفضش.
...
عنتر دخل أخويا في سكة المخدرات، خلاه شمّام وما بقاش مدرك هو بيعمل إيه.
وفي يوم صحيت على صوت أمي وهي بتزعق معاه، وكانت بتقول:
_ بتسرقني يا معتز؟!.. بتسرق أمك؟!.. هي وصلت للدرجة دي؟!
= ياما، أنا عاوز فلوس.. ما إنتي شايفة الحالة بقت ناشفة إزاي!.. وانتي أمي، يعني المفروض تقدّري اللي أنا فيه.
_ إيه الطريقة اللي إنت بتتكلم بيها دي؟!.. إنت لا يمكن تكون ابني اللي أنا ربيته.. والفلوس دي إنت مش هتاخدها!
= لا، هاخدها وغصب عنك!
...
كانت صدمة بالنسبالي وأنا شايف معتز بيمد إيده على أمه. أمي نفسها كانت مصدومة لما لوّى دراعها وأخد منها الفلوس بالعافية، وخرج يجري برّه البيت. جريت على أمي وطبطبت عليها، ومحدش فينا كان عارف يتصرف إزاي.
وفات كام يوم وهو مختفي عن البيت. ويومها أمي خرجت تشتري حاجات من السوق، فقرب منها عشان يتكلم معاها، وقالها:
_محتاج منك فلوس.. أنا أهو جاي أطلبها منك، مش هسرقك تاني.. بس بلاش تقولي لأ عشان ما أزعلش.
أمي تجاهلته تمامًا، وما كانتش بترد عليه، وعمرها ما كانت تتخيل إنه هيتصرف كده قدام الناس؛ لأنه مرة واحدة مسك أمي من شعرها وشدّها قدام الناس، وفضل يقولها: “طلّعي الفلوس اللي معاكي!”. والكل كان شايف اللي بيحصل وواقفين يتفرجوا.
لحد ما ظهر حسن، كان محامي عندنا هنا في الشارع. بعده عنها وزعق فيه وقال:
_ إنت مجنون؟!.. في حد يعمل كده في أمه اللي ربيته وجابته للدنيا دي؟!
= وإنت مالك يا عم؟!.. داخلك إيه في القصة من الأساس؟ وبعدين إنت لسه قايل “أمي” مش أمك!
_ إنت لا يمكن تكون طبيعي.. لو اتعرضت للست دي تاني، حسابك هيكون معايا أنا، وأظن إنت فاهم أنا ممكن أعمل فيك إيه.
...
أمي رجعت البيت اليوم ده وهي منهارة.. أقرب ما ليها بهدلها قدام الناس، وأنا وقتها كنت صغير وما كنتش أقدر أقف قدامه، أو تقدر تقول كنت جبان. بس عمري ما كنت أتصور إن الموضوع هيوصل للدرجة دي.
رجع معتز لعنتر وهو مش معاه فلوس، وكان هيبوس رجله عشان يديله من الهباب اللي كان بيشمه. فرد عليه وقال:
_ لا يا حبيبي، أنا مش جمعية تعاونية.. تقدر تشخلل جيوبك؟ تمام.. مش هتقدر يبقى تورّيني عرض كتافك!
= أنا كنت هاخد منها فلوس، بس حتة محامي ما يسواش تلاتة مليم هو اللي وقف في طريقي ومنعني، وكمان هددني إنه هيوديني في داهية لو عملت كده تاني.
_ مش مشكلتي.. في السكة دي مفيش حاجة اسمها حد يقف في طريقي.. اللي يقف في طريقي أدوس عليه! هتعرف تدوس عليه ولا خايب؟
= يعني أعمل إيه برضه مش فاهم؟!
_ يعني اضربه.. اديله العلقة التمام قدام الشارع كله، عشان يحرم يقرب ناحيتك.
= بقولك محامي!.. يعني ممكن يحبسني.. وبعدين مش وقته الكلام ده، شوفني بس بأي حاجة.. أنا في نار قايدة في جسمي، أبوس إيدك مش قادر أستحمل!
_ طيب أنا هعمل معاك واجب المرة دي.. بس هتجيب حقه برضه، يعني تقدر تقول إنها على النوتة، ماشي يا زوز؟
= ماشي يا عنتر، الحقني بيها.
...
رجع معتز في اليوم ده البيت، وأقدر أقولك إن هو ده يوم الجريمة.. اليوم اللي لو عدى عليه سنين هفضل فاكره بتفاصيله.
المهم، أول ما دخل البيت كانت أمي قاعدة على كنبة في الصالة وبتعيط، وأنا كنت في أوضتي. قرب منها وفضل يقولها “سامحيني”، وإنه محتاج فلوس عشان يسد اللي عليه، وإنه لو ما سدّش ممكن الناس دي تخلص عليه.
كانت دموع تماسيح؛ لأنه بمجرد ما رفضت، حاول يمد إيده عليها تاني. لكن المرة دي أنا خرجت من الأوضة وزقيته بعيد عنها، ولأول مرة أمي تاخد موقف ضده واتكلمت وقالت:
_ الظاهر إني ما عرفتش أربيك.. أنا هسمع كلام المحامي اللي جالي هنا وقال إنك لازم يا تتحبس يا تتعالج.. العلاج برضاك، ولو رفضت هبلغ عنك وهخليك تتحبس!
= آه المحامي!.. عاوزة تسمعي كلامه وتحبسي ابنك؟ طيب أنا هوريكي هعمل إيه في المحامي ده اللي إنتِ بتتحامي فيه وفاكرة إنه هيحميكي!
كان في فاس جنب الباب، مسكه وخرج بيه برّه.. وأنا جريت وراه عشان أشوفه هيعمل إيه.
وقتها لمحت حسن المحامي، كان قاعد على كرسي قدام بيته.. وكل اللي كنت فاكره إنه هيهدده، لكن لما قرب منه كانت الصدمة...
